تكوين
“وما حنيننا للماضي إلا لفقر الحاضر وافتقاره”
الإنسان المعاصر صار أعرجًا؛ يقف بقدمٍ واحدة راسخة على أرض الماضي، أمَّا الحاضر يكاد لا يجد فيه موطئَ قدمٍ. فكل طُرُقِه زلقة، وكل دروبه مربكة، والأزمات تحاصره في كل مجال: سياسيًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا. الجميع يتحسَّرُ على “الماضي الجميل” حينما كان الفن فنًّا، لا نفخًا في أبواق وأصواتًا نكراء. وحينما كان الإنسان إنسانًا، يحمل الأخلاق الحميدة والتربية الحسنة. لقد كانت “مصر” مضربًا للأمثال في الخُلُقِ، والأمن، والأمان بين مواطنيها؛ حيث كانت الأصول، وأخلاق “ولاد البلد” كما يُقال، وكانت رسالة التعليم أمانة عظمى وعبئًا يستحق النضال من أجله، لأنك تصنع إنسانًا ومواطنًا يُعَبِّرُ عن شعبه: إن عَمِل، عَمِل بجد وأمانة، وإن عَلَّمَ راعى الإخلاص، وإن حارب أو استُدعِي للدفاع عن وطنه ضحَّى برُوحه راضيًا باسمًا، بل ويحسده الآخرون على ذلك ويتمنونه.
أما الآن، فمع جيل”Z”، أنت محض رَقْم في منظومة اقتصادية؛ تُقاس بما تملك من ثراء مادي أو موقع اجتماعي “راقٍ” كما يُصَنِّفُون البشر، ولستَ من “مصر” بل من “إيجيبت”. فـأهل “مصر” هائمون على وجوههم من هَوْلِ ما يرونه في الحياة، وأهل “إيجيبت” فاقدين للمعنى والحس والرُوح من هَوْلِ ما عندهم، فمن لا يملك مُعَذَّبٌ بشقائهِ، ومن يملك مُعَذَّبٌ بثرائه، والكل ضائع في خواءِ بلا مدد.
لهذا، تتصاعد الدعوات الآن بالبحث عن “شعراوي جديد” مثل فضيلة الشيخ “محمد متولي الشعراوي”، و“أم كلثوم جديدة” كوكب الشرق التي ملأت الشرق طربًا، فإن الأمر لا يتعدى “الفكرة” لا “الفكر”. هم لا يبحثون عن شخصياتهم ذاتها، بل عن أحلامهم الضائعة وطفولتهم السعيدة؛ فالواقع بائس مُبئِسٌ، ومن الطبيعي أن نستدعي الماضي الجميل ونعيش على أمل “شعراوي جديد”، و”أم كلثوم جديدة”، و”بوجي وطمطم” جديد، وكل روائع الزمن الجميل.
المطلب هنا ليس “الشعراوي” بأفكاره، كما ظن وأنتقد كثيرٌ من المثقفين المصريين، وإنما فكرته؛ البهجة التي كانت تُحيط به، والسياق العالق بذاكرتنا حينما كُنَّا سعداء، وكل ما حولنا جميل. ذكريات جيلٍ كامل مع “الشعراوي” تتمثَّلُ في الأجواء المحيطة به: موسيقى مقدمة برنامجه المحفورة في وجداننا، والتي ما إن نسمعها حتى تطرق قلوبنا جميعًا، فيُفْتَحُ باب الماضي، ونتذكر كيف كنا، والبهجة التي كانت تأتينا من صوته الهادئ. لم يكن يصرخ أو يزعق كمن هم الآن، بل كان صوته رقيقًا حنونًا هادئًا. لم نكن نفهم شيئًا من فكر الرجل آنذاك؛ فمَن يطالبون به اليوم يتذكرونه من الطفولة بوصفه “صورة” لا بوصفه “فكرًا”. نتذكر كيف كنا نهرول مع بداية برنامجه لإعداد إفطار رمضان، وكيف كانت رائحة الطعام الجميلة تنتشر من كل بيت، حيث كان القوت متاحًا بلا عناء، وكل شيء له طعم يميِّزُه، والجودة تشمل حياتنا، فقد كان طعامنا من صنع أيدينا، وزرعنا ينمو في حقولنا بلا “هندسة وراثية” أو “أبحاث للطعام” تلك التي لا تهتم إلا بالكم، وحجم الثمرة ومتانتها الخارجية، التي تضمن بها الربح.
