الشيخ عبد الله العلايلي.. رجل الدين والعلم والجدل

مفكّر حرّ لم يعترف بقيود، مجتهد  في الدين بعقلانية المتنوّر، قريب من التصوّف مع انفتاح رحِب على كلّ من أراد استشارته في موضوعات فقهيةٍ ولغوية..

إصلاحيّ متميّز، عاش مأساة الحروب، ولا سيّما الحرب اللبنانية (1975-1990) التي فتكت، ليس فقط باللبنانيين كشعبٍ وكأفراد، بل بالعديد من المفاهيم والمبادئ الانسانية العليا، فحاول الشيخ عبد الله العلايلي أن يكون ذلك الباحث عن “الخطأ” في المجتمع اللبناني وفي العلاقة بين الدين والسياسة. من هنا ننطلق لنتناول فكره القوميّ- السياسيّ-الاجتماعيّ ، بعد عرض نبذةٍ موجزة عن حياته.

أولاً: حياته

  هو عبد الله بن عثمان بن عبد الله العلايلي (1914-1996). مفكّر وأديب وفقيه وموسوعيّ لبنانيّ كبير. ولد في بيروت، وعاش في كنف عائلةٍ بيروتيةٍ قديمة من الطبقة المتوسطة، وكان يفترض أنّ أصل أسرته يعود إلى دمياط في مصر.

ترافقت ولادته مع بداية الحرب العالمية الأولى التي تركت في نفسه صغيراً آثاراً عميقة، ما جعل قضية العدالة الاجتماعية من أبرز القضايا التي حاول معالجتها في ما بعد من خلال كتاباته ومواقفه وخياراته السياسية. ومن أقواله الدّالة على هذا الأثر: “الكآبة كلّ طفولتي”.

درس في مدرسة “الحرش” التي أسّستها “جمعية المقاصد الاسلامية” حيث تلقّى مبادئ القراءة والعلوم، ثمّ انتقل  العام 1924 في العاشرة من عمره إلى القاهرة حيث تتلمذ في الأزهر الشريف على يد كبار الأساتذة، فغرف من معين نخبةٍ من العلماء فيها، من أمثال: محمد أبو الفضل الجيزاوي (1847-1927)، ويوسف بن أحمد نصر الدّجوي (1870-1946)، وسيّد بن علي المرصفي (توفي 1831). وتأثّر بأفكار مصطفى كامل (1874-1908) وجمال الدين الأفغاني (1838-1897). كما كانت له صداقات مع كبار الأدباء والمفكّرين المصريين من أمثال: الشيخ أمين الخولي (1895-1966)، إسماعيل مظهر (1891-1962)، طه حسين (1889-1973)، وحافظ إبراهيم (1872-1932) وسواهم. العام 1937، إنتسب الشيخ العلايلي إلى كلية الحقوق، ولدى عودته إلى بيروت العام 1940، درّس في “الجامع العمري الكبير”، وبدأ يكتب ويبحث في اللغة وينشر مقالاته في صحيفتيّ “النهار” و “السفير”.

أسهم العام 1949 في تأسيس الحزب التقدّمي الاشتراكي إلى جانب المفكّر والفيلسوف اللبناني كمال جنبلاط (1917-1977)،  إلا أنّ الأطر الحزبية الضيّقة لم تلائمه، فلم يطل بقاؤه في الحزب أكثر من سنة ونصف السنة. واطّلع على أفكار داروين Charles Darwin (1809-1882)، وماركس Karl Marx  (1818-1883)، وأنجلز Friedrich Engels (1820-1895)، ولوبون Gustave Le Bon (1841-1931)، فاتّهم بالشيوعية ولقّب “بالشيخ الأحمر”.

من أبرز مؤلّفاته:

  • مقدّمة لدرس لغة العرب، القاهرة، 1938.
  • تاريخ الحسين: نقد وتحليل، بيروت، 1940.
  • سلسلة “إني أتهم” في سبعة أجزاء، بيروت، 1940.
  • دستور العرب القوميّ، صيدا، 1941.
  • المعجم، بيروت، 1945.
  • مثلهنّ الأعلى السيدة خديجة، بغداد، 1947.
  • العرب في المفترق الخطر، بيروت، 1955.
  • من أجل لبنان : قصائد دامية الحرف بيضاء الأمل، بيروت، 1977.
  • أين الخطأ؟، بيروت، 1978.

