الشروط الذاتية للموضوعية في العلوم الاجتماعية الجزء الثاني – وقت الفراغ/ الزمن الحر

 تكوين

مقدمة

لما كانت الموضوعية وفق التعريف الشائع لها تتحقق بانفصال الذات الباحثة عن موضوع بحثها، كي تتعامل معه بتجرد، فإن هذا الانفصال يتطلب انفصالًا عن الحياة اليومية ومتطلباتها وانشغالاتها، أي يتطلب زمنًا حرًا، متحررًا من اليومي والعادي؛ كما يتحقق التجرد في زمن متجرد من الاهتمامات العملية، وهو كذلك زمن حر، وهو وقت الفراغ. انتبه الفلاسفة منذ أفلاطون إلى ضرورة وقت الفراغ كشرط أساسي للتفلسف، وكان ابن رشد على وعي بذلك وأشار إليه في أكثر من موضع في أعماله. وفي مجال البحث السوسيولوجي نجد عالم الاجتماع الألماني دارندورف يعاود التأكيد عليه لكن في شكل جديد وهو أن يقوم الباحث بإجازة طويلة، خارج بلده، كي يستطيع دراسة مجتمعه من الخارج وفي انفصال تام عنه. أما التنظير السوسيولوجي الأهم والأبرز لوقت الفراغ والزمن الحر ودوره الحاسم في العمل العلمي والأكاديمي فيأتي من عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو.

ورغم تأكيدات الفلاسفة القدماء على ضرورة وقت الفراغ من أجل التفلسف والانفصال عن الحياة اليومية والتحرر من الانشغال بالمجتمع والسياسة وشئون المدينة، إلا أنهم لم ينتبهوا إلى أنه هو الشرط الضروري لأي تفكير علمي، لا للتفلسف وحده. ويرجع الفضل إلى بيير بورديو، الذي رفع من قيمة وقت الفراغ إلى أن صار لديه من محددات الحقل الأكاديمي والعلمي، ونظر إليه على أنه الشرط القبلي الضروري لتكوين ذلك الحقل، بوصفه الحقل المنفصل والمتميز عن كل حقول الحياة العملية الأخرى. ولما كان الوقت الحر هو الشرط الضروري لتكوين الحقل العلمي، فقد نظر إليه بورديو على أنه يطبع كل الإنتاج العلمي، الموصوف بأنه أكاديمي، ويجعله في علاقة حرة مع ضروريات الحياة، أي علاقة متحررة من هذه الضروريات. والحقيقة أن وقت الفراغ هذا هو الأساس الذي يكمن تحت كل دعوى بالموضوعية في التفكير، إذا فهمنا هذه الموضوعية على أنها الانفصال عن المصالح وعن الاعتبارات الشخصية، والنظر إلى الأمور “بموضوعية”، فهذه الدعوى تفترض علاقة حرة مع العالم، وهي غير الممكنة بدون الزمن الحر.

الزمن الحر بوصفه متحققًا في الإجازة

تتحقق الموضوعية بالتفكير الحر، ويجري التفكير الحر في الزمن الحر، ويخلق الباحث لنفسه الزمن الحر في الإجازة. وعلى مستوى البحث السوسيولوجي، يجب حسب عالم الاجتماع الألماني دارندورف (1929 – 2009)  أن يفكر الباحث في مجتمعه وهو في إجازة، أو كما لو كان في إجازة، ويجب أن يظل محتفظًا بمنظور الإجازة holiday perspective طوال حياته العلمية وفي كل بحث يجريه على مجتمعه.

في تصديره لكتابه المجتمع والديمقراطية في ألمانيا (1965) ذهب دارندورف إلى أن دراسة شعب بكامله تختلف عن دراسة مجتمع واحد، وهو يقول هذا الكلام تمهيدًا لدراسته للمجتمع الألماني في عصره[1]. في هذه النوعية من الدراسة، على الدارس أن يتخلى عن الألفة والاعتيادية التي ينظر بها إلى مجتمعه، في حياته اليومية ونتيجة لنشأته فيه، وذلك كي يحصل على الإحساس بالغرابة والجدة وهو الإحساس المطلوب من الدارس عندما يدرس مجتمعه؛ وكي يتمكن من التفكير في مجتمعه وهو يأخذ منه مسافة نقدية. إن الاعتياد والألفة تؤثر سلبًا في الباحث السوسيولوجي، إذ سوف يأخذ كل ما يراه في مجتمعه على أنه عادي وطبيعي، وأنه ما تجري عليه الأمور، وهذا ما لا يُمَكِّنه من دراسة مجتمعه بوصفه موضوعًا مستقلًا عنه، لأن العادي والطبيعي هو جزء من الشخصي واليومي، أي من العالم الذاتي للباحث. لكن الشرط الأساسي لأ ي بحث سوسيولوجي هو تحويل ما هو ذاتي إلى موضوعي، أو التعامل مع الذات على أنها موضوع، وتحويل ما يسلم به الباحث بوصفه معتادًا وعلى أنه جزء من هويته إلى موضوع مستقل منفصل عنه، أي تحويل مجتمعه من جزء من ذاته ومن مجاله الحيوي المعيش إلى موضوع منفصل عنه، كي يستطيع دراسته بموضوعية. وهذه العملية في الفصل تجري داخل عقل الذات الباحثة؛ وهي نوع من التطهير الذاتي؛ لكن تساعدها عوامل خارجية كما سنرى.