“الشعراوي” إذن، فُسيفساء في صورة رائقة؛ كان كل شيء فيها بخير، حتى أحزاننا كانت مقبولة، وأحباؤنا بيننا، والمواساة صادقة، والحب فطري بريء. واليوم، في نوستالجيا عجيبة، نبحث عن “شعراوي” جديد و”أم كلثوم” جديدة. فـما حنيننا إلى الماضي إلا لفقر الحاضر وافتقاره.
ما النوستالجيا؟
أصل كلمة “نوستالجيا” (Nostalgia) يعود إلى اليونانية القديمة، وهي مكوَّنة من مقطعين: “نوستوس” (νόστος) وتعني “العودة إلى الوطن”، و”ألجوس” (ἄλγος) وتعني “الألم” أو “الحنين”. لذا فالمعنى الحرفي للكلمة هو “ألم العودة إلى الوطن” أو “حنين مرهف للماضي”.([1])
النوستالجيا هي حنين إلى الماضي، لكنها ليست تذكُّرًا فسحب، وإنما شعورًا عاطفيًّا يختلط فيه الحزن بالدفء عند استعادة ذكريات أو أماكن أو تجارب مضت، غالبًا ما تكون مرتبطة بفترات زمنية نراها جميلة أو ذات معنى خاص. إنها تُثير فينا الشجن والسعادة معًا، لكنها في الوقت نفسه تحمل رفضًا ضمنيًا للحاضر، باعتباره غير قادر على التعبير عن أمانينا وأحلامنا، وإلا لما لجأنا إلى الماضي.
فالمشكلة الحقيقية ليست في الحنين إلى الماضي، وليست في استحضاره ذاته، بل في كون الحاضر عاجزًا عن تمثيلنا. الحاضر يُعاندنا ويلفظنا ونكاد لا نجد فيه مكانًا، وهنا فإن مجال الإصلاح الحقيقي متاح في هذا الحاضر وحده، الذي يجب أن يكون مقبولًا حتى نتجاوزه نحو حاضر آخر، حاضر يُمكن تخطيه دون ألم مُبْرِحٍ، ليصبح في يوم ما ذكرى قد نتوق للعودة إليها.
لقد تطوَّر مفهوم النوستالجيا عبر الزمن؛ ففي بداياته، في القرن السابع عشر، استُخدم للتعبير عن مرض نفسي يعانيه الجنود والبحارة الذين يشعرون بحنين جارف إلى أوطانهم([2]) لذا تراهم مُبتَئسين، مُشتَّتين، يشعرون بالضياع، كالنبتة التي اقتُلِعت من جذورها وزُرعت في تربة غريبة عنها. لكن مع مرور الوقت تغيَّر المعنى، ليتسع ويُعبر عن ظاهرة عاطفية طبيعية، وليست مرضية، تشمل الحنين إلى الماضي سواء كان هذا الحنين مرتبطًا بالوطن، أو الطفولة، أو لحظات سعيدة في حياة المرء.
في علم النفس، قد تُعَدُّ النوستالجيا وسيلة دفاعية، يلجأ إليها الإنسان الذي لا يجد السعادة في حاضره؛ فيستحضرها من ماضيه، حتى يستطيع أن يمضي قدمًا في حياته. أما في الأدب والفنون، فقد استُخْدِمَت للتعبير عن أحلامنا الضائعة التي نتوق إليها، ونحزن لأننا ندرك في أعماقنا أنها لن تعود.
وغالبًا ما تُمَثِّلُ أيام الطفولة محطة محورية ومؤثرة في حياتنا؛ فرغم مرور الزمن، ورغم العطب الذي يصيب الذاكرة أحيانًا، إلا أننا لا ننسى طفولتنا أبدًا، بل نتذكر أحداثًا منها بتفاصيلها، حتى وإن كنا صغارًا لا نعيها تمامًا في وقت حدوثها. لقد حفرت هذه الذكريات مكانها في وجداننا، ونمت وامتدت معنا. فالحنين إلى “الزمن الجميل” يرتبط في وعينا بالأماكن التي لعبنا فيها، وأصدقاء الطفولة، وحتى بالأغاني القديمة التي قد يكفي أن نسمعها لتوقظ فينا مشاعر وذكريات لا نفهمها تمامًا، لكنها محببة للنفس.
إقرأ أيضًا: أم كلثوم.. استنطاق للميتافيزيقا في صفوة النغم
لذا يحاول الإنسان، عن طريق أغنية لـ “أم كلثوم” أو عبر البرنامج الشهير للشيخ “الشعراوي”، استحضار الماضي، وجلب لحظات السعادة إلى حاضره، فيتبدد حزنه لبرهة. وما إن يعاود الحياة حتى يعاوده الهم، لذلك يأمل في خلق صورة عنهما يمكنها أن تعيش في الحاضر، لتملأ فراغه وتُسَكِّنَ حنينه. وهي رغم سذاجتها، حيلة من النفس للبقاء وإزاحة الغم والشقاء، أشبه بمن يلوذ في أحلامه بجنات يسكنها هربًا من واقعه المؤلم. غير أن الواقع، في النهاية يبقى كما هو، فلا يتحسن ويظل هو هاربًا إلى الأحلام، والنتيجة الواقعية: لا شيء.
أزمة الحاضر: لماذا نفتقر إلى المعنى
يمتلك الإنسان المعنى حينما يمتلك واقعه؛ حينما يعرف كيف يؤثر فيه وكيف يصنعه، لأنه يعلم في قرارة نفسه أنه يملك القدرة على خلق الحياة. وإلى جانب ذلك، يدرك أن علاقته بالآخر ضرورية، وأنهما معًا يتكاملان. فالإنسان كائن اجتماعي لا يحب العزلة بطبيعته، وإن طلبها أحيانًا، فإن السبب ليس في تغيُّر طبيعته، بل في تغيُّر علاقته بالآخر، وهي علاقة يبنيها المجتمع أيضًا.
نحيا اليوم في مجتمع منقسم إلى “مصر” و”إيجيبت”: قِلَّة تملك كل شيء، وكثرة تكاد لا تجد شيئًا. شعور الإنسان بالغُبن يُنَغِّصُ عليه حياته؛ فلن يشعر بالرضا عن وضع يراه ظالمًا، ولا يدري من صنعه. وحتى ذاك الآخر الذي يملك كل أدوات السعادة لن ينعم حقًا في وجود آخر مُعذَّب يرى أنه سُلِبَ حقه في الحياة. في النهاية، الجميع خاسر، لأن المكاسب المادية ليست أصيلة فينا، بل هي وسائل تساعدنا على العيش. وامتلاكها بوفرة لا يعني أنك حققت السعادة، بل أنك وفرت مقومات البقاء المادي، وهذا الوجود المادي ليس هو الغاية أو المبتغى. لذا فإن توتر علاقتنا بالآخر سيقف حجر عثرة أمامنا جميعًا. وكما يقول المثل المصري: “لا طِلنا عنب الشام ولا بلح اليمن“.
حَلَّلَ الفيلسوف الألماني الشهير “مارتن هيدجر” علاقتنا بالآخر، ورأى أن الآخر قد يكون عائقًا أمام سعادتك وتحقيق وجودك؛ فإذا كان وجوده غير أصيل جَرَّكَ معه لتسقط في حياة الناس المكررة والمعادة، فيعجز هو عن خلق وجوده الحقيقي واكتشافه، ويعجزك معه. لكنه قد يكون أيضًا شريكًا أصيلًا في الوجود، يُعينك على الفهم ويساعدك على الوصول؛ فللآخر دورٌ مهمٌّ ومؤثِّر، فنحن هنا لنتكامل لا لنتنافر؛ إذ إن النفور لا يجلب مكسبًا لأحد، بل يضمن خسارة الجميع.
أما الفيلسوف الفرنسي “جان بول سارتر”، حين وصف الوجود مع الآخرين بأنه “الجحيم”، فقد يكون قد قصد بذلك الصورة التي صرنا إليها اليوم؛ فالآخر أصبح يتربص بك، يسرق قُوْتَك، ويحاول الاستحواذ على كل شيء. ولن يكتفي بهذا، وإنما يظل يتباهى بامتلاك ما يظنه أسباب السعادة. وهكذا، يشعر الطرف الآخر بأن السعادة قد رحلت عن عالمه إلى عالم غيره، في حين أن هذا “الآخر” لا يملكها حقًا؛ فلو كان يملكها لما اضطر للتباهي بمظاهرها، إذ إن السعيد لا يحتاج لإثبات سعادته، فهو يمتلئ بها رضا وطمأنينة.
لكننا نجد اليوم أن أهل “إيجيبت” في وسائل التواصل الاجتماعي يتبارون في عرض مظاهر البذخ والبهجة، وتصل هذه الصور المليئة بالمرح المزعوم إلى الآخر الذي يعاني شظف العيش، فتعمِّقُ إحساسه بالغربة والاغتراب، وتُنمِّي الحقد والضغائن، وتملأ النفوس بالشرور بدافع السعي في الوصول إلى ما وصل إليه ذاك الآخر. إلا أننا، لو أمعنَّا النظر، فلن نجد أي سعادة حقيقية هناك، بل فراغًا مُظلمًا يبحث عن أي معنى أو رضا، فيصرف المال ببذخ، لكن الحصيلة النهائية لا تتجاوز صورة أو لقطة يملؤها الزيف.
إقرأ أيضًا: تسليع جمال كاذب
من يشعر بالسعادة حقًا لا يتباهى بها، بل ينشرها ليشارك بها الجميع؛ فيتعاظم فرحه وتكتمل بهجته. ألسنا نقول في ثقافتنا الشعبية: “جاور السعيد تسعد“؟ فالسعادة مُعدية، ولا تتحقق أبدًا بالاستحواذ أو قنص الفرص، بل بالمشاركة ونشر الحب على الجميع. فالفرح مجال حيوي حر؛ إن نشرته اتسع وتعاظم، وإن اقتنصته لنفسك تقلَّص وثقل واختنق.
انهيار منظومة القيم، الحائط الصد للمجتمعات
لا يستطيع الإنسان أن يحيا بلا قيم؛ فهي أشبه بإشارات المرور التي تُنظِّم مساره حتى لا يضل الطريق أو يُلحق الضرر بغيره. لهذا، فإن إصلاح منظومة القيم ليس رفاهية، بل ضرورة قصوى.
بتنا نسمع ليلًا ونهارًا عن جرائم نكراء لم نكن لنتخيَّل حدوثها في مجتمعاتنا؛ فهذه الوحشية لا تمتُّ إلى طبيعتنا بصلة. لم نكن من قبل على هذه الدرجة من السوء، ولا بهذا القدر من اللا مبالاة التي نشهدها اليوم. لقد اعتاد الإنسان على الظلم، واعتاد أن يكون موقفه الأخلاقي هو الصمت والسكون، حتى غدا ذلك التحوُّل في طبيعتنا الإنسانية يدفعنا إلى التشكيك في استحقاقها لوصف الإنسانية؛ فحتى الغابة لها قوانينها، ولها مَلِكٌ تُطيعه الحيوانات الأخرى، وهو بمنزلة القوانين في دنيا الناس.
عبَّر الفيلسوف الألماني “إيمانويل كانط” عن الأخلاق بوصفها قيمًا تنبع من العقل، وتجسِّدُ الواجب الأخلاقي، فهي قوانين عقلية يجب علينا اتباعها بدافع الواجب وليس لأي دوافع أخرى؛ لذا فالواجب الأخلاقي يجب أن يكون مُطلقًا وعامًا وغير مشروط، إذ يقوم الإنسان بالفعل الصائب لا بدافع المنفعة أو الشهرة، بل لأنه “الصواب في ذاته” أي أن تقوم بالفعل من أجل الواجب، فمثلًا، إذا ساعدتَ عجوزًا على عبور الشارع، فلا تفعل ذلك ليُقال إنك دَمِثُ الأخلاق، بل لأن عقلك يملي عليك أن هذا هو الواجب. غير أن “كانط” افترض هنا أن الطبيعة البشرية في جوهرها خيِّرَة، وأن الضمير الأخلاقي هو تعبير عن هذا الخير الفطري فينا.
لكن الفيلسوف الألماني الشهير “آرثر شوبنهاور” رفض هذه المثالية المطلقة، ورأى أن الإنسان لا يستطيع إلغاء دوافعه الشخصية. عندهُ، الأخلاق الحقيقية لا تقوم على شعور بواجب عقلي جافٍ، بل على انفعال إنساني أصيل، مثل: الشعور بالشفقة. أنت تساعد الشيخ لا لأنك تحترم واجبًا عقليًا، بل لأنك لا تطيق أن تراه يتعثر أو يسقط. فالطبيعة الإنسانية عاطفية، مليئة بالشجن والانفعال، لا على وتيرة واحدة من البرودة العقلية.
أما في واقعنا المعاصر، فقد تراجعت كلٌّ من مثالية “كانط” وشفقة “شوبنهاور” أمام وصفة باردة تقول: ألا تفعل شيئًا على الإطلاق، وألا تشعر بأي التزام أو انفعال، بل تغض الطَرْفَ طلبًا للأمان. لقد أصبحت علاقتنا بالآخر تتسم بالعنف والعدوانية، وأضحى “الطريق الأسلم” هو الابتعاد عنه حتى لا يُلْحِقَ بنا الأذى.
إقرأ أيضًا: المسكوت عنه في مقال كانط عن التنوير
هكذا شهد الإنسان المعاصر تحوّلًا أخلاقيًا خطيرًا: لم يَعُدْ يهتم إلا بما يمسه مباشرة، ولا يبالي إلا بما يعترض طريقه. فهل يمكننا أن نطلق على هذا “أخلاقًا”؟ أم أننا أمام حالة “لا-أخلاق” تستوجب إعادة نظر فلسفية؟ لقد صار الآخر في وعينا الجمعي وحشًا ينبغي إما التشبه به للسيطرة عليه، كما في منطق “الفتوُّة” في التراث الشعبي، أو تجنبه والخضوع له، وسيلةً وحيدة للبقاء. والسؤال المُلِحُّ: كيف انحدرت علاقتنا بالآخر إلى هذا الحد المقيت؟ وهنا بالضبط، نجد اللحظة التي يُمكن فيها ربط كل العناصر السابقة بخيط فكري واحد يقودنا نحو سؤال جوهري محدد:
هل نهرب إلى الماضي لنستحضر رموزه، لتكون مُسَكِّنًا لألمنا الوجودي الحاضر، أم نواجه فوضى الحاضر ونشرع في إصلاحه، ليولد فيه ما يستحق أن نحبَّهُ ونفتخر به؟
استعادة الماضي أم بناء حاضر جدير بالعيش
والآن، بعد أن حللنا ملامح الصورة، يبقى السؤال: أين مجال الإصلاح الحقيقي؟ أفي العيش في الماضي والبحث عن رموزه، وهو ما يُصَنَّفُ عَرَضًَا نفسيًا للانسحاب وفقدان الثقة في الحاضر، أم في إصلاح هذا الحاضر وجعله جديرًا بالعيش؟
الإجابة بسيطة: علينا أن نصلح حاضرنا، ليكون تربة خصبة تنمو فيها كل ما نحب. فلو كانت عندك شجرة مريضة تطرح ثمارًا رديئة، وأنت لا يهمك أمر الشجرة نفسها، بل الثمار التي تجنيها منها، فستظل تبحث عن علاج لهذه الثمار، وتجرب هذا وذاك. وإن تَحَسَّنَ شكل الثمرة الخارجي، فإما أن يكون التحسُّن مؤقتًا، وإما أن يأتي على حساب طعمها فتفقد حلاوتها. الحل إذن ليس في تحسين جودة الثمار أو حتى في البحث عنها في أشجار قديمة وتائهة، بل في معالجة الشجرة التي تحمل هذه الثمار؛ في البحث في جذورها، والقضاء على الأمراض التي تفتك بجودتها، وحين تَصِحُّ الشجرة، تَصِحُّ بالضرورة الثمار، وتضمن لك البقاء وعدم العودة إلى النقطة صفر.
حنينُنا إلى الماضي لا يتطلَّب استدعاء رموزه، بل ناقوسًا يدقُّ في الحاضر لينبِّهنا إلى أنَّنا لسنا بخير، وإلى أنَّنا نبتعد شيئًا فشيئًا عن إنسانيتنا التي تميِّزُنا. إنّه يذكِّرُنا بالنفق المظلم الذي نكاد أن ندخله، وبالهاوية التي نقترب منها. وما نحتاجه حقًا لن يكون في الركون إلى ماضٍ مضى ولن يعود مهما فعلنا، بل في الوقوف في وجه الظلام وتبديده، وكشف سحبه الرمادية البغيضة، وفتح الطريق أمام نور الشمس لينفذ. وحين يصل النور إلى أرض الواقع، يكون وحده القادر على معالجته وقتل آفاته، فتزهر الحياة من جديد.
نحن لا نحتاج إلى ترقيع نسيجنا الوجودي بخيوط قديمة، لأن هذه الخيوط إنما صيغت لثوبها القديم، لا لثوبنا الراهن. ما نحتاجه حقًا هو معالجة الحاضر، ليصنع نسيجه بقوة وصلابة. لذلك، فإن البحث عن “شعراوي” جديد أو “أم كلثوم جديدة” لن يكون مُجديًا، أما المُجدي بحق فهو إصلاح أرض الحاضر، لتُنْبِتَ لنا رموزًا جديدة تُعَبِّرُ عنَّا وتحفر في وجداننا، ليأتي يومٌ يتذكرها فيه أبناء المستقبل بحنينهم الخاص.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع:
- شوبنهاور،(2016)، روبرت ويكس، ترجمة: سعيد توفيق، الطبعة الأولى، العدد (2635)، المركز القومي للترجمة، مصر.
- إيمانويل كانْت،(2020)، تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق، ترجمة: عبد الغفار مكاوي، مراجعة: عبد الرحمن بدوي، مؤسسة هنداوي.
[1]See: Liddell, H. G., & Scott, R. (1940). A Greek English lexicon. Clarendon Press.
[2]See: Encyclopedia Britannica. (n.d.). Nostalgia. In Encyclopedia Britannica. Retrieved August 15, 2025. [https://www.britannica.com/science/nostalgia](https://www.britannica.com/science/nostalgia).