ثانياً: القومية العربية

دعا العلايلي إلى تخفيف أصحاب النظرة الاقليمية من حدّة منطقهم، معتبراً “الصفة القومية العربية، في كلّ بقعة، أقدم وأرسخ من كلّ صفة قومية حيّة في العالم”1 . من هذا المنطلق، فقد ناهض أيّ مشروعٍ يرمي إلى تجزئة الوطن العربي، متّهماً بعض الأنظمة العربية بالتواطؤ مع كلّ من الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا في المواجهة بين العرب والاسرائيليين في فلسطين. ففي رأيه أنّ التهجير من فلسطين العام 1948 كان بدفعٍ من بعض القادة العرب، أكثر من كونه هرباً من قوة إسرائيل. وقال العلايلي في هذا المجال وفي مقابلةٍ له عبّر من خلالها عن تمزّقه الوجوديّ حيال القضية الفلسطينية: إنّ “معنى أن نعيش آلام فلسطين، أن تغدوً همّنا اليوميّ. وهمّك اليوميّ مثل خبزك اليوميّ، كلاهما يطالبك بالتفكير على أن تجهد والتشديد على أن تشقى، يطالبك وبعنفٍ أيضاً لأن تجنّد كلّ ما استوى في نفسك من فكر وما اجتمع لأعصابك من قوى. التأكيد على أن يكون لنا “مبكى”… لهذه الدرجة!!… وأعني: أن تغدو فلسطين لنا همّاً يومياً، مثلما غدت لإسرائيل على مرّ التاريخ همّاً يومياً…”2 وذهب إلى حدّ كتابة سلسلة مقالاتٍ رسم فيها كلّ ما رآه في فلسطين تحت عنوان :”لون من حيويّة الروح في فلسطين”، وذلك بعد عودته من يافا العام 1944 حيث دُعي لتسجيل أحاديث عدّة لإذاعة “الشرق الأدنى”، وكأنه كان يستشعر برؤيته السياسية والفلسفية الثاقبة ما سيحصل في فلسطين، وما واجهته وما زالت تواجهه من قساوةٍ قدًريةٍ مجحفة.

إلى ذلك، إستند العلايلي على قول الفيلسوف الفرنسي ديكارت  René Descartes (1596-1650): “أنا أفكّر، إذاً أنا موجود”، ليقول بدوره: “أنا أفكّر بفكرٍ عربيّ، فإذاً أنا موجود عربيّ”. هكذا ربط اللغة القوميّة بالفكر القوميّ. ويُعدّ كتابه “دستورالعرب القوميّ” الأكثر تعبيراً عن رؤيته مفاهيم القومية العربية ومرتكزاتها، وأهمية اللغة كضرورةٍ إجتماعيةٍ جامعة بين أفراد المجتمع. وتجدر الاشارة إلى أنه دعا إلى توحيد الأمة العربية وليس الأمة الاسلامية، تأكيداً منه على المُثُل القومية العربية ومعالجة القضايا العربية من منطلقٍ قوميّ وليس دينياً، مع إقراره الحتميّ بأنّ الاسلام دين “يحترم الانسان لذاته، ويؤمن بالانسان الشامل ككلّ.”3 وذكر أنه شرع  بوضع هذا الكتاب عندما رأى تياراً من الفكر القومي العربي غير محدّد بعد في شكلٍ موضوعيّ، فأراد أن تكون دراسته في هذا الشأن مبنيّةً على العلميةً، وكان آنذاك معجباً بكتاب “الوعي القومي” لصديقه د. قسطنطين زريق (1909-2000)، المفكّر والمؤرّخ السوري الذي كان من أشهر دعاة القومية العربية في العصر الحديث. وأضاف أنّ تعلّقه باللغة وبالتاريخ دفعه إلى عشق القيام بالأبحاث القومية. وكانت فترة أواخر الثلاثينات وأوائل الأربعينات حافلةً بالتطلّع العربيّ في كافة الأقطار العربية: في مصر وسوريا وفلسطين والمغرب العربيّ، وغدت مسألة القومية العربية ترادف العمل الاستقلاليّ في رأيه. هذا إلى جانب رفضه سائر القوميات الأخرى: القومية الفينيقية، والقومية الفرعونية، والقوميات المحلية كما كان يسمّيها.