لكن الملاحظ أن هذه النوعية من التفكير صعبة للغاية، وهي وإن توافرت لبعض المفكرين الاجتماعيين الذين درسوا مجتمعات أخرى غير مجتمعاتهم، إلا أنها من النادر أن تتوافر مع دارس يدرس مجتمعه. فمن المعروف أن رفاعة الطهطاوي قد درس المجتمع الفرنسي، أو بالأحرى المجتمع الباريسي، في عشرينيات وثلاثينيات القرن التاسع عشر، في كتابه تخليص الإبريز في تلخيص باريز[2]، ولأنه أتى من مجتمع ومن حضارة مختلفة تمامًا، بل ومن عصر تاريخي مغاير جدًا لعصر الحداثة الأوروبية، فقد جاءت دراسته كاشفة عن ملامح ربما لم تكن واضحة لدى الفرنسيين في عصره، لكنها في الوقت نفسه كشفت عن خلفياته الاجتماعية والدينية والتي نظر منها إلى المجتمع الفرنسي. إن دراسة الطهطاوي لفرنسا كاشفة عن مصر في عصره بقدر ما هي كاشفة عن فرنسا. وكذلك الحال بالنسبة إلى الفيلسوف والمفكر الاجتماعي الفرنسي أليكسي دو توكفيل (1805 – 1895)، في كتابه الشهير الديمقراطية في أمريكا[3]، والذي كتبه تقريبًا في نفس فترة تأليف الطهطاوي لكتابه. لقد درس دو توكفيل المجتمع الأمريكي في عصره بطريقة لم يسبقه إليها أحد من الأمريكيين، لأنه رأى أشياء وفهم أشياء لم يكن المجتمع المدروس يلاحظها. لكن هذا الذي توافر لدارسين من خارج المجتمع، يصعب للغاية توافره لدارسين من داخل المجتمع المدروس، ينتمون إليه وهو الذي صنعهم.

وكذلك الحال مع الأديب الألماني هاينريش هاينه Heinrich Heine (1797 – 1856)، الذي درس المجتمع الألماني في عصره في كتابه الشهير الدين والفلسفة في ألمانيا[4]، وذلك عندما كان مقيمًا في فرنسا؛ والحقيقة أن هذا الكتاب يعد في نظري دراسة سوسيولوجية راقية، قبل أن يتأسس علم الاجتماع الأكاديمي رسميًا في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، إذ يحتوي على بصائر سوسيولوجية وعلى نوعية مبتكرة من التحليل السوسيولوجي المقارن، الذي يدرس مجتمعًا من منظور مجتمع آخر، ويقيس خبرة اجتماعية بخبرة اجتماعية أخرى، لفهم الاثنين معًا بوضعمها إزاء بعضهما البعض.

حاول دارندورف دراسة المجتمع الألماني كما لو كان دو توكفيل الفرنسي دارسًا المجتمع الأمريكي، أي محتفظًا بإحساس الدهشة والغرابة والجدة الذي يشعر به أي باحث لمجتمع مختلف عنه؛ لكن المحتم عليه أن يظل ألمانيًا وهو يدرس ألمانيا، عكس الطهطاوي المصري الذي يدرس فرنسا ودو توكفيل الفرنسي الذي يدرس أمريكا. فكيف للألماني أن يدرس ألمانيا وهو متحرر من ألمانيته؟ يجيب دارندورف: بأن يأخذ إجازة طويلة خارج ألمانيا، وبفضل زوجته الأمريكية[5]. السفر والزوجة الأجنبية؛ هذان هما الطريق نحو التأمل السوسيولوجي في المجتمع، من موقع يقع خارجه، أو بالاعتماد على شخص لا ينتمي إليه.

يميز دارندورف بين نوعين من السفر وتأثيرهما على الباحث السوسيولوجي: الرحلات القصيرة، والإقامة الطويلة بالخارج.الرحلات القصيرة سياحية وترفيهية، تستعيد النشاط، وربما تغير من أسلوب الكتابة، لأنها تطلع الباحث على أنماط مختلفة من البشر ومن طرق التفكير والاستجابة، مما يدفعه إلى التنويع في الأسلوب. لكن هذا النوع من السفر لن يغير كثيرًا من آراء وقناعات الباحث السوسيولوجي، إذ سرعان ما يعود إلى مجتمعه وينخرط في نفس الأنشطة ويسلك في نفس الحياة الاعتيادية[6].

في السفر ينفصل الباحث السوسيولوجي عن جماعته المرجعية وعن أصدقائه، مما يُمَكِّنه من معاودة النظر إلى مجتمعه بروح الاندهاش كما لو كان غريبًا عنه. لكن السفر القصير في رحلات سريعة لا يغير كثيرًا من قناعات السوسيولوجي وآرائه، بل يُمكنه فقط من تكوين حجج جديدة، نظرًا لشيء من المرونة يكتسبه بالسفر، وهذه المرونة ناتجة عن تعامله مع شخصيات أخرى غير التي اعتاد التعامل معها. وحتى أطول الرحلات تتحول بعدانتهائها إلى ذكريات ولا تغير كثيرًا من الاعتياد والألفة التي تعتم على النظرة السوسيولوجية للباحث، إذ يعود بعدها إلى مجتمعه وربما إلى نفس النظرة التي اعتاد عليها. ومن ثم على الباحث السوسيولوجي أن يقضي فترة طويلة خارج مجتمعه، لا مجرد قضاء رحلات ترفيهية قصيرة. ويقول دارندورف إن الباحث السوسيولوجي عليه أن يحتفظ بمنظور الإجازة أو العطلة holiday perspective، حتى وهو في بلده، لأن هذا المنظور هو بداية التفكير السوسيولوجي الحقيقي في مجتمعه.

وقت الفراغ بوصفه شرطًا لتكوين المجال الأكاديمي

ومنظور الإجازة هذا كان له معادل ونظير في الفكر الفلسفي القديم، وهو ما عبر عنه الفلاسفة القدماء بوقت الفراغ، الذي هو عندهم وقت التأمل، لأنه هو الوقت المتحرر من الانشغال بشؤون الحياة اليومية والأعمال الضرورية. وكلمة “وقت الفراغ” هي باليونانية skholḗ σχολή/ ، وهي تعني الوقت المتحرر من العمل، ثم استُخدِمت بعد ذلك للوقت الذي يُقضى في النقاش الفلسفي والدراسة. ومنها أتت كلمة “عالِم” scholar. وفي جامعات كثيرة يأخذ الأستاذ الجامعي إجازة لسنة كاملة كل سبع سنوات، تسمى السنة السبتية sabbatical year، يتحرر فيها تمامًا من العمل الجامعي، ويتفرغ بالكامل للتفكير والتأمل والبحث والدراسة. إن ما نتعمله من حديث دارندورف عن ضرورة الإجازة ووقت الفراغ، أن هذا الوقت هو من أهم الشروط الضرورية للتفكير السوسيولوجي، تمامًا كما كان من شروط التفكير الفلسفي قديمًا.

وهذا ما نجده في الكثير من نصوص الفلاسفة القدماء، إذ كانوا على علم بأن وقت الفراغ من أهم شروط التفكير الفلسفي، وهو في الحقيقة من أهم شروط البحث العلمي أيًا كان نوعه. إذ نفاجأ بابن رشد في كتابه تهافت التهافت، الذي يرد فيه على هجوم الغزالي على الفلاسفة، يوجه تنبيهًا وتوصية لقارئه، وهي أن يكون متفرغًا لهذا النوع من البحث. يقول ابن رشد: “فهذه هي طريقة القوم [الفلاسفة] مُجملة. فإن كنت من أهل الفطرة المعدة لقبول العلوم، وكنت من أهل الثبات، وأهل الفراغ، ففرضك أن تنظر في كتب القوم وعلومهم لتقف على ما في كتبهم من حق أو ضده. وإذا كنت ممن نقصك واحد من هذه الثلاثة، ففرضك أن تفرغ في ذلك إلى ظاهر الشرع، ولا تنظر إلى هذه العقائد المحدثة في الإسلام، فإنك إن كنت من أهلها لم تكن من أهل اليقين ولا من أهل الشرع”[7]. يشدد ابن رشد على هذه الشروط الثلاثة، ويصر على أنه إذا افتقد قارؤه “واحد من هذه الثلاثة”، فلن يتمكن من تتبع الحجج والبراهين المنطقية، الطويلة والتفصيلية بطبيعتها، نتيجة لطولها. الأمر ببساطة أن الفلسفة حرفة، تتطلب تكريس وقت طويل لها، وهو وقت الفراغ. لكنني أتعجب من أمر ابن رشد، الذي يصر على وقت الفراغ كشرط للتفلسف ولقراءة كتب الفلاسفة، وهو نفسه لم يكن يتمتع بأي وقت فراغ. لقد كان فقيهًا وقاضيًا، يشرف على قضاء الأندلس، وهو المعروف بقاضي القضاة، ومن مهامه تعيين القضاة وعزلهم، وتعيين خطباء المساجد، أي كان في مقام وزارة الأوقاف، والفصل في القضاة إذا اختلفوا، والفصل بين القضاة والمتقاضين إذا تنازعوا، أي في مقام المحكمة الدستورية، فمن أين أتى بوقت الفراغ الذي يتكلم عنه ليكتب شروحًا مطولة على كتب أرسطو تتنوع بين الجوامع والتلخيصات والشروح، ويكتب أعماله الخاصة ومنها السِّفْر الضخم تهافت التهافت الذي يكتب فيه هذا الكلام؟

إن ابن رشد كان في إصراره على الفراغ كشرط ضروري للتفلسف ولتتبع كتب الفلاسفة، كان يعبر عما استقر لدى الفلاسفة منذ اليونان، وهو ضرورة وقت الفراغ. ففي محاورة ثياتيتوس لأفلاطون، نجد سقراط يدخل في حوار مطول مع صديقه ثيودورس، بعد أن يلاحظ أن النقاش بينهما قد طال كثيرًا، واستغرق وقتًا طويلًا. هذا الوقت الطويل دفع سقراط إلى التأمل فيه. يسأل ثيودورس صديقه سقراط: “أليس لدينا فراغ لبحث ذلك يا سقراط؟”[8]؛ يريد ثيودورس الإطالة، ويجيب سقراط أنهما بالفعل لديهما فراغ طويل، ويقول له إن هذا الفراغ الطويل هو ميزة يتمتع بها الفيلسوف ويعلو بها عن رجال السياسة، ويتمكن بها من مناقشة أفكار وقضايا لم تكن لتشغل عقول رجال السياسة؛ فهم يقضون وقتهم في الخطابة وفي المحاكم والمجالس وفي الساحات العامة، وليس لديهم الفراغ الذي يمكنهم من التأمل. بل إن سقراط يقول إن الذين قضوا حياتهم في الأنشطة السياسية يبدون كالعبيد بالنسبة إلى الفلاسفة، ويبدو الفلاسفة أنهم هم الأحرار؛ فبالنسبة إلى الفلاسفة “الأحرار، يكون الفراغ اللازم للبحث موجودًا دائمًا، بحيث تتم أحاديثهم في سلام”؛ إذ لا يضرهم طول الوقت الذي يقضونه في البرهنة على آرائهم طالما كان سعيهم نحو الحقيقة. أما غير الفلاسفة فلا يملكون الوقت الحر، “وليست لديهم الحرية الكافية للاسترسال في موضوع حديثهم”[9]. في حديث سقراط يتبين ارتباط الحرية بوقت الفراغ، والعبودية بانعدام وقت الفراغ. فإذا أردت أن تكون حرًا في تفكيرك وفي بحثك، يجب أن تكون حرًا في وقتك؛ وقت الفراغ المتحرر من العمل ومن الانشغال بأي شيء آخر هو وقت الحرية.

ونظرًا لضرورة وقت الفراغ skholḗ للتفلسف، وللتفكير العلمي المحترف، فقد كان من الضروري وجود مكان لممارسة هذا النوع من التفكير، وهو المدرسة، التي يحمل اسمها اليوناني الأصلي نفس كلمة وقت الفراغ، واستعارتها اللغة اللاتينية لتسمية المدرسة schola. وأفلاطون الذي شدد على وقت الفراغ، أدرك أهميته، فأقام مكانًا خاصًا للتعليم وممارسة الفلسفة، هو “الأكاديميا” Akademia، والاسم كان لحديقة أشجار ملحق بها ساحة للألعاب الرياضية كانت ملكًا لشخص يدعى أكاديموس Akademos، وكان أحد أبطال الألعاب الرياضية اليونان. وصارت الكلمة بعد ذلك تعني مكان الدراسة المتخصصة في التعليم العالي فوق التعليم الأساسي والمتوسط. والغريب في الأمر أن أفلاطون الذي حوَّل ساحة للألعاب الرياضية إلى أكاديمية، كان ممتلئ الجسم سمينًا يتدلى لُغده على صدره، كما يظهر من تمثاله القديم. يبدو أن وقت الفراغ أحدث أثره في أفلاطون، لا في التفلسف وحسب، بل وفي زيادة الوزن.

الشروط الطبقية لتوافر وقت الفراغ

لكن كيف تمكنت فئة من الناس من التمتع بوقت فراغ طويل يتفلسفون فيه بحرية؟ ما الذي مكنهم من الحصول على وقت الفراغ هذا؟ الحقيقة أن التحرر من الانشغال بالعمل وبأمور الحياة اليومية لا يتوافر إلا لدى فئة من الناس لديها من الإمكانيات المادية ما يُمَكِّنها من الانعزال عن المجتمع وعن العمل والتفرغ للحياة العقلية. هذه الفئة ظهرت في بلاد اليونان القديمة نتيجة لعوامل اقتصادية في الأساس، تتمثل في ازدهار حركة التجارة العالمية في حوض البحر المتوسط والتي كان اليونان يسيطرون عليها، مما مكَّن فئة من المواطنين من العيش على الأرباح التجارية وعدم الانشغال بالعمل المادي المباشر، وإتاحة وقت فراغ طويل لديهم. إذن، ليس وقت الفراغ في حد ذاته هو شرط التفلسف كما نجد عند أفلاطون، بل إن أساس توافر وقت الفراغ هو التطور الاقتصادي اليوناني وخاصة الاقتصاد النقدي، الذي أدى إلى إمكانية أن تعمل النقود في التجارة ويتفرغ صاحبها للتأمل الفلسفي، والاستحواذ على ثروة في شكل نقدي. التفكير النقدي في حاجة إلى اقتصاد نقدي. وهذا هو ما أدركه المفكر النمساوي كارل كاوتسكي (1854 – 1938)، إذ يقول: “لم يكن للفكر العلمي أن يتطور إلا في طبقة حاصلة على كل المواهب والخبرات والمعرفة الناشئة عن التجارة، وفي نفس الوقت متحررة من ضرورات كسب العيش، وبالتالي حاصلة على وقت الفراغ الضروري، والفرصة والمتعة في البحث المنعزل عن الأغراض العملية، وفي حل مشكلات دون النظر إلى نتائجها العملية أو الشخصية المباشرة. إن الفلسفة لم تنشأ إلا في المراكز التجارية الكبيرة، حيث توافرت عناصر أخرى بجانب التجارة، ضمنت الثروة المناسبة والوضع الاجتماعي المناسب الذي أعطى للفلاسفة الفراغ والحرية. وكان هؤلاء الفلاسفة من ملاك الأراضي الواسعة، الذين حررهم عبيدهم من الحاجة للعمل،  والذين لم يكونوا يعيشون في الريف بل في المدينة، حيث لم يكونوا مقيدين بحياة الريف الرتيبة، منفتحين على مؤثرات المدينة وتجارتها الواسعة”[10].

ويذهب كاوتسكي إلى أن الفلسفة نشأت في المدن الساحلية التي بها موانئ تجارية كبيرة، على السواحل الشرقية لآسيا الصغرى المطلة على بحر إيجة، وسواحل بلاد اليونان الأصلية فيما بعد. وهذه المدن الساحلية كانت محاطة بأراض زراعية بمساحة متوسطة معقولة، لا بالكبيرة ولا بالصغيرة. هذه المساحة المعقولة، أي المتوسطة، جعلت مالكيها يتمكنون من قضاء حياتهم في المدينة وترك الأرض لعمالة العبيد والمشرفين عليهم[11]؛ فلو كانت الأرض الزارعية صغيرة، لم يكن ليستطع المالك الاعتماد عليها في الحصول على وقت فراغ كبير؛ ولو كانت الأرض الزراعية كبيرة لاحتاجت إقامة دائمة للمالك فيها، لما في المساحة الزراعية الكبيرة من مسؤوليات ضخمة وتفاصيل تحتاج المتابعة والإشراف اليومي. لكن المساحة المتوسطة مكنتهم من الإقامة في المدينة، وكذلك لم تكن هذه المساحة المتوسطة ذات إنتاجية عالية، فاحتاج هؤلاء المُلَّاك إلى الاشتغال بالتجارة في المدن. ومن ثم مكنتهم ملكيتهم وتجارتهم من الإقامة في المدن والتفرغ للتفلسف.

إن ما تكلم عنه أفلاطون من ضرورة الفراغ للتفلسف – ولأي تفكير علمي – يستند على شروط مادية، اقتصادية وطبقية، مرتبطة بدرجة تطور البناء الاجتماعي، هي التي خلقت نخبة فكرية راقية. يعتقد المفكر أن الشروط الضرورية للتفلسف ذاتية، تخصه هو، لكنها في الحقيقة شروط موضوعية، سوسيولوجية واقتصادية، مادية وطبقية، هي التي تنتج الطبقة المفكرة. الفيلسوف من إنتاج مجتمعه ومن خلق بناء اجتماعي – اقتصادي معين.

وقت الفراغ والانفصال عن البحث التجريبي

وقد يكون وقت الفراغ هو اللانتماء إلى أي مؤسسة والذي يتيح نقد كل مؤسسة. لم يكن أغلب فلاسفة عصر التنوير جامعيين، وكانوا خارج الأكاديميا ولم ينشغلوا أبدًا بالتدريس: مونتسكيو، فولتير، روسو، هولباخ، هلفشيوس، ديدرو، لامتري. بل إن مؤسسي علم الاجتماع لم يكونوا منتمين إلى الجامعة: سان سيمون، أوجست كونت، كارل ماركس، وغيره من الماركسيين الأوائل؛ وكانت الماركسية علمًا كاملًا نشأ خارج الأكاديميا وتطور للغاية، ثم دخل إليها من خارجها. وحدث الشيء نفسه مع علم الاجتماع، إذ ظهر خارج الجامعة، في القرن التاسع عشر، ثم انتقل إليها بعد ذلك، في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.

وقد يكون الوقت الحر، الضروري والحاسم للإنتاج العلمي والتفكير النظري، هو الوقت المتحرر من العمل الميداني والبحث التجريبي، الذي ربما يعتمد عليه الباحث نفسه. فعلى سبيل المثال، ماركس لم يذهب إلى مصنع، ولم يوزع استمارة مقابلة على عمال مصانع، بل اعتمد على تقارير لجان البرلمان الإنجليزي حول المصانع في عصره، وعلى تقارير المصانع ذاتها وعلى بيانات البنوك والشركات وأخبارها في الصحف، والتي كانت كلها متاحة أمامه في مكتبة المتحف البريطاني التي كان يعمل بها يوميًا. ففي المكتبة، وبعيدًا عن المصنع، كتب ماركس نظرياته الاقتصادية الثورية التي غيرت وجه العالم من بعده. ولو لم يتوفر وقت الفراغ لماركس، الذي هو وقت الحرية، لم يكن ليستطيع إنتاج ما أنتجه. لكنه كان وقتًا مُجبرًا عليه، ولم يكن من اختياره، إذ كان لاجئًا سياسيًا في إنجلترا، وبدون عمل، عدا كتابته مقالات صحفية بأجر زهيد، وكان يعتمد على إنجلز في نفقاته ونفقات أسرته، حتى بعد تأليفه كتاب رأس المال (1867). كتب ماركس إلى إنجلز بتاريخ 4 مارس 1968 قائلًا: “عزيزي فريد، من (الإنذار) المرفق ستعلم أنني إذا لم أدفع مبلغ 7.50 جنيها إسترلينياً بعد غد فسوف يتم الحجز على أثاث بيتي…”[12]. وكتب له أيضًا بتاريخ 10 مارس من العام نفسه : “عزيزي فريد، أشكرك على الـعشرة جنيهات…”[13]. الملاحظ أن هذه المراسلات من سنة 1868، أي بعد نشر ماركس لكتاب رأس المال سنة 1867، وبعد أن تلقى الدفعة الأولى من حسابه من الناشر.

وكمثال آخر على أن وقت الإنتاج الفكري والإبداع النظري منفصل ومستقل تمامًا عن وقت البحث الميداني والتجريبي، نجد دوركايم، في تأليفه كتابه الشهير الأشكال الأولية للحياة الدينية. إذ أقام نظريته في سوسيولوجيا الدين في هذا الكتاب على أساس بحثه عن البدايات الأولى البسيطة للشعور الديني، والأشكال الأولية للشعائر الدينية لدى القبائل البدائية، والتي مثلت بالنسبة إليه أول تعامل اجتماعي مع المقدس ومع الأمور الدينية، فبحث عن هذا الشعور الأولي والممارسات الشعائرية البسيطة في قبائل أستراليا التي كانت لا تزال موجودة في عصره. لكنه لم يذهب إلى أستراليا بنفسه ولم ير هذه القبائل أبدًا، بل اعتمد على الأبحاث والدراسات الميدانية التي أجراها الباحثون الإنجليز هناك، والذين كانوا يعملون في حقول الأنثروبولوجيا والإثنولوجيا، ونشروها في مؤلفات هي التي اعتمد عليها دوركايم بعد ذلك في تأليفه الأشكال الأولية. ففي وقت الفراغ الأكاديمي في باريس، والمستقل تمامًا عن أي احتكاك مباشر بقبائل أستراليا وبعدم معرفة مباشرة بها، كتب دوركايم هذا الكتاب. ولم يكن عدم احتكاكه المباشر بها عرضة للنقد ولم يطعن في صحة تحليلاته ونتائجه.

وقت الفراغ بوصفه شارطًا لطبيعة الفلسفة ولنظرة الفلاسفة إلى أنفسهم

ينظر الفلاسفة إلى الفلسفة على أنها حقل منغلق على نفسه، ولا يتطور إلا وفق قوانينه الخاصة، ولا يتأثر بأي شيء إلا بالأفكار المجردة، المنفصلة تمامًا عن أي سياق، اجتماعي أو تاريخي أو شخصي. وهذا هو ما يسمى بوهم استقلال الفلسفة. هذا الوهم ينشأ من عملية تقسيم العمل إلى عمل مادي وعمل ذهني، ولأن أصحاب العمل الذهني منفصلون عن الانشغال المباشر بعملية العمل التي تحدث في المجتمع، يأتيهم الوهم بأن عملهم الفكري منفصل هو الآخر عن المجتمع ولا يتحدد إلا بشروطه الداخلية، ويتصف باستقلال خاص، لكونه مجرد، أي متجرد من كل ما هو عملي. وهنا تظهر ثنائية النظر والعمل، تصعد أهمية الأول على الثاني.

ومن ثم يرجع وهم استقلال الفلسفة إلى تقسيم العمل إلى عمل مادي وعمل ذهني. والفلسفة هي ذلك النوع من العمل الذهني الممارس في وقت الفراغ، أي الوقت المتحرر من ضروريات الحياة اليومية. وقد قدم بورديو تحليلاً للحقل الفلسفي باعتباره حقلاً لا يتمكن من الظهور إلا بفضل وقت الفراغ هذا. ويهدف بورديو في المقام الأول تقديم نقد للعقل الإسكولائي Scholastic Reason، أي ذلك العقل المنخرط في الدراسة النظرية، والذي تشغله الأسئلة والقضايا النظرية البحتة بعيدة الصلة عن الاعتبارات العملية([14]). إنه عقل الفلاسفة بالتحديد وعن جدارة. ويعبر العقل الإسكولائي في توصيف بورديو له عن مجموعة من القواعد والمعايير العقلية التي تساعد على تكوين الحقل الفلسفي باعتباره مجالاً في طرح الأسئلة ذات الطابع الفلسفي وتقديم إجابات نظرية مجردة عنها، والتي تحكم إنتاج المفاهيم والتصورات الفلسفية، وبصفة خاصة التصورات والأنساق الميتافيزيقية.

ويرجع بورديو هذا العقل الإسكولائي إلى أصله اليوناني بالربط بينه وبين كلمة Skole اليونانية، والتي تعني وقت الفراغ، الوقت الحر والمتحرر من ضروريات الحياة اليومية([15]). ويشير بورديو بذلك إلى أن أولى شروط تكوين الحقل الفلسفي توافر وقت الفراغ هذا. والحقيقة أن نوعية الأسئلة التي طرحها الفلاسفة اليونان وبحثوا عن إجابات عنها ببناء أنساق ميتافيزيقية محددة بوقت الفراغ هذا؛ لأن هذه الأسئلة، مع إجاباتها، تتصف بالطابع التأملي؛ والتأمل هو النشاط العقلي الممارس من قبل من يتمتع بوقت الفراغ. ولذلك يحدد أفلاطون وأرسطو الهدف الأساسي للتفكير الفلسفي بأنه السعي نحو الحكمة والوصول إلى الحقيقة؛ لا الحقيقة الخاصة بهذا المجال أو ذاك، ولا الحقيقة المرتبطة بأي نشاط إنساني، بل الحقيقة ذاتها، وهما يصفانها بأنها هدف في حد ذاته([16]). ولم يكن للفلسفة أن تتخصص في البحث في الحقيقة المجردة غير المرتبطة بعالم الإنسان وحياته اليومية إلا انطلاقاً من عقلية تأملية تستمتع بهذه الحقيقة باعتبارها غاية لذاتها، أي المعرفة من أجل المعرفة، لا من أجل أي أغراض عملية.

ولهذا السبب فإن أرسطو كان دائماً ما يكرر انفصال وتمايز الميتافيزيقا، أو حسب تعريفه “علم الوجود بما هو وجود” عن أي هدف عملي([17]). وقد وضع أرسطو هذا العلم باعتباره أشرف وأعلى العلوم، ونظر إليه على أنه الفلسفة الأولى Prima Philosophia، والهدف الأساسي والنهائي للفيلسوف، وبذلك وضع الأولوية لعلم ليست له أي فائدة عملية. لكن هل الميتافيزيقا هي كذلك بالفعل؟ أم أنها هي العلم الأول والأسمى الذي يمد كل العلوم الأخرى بمبادئها الأولى؟ الحقيقة أن أرسطو نفسه لم يصل إلى ميتافيزيقاه إلا على أساس دراساته في العلم الطبيعي. فعلى أساس نظرياته في الحركة وفي تصنيف الموجودات توصل إلى المقولات، التي كانت ذات طابع تصنيفي منطقي في دراساته قي الطبيعة والحيوان، ثم تحولت إلى مقولات أنطولوجية تصنف أنماط وجود الموجودات في كتابه “الميتافيزيقا”. فبعد تصنيفه للموجودات، ذلك التصنيف الذي كان يحمل الطابع الفيزيائي والبيولوجي، بنى نسقه الميتافيزيقي باعتباره تعميماً وتقعيداً للمبادئ التي حصل عليها في العلم الطبيعي وعلم الحيوان. وهذا ما تثبته وحدة الموضوعات التي درسها في علم الطبيعة وعلم ما بعد الطبيعة. إذ درس فيهما مفاهيم واحدة مثل القوة والفعل والمادة والصورة والحركة والمقولات المعروفة عنه مثل المكان والزمان. عالج أرسطو هذه المفاهيم في علم الطبيعة من وجهة النظر الفيزيائية، ثم عالجها مرة أخرى في علم ما بعد الطبيعة من وجهة النظر الأنطولوجية، أي التأملية المجردة([18]). كما أن المقولات قد عالجها مرتين كذلك: مرة في كتبه المنطقية باعتبارها عناصر تكوين الأحكام والاستدلالات، ومرة أخرى في الميتافيزيقا باعتبارها الأنماط التي يظهر عليها الوجود وتترتب فيها الموجودات.

لم يكن علم ما بعد الطبيعة إذن هو العلم الأول الذي بحث فيه أرسطو، بل كان العلم الأخير. وقد أدرك أندرونيقوس الرودسي الذي رتب مؤلفات أرسطو وصنفها هذه الحقيقة عندما أطلق على مقالات أرسطو الميتافيزيقية اسم “ما بعد الطبيعة” Meta ta Physica، أي التي تأتي بعد مقالات العلم الطبيعي. والحقيقة أنها كذلك بالفعل حسب المضمون والترتيب المنطقي وكذلك حسب تأليف أرسطو لها. لقد ألف أرسطو مقالات ما بعد الطبيعة عندما فرغ من دراساته في علم الطبيعة. وكأن الفيلسوف بعد أن “فرغ” من البحث “شبه التجريبي” في الطبيعة، تأمل في طبيعة الوجود وأخرج لنا مذهبه الميتافيزيقي. وبذلك يكون علم ما بعد الطبيعة هو العلم الذي وُضع في وقت الفراغ من البحث الطبيعي. إن عدم وجود أي فائدة عملية للميتافيزيقا يرجع إلى أنها من إنتاج وقت الفراغ، ووقت الفراغ دائماً ما ينتج تأملات ليست لها فوائد عملية مباشرة. الميتافيزيقا هي نتاج وقت فراغ الفيلسوف، هي وقته الخالي المتحرر من أي اهتمامات عملية، وبذلك نالت سمعتها الشهيرة بأنها رفاهية عقلية.

والحقيقة أن الهدف من البحث الميتافيزيقي الذي هو أكثر أنواع البحث الفلسفي تحرراً من أي اهتمام عملي، يكشف عن خلط الفيلسوف بين هذا الهدف المنتوى من الميتافيزيقا من جهة، ونفس هذا الهدف الذي لا يتحقق من البحث المجرد بل من مجرد تمكن الفيلسوف من التمتع بوقت الفراغ. وهذا ما يتضح من هدف الميتافيزيقا لدى أرسطو وهو الوصول إلى الكمال الإنساني باستكمال قواه العقلية، وهو هدف شرط تحققه وقت الفراغ والمكان الذي يحتله الفيلسوف في السلم الاجتماعي قبل أن يسعى إليه في البحث الميتافيزيقي.

ولأن الفلاسفة متحررون بالفعل من العمل المادي ومن الانشغال بشئون الحياة اليومية، فهم ينظرون إلى ممارستهم للفلسفة على أنها ممارسة للحرية في أقصى درجاتها، وينظرون إلى التفلسف على أنه البحث الحر المستقل، وهذا ما يعطيهم وهماً باستقلال الفلسفة. ويذهب بورديو إلى المزيد من توضيح فكرته عن شروط إنتاج الحقل الفلسفي وارتباط هذه الشروط بوقت افراغ؛ فالفلاسفة، وعلى الرغم من أنهم طرحوا أسئلة لا حصر لها، إلا أنهم لم يطرحوا أهم سؤال، ألا وهو شروط تفلسفهم، لا بمعنى الشروط النظرية الواجب توافرها في الخطاب الفلسفي كي يكون عقلانياً ومنطقياً، فهذا هو ما بحثوا فيه بالفعل، بل الشروط التي تجعلهم هم أنفسهم فلاسفة، أي فئة من محترفي الفكر الذين يتخصصون في البحث في المجردات. وأهم هذه الشروط في نظر بورديو هو وقت الفراغ. الفيلسوف إذن هو ذلك الذي مكنه وقت الفراغ من أن “يتفرغ” للتأمل والبحث النظري. ولا يتناول بورديو الظروف الاقتصادية التي مكنت الفلاسفة من التفرغ، بل يتناول وقت الفراغ داخلياً، أي باعتباره يسهم في تشكيل حقل مستقل للبحث الفلسفي. ذلك لأن بورديو يعالج الفلسفة على أنها مؤسسة Institution توجد في مجال معين من الممارسة Field of Practice، وهذه المؤسسة وهذا المجال يحتلان موقعهما في نفس وقت الفراغ هذا[19]؛ وكأن الفلسفة كي تقوم يجب أن تجد لها حيزاً من الفراغ الاجتماعي – الاقتصادي تستطيع أن تشغله، أو مكان خال من أي اهتمامات عملية أو يومية.

والحقيقة أن هذا المكان الخالي هو في حقيقته زمان خالٍ. وتحليل بورديو صحيح إلى حد كبير؛ ذلك لأن المجتمع الذي لا يوجد به هذا المكان الخالي لا تظهر فيه الفلسفة، إذ تشغل أمكنته كلها أشياء أخرى مثل العمل والسياسة والحياة الخاصة والدين. وإذا ما وُجد وقت فراغ فليس شرطاً أن تشغله الفلسفة، فليس كل مجتمع يتيح للفلسفة أن تشغل وقت فراغه. فمن الممكن أن تشغل وقت الفراغ أنشطة أخرى غير الفلسفة، مثل الفن والترفيه. وليس معنى وجود وقت فراغ أن تشغله الفلسفة تلقائياً، والأمر إذن يتطلب أشخاصاً يحترفون التفكير النظري، يتمكنون من تحويل وقت الفراغ هذا إلى وقت للتفلسف. وبعد أن يتمكن الفلاسفة من أن يجدوا لهم مكاناً في وقت الفراغ حتى يتحول هذا الوقت بالنسبة إليهم إلى أكثر الأماكن تخصصاً واحترافاً، المكان المنشغل بأهم قضايا الوجود والمصير الإنساني. إن وقت الفراغ هو في حد ذاته رفاهية، لكن عندما تشغله الفلسفة يتحول إلى أن يصبح الوقت الذي يتم فيه التفكير في المصير الإنساني كله؛ وهكذا يتحول وقت الفراغ على أيدي القلاسفة إلى وقت المصير، أي يتحول من الوقت غير الضروري إلى أكثر الأوقات ضرورة. وكأن حيز الفراغ المتحرر من العمل الإنساني هو نفسه الحيز الذي يتم فيه التفكير في الإنسان نفسه. صحيح أنه الوقت الخالي من العمل والمتحرر منه، إلا أنه يصير الوقت الذي يمارس فيه النشاط المضفي للمعنى على والدلالة والهدف على كل عمل إنساني. وهكذا فإن أفلاطون وأرسطو وأوغسطين وحون لوك وهيجل وماركس قد حددوا في أوقات فراغهم كيفية نظيم مجتمعاتهم، وقد تأثرت هذه المجتمعات بما أنتجوه من نظريات في أوقات فراغهم؛ وكأن وقت فراغهم هذا قد مارس سلطة فكرية غير مسبوقة في تاريخ المجتمعات البشرية، سلطة الأفكار الفلسفية التي تعبر عن رغبة الفلاسفة في حكم العقل للعالم.

 

_____________________________________________________

المراجع:

[1]) Ralf Dahrendorf. Society and Democracy in Germany. (Garden City, N.Y.: Doubleday, 1967), p. ix.

[2]) رفاعة الطهطاوي، تخليص الإبريز في تلخيص باريز، في الأعمال الكاملة لرفاعة رافع الطهطاوي، تحقيق محمد عمارة، دار الشروق والهيئة المصرية العامة للكتاب، مشروع مكتبة الأسرة، القاهرة، 2010، المجلد الثاني.

[3]) أليكسيس دي توكفيل، الديمقراطية في أمريكا، ترجمة وتعليق أمين مرسي قنديل، تصدير محسن مهدي، عالم الكتب، القاهرة (د. ت)

[4]) Heinrich Heine. On the History of Religion and Philosophy in Germany and Other Writings. Translated by Howard Pollack-Milgate. (Cambridge: Cambridge University Press, 2007).

[5]) Dahrendorf. Society and Democracy in Germany, p. ix.

[6]) Ibid.

[7]) ابن رشد، تهافت التهافت، تحقيق أحمد محفوظ، مع مدخل ومقدمة تحليلية وشروح للمشرف على المشروع الدكتور محمد عابد الجابري. مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الأولى 1998 ص 381.

[8]) أفلاطون، محاورة ثياتيتوس أو عن العلم. ترجمة وتقديم د. أميرة حلمي مطر. دار غريب، القاهرة 2000، ص 69.

[9]) المرجع السابق، ص 70.

[10]) Karl Kautsky. Foundations of Christianity; a Study in Christian Origins; Authorized Translation from the Thirteenth German Edition. (New York: International Publishers, 1925), 207.

[11]) Ibid, p. 207 – 208.

[12]) Marx and Engels. Collected Works, vol. 42, Letters 1864-68. (London: Lawrence & Wishart, 1987), p. 541.

[13]) Ibid. p. 542.

[14]) Pierre Bourdieu, Pascalian Meditations. Translated by Richard Nice (Stanford: Stanford University Press, 2000), pp. 12-15.

[15])  Ibid: pp. 18-19.

[16]) Aristotle, Metaphysics, book II, Chapter 1, 993b, in The Basic Works of Aristotle. Edited with introduction by Richard Mckeon, translated by W.D. Ross (New York: Random House, 1941).

[17]) Ibid, Book I, Chapter 2, 992b.

[18] ) كان الفلاسفة المسلمون على وعي باشتراك علم الطبيعة وعلم ما بعد الطبيعة في كثير من الموضوعات، وأبرزهم ابن رشد. أنظر في ذلك: ابن رشد: تلخيص ما بعد الطبيعة. حققه وقدم له د. عثمان أمين. مصطفى البابي الحلبي، القاهرة 1958، ص 2-3، 7.

[19]) Bourdieu, Pascalian Meditations, p. 53.

    اقرأ ايضا

    المزيد من المقالات

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete