تكوين
مقدمة:
تُعَدُّ الشخصيةُ العربيةُ مفهومًا مركبًا في تعريفه وفهمه ومكوناته. وتحليل هذه الشخصية يحتاج إلى معرفة مقوماتها وخلفياتها الفكرية وهواجسها وتطلعاتها كذلك. فهي ليست بمعزل عن التاريخ ولا عن أحداثه. ولا يمكننا أن نتمثل أبعادها بعيدًا عن الظرف التاريخي أو البيئة الحاضنة لهذه الشخصية. وتتجاذب الشخصية العربية عادة ثلاثة أزمنة: الماضي والحاضر والمستقبل، وبدرجات متفاوتة. ويُمثل الماضي بكل ما يحمله الزمن من أحداث وإنجازات وتاريخ وأمجاد، مادة للاستحضار دائمًا. وارتبطت في الشعر والأدب بالمثالية وبمعاني الحنين والشوق إلى عودته. وقد أثرت هذه الميول الأدبية في بعض التيارات الفكرية، فصار الماضي مساحةً مقدسة ومتصلة دائما بحلم العودة إليه. لكنَّ صيرورة الزمن وتطوره يحتم التقدم والتطلع إلى المستقبل، لأنه زمن في طور البناء، ويُمكن أن يتحقق فيه التغيير الذي لم يتم في أزمنة سابقة. لذلك فالشخصية العربية ظلت مشدودة إلى هذه الماضي، مع أن الماضي عمليًا لم يكن مثاليًا، بل كانت تتخلله عديدُ الهفوات التي أثرت في تكوين الحاضر وفي صياغة المستقبل. وربما المطلوب غالبًا هو التحرر من أثر الأزمنة والعمل اعتمادًا على تجارب الماضي، بوصفه زمنًا مرَّ ولن يعود، والتعامل مع الحاضر على أنه اللحظة التي يفترض استثمارها في مزيدٍ من العمل والتطوير، أما المستقبل فهو نتيجة خُطط الحاضر وبرامجه. وتُمثل هذه الخُطوة انخراطا في الزمن الحاضر وعملاً بإرادة الفرد المستقلة في التطور والإنتاج. ويبدو ذلك مشروطًا بمعرفة الذات وتعزيز قدرتها على التغيير ومعرفة الماضي، بوصفه مادة لتحصيل العِبَرِ والمستقبل بوصفه تمكنًا من أسباب التقدم وقدرة على إدارة الذات باستقلالية. وسنحاول دراسة هذا الموضوع من ثلاث زوايا: أولى، تكشفُ عن مواطن القوة في الشخصية العربية الإسلامية، ثم الكشف عن مواطن ضعفها، ثم البحث في إشكالية الانتماء ودورها في صناعة الشخصية وتكوين معالمها. وبالنظر إلى تاريخية مفهوم الاتباع وأهميته بالثقافة العربية، يُمكن تعريفه وتقديم صورته لتمثل علاقته بالشخصية وبآفاق تفكيرها ونشاطها. فأغلب المراجع التقليدية التأسيسية دعَّمت فكرة الاتباع بِناءً على دوافع فقهية لبيان فضل النقل على ما يصدر خالصًا من العقل دون مرجعية فقهية أو رفضًا لها. وظلت ثنائية العقل والنقل جدليةً أثرت في ضبط مقاييس صياغة المذاهب وتحديد الاختلاف بينهما. وبخصوص حُجة العقل، فليس المقصود به المطلق في قدرته وحريته في التعبير والإبداع، وإنما المقصود توظيف مضبوط داخل النص (قرآنًا أو سنة أو مراجع تأسيسية) وفي إطار الاستخدام المألوف والموروث في المؤسسة الفقهية. ويُعد كتاب “الرسالة” للإمام الشافعي من المراجع التي وَضعت قواعد الاتباع بتحديد أصول الاستدلال ووثاقة النص. فبدا الِاتباع قاعدة لها تاريخيتها، بالنظر إلى دورها في توثيق المرويات عن السلف، إلى جانب تعزيز استمرارية سلطة السلف في نقل الموروثين الثقافي والديني. لذلك ترتبط عمليات البناء (الثقافي، السياسي، الحضاري) بالجماعة وغالبًا ما يكون الفرد طرفًا مُجردًا، إلا من الاتباع.
وتوسَّعَ مفهوم الاتباع ليشمل الاتباع اللُّغوي النحوي[2]. ويدل ذلك على أن الاتباع عنصرٌ مؤسس وثابت في المنظومة الفكرية السائدة. ولعل أصولَهُ متفرعةٌ من مكانته في الثقافة العربية الإسلامية، خصوصًا مع صحابة الرسول وتوسع حلقاتهم التي شملت التابعين وتابعي التابعين. وكأننا إزاء حلقات متصلة ببعضها، في الرواية والتأثيرين: الاجتماعي والثقافي في المسلمين وغيرهم، إلى جانب إسهامهم في الفتوحات والغزوات. وفي مرحلة زمنية متقدمة، بعد عصر التدوين، أجمعت كتب أصول الفقه ومقاصد الشريعة على تكريس منهج الاتباع ورفض الإبداع. وتم الاستدلال بنصوص من القرآن والسنة اتفقت على شرعية الاتباع. وبدا الإبداع عند بعض التيارات العقدية، مصدرَ ضلالةٍ وحُجةً على غياب العقل واتباع الهوى. وفي هذا السياق رأى الشاطبي أن “العقل إذا لم يكن متّبِعا للشرع، لم يبقَ له إلا الهوى والشهوة، وأنت تعلم ما في اتباع الهوى وأنه ضلال مبين”.[3]
وبدا تقدير الاتباع وتقييمه بذلك مطلقا، وكأن في اتباع الشرع “هدى” مقابل الضلال الذي ينتج عن اتباع الهوى أو الإبداع إن صح التعبير. فكل ما يخالف النظام السائد في منهجه وهدفه، كان صادرًا عن الهوى.[4]
وفي هذه الفترة الزمنية، كان مفهومي: الاتباع والإبداع، شموليين في معناهما وتوظيفهما، خاصة في مستوى ارتباطهما التاريخي بالدين وبخياري الضلالة والهدى أو الإيمان والكفر. فبدت المسألة إشكالية من جهة اتصالها بما يُسمى “ضمير” المسلم. ويُعد التفتيش في ضمير المسلمين في فترة الخلافات السياسية والدينية أمرًا مطروحًا بكثافة. أما راهنًا وبعد اتساع معاني الاتباع والإبداع، صار التفكير مبنيًا على التجزيء والنظر إلى كل مسألة من زاوية مختلفة. وأصبحت كل رؤية تحمل جزءًا من الحقيقة.
أما مفهوم الإبداع، فكان مساحة للجدال العقدي بداية، باعتباره اتباعًا للهوى وخروجًا عن السائد، في حين أن الإبداع في الفكر العربي عمومًا، هو مادة للإضافة والخروج عن المسار الفكري للمنظومة الفكرية التقليدية وإيجاد بديل عنها أو تجديدها. وتتصل عملية البناء الذاتي غالبا بالإبداع، بوصفه محاولة لتجاوز التكرار وصياغة نموذج يستجيب لتطلعات الفرد والمجتمع.
وجاء في مفهوم الإبداع أنه “بداية شيء جديد، ابتكار، توليفة جديدة للصراعات القديمة؛ قفزة نحو المجهول (…) الإبداع يتجاوز محض الاكتشاف أو الاختراع؛ إنه إدراك وَحْدة عميقة في الفوضى الظاهرية للعالم. وينطوي على الخيال وحل المشكلات. وثمة مفاهيم خاطئة شائعة عن الإبداع، فهو لا يقتصر على استخدام فرشاة الرسم أو العزف على البيانو. يتجلى الإبداع في العلوم والعلاقات الإنسانية والفنون على حد سواء. ولعل أسمى غاية، هي بلوغ أسلوب حياة إبداعي”.[5]
وإذا ما طرحنا مسألة الإبداع في إطار نشاط الشخصية العربية الإسلامية، سنجد أننا أمام مسار إبداع وبناء متعطلين. وسنحاول تبين معالم ذلك من خلال دراسة بعض مواطن القوة والضعف في الشخصية العربية الإسلامية.
-
مواطن القوة التاريخية في الشخصية العربية الإسلامية
سنركز في هذا المستوى من المقال على مواطن القوة التاريخية، التي كان لها تأثير في خلق الشخصية واعتدادها بذاتها أحيانا. وفي التاريخ العربي والإسلامي حقب تاريخية كان فيها العرب والمسلمون أصحاب سلطة ونفوذ في العالم، انطلاقا من الفتوحات الإسلامية إلى بناء الدولة الإسلامية وتوسعها شرقًا وغربًا وصولا إلى العصر الذهبي وتطور حركة الترجمة (في فترة الخلافة العباسية) وغيرهم. ويُعد عصر صدر الإسلام من الفترات التاريخية التي أحدثت تغييرًا اجتماعيا وقيميًّا، فقد طُرح بديل الولاء للأمة عوضَ الولاء المطلق للقبيلة. وصار التركيز على الجانب الجماعي الواعي الذي يضم قبائل مختلفة ويوحدها. وكان الدين من أكثر العناصر التي دفعت إلى توحيد المجموعات، مع أن ذلك لم يكن على درجة من السهولة في ظل تجذر النظام القبلي. فقد ارتبطت القبيلة في مفهومها ونشاطها بنظام البداوة والترحال. ولم يكن الاستقرار أو الثبات أمرًا متاحًا دائمًا. وبرؤية أن معرفة الرسول والمسلمين بهذه الحقيقة وانحدارهم من قبائل مختلفة، لم يكن أمامهم إلا احتواء هذا النظام وتوجيهه بما يتوافق مع الدين الجديد وخصوصيته التاريخية والثقافية. وبفعل قدرة الرسول محمد على توحيد المسلمين في فترة ما من تاريخ الإسلام، ورغم وجود معارضة قبلية لهذا الدين الجديد ولرسول يدعو إلى الإيمان بإله واحد، في ظل تعدد الآلهة والأصنام ما قبل الإسلام وهجرة الرسول إلى يثرب توجسًا من كيد القبائل، إلا أن المخيال الجمعي ظل محافظًا على صورة مثالية للفترة الأولى للإسلام، معتقدًا أن الرسول محمد تمكن من توحيد القبائل وجمعها تحت راية الإسلام. وامتد إشعاع هذه الفترة تاريخيًا على الفترات اللاحقة. ولعل الغزوات التي حصلت بين المسلمين و “الكفار” ومحاولات قتل الرسول والتخلص منه، أثبتت أننا إزاء فترة تاريخية لها خصوصيتها ونقائصها وهزائمها التي لحقت المسلمين في بعض الغزوات والمواجهات مع المعارضين للدين الجديد. صحيح أن النبي محمد حقق إنجازات تاريخية وفتوحات ومثل شخصية تاريخية نوعية، من جهتين: أنه استقبل الوحي ونقله إلى صدور الرجل ومن جهة تمثيله لمطلب خلافة الله في الأرض والعمل على نشر الدعوة والتحرر من العادات والعقائد ما قبل الإسلام. وهذه العقائد والعادات والتقاليد نزعت إلى التفرقة، في حين أن الإسلام كان هدفه التوحيد.
وتكمن قوة شخصية النبي في أنه “كان يدعو بنشاط كبير في الواقع الاجتماعي دون أمل كبير. وكان الوقت نفسه يهتم بنجاح الدعوة إذ يريد إنقاذ قومه وتلقينهم الحقيقة، ولا يأبه كثيرًا بنجاحها الواقعي. فهو فيما بين الحقيقة والواقع، لكنَّ الحقيقة تسمو على الواقع، والقرآن مليءٌ بالقصص عن فشل الرسل”.[6]
وكأن الرسول كان في مواجهة سلطة سائدة تؤمن بالتعدد وقيمها قبلية خالصة. ويقوم منهج المعاملات الاجتماعية على منطق الغلبة، غلبة القبيلة وغلبة المال والجاه. ولم تكن فترة ما قبل الإسلام محضنا ثقافيًا داعمًا للوحدة أو لمركزية الشخصيات بعيدًا عن الوازع القبلي. فمواجهة الاعتقادات السائدة، مع عدم التكافؤ في العدد والإمكانات بين القبائل والرسول محمد ومن تبعه من المؤمنين، كان أمرًا على درجة من الصعوبة. فكانت حادثة الغار ومحاولات قتله بمنزلة التحدي الاجتماعي عنده وممثلةً لنجاح للإسلام في الاستمرار التاريخي عند المسلمين في أزمنة متأخرة. فكانت هذه الأحداث بمكانة “المحن” والامتحانات عند الرسول في مستوى قوته وحضوره. وتجدر الإشارة إلى أن كتب السيرة قامت بدور المفسر والمؤول والمُلحَقِ لتاريخ الرسول، خاصة وأن هناك أحداثٌ وسير وردت في كتب السيرة ولم ترد في القرآن.[7]
وإذا كان صحيحًا أن القرآن لا يذكر كل المحطات لسيرة النبي، فهو يُشير إلى الكبرى منها حتى في حياته الخاصة: صفته القرشية، يُتْمِهِ، فَقْرِهِ ثم غِنَاهُ، تجلَّى الملك أو الله ذاته له، التكذيب والمعاناة، الهجرة، بدر، أحد، المنافقون، الفتح، وغير ذلك من الأحداث المهمة على صعيدي: النبوة والتاريخ. لكنَّ القرآن لا يُشير البتة إلى غار حراء وما جرى فيه حسب السير، ومن ثمَّ يكون ذلك أمرًا مثيرًا للاستفهام والاستغراب. والحال أن السيرة والتواريخ تُشدد على الحدث بوصفه الانطلاقَ الأساس ولئن كانت الأسانيد لا تعتمد عند المؤرخ، بل فقط متن الرواية (…) إن ابن إسحاق يذكر رؤيا حراء ثم يُدعمها برؤية ثانية للملك في الأفق، كي لا يتضارب مع القرآن، في حين أن القرآن يذكر رؤيتين فقط لا علاقة لهما بأي غار. هناك ولا شكَّ أسبابٌ لهذا الاختلاق لا نقف عليها ولا يهمنا في الحقيقة البحث فيها مليًا، لكنْ لها علاقة بتصور هُوية القرآن على أنه كتاب سرمدي إلهي حتى في هيئته المادية، وعلاقته بـ “أمية” النبي بمعنى جهل القراءة والكتابة، وكذلك بأمور أخرى”. [8]
وينخرط طرح المفارقة التاريخية في قصة الغار على اختلافٍ في قبول أغلب المسلمين لهذه القصة واعتماد السيرة مصدرًا للتأريخ والتصديق أكثر من القرآن. فقد بدا القرآن نصًّا جامعًا ومرشحًا لفترة الوحي، إلا أن كتب السيرة كانت مصدرًا شارحًا للقرآن ومكملاً له عند المِخْيال الجمعي. فكانت تهمّهم السيرة والحلقات المفقودة منها في القرآن (الجانب القصصي خاصة) أكثر من النظر في الأسانيد أو المقارنة بين النص والسيرة.
كما ساد اعتقاد عند المسلمين إلى حدود الراهن، أن ظهور الإسلام كان خطًا تاريخيًا متسلسلاً وفاصلاً بين فترتي الجاهلية والإسلام، وكأن الفترة الأولى نسبة إلى التسمية، انتشر فيها الجهل والأمية والكفر وغيرهم، أما فترة الإسلام، فكانت بمنزلة خروجٍ آلي من “الظلمات إلى النور” أو تغير جذري من حالة الجهل إلى حالة المعرفة. ورجحت الوقائع التاريخية أن الإسلام لم يتخلص كليًا من العادات الجاهلية ولا تقاليدها، بل رفض صورها الداعية إلى تعدد الآلهة ورفض كُليًا تعدد الأصنام وقتل النساء والأطفال. وحاول احتواء بعضها إذا لم تتعارض مع جوهر الإسلام وأصوله. فنحن إزاء عملية احتواء تاريخي واجتماعي لفترة سابقة وليس قطعًا معها. ونحن إزاء تصورين للنبي وللرسالة متوازيين ومتقاطعين في الآن نفسه: تصور سائد وتصور تاريخي. وقد ذهب البعض إلى الفصل في الإسلام بين الرسالة والتاريخ. وكأننا إزاء صورة مثالية للإسلام والأنبياء في السير ومن بعده المخيال الشعبي (ذاكرة جامعة ومؤلفة) والإسلام صورة تاريخية يتخللها التقصير، بما أن الرسول نبي واعترافه ببشريته دليلٌ على إمكان ورود الخطأ في أفعاله وأقواله. فقد جاء في حديث مروي عن أم سلمة عن الرسول محمد قوله ” انَّمَا أَنَا بشَرٌ، وَانَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ الَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ؛ فأَقْضِي لَهُ بِنحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بحَقِّ أَخِيهِ فإنما أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ”.[9]
ولعل هذا الحديث على جديته وواقعيته، لم يَأخذ حظه من الاهتمام بإنسانية الرسول ونسبية أفعاله. فكان الفكر السائد يذهب في اتجاه وصل صورة الرسل والأنبياء بصور فوق بشرية خارقة. وبالعودة إلى قصص القرآن وبعض السير، فإن الجانب العجائبي موجود في شفاء الأكمه والأعمى والإعجاز اللغوي في القرآن واستقبال الوحي وغيرهم، لكنَّ هناك جانبٌ بشري مسكوت عنه، يدعو إلى التفكر والمقارنة والمراجعة بين استقبال هذه الصور وعجائبيتها في المخيال الجمعي والحقيقة التاريخية كما وردت في القرآن وفي بعض كتب السيرة. ويحتاج دارس السيرة أحيانًا، إلى الفصل بين الشخصية التاريخية والشخصية الرسالية أو النبوية عند الأنبياء والرسل. فنص القرآن وكتب السيرة تنطوي على جانب تاريخي يتداخل أحيانا مع العجائبي، لذلك يذهب أغلب المتقبلين من المسلمين إلى تغليب طرف على طرف آخر، لتغطية حقيقة وجود جانب بشري نسبي عند الأنبياء والرسل.
لذلك كان “الخطاب الذي يسمعه ويشتدُّ عليه حتى ينزل “ينزل على قلبه”، طبق التعبير القرآني، كلام الله يؤديه هو في لغة بشرية، أو هو كلام الله وكلامه هو في الآن نفسه. هو كلام الله من حيث مصدره، وكلام البشر من حيث انتمائه إلى لغة بعينها وصياغته في ألفاظ وتراكيب يقتضيها معجم تلك اللغة ونحوها، وفي أطر فكرية مُستمدة من ثقافة المتكلم الشخصية ومن الثقافة المتاحة في الوسط الذي يعيش فيه”.[10]
فالبيئة التي عاش فيها الرسول وانتماؤه القبلي وتعليمه وغيرهما من المعطيات كانت جزءًا من التاريخي في شخصية الرسول محمد ومرحلة النبوة تداخل فيها الجانب التاريخي مع الرسالي. وقام بدوره بأسلوبٍ تداولي، فالوحي لم يكن تجرِبة هينة في مستوى نزوله واستقباله واستيعابه عند الرسول، لذلك بدا تفاعله وتأثره واضحًا بحدثٍ تاريخي مختلف عن تنشئته الاجتماعية وعن المعطيات المطروحة فيها.
وما يُمكن استنتاجه من ذلك أن الرسالة المحمدية تميزت بـ “خاصية فريدة عميقة الدلالة. فهي تنتمي، في أحد وجهيها، إلى ما سماه محمد إقبال “العالم القديم”، لا بسبب مصدرها فقط كما يقول هو، بل كذلك بسبب اشتمالها على عديدٍ من المظاهر التي هي بنات بيئتها، مثلما تنتمي في وجهها الآخر، إلى “العالم الحديث” “باعتبار الرُوح التي تنطوي عليها”. فالحاجة إلى مرجعية غيبية، وورود عديدٌ من التصورات الميثية، واللجوء إلى الطقوس التعبدية التي تؤدي بطريقة موحدة مُنمَّطةٍ لا مجال فيها البتة للاختلاف بين المؤمنين، وتكريس عدد من القيم والممارسات الاجتماعية، كل ذلك يعكس “نظرة إلى العالم” لا تختلف اختلافًا جوهريًّا عن النظرة السائدة عند العرب وعند جميع سكان المعمورة طيلة قرون عديدة”.[11]
ومع أن معرفة الفرق بين العالمين القديم والحديث، والفرق بين الصورتين التاريخية والرسالية لشخصية النبي محمد حدث بعدية، إلا أن ذلك يرجح أن ما حدث في فترة الإسلام الأولى كان يتجاذبه أمرين، الرسالة ومطلب الدعوة إلى الإسلام ونشره والبيئة الثقافية السائدة التي احتوت الحدث وأثرت في تكوين الرسالة وتغيير مسارها عن طريق هجرة الرسول إلى يثرب وغيرها من الأحداث التي كان الهدف منها حماية الرسول ومن معه من التابعين، لأنهم يحملون نواة الدين الجديد إلى الجزيرة العربية.
ولعل محاولة المحافظة على صورة أحادية مقدسة لشخصية الرسول نجحت في تحقيقها وتكريسها كُتب السير والتراجم وغيرهما، إلا أن ذلك لم ينعكس على صورة الإسلام. فاختلاف العبادات وتمثلها، اختلف من بيئة إلى أخرى. وربما هنا لا يسعنا تقديم صورة موحدة للإسلام، لأننا إزاء قرآن واحد وسنن وسير وأحاديث ورواة وفرق إسلامية تبنَّت رؤًى مختلفة عن شخصية الرسول ذاته وشخصيات تاريخية أخرى منها أصحابه والتابعين، خصوصًا في مسألة الخلافة. وباعتبار تداخل الديني والسياسي في مسألة الخلافة، انقسمت الفرق الإسلامية بعد خلافة الرسول إلى فرق، منها من دعا إلى خلافة أبي بكر بِناءً على مقومات علاقته بالرسول وإسهامه في الغزوات وإمامته للناس عند مرض الرسول وقدرته على توحيد المسلمين، ومنها ما دعا إلى التوسل بالرابط القبلي وتولية علي بن أبي طالب ابن عمه وزوج ابنته فاطمة. وفي هذا الإطار تراجعت سلطة النبوة والدعاء للمسلمين الذي وَحَّدَ القبائل لفترة وتم دفع الجزية مقابله، وتقدمت السلطة السياسية المتداخلة مع الدين لتبرز أن وفاة الرسول كانت نُواة للكشف عن الجانب السياسي في مطلب “خلافة الله في الأرض” بعد أن غلبت عليه النزعة الدعوية في حياة الرسول. وقد تخللت فترة الخلفاء الراشدين وما بعدها أحداثا تاريخية عديدة رجحت فكرة أن الإسلام واحد ومتعدد، وإن كان في ظاهره واحد. ويبدو التعدد عامل ثراء فكري وداعيا إلى التفكير والمراجعة والمقارنة وإعادة النظر في الإسلام، قرآنًا وسنة وعبادة وتمثلاتٍ مختلفة للدين وللإنسان وللعالم. ويبدو ذلك مصدرَ قوةٍ في الشخصية العربية الإسلامية، فتعدد الصور يفتح مجال الحوار والتفاعل ويعزز إمكانات الوَحْدة، وذلك مشروط بخُطوتي الاعتراف بالآخر والتفاعل معه. وتَمثُّلْ الإسلام يختلف بين الأعراق والبلدان، ويختلف كذلك بين فئات المجتمع الواحد.[12]
والواقع أن الحديث عن أصناف “من الإسلام لا يعتمد العقيدة في ذاتها، بقدر ما يعتمد الممارسة الدينية ومظاهر التدين المتمثلة خاصة في التظاهرات الجماعية التي تكون مختلفة بالضرورة من شعب إلى آخر، ومن صقع إلى آخر وَفْق الظروف التاريخية التي مرت بها الشعوب، وطبق الموروث الثقافي الذي كان سائدًا في تلك الأصقاع قبل مجيء الإسلام إليها، وبحسب الأوضاع السياسية والاجتماعية وخاصة الاقتصادية السائدة في المجتمعات الإسلامية المدروسة. كما يعتمد المواقف السياسية للمسلمين، ونظرتهم إلى الآخر المختلف عنهم في مواقفه من بعض القضايا التي تهم تنظيم الحياة الجماعية، وردود فعلهم على التحديات التي تطرحها عليهم المتغيرات العالمية على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية”.[13]
فمقاربة الإسلام مقاربةً دينيةً ومُمارسة تاريخية، يحتاج إلى الاعتراف بوجود اختلاف فكري بين المسلمين وإدراك دور البيئة والظروف التاريخية في صناعة الأنظمة السائدة. إلى جانب دور الانفتاح الفكري في قبول صيغ مختلفة للممارسة، قد لا تؤثر غالبًا في العقيدة، وإنما تسهم في خلق سلوك المسلم وتكييفه مع معطيات النص.
وتُعد هذه التجارِب حلقةً من سلسلة التراكم التاريخي للثقافة والسياسة والاجتماع. فتحول العرب من البداوة إلى الحضارة وتطور المعمار وتم الاهتمام بالفنون، فكانت عناصر مؤسسة للشخصية العربية. لذلك لا يمكننا أن نختزل صورة الشخصية في حقبة تاريخية واحدة. والسبب أنها مُكوِّنٌ إنساني منفتح. وتُعد هذه المواطن مادةً لدعم الشخصية العربية الإسلامية وتعزيز مكانتها التاريخية في الجزيرة العربية وخارجها. فسيرة النبي محمد وبعض فترات من التاريخ الإسلامي شدَّ اهتمام بعض المستشرقين الذين ثمنوا هذه السيرة وأشادوا بتفوق حضارة العرب في الزراعة والتجارة وإسهاماتهم في تحقيق التقدم داخل أوروبا.[14]
وهذه المؤلفات التي ثمَّنَت دور العرب والمسلمين ومشاركتهم في التطور الحضاري العالمي، عامل خارجي لتعزيز مكانة الذات العربية. ويفترض أن تسبقها خُطوة معرفة فردية بالذات وبالإنجازات الحضارية العربية واعتراف بوجود تقصير أسهم فيه العرب والمسلمون فرادًى ومجموعاتٍ. وذلك ليس مدعاة للمفاضلة بين الذوات (العربية والأوروبية)، وإنما يفترض أن يكون لحظة وقوف مع الذات ومراجعة وتجاوز للعمل على تخطي النقص إلى الإنجاز. وتُمثل ثقافة الآخر وحضارته وانطباعه جزءًا من تكوين الشخصية، وينطوي على الضعف مثلما ينطوي على القوة.
-
مواطن الضعف التاريخية في الشخصية العربية الإسلامية
يختلف تعريف الضعف وتقديره بين الأفراد والمجتمعات كذلك. ويبدو أن هناك مواطنُ ضعف ظاهرة وأخرى مخفية أو مسكوت عنها. ولعل أبرز عنصر بارز في الشخصية العربية هو العجز الاقتصادي وبحالة التبعية إلى الآخر. وقد لا يكون طرفًا مُسهما فيه بصفة مباشرة، إلا أنه يؤثر في تكوين صورة الفرد داخل وطنه وخارجه. فيصبح الانتماء هنا علامة على المستوى الاقتصادي والثقافي للبلد ودرجة انفتاحه فكر على المختلف.
ومن بين الأطروحات التي يُمكن تقديمها في مستوى رصد مواطن الضعف في الشخصية العربية الإسلامية، أن مواطن القوة قد تكون هي ذاتها مواطن الضعف، إذا ما تمت مقاربة عناصره من زاوية المبالغة في تثمين فترات تاريخية معينة من تاريخ الإسلام أو تضخيم مكانة بعض الشخصيات التاريخية وتعليق الإنجازات عليها. ويعزز هذا المنهج فكرة المركزية التاريخية والاجتماعية، في حين أن الإنجازات التي تحققت في الإسلام كانت جماعية، أسهم فيها المسلمون، وساندتهم فيها أطراف من أعراق وأديان وأصول مختلفة. وقد تراوحت العلاقة مع الآخر غير العربي في مرحلة أولى ثم في الغربي في مرحلة متقدمة بين الانفتاح والانغلاق. ويبدو الانفتاح والانغلاق محكومًا بمقاييس معيارية، تشمل التبعية الاقتصادية والثقافية، الخطاب التقليدي والخطاب الإعلامي ومشاريع توزيع النفوذ والتوسع في المشاريع العالمية. فهناك عاملين يحكمان هذه العلاقة إذن: العامل الداخلي والأرضية الفكرية وقدراتها على استيعاب التطورات العلمي والتكنولوجي والتقنية وتكييف السلوك الاجتماعي معها، وَفْق مقتضيات موروث المجتمع وخصوصياته الثقافية. أما العامل الثاني، فخارجي، ويرتبط بمكانة كل منطقة ودورها في الخطط الاقتصادية العالمية وتوزيع المشاريع والمهام وضبط الفوائد.
وتتجلى مواطن الضعف التاريخية في بعض العناصر التي أثرت في تكوين الشخصية وفي تقديرها لذاتها. وقد مَثَّلت الهُوية في الفكر العربي والإسلامي هاجسًا ومادة للاختلاف. فمفهوم الهُوية تأثر بالتجاذب بين الحداثة والمعاصرة، مع صعوبة إيجاد صيغة متوازنة للانتماء والتواصل بين الأفراد، فغلب على المجتمع التقسيم والتصنيف، مع رؤية الآخر المختلف عن الذات “خصمًا” لا شريكًا. وربما الإشكالية تكمن في تمثُّلِ الآخر، فغالبا يغيب هذا الطرف في الفكر العربي، والسبب أن مفهوم الآخر في التاريخ العربي والإسلامي ارتبط بالجدال في المنظومة الفقهية التقليدية التي بنت مقالاتها على معطى الخلاف بين الأطراف المختلفة. فظهر حقل دلالي داعم لهذا الجدال، منها المؤمن/الكافر، دار الإسلام أو السلام/دار الحرب، الولاء والبراء وغيرهم من المفاهيم المحفزة على التباعد بين المسلمين وغير المسلمين. وتعلق مفهوم الآخر كذلك بالمستعمر والنموذج الغربي الذي يُعَدُّ قبوله عند بعض التيارات شرطًا للنهضة والتقدم.
وبين جميع هذه الأنماط من الوعي بقضية “النهضة” و”الأصالة” و”المعاصرة” هناك نموذج -سلف- هو إما التراث وإما الغرب وإما أجزاءٌ منهما، يُمارس سلطة مطلقة على الفكر العربي، فيحتويه ويوجهه ويختار له سلطة النموذج “الإسلامي” ما شيده السلفي لنفسه، بخياله وعاطفته وصدق مشاعره، هي التي جعلته يفهم النهضة ويتصورها على أنها العودة إلى ما كان عليه “السلف” ويفهم “تحرير” العقل على أنه “إحياء” للعقل القديم، العقل الذي “يعقل صاحبه” ثم “يعزل نفسه”، الشيء الذي يعني “رد شطط” العقل “الآخر” والتقليل من “خلطه وخبطه”.[15]
فتجلت العلاقة مع الآخر غير مستقرة، من جهة كونها تُمَثِّلُ تهديدًا لوضع سائد ومن جهة ارتباطها بضرب من الانفتاح القسري على الغرب، بفعل الاستعمار أو ما بعد الاستعمار كذلك. فوجود الآخر ورؤيته دائمًا في مقام “المُخالف” جعل العلاقة مع الهُوية على درجة من الغموض والمراوحة بين وضعيتين، وضع الانغلاق والتمسك بالتراث ووضع الانفتاح على النموذج الغربي والتعلق بفكرة التقدم الآلي. لذلك تعمَّقَت أزمة الهُوية، في مستوى البحث عن صيغة مُستقرة للوجود والتفاعل مع الواقع ومستجداته. ويتفرع من أزمة الهُوية إشكالية أخرى ترتبط بتقديس الماضي وسيادة التقليد. فالماضي عند الشخصية العربية الإسلامية يرتبط بالانتصارات في الغزوات والفتوحات والحروب ورفع راية الدين وعلو مكانته بفعل مشاركة بعض الشخصيات التاريخية في نشر الدعوة وتوسعها جغرافيًا.
ولنا أن نُثير الإشكالية التي تطرحها الهُوية في مستوى تعريفها، والسؤال هو: هل ما نرث أم ما نورِثُ؟
وقد اختلفت الآراءُ في ضبط هذا المفهوم وتحديد صورة موحدة له. ويتجلى في هذا السياق تداخل الأزمنة والمرجعيات الفكرية. وتُمثل المفهوم يتأسس على استيعاب مقومين في الهوية، مقوم ثابت. ويتجلى في الدين والعادات والتقاليد المألوفة والموروث الثقافي المشترك بين مجموعة بشرية معينة. وهذه العناصر يُمكن أن تتشابه ويتفق بشأنها الأفراد، وإن وُجِد الاختلاف تحتويه سُلطة الجماعة المحافظة على وحدتها. أما المقوم الثاني فمتغير، ويعتمد على مسؤولية الأفراد وقدرتهم على التغيير والإضافة والإبداع في المستويين: الفردي والجماعي.
ويسقط ذلك بعض الأطروحات التي اختزلت مفهوم الهُوية في عنصر واحد مثل: الدين، الهُوية القومية، الانتماء وغيرهم. وثمة حقيقة يُمكن “تلمسها بوضوح اليوم وتتعلق بنسبية النماذج الإرشادية الثقافية البانية للهُوية، فهي لا تتحدد وراثيًا بطبيعة الحال، وإنما تُكتسب اكتسابًا، وتختلف وتتغير في المكان والزمان ومن مجتمع إلى آخر، فبعضها يسقط أو يُعاد إنتاجه ويتخذ معنًى جديدًا. وكم من معايير وعادات وسلوكيات فُهمت بوصفها مقدسةً ولا تمسُّ فيما مضى، وقد تُرِكَت اليوم وتغيّر أمر السلوك تجاهها”.[16]
وكأن مفهوم الهُوية بذلك مُحمل متحرك، ينطوي على طبيعة الفرد المتغيرة بتغير الظروف والتطلعات. فقد يكون ما هو مرفوض في الماضي، مقبول اليوم. لذلك لا يُمكننا المراهنة على العنصر الثابت في الهُوية لأنه نسبي.
ويُعد تقديس الماضي، إلى جانب أزمة الهُوية، نتيجة لجملة من العوامل، منها الصعوبات المطروحة في الحاضر، فيكون تقديس الماضي ضربًا من الهروب من مواجهتها وتجاوزها. وقد يكون الخوف من المستقبل أو المجهول عاملًا إضافيًا للتحرر من الحركية الزمنية في الحاضر والمستقبل والتوقف عند فترة تبدو مثالية في مضمونها وإشعاعها التاريخي. ويُمكن أن يؤدي تقديس الماضي إلى تضخيم مزايا الماضي والتغافل أو حجب نقائصه، مما يُفضي إلى تكوين صورة مثالية غير واقعية. لذلك فتقديس الماضي قد يبدو مصدرًا للمعرفة والاستفادة من التجارب السابقة، لكنَّ العنصر الغالب عليه هو المبالغة. وذهب بعض المفكرين إلى رؤية تقديس الماضي والتوقف عنده، عنصرًا مُعطلاً لعملية التقدم. ويفترض ذلك وعيًا أساسيًا بأن التمحور حول الماضي إنما هو موتُ آخر، وأنه لا مجال للفكر العربي أو للإنسان العربي أن يحيا حقًا إلا إذا تمحور، على العكس، حول المستقبل. إن الآفاق التي يفتحها الحاضر والمستقبل أغنى وأوسع بما لا يُقاس من كل ما أورثه الماضي”.[17]
وكأننا إزاء دعوة للانخراط الكُلي في الحاضر والمستقبل، بما أنهما الزمنين المتاحين للتغيير وتجاوز هفوات الماضي. وفي هذه الأطروحة بعض من الدقة والصحة، تتجلى في تثمين دور الفرد في تغيير الحاضر والمستقبل، وذلك مشروط بالتحرر من الماضي. لكنَّ الماضي لا يمكن التحرر منه نهائيا، بل يُمكن النظر إليه نظرةَ حلقةٍ من سلسلة التراكم التاريخي للمعرفة والتجارب. والماضي مادة يُمكن توظيفها في عمليات إدراك خصوصية كل مرحلة تاريخية وأهميتها في التأثير والإضافة، بالتوازي مع استيعاب صعوبة تكرار هذه المرحلة أو نسخها. فكل فترة زمنية لها معطياتها وأسئلتها ومطالبها المتجددة. وعقل الفرد غالبًا ما يكون نتاج بيئة وتنشئة اجتماعية وتطلعات تعكس طبيعة زمنه وآفاق التفكير والعمل فيه.
ولعل هذه الإشكالياتِ قد زاد تشعبها مع عصر العولمة وتداخل الأزمنة (الماضي والحاضر) وتشتتها بين العالم الواقعي والعالم الافتراضي، بعد أن كانت المفارقة قائمة بين النظرية والممارسة في الفكر العربي والتباعد بين هذين المسألتين. وصار الفرد يبحث عن أُطر معرفية جديدة للثقافة تتخطى الأطر السائدة التي كرست الجدليات وعمقت الاختلافين المفهومي والاصطلاحي بين الثنائيات المعرفية (الأصالة/المعاصرة، التراث/الحداثة…). وتجاوزت العولمة هذه الحلقة المغلقة نحو الانفتاح على حلقات فكرية مختلفة ومنفتحة على الآخر. وتتمثل القضية الجوهرية في علاقة الذات العربية مع الآخر المختلف، خصوصًا في عصر العولمة، في التجرد من السلطة على الذات وتبني رأي الآخر وانطباعه بوصفه مادة علمية تستند إلى حُجج يلتمسها الفرد في واقعه وأزماته. وتبني موقف الآخر، المستشرق أو غيره من الباحثين، يضع الذات في مأزق الاستلاب وتحويل طاقتها في التغيير إلى جلد الذات ومحاسبتها على هفوات تاريخية سابقة سببت تأخر المسلمين وتقدم الغرب. وغالبا ما تُطرَح هذه المسألة في سياق أن التأخر صدر عن المسلمين وليس العرب عموما وأن التقدم مرتبط بصفة مطلقة بالغرب. وربما يدخل ذلك في إطار المبالغة في تقدير الآخر وتثمين إنجازاته، في حين أن لكل طرف مزاياه ونقائصه. وقد حاول إدوارد سعيد في أغلب مؤلفاته معارضة فكرة المطلق في النظر إلى الغرب نظرةَ الطرف المتقدم بصفة “أبدية”، في مقابل شرق “المتخلف” بذات التقدير[18]. ولعل الناظر في الثقافتين، يكتشف أن التطورَ والتأخرَ أمران نسبيان وأن تطور الغرب والعرب في فترات متباعدة، تم بفعل الانفتاح الحضاري والاستفادة من التراكم التاريخي والعلمي عند الطرفين.
ومن مواطن الضعف التاريخية في الشخصية العربية والإسلامية أيضًا حالة الاغتراب الناتجة عن العجز عن التوفيق بين التراث العربي ومعطيات الواقع وإحداثياته الذي تسيطر عليه الحداثة الغربية وتوجهه. فالفرد أصبح عاجزًا عن إيجاد صيغة للانتماء وأخذ موقعًا في الحاضر والقيام بوظيفته الاجتماعية بعيدًا عن معطى التجاذب والصراع مع الآخر المختلف (الشرقي أو الغربي). فصرنا أمام تداخل أزمنة وتشابك هُويات، وصار الفرد أمام تحديات تحت أطر مختلفة، منها إطار المواطنة وواجبه تجاه هذا الانتماء المدني الذي يفترض التزامه بواجبات معينة والتمتع بحقوق. وينطوي هذا الإطار على أطر فرعية مؤسسة للمجتمع العربي والإسلامي، منها إطار الجماعة الذي يوجه الفرد إلى الولاء والمحافظة على وَحْدة الجماعة أو الأمة، ولو عارض ذلك إرادته الفردية. فتصبح إرادة الفرد محض “عدد’ لتعزيز قوة الجماعة. ويُمثل الانتماء الإيديولوجي فضاءً إضافيًا لتباعد الآراء وتكريس التجاذب بين التيارات الفكرية.
ولعل مقاربة الشخصية العربية من هذه الزوايا يُفضي إلى وجود مُكوَّن مركب ومتشعب. وربما من أكثر العوامل المعطلة لتقدمه هو التبعية، إلى الآخر، سواء كان فردًا أو مؤسسة أو تيارًا فكريًا. فالانتماء أمر أساسي عند الفرد، لكنَّ المبالغة فيه والدفاع عن رموزه وأعلامه بصفة مطلقة، يُلغي وجود شخصية عربية إسلامية فاعلة ومتوازنة في علاقتها بذاتها وبالمجتمع. فقد يتقدم “المجتمع العربي بصورة ما، قد يحرز بعض الانتصارات، حتى لو استرسل في طريقه الحالي، إلا أنه سيقتحم الحاضر والمستقبل ظهريًا، مدفوعًا مُرغمًا وأعينه مُحَدِّقَةٌ في “الأصل” المتباعد، تحت قيادة القوى المسيطرة حاليا. فيعيش حياة ازدواجٍ وانفصامٍ دائمة في ظل نكساتٍ متوقعة”.[19]
وما يُمكن الانتهاء إليه في هذا المستوى، أن مواطن الضعف التاريخية، قد لا تُعَبِّرُ دائمًا عن ضعف الشخصية العربية في ذاتها، وإنما هو نتيجةٌ لخيارات فكرية واقتصادية وثقافية، حاصرت الفرد في ضوابط فكرية محدودة، مع أن الحداثة الغربية وتوسعها الجغرافي ألغت تدريجيًا فكرة الحدود. وتحولت مع عصر العولمة إلى حدود افتراضية، صارت فيها ضوابط التواصل سلسة ومفتوحة ومتشعبة في الآن نفسه.
ولعل الحديث عن مواطن القوة والضعف في الشخصية العربية الإسلامية مطروح في كل الثقافات. ولا يُمكننا أن نجزم وجود ثقافة مثالية، تكون فيها الشخصية مُنتجة وفاعلة فاعليةً مطلقةً. فقد نواجه ذلك في بعض الخطابات الإعلامية، لكنَّ مقارنة الخطاب مع الواقع، تكشف فارقًا في طبائع الأفراد النفسية والاجتماعية والثقافية مقارنة بصور ترويجية لثقافة معينة. وهذه خُطط إعلامية واستراتيجية عادة ما تُوظَّف لتقييم المجتمعات وتصنيفهم وَفْق مقاييس الطرف المُشرف على الدراسة والمقارنة. ويتداخل ذلك مع مفهوم الاستشراق وبعض تياراته التي حاولت أن تُقيِّمَ ثقافة الشرق بِناءً على مقاييس الغرب المختلفة عنه. ويبدو ذلك ضربًا من الإسقاط الفكري، في حين أن البحث في المرحلة أو الحدث التاريخي وتقييمه من زاوية بيئته والظرفية التاريخية التي تنزل فيها والإمكانات المتاحة آنذاك، سيجنب القارئ والمتقبل عمومًا الوقوع في الأحكام المسبقة أو اللجوء إلى التصنيف وتبني أطروحات وافدة، يكون مدارها عادة جلد الذات والاستلاب في الآخر. وكأننا إزاء طرق ومناهج جاهزة يُمكن تبنيها وركن العقل إلى الاستهلاك والتبعية أو اختيار طريق البناء والإبداع ومحاولة صياغة نموذج فكري أو أفكار جديدة، تتخطى التقليد والتكرار.
ومن العناصر المؤثرة في تكوين الشخصية العربية أيضًا، الجماعة. فقد اجتمعت الأدلة من القرآن والسنة خاصة على لزوم الجماعة، ومفهوم الجماعة ارتبط تاريخيا بفترة ما قبل الإسلام، بطبيعة المجتمع البدوي والحاجة إلى الحماية والأمن في وجود القبيلة أو المجموعة عمومًا. واستمر العمل بمفهوم الجماعة[20] بعد ظهور الإسلام، لما له من دور في الحفاظ على وَحْدة المسلمين وعلى دينهم. وتغير استخدامه مع ظهور الفرق الإسلامية وانتشار الاٍعتقاد بوجود “فرقة ناجية”. لهذا يتعسر الحديث عن وَحْدة وعن شخصية عربية وإسلامية واحدة في ظل التعددية الفكرية والعقدية، وإن كان أحيانًا غير معترف بها أو مسكوت عنها، بوصفها عاملَ تفرقة لا وَحْدة. فالشخصية العربية مادة مركبة جاء بها التاريخ العربي الإسلامي (الموحد) طبق رواية الفرقة أو المذهب الذي تنتمي إليه، ومركبة كذلك مما ألفه الخيال المجتمعي في ظل غياب الروايات الصحيحة بخصوص خلق الإنسان ونزوله إلى الأرض وخلق الكون وترجمة سيرة الأنبياء ورسالاتهم وغيرها من القصص التي تدخلت الإسرائيليات وغيرها، في تغطية الجزء الغائب منها الذي لم يرد في كتب السيرة والتراجم. وعلاوة على هذه المكونات، هناك عامل الزمن والتغير الذي يلازم كل فرد ويؤثر في تفكيره ويوجهه ويضبط هواجسه وآفاقه، له دور كذلك في تكوين هذه الشخصية على أنحاء مختلفة.
خاتمة:
يبدو البحث في الشخصية العربية الإسلامية عملية على درجة من التشعب، وقد تحتاج إلى دراسة أركيولوجية اجتماعية لبيان طبيعة هذه الشخصية ومقوماتها. وحاولنا في هذه الورقة طرح بعض العناصر المؤثرة في تكوينها وتطورها وتعطيل تقدمها كذلك. وربما التعمق في دراسة الشخصية وَفْق انتمائها الجغرافي الضيق، يجعلنا أمام جزئيات أخرى أكثر وضوحا في تكوينها. وما يُمكن تحصيله من هذا الطرح أن الشخصية العربية الإسلامية تميل إلى الاتباع، أكثر من ميلها إلى البِناء الذاتي، نظرًا إلى غياب مقومات البناء. فتجلت عمليات البناء الفكري في هيئة محاولات فردية، افتقدت إلى دعم المؤسسات الرسمية والمجتمع. وظلت أطروحاتٍ على درجة من الأهمية خارج التجربة والتطبيق. وبقيت الشخصية العربية الإسلامية المعاصرة بذلك في موضع حيرة بين التمسك بالموروث الثقافي العربي الذي يشدها إلى الجذور التاريخية والحضارية والحاجة إلى البناء الذاتي والتحرر من الهُوية الموروثة والجاهزة وخلق بديل يستجيب لإمكانات الفرد ويعكس تطلعاته في التطور. ولا يَكمُن التحدي الفعلي في الاختيار بين التراث والحداثة، وإنما في الخروج بصيغة مركبة وقابلة للتحيين والتطبيق، تستوعب المبادئ الراسخة والقيم الثقافية السائدة، بما هي قاعدةٌ لاحتواء مشاريع التحديث والتجديد. فوجود قاعدة فكرية ثابتة يُعزز وجود الشخصية ويحافظ على خصوصيتها التاريخية، بالتوازي مع الحاجة إلى معطى الانفتاح على الآخر والتواصل معه وقبول اختلافه. فحالات التفاعل والحوار والتواصل تحرر الفرد تدريجيًا من النماذج الماضية وتدفعه إلى تجديد القدرة على الإنجاز والإبداع. فالزمن يسير في خط مستمر نحو الأمام، وإمكان استعادة أزمنة ماضية أو نماذج جاهزة تتعسر بفعل انخراط العقل البشري في زمنه وتجذره في بيئته، والعجز عن العودة القسرية بالزمن إلى الوراء. فالبناء الفكري عملية تحتاج إلى جُهد جماعي وضبط خُطط قابلة للتعديل والتغيير. والغاية هو أن تنتقل الشخصية تدريجيًا من حالة الاستهلاك العشوائي إلى حالة الاستهلاك الواعي ودعم الفاعلية الحضارية، محاولة لتحقيق توازن بين المحافظة على الماضي والاستجابة لمطالب الحاضر والمستقبل.
وبدت مقاربة هذا الموضوع، محاولة لطرح بعض الإشكاليات الأساسية التي تُثيرها الشخصية في حالة قوتها وضعفها. ولا يسعنا أن نحسم في مسألتي الضعف والقوة بصفة مطلقة، لأن زاوية النظر ووجهة التقدير هي التي تحدد الغاية من إظهار هذه المواطن وكيفية تقديمها واستثمارها. وفي حالتي المدح أو التشويه، يُمكن أن نرصد عدم موضوعية في توظيفهما. ولعل أهم مرحلة، بعد معرفة الذات، هي التجاوزُ والسعي في تعزيز المزايا بمعالجة النقائص. والشخصية العربية الإسلامية مثل كل الشخصيات العالمية الأخرى، تمرُّ بتحولاتٍ قد تكشف عن طبيعة الشخصية وطبيعة المجتمع، بَيْدَ أنها غيرُ ثابتةٍ وتخضع للتطور والتغيير وإن كان جزئيًا. وقد لا يعكسها طبيعتها أحيانًا في حال اتخذ الفرد طريق المحاولات الفردية للتخطي والإبداع وتقديم بدائل فعلية. وتختلف المقومات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، من شخصية إلى أخرى، أما الشخصية العربية والإسلامية، جامعة لعناصر تأسيسية مختلفة ومانعة لها في الآن نفسه، واختلافها مصدر ثرائها، إذا استُثمرَ تراكم التجارب وتوظيفها في خُطط العمل الراهنة وتحدياتها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
القائمة البيبليوغرافية:
– أدونيس (علي أحمد سعيد إسبر)، الثابت والمتحول، بحث في الإبداع والاتباع عند العرب، دار الساقي للطبعة والنشر، بيروت/ لبنان، ط7، 1994
– الجابري (محمد عابد)، نحن والتراث، قراءة معاصرة في تراثنا الفلسفي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء/ المغرب، ط 6، 1993
– جعيط (هشام)، في السيرة النبوية، الوحي والقرآن والنبوة، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت/ لبنان، ط2، 2000
- سعيد (إدوارد)، الاستشراق، المفاهيم الغربية للشرق، ترجمة: محمد عناني، دار رؤية للنشر والتوزيع، بيروت/ لبنان، 1995
- السيد (رضوان)، مفاهيم الجماعات في الإسلام، دراسة في السوسيولوجيا التاريخية للاجتماع العربي الإسلامي، دار المنتخب العربي للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت/ لبنان، ط1، 1993
- الشاطبي (أبو إسحاق)، الاعتصام، ضبط نصه وقدّم له وعلّق عليه وخرّج أحاديثه: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سليمان، الدار الأثرية، عمان/ الأردن، ط2، 2007
- الشرفي (عبد المجيد)، الإسلام بين الرسالة والتاريخ، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت/ لبنان، ط2، 2008
- شقرون (محمد)، الإسلام الأسود، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت/ لبنان، ط 1، 2007
- العسقلاني (أبو الفضل)، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، كتاب الحيل، دار السلام للنشر، الرياض، المملكة العربية السعودية، ط1، 2000
- العروي (عبد الله)، العرب والفكر التاريخي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء/ المغرب، ط5، 2006
- عماد (عبد الغني)، سوسيولوجيا الهوية، جدليات الوعي والتفكك وإعادة البناء، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت/ لبنان، ط 1، 2017
- – اللغوي (أبو الطيب)، كتاب الاتباع، حققه وشرحه وقدم له: عز الدين التنوخي، مجمع اللغة العربية، دمشق، سورية، دط، 1961
- Le Bon (Gustave), La Civilisation des Arabes, Librairie De Firmin Didot, Paris, France 1884
- The Journal of Nursery Education, University of Colorado, USA, SPRING 1959
[1] أستاذة باحثة في الحضارة العربية الإسلامية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بسوسة، تونس
[2] أنظر كتاب الاِتباع، أبو الطيب اللغوي، حققه وشرحه وقدم له: عز الدين التنوخي، مجمع اللغة العربية، دمشق، سورية، دط، 1961
[3] أبو إسحاق الشاطبي، الاِعتصام، ضبط نصه وقدّم له وعلّق عليه وخرّج أحاديثه: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سليمان، الدار الأثرية، عمان/ الأردن، ط2، 2007، الجزء1، ص 5
[4] تم طرح هذه الإشكالية أيضا في رواية الحديث والشروط المطلوبة في الرواة، فكان أصحاب الحمام، من الفئات التي لا تُقبل شهادتها ولا يُرْوى عنها ولا يؤخذ كلامها مأخذ الثقة، نظرا إلى أن بعض الموروث الثقافي (السنّي خاصة) رفض تربية الحمام بالأساس، بعضها من باب الطهارة وبعضها الآخر من باب معارضة الاِنشغال باللهو.
[5] NORMAN D. SUNDBERG, Article “ THE CONDITIONS OF CREATIVITY”, The Journal of Nursery Education, University of Colorado, USA, SPRING 1959, Vol. 14, No. 3 (SPRING 1959), pp. 4-10,
[6] هشام جعيط، في السيرة النبوية، الوحي والقرآن والنبوة، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت/ لبنان، ط2، 2000، ص 104
[7] دعا ذلك المؤرخين والباحثين إلى التساؤل عن مدى صحة قصة الغار إلى جانب قصص أخرى تخص الرسول في مرحلة الوحي ونشر الدعوة. فبدت السيرة مادة ملحقة للقرآن، تحاول سد الغموض المعرفي أو التأويلي الذي غاب عن بعض قصص الأنبياء في القرآن.
[8] هشام جعيط، في السيرة النبوية، ص 35
[9] أبو الفضل العسقلاني، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، كتاب الحيل، الجزء 6، دار السلام للنشر، الرياض، المملكة العربية السعودية، ط1، 2000، ص 2555
[10] عبد المجيد الشرفي، الإسلام بين الرسالة والتاريخ، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت/ لبنان، ط2، 2008، ص 36
[11] المرجع نفسه، ص 86
[12] ظهرت سلسلة أبحاث “الإسلام واحدا ومتعددا”، أشرف عليها الأستاذ عبد المجيد الشرفي واِحتوت جملة من الأطروحات في هذه الإشكالية، وشكلت مجتمعة ما أطلق عليه الشرفي “الإسلام المعياري” أو الإسلام الذي يختلف من حيث الممارسة التاريخية وفهم النصوص الدينية وتأويلها وكيفية المواءمة بين السلوكين الفردي والجماعي مع ما ورد في القرآن أوامرا واِعتبارا من القصص وترتيبا للمعاملات بين المسلمين. فالتمثل التاريخي للدين إذن يختلف من منطقة إلى أخرى حسب المناخ والتنشئة الاِجتماعية وطبيعة الأنظمة السائدة، أي ما كل يتصل بالممارسة والتجربة.
[13] محمد شقرون، الإسلام الأسود، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت/ لبنان، ط 1، 2007، ص 11
[14] Voir Gustave Le Bon, La Civilisation des Arabes, Librairie De Firmin Didot ; Paris, France 1884
[15] محمد عابد الجابري، نحن والتراث، قراءة معاصرة في تراثنا الفلسفي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء/ المغرب، ط 6، 1993، ص 60
[16] عبد الغني عماد، سوسيولوجيا الهوية، جدليات الوعي والتفكك وإعادة البناء، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت/ لبنان، ط 1، 2017، ص 113
[17] أدونيس (علي أحمد سعيد إسبر)، الثابت والمتحول، بحث في الإبداع والاِتباع عند العرب، دار الساقي للطبعة والنشر، بيروت/ لبنان، ط7، 1994، الجزء الأول: الأصول، ص ص 65-66
[18] أنظر إدوارد سعيد، الاِستشراق، المفاهيم الغربية للشرق، ترجمة: محمد عناني، دار رؤية للنشر والتوزيع، بيروت/ لبنان، 1995
[19] عبد الله العروي، العرب والفكر التاريخي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء/ المغرب، ط5، 2006، ص25
[20] أنظر رضوان السيد، مفاهيم الجماعات في الإسلام، دراسة في السوسيولوجيا التاريخية للاِجتماع العربي الإسلامي، دار المنتخب العربي للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت/ لبنان، ط1، 1993