إلى ذلك إعتبر العلايلي في المقابلة ذاتها أنّ عبد الرحمن الكواكبي (1855-1902) هو “الشخص الذي يمكن أن يسمّى بأنه قوميّ عربيّ في الدرجة الأولى”4 والمعروف عن الكواكبي أنه كان أحد مؤسّسي الفكر القوميّ العربيّ، واشتُهر بكتاب “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد” الذي ناقش فيه ظاهرة الاستبداد السياسيّ. إشارة أخيرة إلى أنّ العلايلي لم يدعُ أحداً إلى اعتناق أفكاره القومية أو الايمان بها، بل إلى مناقشتها في شكلٍ علميّ وموضوعيّ.

ثالثاً: العَلمانية في اللغة وفي الاسلام

  إعتبر العلايلي أنّ “من طبيعة المجتمعات أنها تظلّ في حالة تغيّر وتزايل دائم، فأيّ مجتمعٍ لا يبقى حافظاً لأوضاعه أمداً طويلاً، بل يطلب أشكالاً جديدة، وخصوصاً حين يتّصل ويحتكّ بمجتمعاتٍ أخرى، فإنه يتأثّر بها على نسبٍ متفاوتة.”من هذا المنطلق، فقد رأى المجتمع في شكلٍ يختلف عن رؤية رجال الدين المسلمين له عموماً، فالمجتمع “مؤلّف عضويّ إنتاجيّ موضوع في متّجه التكامل الانساني”5 وذكر، لإثبات فكرته، بعض الآيات القرآنية: “يا أيها الناس إتّقوا ربّكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة” (النساء 4: 1)، “إنّما المؤمنون إخوة” (الحجرات 49: 10)، “وقل إعلموا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون” (التوبة 9: 106)، حديث: “وكان خير الأعمال عنده أدومها، وإن قلّ.”6 بهذا المفهوم الاسلامي، المجتمع ناشط قائم على الحركة والدينامية، لا تخاذل فيه ولا وهن، وعلى الجميع أن يسعى في سبيل هناءته وازدهاره. هاتان الصفتان: “التكامل الانساني” و “الدينامية الناشطة” لا يمكن إيجادهما في مجتمعٍ قائمٍ على النظام التيوقرطي الطوائفي. من هذا المنطلق، كانت دعوة العلايلي إلى محاولة إدراكٍ عميقٍ لمفهوم العَلمانية، خصوصاً في المجتمعات الاسلامية. “فالاسلام لا يعرف الطبقات، كما لا يعترف بكهنوتية إكليريكية”7 . ومرّةً أخرى، إستشهد العلايلي بآياتٍ من القرآن الكريم للتأكيد على مواقفه: ” “قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم، ألاّ نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتّخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله.” (آل عمران 3: 64) و”إتّخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً.” (التوبة 9: 31)8 . وبما أن لا رهبانية في الاسلام، وبما أنّ العَلمانية تعني في الأصل اللاتيني للكلمة الاشاحة عن الانتساب إلى فئة الكهنوت، وبما أنها خالية من أيّ مفهومٍ معتقديّ، فقد أكّد العلايلي وجوب عدم الخوف من البحث فيها ومن اعتمادها. ورأى أنّ أقرب ما يصلح للعَلمانية مقابلاً كلمة “حلّانية”، هي الأقوم دلالةً، فيُقال: حلن السلطة، أي جعلها في أيدي العامة المدنية. أضف أنّ العَلمانية تكون بفتح العين دوماً، وهذا هو الأصحّ، بينما العِلمانية بكسر العين خطأ، وهي تدلّ فقط “على ما تدلّ عليه كلمة “عامة” و “عوام”، حتى لقد ظلّ هذا اللفظ مستعملاً بمعنى الشعبي العادي في مثل الباكستان، فحزب عوامي يعني حزب الشعبيين.”9  وكلمتا “عامة” و”عوام” كانتا تطلقان كذلك في العصر العبّاسي على الساعين في مرافق الحياة، “غير المنقطعين إلى الدرس الخالص، الحاذقين فيه.”10 إضافةً إلى أنّ الغزالي (1058-1111) قصد بكلمة “عوام” من هو من غير المتضلّعين، وذلك في “إلجام العوام عن علم الكلام”، وهو كتاب عبارة عن رسالة كتبه قبل وفاته بقليل. أما الكلمة التي ينبغي أن تُستخدم ضدّ “عَلمانية” فهي، في رأيه، حبرانية” Ecclésiastisme أي المنتسبون إلى السلك الكهنوتي، فيُقال في التصريف: حبْرنَ السلطة أي وضعها في أيدي الأحبار. وتجدر الاشارة إلى أنّ العلايلي برع في دراسة المفاهيم وطرق استخدامها لغوياً، مع تأكيده المستمرّ على أنّ اللغة لا تعني فقط الكلمات أو المفردات، بل هي تعبيرٌ عن ثقافةٍ كاملة وحضارة كاملة.

رابعاً: الاسلام والسياسة والاجتماع

  يحاول العديد من الباحثين في الشأن الدينيّ والسياسيّ تصوير العلاقة بين الاسلام والسياسة على أنها جوهرية. هي ليست كذلك بحسب رؤية العلايلي الذي اعتبر النزوع إلى التوفيق بين الدين والعلم مقدّمةً لتشويه المفهوميْن معاً. فالصراع لم يكن قطّ بين الدين والعلم، بل بين العلم والفهم الديني. “كان النزاع وسيظلّ بين العلم واللاهوت لأنه في جوهره تفسير شخصيّ للحقائق الدينية.”11 وأمِل، وهو الفقيه العالِم بعمق اللغة وتفسيراتها، أن يتّضح الفرق الدقيق بين المفهوميْن كما بين جميع المفاهيم الأساسية للقضايا الفكرية والعقيدية الكبرى، بهدف إدراك المعنى اللغوي إدراكاً بيّناً من جهة، وبهدف تجنّب النزاعات والصراعات التي أدّى إليها جهل حقيقة المفاهيم عبر التاريخ من جهةٍ ثانية. إلا أنّ هذا الفصل الجذري الذي أراده العلايلي بين الاسلام والسياسة، وبين العلم والدين، لم يخرجه مطلقاً من صدقيّة إيمانه الديني، وهو من وصف النبي محمد “بالنبيّ الأكرم”12 وتحدّث عن الاسلام بلغة المتعبّد الصادق.

لكنّ هذه الحالة الايمانية التي أُسيء تقديرها في غالبية الأحيان، لم تمنع العلايلي من تحديد الخطأ في التوجّه الفكريّ لدى بعض المسلمين، لا بل أحيت فيه الشعور بواجب التنبيه إلى هذا الخطأ. ولم يتوانَ عن انتقاد توجّه بعض الدول الاسلامية إلى تعديلاتٍ في نُظمها وفق الشريعة الاسلامية لأنّ الأمر يتعارض مع الواقع السياسي-الاجتماعي المعاصر. ومما قاله في هذا المجال إنّ على “الجمهرة الاسلامية… قبل خطوتها إلى تغيير منهجية الحكم، أن تضع تأصيلاً وتفريعاً، يكون بمثابة الموطأ، ثمّ المدوّنة، ثمّ الانتقاء، وفق الدواعي المعاصرة الموجبة بحكم ما فيها من متبدّلات. وأكبر ما أخشى هو ألا يفعلوا، فتكون القفزة في فراغ لا إلى قرار.”13

ومن منطلق طرحه مسألة النُظم السياسية، تناول العلايلي بالبحث قضيّتيْن إجتماعيّتيْن مهمّتيْن في الدين الاسلامي: الزواج، والتعامل المصرفي.

  1. رأيه في المرأة والزواج

    آمن العلايلي بالدور الأساسي والجوهري الذي تؤدّيه المرأة في المجتمع، فهي الأمّ والزوجة والابنة والشقيقة والنسيبة، فكان مدافعاً عن حقوق المرأة وحرّيتها بجرأةٍ واقتناعٍ كامليْن. من هنا كان كتابه المميّز “مثلهنّ الأعلى السيّدة خديجة” (خديجة بنت خويلد، أمّ المؤمنين وأولى زوجات النبي محمد وأمّ كلّ أولاده ما عدا ولده إبراهيم) (556-619)، حيث اعتبر أنها “راعية النبوّة والنبيّ… تلك التي عن يدها جاء العطاء العبقريّ.”14  وتحدّث عن تجربة العشق بين السيّدة خديجة وزوجها النبيّ محمد، وصاغ روايةً تاريخيةً عن تجربة العشق تلك.

وبعدما رفع المرأة، في كتاباته ومقالاته، إلى المقام الأعلى والأمثل، عمد العلايلي إلى معالجة قضيّة الزواج، وهي القضيّة-الاشكالية ذات الأهمية البالغة في الدين الاسلامي، إذ اعتبر المشكلة هنا وطنية، وليس فقط فقهية، بل هي قد تشكّل عقبةً في وجه الالتقاء مع سائر الأديان. فليس من حقّ الفقهاء، في رأيه، أن يُجمعوا على عدم حلّية الزواج بين كتابيّ وامرأة مسلمة، واصفاً إجماعهم هذا بالاجماع “المتأخّر الذي لا ينهض حجّةً إلا إذا استند إلى دليلٍ قطعيّ”15 ، وذهب إلى حدّ اعتبار العقد الزواجيّ في الاسلام عقداً مدنياً بكلّ معناه إلا في بعض نواشئ أكثرها ماليّ. وفي إطار رؤيته المتقدّمة لمفهوم الدولة العَلمانية، تطرّق إلى مسألة الزواج المدنيّ، داعياً إلى النظر في الوضع اللبناني للتأكّد من أنّ “كلّ شيء فيه متأهّل لقبول العَلمانية”16  فكان أن هوجم للأسف بسبب مواقفه هذه التي نرى اليوم أننا الأكثر حاجةّ إلى تبنّيها واعتمادها في ظلّ جمود البعض في التفكير الطائفيّ المتزمّت، وعدم قدرة البعض الآخر على فكّ الحصار للخروج إلى رحاب اللاطائفية.

2. رأيه في التعامل المصرفيّ

  تميّزت معالجة العلايلي مسائل الدين والسياسة بالوضوح في العرض والمنطق في التحليل والجرأة الواعية في النقد الرامي إلى أهدافٍ إصلاحية. من هذا المنطلق، فقد أطلق عنان ثورته في وجه المثالب والشوائب التي تمكّن من تمييزها لدى بعض العلماء والفقهاء، كما لدى بعض الأصوليين المسلمين، معتبراً أنهم وقعوا ضحيّة خداع الألفاظ، لا بل غالباً ما عمدوا إلى الابقاء على أسلوبهم الخاطئ هذا في تحليلهم موضوعاتٍ دينيةٍ أو غير دينية. هنا تطرّق العلايلي إلى مسألة التعامل المصرفيّ التي شغلت الناس والفقهاء منذ ما يقرب القرن، وأدّت إلى تساؤلاتٍ عديدة: فهل يقع من يتعاطى هذا النوع من التعامل في الإثم؟ وهل يندرج هذا التعامل في خانة الربويات أم أنه ليس كذلك؟ في هذا السياق، رأى العلايلي أنّ الكثيرين من فقهاء العصر مالوا إلى التحريم في هذه المسألة، معتبرين “أنّ الفوائد الناجمة هي نوع من ربا النسيئة، أو من باب السلف الذي يجرّ منفعةً.”17  ودارت نقاشات عدّة حول هذا الموضوع الذي يجب اعتباره موضوعاً عادياً لأنّ المصرف هو بحسب طبيعة وظيفته وسيطٌ بين متعامل وآخر. فلِمً الجًلبة؟ ولِمً الوقوع في حيرة؟ وقد وصف شعوره إزاء النقاشات الدائرة بين الفقهاء حول المسألة بقوله: “وكان يتنازعني، وأنا أتابع سير معركة التعامل المصرفي المستعرة، مشاعر من التحزّن بهبوط المستوى حتى بين الجلّة من الفقهاء. وداخلني الأسف الأسيف حين لمست أنهم يبادرون إلى الادلاء بالرأي في أيّ مستحدث قبل معرفته حاقّ المعرفة. ثمّ يتزايدني الألم المرير حين أقارن بين القدامى والمحدثين وانفتاح أولئك واستغلاق هؤلاء.” 18 فللأسف يقع الفقيه أحياناً في مشكلاتٍ يتسبّب بها ضيق أفق التفكير لديه، فنراه يركب موجة التطوّر، بدلاً من أن يكون قائدها.

وفي سياق استكمال بلورة أفكاره حول الاسلام والسياسة والدين، إعتبر العلايلي أنّ بعض الفقهاء يعيشون حالةً فكريةً مضطربة تمنعهم من رؤية الأمور وفق المنظور العلميّ العَلمانيّ، وتدفعهم إلى رفض أيّ صيغة نظام خارج التيوقراطية. وإذا كانوا يختلفون حول أمورٍ فرضتها الحداثة وغدت جزءاً من الحياة الانسانية اليومية، فكيف تراهم يُجمعون على تطوير الأنظمة تبعاً لما تفرضه التطلّعات التحديثية للمجتمع؟ ومكمن الخطر، في رأيه، في أنّ الصراعات العشائرية الطائفية تتجاذب المجتمع اللبنانيّ وتجعل الأمل في بناء دولةٍ حقيقية أمراً صعباً. لذا فقد أعلن بأسلوبٍ يغلب عليه الطابع التشاؤميّ: “… فنحن مقبلون على الانحدار والسقوط. فالعالم يتطوّر من الداخل تطوّراً هائلاً على شكل متوالياتٍ هندسية على المستوى العلمي، بينما نحن لا نستطيع التماشي حتى مع المتواليات الحسابية.”19  أضف أنه قيّم فكرة “التعايش السلميّ” التي سيطرت في فترة الحرب اللبنانية لأنها، وإن كانت إيجابيةً في صفتها، فهي سلبية في محتواها، لأنها تعبّر عن يأس من إيجاد حلولٍ جذريةٍ بين الأطراف المتنازعة، وتدفع في اتجاه القبول بالآخر ظاهرياً في ظلّ واقع متنافر تماماً.

أعطى العلايلي إذاً الدراسات السياسية-الاجتماعية بعداً أخلاقياً، وما كان نعته “بالشيخ الأحمر” واتهامه بالشيوعية، في نظر البعض، إلا من باب التقصّد في إبعاده عن دار الفتوى وعن منصب المفتي، خشية دخول فكرٍ متجدّد إلى هذه المؤسّسة الدينية التي لطالما أرادها كثيرون أن تبقى تقليديةً. في هذا السياق، قال الشاعر اللبناني سعيد عقل (1912-2014) إنّ معظم ما حلّ بلبنان من دمارٍ وخراب، كان من أسبابه أنه لم يأتِ أمثال الشيخ العلايلي إلى مثل هذا المنصب. والواقع أنّ محاولاته تجديد الاسلام تعود إلى العام 1937، “يوم كان في الثالثة والعشرين من عمره، ولم يزل بعد في مصر، حيث عايش الاصلاحات التي شهدها الأزهر… فصاغ على ضوئها مقترحاتٍ لإصلاح المحاكم الشرعية اللبنانية وشؤون الأوقاف، لم تلقَ قبولاً لدى المسؤولين.”20  الأمر الذي أثار تساؤلات كثيرة حول هذه المسألة آنذاك. إنّ علينا، في جميع الأحوال، أن نسعى سعياً دؤوباً على حدّ اعتبار العلايلي لكي نتمكّن من تحرير عقولنا من أوهامِ نهائية الآراء التي نمتلكها والتي نبلّغها للآخرين عبر الفكر والمعرفة. فليس “محافظةً التقليد مع الخطأ، وليس خروجاً التصحيح الذي يحقّق المعرفة.”21 المهمّ هو الانفتاح المنعقد على رؤيةٍ إصلاحيةٍ للمجتمع العربيّ.

 

خاتمة

كان الشيخ عبد الله العلايلي شاهداً على النزاعات والحروب في لبنان وفي العالم العربيّ، إلا أنه تميّز عن سواه من المفكّرين ورجال الدين المسلمين في عرض مواقفه وإبداء آرائه في جميع المسائل الاجتماعية والسياسية بجرأةٍ وكبرياء. ميّز دوماً بين الخطأ والصواب بدون مواربة، واعتمد الموضوعية في كلّ ما قدّم من حواراتٍ ومقالاتٍ ومؤلّفات. وإذا كان كتابه “أين الخطأ؟” أثار لدى صدوره ضجّةً في الاسلام، فقد تحوّلت هذه الضجّة شيئاً فشيئاً من سلبيةٍ إلى إيجابية، خصوصاً أنه استطاع بفكره المتّقد أن يتّخذ المواقف الصائبة إزاء مشكلاتٍ جوهريةٍ ووجودية، كما تمكّن من إعلان موقفه العَلماني مع حفاظه على مركزه الديني، وأمل في التوصّل إلى تبليغ اللبنانيين رسالته، علّهم يبلغون مرحلة الحلول المرجوّة.

لم يكن الشيخ العلايلي فقيهاً لغوياً فحسب، بل كان قيمةً في اللغة، كما لم يكن رجل دين وسياسة فحسب، بل كان قيمةً إضافيةً للدين وللسياسة. ولو كان ما زال بيننا اليوم وعايش ما نشهده من تدميرٍممنهج للبنان ولفلسطين اللذين عشقهما، لكان خرج حتماً إلى العلن بمواقف وطنية صلبة وعميقة المحتوى والهدف. كان مفكّراً حرّاً.. وكم نفتقد اليوم هذه القماشة من المفكّرين الأحرار!!

 

المراجع

  1. د. صالح زهر الدين، الشيخ عبد الله العلايلي 1914-1996 ، One fine Ast.com ، مقتطف من كتابه: موسوعة رجالات بلاد العرب.
  2. د. مصطفى دندشلي، مقابلة مع الشيخ عبد الله العلايلي حول موضوع القومية العربية من خلال كتاب “دستور العرب القومي”، تحليل ومفاهيم قومية، 17/07/1990.
  3. د. صالح زهر الدين، الشيخ عبد الله العلايلي 1914-1996، مرجع مذكور.
  4. الشيخ عبد الله العلايلي، الامام الحسين، الحلقة الأولى، دار مكتبة التربية، طبعة جديدة، بيروت، 1986، ص. 255.
  5. الشيخ عبد الله العلايلي، أين الخطأ؟، تصحيح مفاهيم ونظرة جديدة…، دار الجديد، الطبعة الثانية، بيروت، لبنان، 1992، ص. 14.
  6. المرجع نفسه، ص. 14-15.
  7. المرجع نفسه، ص. 117.
  8. المرجع نفسه.
  9. المرجع نفسه، ص. 118.
  10. المرجع نفسه.
  11. المرجع نفسه، ص. 124.
  12. الشيخ عبد الله العلايلي، مثلهنّ الأعلى السيّدة خديجة، دار الجديد، الطبعة الرابعة، بيروت، لبنان، 1992، ص. 91.
  13. الشيخ عبد الله العلايلي، أين الخطأ؟، مرجع مذكور، ص. 109-110.
  14. د. صالح زهر الدين، الشيخ عبد الله العلايلي 1914-1996، مرجع مذكور.
  15. الشيخ عبد الله العلايلي، أين الخطأ؟، مرجع مذكور، ص. 117.
  16. الشيخ عبد الله العلايلي، “كلمة علمنة: تحديد لغوي ورأي في أصل الكلمة ومدلولها”، مجلّة “آفاق”، ص. 2.
  17. الشيخ عبد الله العلايلي، أين الخطأ؟، مرجع مذكور، ص. 65.
  18. المرجع نفسه، ص. 66.
  19. “حوار مع الشيخ عبد الله العلايلي”، مجلّة “الوسط”، أسبوعية، سياسية، مستقلّة، العدد 142 (17-23)، تشرين الأول، 1994، ص. 54.
  20. فايز ترحيني، الشيخ عبد الله العلايلي والتجديد في الفكر المعاصر، منشورات عويدات، الطبعة الأولى، بيروت، باريس، 1985، ص. 324.
  21. الشيخ عبد الله العلايلي، المرجع، معجم وسيط، علمي، لغوي، فنّي، المجلّد الأول، دار المعجم العربيّ، الطبعة الأولى، بيروت، 1963، المقدّمة، ص. ه.  

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete