تكوين
- لماذا الحذر؟
في صيرورة هذا العالم والتحولات الجارية فيه، يبدو أنّ هناك عديدٌ من المآزق والمعضلات التي لا زالت تطرح أمامنا أسئلة وتحديات، ليس لأن هذه النقاط المفصلية صعبة المعالجة، أو مستحيلة المقاربة. وإنما أيضا لأن هناك تداخلا كبيرا في المفاهيم، يجعل من التمييز عملية يكتنفها الغموض، ومن الفرْزِ والتصفية أمراً يحتاج إلى تأمّل وتفكير قبل أن يكون عناوين للاستهلاك الإعلامي، في عالم يقدّمنا قرابين لإنتاج سردية يمكن أن نصطلح عليها ب ” أزمة المفاهيم “. فكل شيء في عالم اليوم يشير إلى نقيضه، وضده، كأننا نقتحم عالَماً من المتناقِضات، التي لم تعُد فيها الكلمات واللغة مجرد أدوات للتواصل والتعبير. بل وسائل للتضليل والتزييف، وتلك مهمة الإيديولوجيا الكبرى.[1] أي في عمق كل ما نعيشه اليوم هناك مفاهيم ومصطلحات وعناوين وأسماء تقال كي تخفي، لا كي تُفصح. كلّ شيء يعلِنُ نقيضه، ويُسمّى بما ليس عليه. فالحقيقة تُرفع شعارًا حين يُراد التلاعب بالوقائع، والحرية تُذكر فقط حين يكون القيد قد صار قانونًا، والسلام يُنادى به عند أبواب الحروب. وهذا الأمر نفسه ما أشار إليه الفيلسوف سلافوي جيجيك في مقطع تحليلي لأحد الأفلام الأمريكية المشهورة شارحا كلمة الإيديولوجيا، فيقول:
” أنا آكُل من سلة النفايات طول الوقت، اسم سلة النفايات هذه هو الإيديولوجيا، لكن القوة المادية للإيديولوجيا، تجعلني لا أرى ما آكله. مأساة مأزقنا حينما نكون نأكل هي متى اعتقدنا بأننا هربنا من الإيديولوجيا إلى أحلامنا، لحظتها نكون داخل الإيديولوجيا. “.[2]
هنا دورُ التفكيكية
إنها نفس المعطيات التي تحدّث عنها ديريدا في تفكيكيته، فهذا كريستوفر باتلر وهو يستعرض علينا طرقا جديدة لرؤية العالم في كتابه ما بعد الحداثة مقدمة قصيرة جدا[3]، يرى بأن أتباع دريدا يقولون بأن الكلمات غير مفهومة في ذاتها، بل لا بد أن تفهم من خلال موقعها داخل شبكة الرموز التي تنتمي إليها. فالمعنى لا يوجد في الكلمة كجوهرٍ ثابت، بل يتحدد عبر علاقتها بما سبقها من أنساق لغوية وثقافية تشارك في تشكيلها. ومن هنا، يصير الإنسان سجينا ومحكوما بدلالات سابقة لا دخل له فيها، كما أنه مرتبط بمنظومات دلالية مغلقة لا يمكن قياسها أو تجاوزها. أي أننا لا نعرف ولا نفهم إلا ما تشير إليه هذه الأنظمة، وتسمح به هذه الأنساق المعرفية، والشبكات الدلالية المعقدة. فيغدو كل ما نقوله في نهاية الأمر إنتاجا داخليا للغة لا يعكس الواقع كما نتصوره، بل يخلقه داخل حدوده الخاصة.
إن ما تشير إليه التفكيكية في أبعادها الفلسفية واللغوية، خاصّة تفكيكية ديريدا، هو أن كل مصطلح داخل أي نظام لغوي لا يعبر بشكل واضح عن العالم الخارجي، بقدر ما هناك إشارة واضحة إلى مصطلحات أخرى غائبة، أو يتم تغييبها تشكّل بنيته الخفية. إنه «الأثر» بتعبير ديريدا، أي حضور الغياب داخل النظام اللغوي، حيث تظل كل دلالة مشروطة بما تم إرجاؤه من دلالات أخرى. وهذا الوعي البنيوي بالاختلاف، ينتج لنا منهجا نقديا وتقويضيا لكل الأنساق الثابتة والمطلقة والمركزية. فحسب هذا الطرح فإن كل نظام مفاهيمي، في رأي ديريدا، يقوم على تراتبية زائفة تضع بعض المفاهيم في موقع السيطرة على غيرها.
فحسب هذا المعنى فإن أنظمة الرموز في التفكيكية هي تعبير صريح عن ممارسة قوية وجريئة للخروج من الأنساق المركزية والثابتة، إلى أخرى أكثر مرونة وحيوية وتحولا. كما أنها وسيلة لهدم الثقة المفرطة في المفاهيم السياسية والأخلاقية والمنطقية التي تختفي وراء اليقينيات الكبرى، وادعاء الشمولية والإطلاق. هكذا نحن في حاجة إلى إعادة ترميم وعينا اللغوي، الذي يرى العالم بوصفه معطى جاهزا وثابتا وراسخا. في حين أنه يشبه شبكة من الدلالات التي ننتجها نحن عبر اللغة. فليست هناك «حقيقة» خارج النص، لأن كل محاولة لتجاوز النص لا تفضي إلا إلى نص جديد. وبذلك يفتح دريدا أفقًا فلسفيًا يُمكّننا من مساءلة كل نظام يدّعي امتلاك الحقيقة، ويمنحنا الجرأة لإعادة بناء رؤيتنا للعالم من خارج قيوده المفاهيمية.
وداخل هذا الفضاء المفتوح يفترض المنهج التفكيكي كما يؤكد باتلر نظرية “موتُ المؤلِّف”. تلك النظرية التي تفضي بنا إلى اعتبار النص ليس انعكاسا حقيقيا لنيّة كاتبٍ مُحدَّد، أو قصد معين. بل فضاءً مفتوحا ولا متناهيا تتولد فيه المعاني بشكل مستمر، ومع هذا التوليد يَنبعث القارئ، ويولد المعنى الجديد، والتأويل غير المحدود، والفهم اللامتناهي. حيث لم يعد الكاتب والمؤلف أو صاحب النص هو المولد الحقيقي للمعنى، أو مرجعا مركزيا ونهائيًا يمنح للنص معناه الأصيل، ومقصده الأوحد، بل سقط الكاتب والمؤلف، وأصبح النص كاشفا لدلالات لا محدودة تدل على تعدد المعاني وتحولها. فهكذا يتبين لنا من خلال هذا النقض لسلطة المعنى، ومحورية الكاتب أن المجاز يحكم حتى ما يُعدُّ «حرفيًا»، فتنهار أسطورة الموضوعية والواقعية البسيطة.
-
مفهوم الشعبوية: سلطة للشعب أم تسلّطُ الشعب؟
لم تكن الغاية من التمهيد السابق، والوقوف عند انقلاب النظام اللغوي كما توضح في المنهج التفكيكي، سوى الإشارة إلى أن التعامل مع المفاهيم، واللغة، والتصورات السياسية والعقدية على أنها أشياء ثابتة ومركزية ومحايدة وبريئة قد يكون هو مقتل الفكر، والخطر القادم في عالم مصطنع ومصنوع من لغة تضليلية، تهدف إلى التشويش على كل نقد ودلالة وتأويل، خارج النسق المتعارف عليه، والمجمع حوله. ولعل مفهوم “الشعبوية“ من المفاهيم التي تبدو في ظاهرها على أنها انحياز للشعب، ووقوف ضد السلطة القاهرة لمقدّرات الشعوب، والطبقات المحرومة، في حين أن المنهج التفكيكي قد يكشف لنا عن دلالات أخرى تبدو أكثر إثارة وتشويقا مما يمكن أن نتوقعه.
وحديثنا عن الشعبوية داخل هذا البحث نابع من حالة اجتماعية يعيشها عالمنا العربي بشكل خاص، والعالم المعاصر بشكل عام، ليس بمعناها السياسي فقط، وإنما باعتبارها حالة سيكولوجية وذهنية سكنت العقل العربي الجديد، وهيمنت على التمثلات الجمعية، وأعادت تشكيل العلاقة بين الفرد والجماعة، بين الحقيقة والوهم، وبين الزعيم والجماهير. إنها أكثر من إيديولوجيا عابرة للوعي، إنها تمثل ميتافيزيقا سياسية يمكن أن نطلق عليها “أسطرة الشعب”، أو لنقل بتعبير أدقّ عبادة الجماهير لذاتها، أو تحول الجمهور إلى حالة نفسية نرجسية لا تستطيع فيها إلغاء المسافة بين الفكر والانفعال، بين الفعل والتصفيق.
بعد أن انهار النموذج الحداثي التنويري، والقيم المنبثقة عن عصر النهضة والأنوار، كان لزاما على الإنسان أن يبحث عن البديل، والخلاص، والمستقبل، فكان العديدون يبشرون ببديل يمنح الإنسان شعورًا باليقين والانتماء، ويجعله يمجّد نفسه، ويرى فيها كل أدوات الخروج من استلاب العالم الحداثي التنويري. غير أن المفارقة في هذا البديل أنه لم يكن إيديولوجيا عابرة للوعي، أو سردية كبرى، أو ديناً من الأديان، أو أسطورة من الزمن الغابر. بل على العكس من ذلك كان البديل هو “الشعب” الإله الجديد، والعبارة المدغدغة للشعور والوجدان. فكانت النتيجة والمآل أن تألَّهَ “الشعب”، وصارت إرادته معيارًا للحقيقة، حتى لو كانت هذه الإرادة متقلِّبة، متناقضة، ومأسورة بالغرائز والخوف. هنا تتسلل الشعبوية كظاهرة فلسفية، تحمل في طياتها تمردًا على النخبة واحتفاءً بالبساطة بوصفها أصالة، وبالجهل بوصفه صدقًا، وبالانفعال بوصفه دليلًا على الحرية.
لكن لكي نكون أكثر دقة نحتاج إلى أن نقوم بوضع تعريف لمصطلح الشعبوية انطلاقا من مجموعة من الكتابات التي أشارت إلى تعقيدها، وتشابكها، وامتداداتها داخل الحقل السياسي والاجتماعي العالمي، وسنحاول أن نقتصر على ما كتبه حولها[4] جان إيف كامو Jean-Yves Camus، في تمهيده لكتاب: مقدمة موجزة عن الشعبوية “Brève introduction au populisme”.
يؤكد جان إيف بأن مصطلح «الشعبوية« يشبِهُ مصطلح اليمين المتطرّف، يحتاج إلى دقة أكبر لكي يتم استخدامه بطريقة تقترب من حدود الموضوعية، ولا يمكن أن نقترب من هذه الأخيرة إلا من خلال تعريف أكاديمي واضح ومحدّد قدر الإمكان. وهذا التعريف هو ما نجح فيه إلى حد بعيد كلّ من كاس مودّي (Cas Mudde) وكريستوبال روفيرا كالتفاسر (Cristóbal Rovira Kaltwasser) في الكتاب الذي أشرنا إليه سابقا بعنوان مقدمة موجزة عن الشعبوية، وذلك بدمج المنظورات الأوروبية، والأمريكية الشمالية، واللاتينية.
إن الذين تابعوا مسيرة كاس مودّي منذ بداياته الأكاديمية حسب جان إيف في تمهيده للكتاب، يعلمون أنه كان يمتلك مشروعا فكريا متكاملا ومنسجما لدلالات هذا المصطلح، خاصة أن أطروحته للدكتوراه، التي دافع عنها سنة 1998 في جامعة لايدن الهولندية، كانت بعنوان «العائلة السياسية للأحزاب اليمينية المتطرّفة»، وقد خلص فيها إلى أنّ «النزعة الأصلانية (nativisme) كانت ولا تزال العنصر المشترك الأساسي بين تشكيلات ما كان يُسمّى آنذاك بـ«الموجة الثالثة» من الأحزاب اليمينية المتطرّفة منذ عام 1945. ويُعرَّف مصطلح النزعة الأصلانية بأنه:” الأيديولوجيا التي ترى أنّ الدول يجب أن تُسكن حصريًّا بأعضاء المجموعة “الأصيلة”، وأنّ الذين لا ينتمون إليها يُشكّلون تهديدًا لتجانس الدولة-الأمة “[5].
ثم، في كتاب آخر محوري يضيف جان إيف، بأن كاس مودي راعى التطور التاريخي والإيديولوجي لهذه العائلة من اليمين المتطرف، وغيرها من المفاهيم والتشكيلات التي تناهض التوجه الديمقراطي. بدليل أن بحوثه اللاحقة تم التركيز فيها على ما يسمى «اليمين الراديكالي الشعبوي»، الذي تتمثل سماته البارزة، إلى جانب النزعة الأصلانية، في السلطوية والشعبوية. كل هذه الاعتبارات بحسب أطروحة كاس مودي دفعت إلى محاولة إعطاء تعريف لمصطلح الشعبوية، تتوفر فيه خاصيتي الوضوح والبساطة، خاصة أنه يستعمل في الكثير من الأحيان دون دقة في محتواه. وقد فعل ذلك كاس مودّي حين دعا إلى اعتبار الشعبوية بأنها الاعتقاد بأن المجتمع مقسّم إلى مجموعتين متعارضتين ومتماسكتين، «النخب» و«الشعب»»، بحيث تُعتبر الأولى «فاسدة» والثانية «نقية»، وبالتالي متعارضة بشكل جذري في رؤيتهما لأهداف السياسة؛ إذ تهدف النخب إلى تحويل المصلحة العامة لصالحها، بينما يسعى الشعب إلى تجسيدها بأقل قدر ممكن من التحريف.
هذا هو مكمن الإشكالية كما أشار إليها جان إيف في تعريف موس مودي، أي أن التعريف يتضمن ميْزاً ومفارقة بين مستويين: أحدهما تجسده النخبة التي يعتبرها الشعبويون فاسدة وتبحث عن تحقيق مصالحها الخاصة بدل العامة، وبين فئة الشعب الذي يصبغ على نفسه كل معاني الطهرانية والنقاء. لقد كانت أبحاث كاس مودّي متوافقة مع مسيرته العلمية، خاصة بدراسة أوروبا، بدءًا من غربها إلى آخر نقطة فيها، كما عمل أستاذا في جامعة جورجيا بالولايات المتحدة. وقد أتاح له هذا الموقع متابعة الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2016 وصعود دونالد ترامب، مع ظهور حركة Tea Party، وتحليل هذه الظاهرة ضمن سياق طويل من التطورات المحلية والتحولات الأيديولوجية داخل الحزب الجمهوري.
وإذا كان كاس مودي قد درس أوروبا بشكل كبير، فإن مشاركة صديقه كريستوبال روفيرا كالتفاسر في هذا الكتاب منحَتْ له نكهة خاصة، وعمقاً أكبر، وتجربة أوسع، على اعتبار أن روفيرا يعد من السياسيين المنحدرين من الشيلي، ودرس وعمل في أوروبا، الشيء الذي جعل هذا البحث المزدوج يهتم بالشعبويات في أمريكا اللاتينية، بمختلف مستوياتها سواء تلك التي تنتمي إلى النيوليبرالية، أو القومية اليمينية، أو اليسار الراديكالي. وهي شعبويات معروفة في تاريخ أمريكا الشمالية، ومنسجمة مع البنى الاجتماعية والسياسية الموجودة هناك، والتفاوتات الكبيرة، والأوليغارشيات السياسية والاقتصادية الحاكمة.
ولفهم طبيعة هذه الشعبويات التي يتحدث عنها الكاتبان يقترح علينا جان إيف قراءة مقال كالتفاسر[6] المنشور في صحيفة El País الإسبانية بتاريخ 25 نوفمبر 2016 بعنوان:
«¿Cómo (no) lidiar con el populismo?» أي:” كيف لا نتعامل مع الشعبوية؟ “. والمقال من وجهة نظر إيف يثير اهتمامنا إلى جانب قد يغفل عنه الكثيرون منا، ألا وهو اعتبار الناخبين الذين يؤيدون الأحزاب الشعبوية، سواء كانوا يمينيين أو يساريين، جهلاء وعاجزين سياسيًا. هذا الطرح بالنسبة لكاتب المقال وهو كالتفاسر يعتبر مجرد ردّ فعل عنيف يواجه النار بالنار، ويزيد من غموض الظاهرة الشعبوية وامتداداتها داخل المجتمعات سواء الأوروبية، أو في أي مكان من العالم بما في ذلك شعبويات العالم العربي. لهذا يقترح علينا كالتفاسر المواجهة الجدلية العقلانية والمنطقية لكل قضية يطرحها الشعبويون، مع التأكيد على ضرورة فهم دقيق ومدروس للمشكلة قبل الانخراط في النقاش.
وبما أننا وصلنا إلى أن طبيعة هذا المفهوم تبدو إشكالية في حدودها وتحديدها وامتداداتها، فإن الكتاب، ومؤلفاه قد حاولا أن يفندا اثنتين من أبرز الانتقادات الموجَّهة إلى استعمال كلمة “الشعبوية”، وهما:
- أن هذا المصطلح يُستخدم أساسًا بوصفه (كلمة ألمانية تعني مفهوم الصراع السياسي) تُستخدم لإدانة الخصوم السياسيين.
- وأن المصطلح غامض جدًا بحيث يمكن تطبيقه على أي شخصية سياسية كانت.
ربما الخلاصة التي يصل إليها الكاتبان كانت هي أن يوضع لفظ الشعبوية في سياق الديمقراطية الليبرالية، من خلال تجارب ميدانية، وبحوث مشتركة، بعيدا عن المواقف الإيديولوجية الجاهزة، والأحكام القيمية المتداولة، هذا على الأقل ما أكداه في بحثهما. فمن الناحية النظرية، هناك ربطٌ قائم دوماً بين الشعبويّة والديمقراطية الليبرالية، أكثر من ربطها بفكرة الديمقراطية نفسها أو بأي نموذج آخر منها، لأن أغلب الفاعلين الشعبويين في الواقع يعملون داخل إطار الديمقراطية الليبرالية. ورغم أن هذه المقاربة تبدو خاصة، بل ومقيّدة في ظاهرها، إلا أن الكتاب لا يعتبر بالأساس الديمقراطية الليبرالية نموذجًا مثاليًا، وأفُقاً متعاليا ومتكاملا، كما لا يعتبر أي نظام ديمقراطي آخر، نظامًا مناقضًا للديمقراطية من حيث الجوهر.
الشعبوية: مفهوم مثير للجدل ومتعدد الأبعاد
لا زالت رحلة الكتاب متواصلة، ففي كل حلقةٍ هناك إضاءةٌ على جوانب مهمة من مفهوم يعتبر من أكثر المفاهيم المثيرة للجدل، ليس فقط لصعوبة تحديد تعريف منضبط وأكاديمي له، ولكن أيضا لأن امتداداته وتطبيقاته وخطورته في بعض الأحيان تجعل من الصعب الإمساك بحقيقته، وهو ما تم التأكيد عليه بداية في مقدمة هذا البحث، حيث تمت الإشارة إلى أن المفاهيم ليست أشياء ثابتة، وجواهر محددة كما درج على ذلك التفكيكيون، بل داخل كل نظام لغوي، هناك العديد من الأفهام، والتأويلات، والتفاسير. فالمعنى دائما مؤجل ومرجأٌ إلى حين، ونحتاج الكثير من الصبر، والبحث لنسبر أغوار كلمة قد تبدو للناظر أنها تشير إلى شي محدد، ثم يفاجأ أنها تشير إلى نقيضها وضدها.
هنا يمكننا أن ندرج مفهوم الشعبوية ضمن هذا الإطار المعقّد والمركّب والمتداخل، وهو للأمانة البحثية ليس وحده من يحظى بهذا الجدل والنقاش الحاد في جميع أنحاء العالم، وإنما هناك مجموعة من المصطلحات السياسية الأخرى التي تحظى بالاهتمام نفسه. لكن الشعبوية ليست مجرد مصطلح قابل للتفسير بطرق مختلفة، بل هناك من يشكك أحيانًا في وجوده ذاته، ما يجعلها واحدة من أكثر الظواهر السياسية إثارة للجدل والخلاف. ولعل صعوبة التعامل معها تكمن في طبيعتها المتعددة الأوجه. ففي الكتاب المرجعي:” الشعبوية: معناها وخصائصها الوطنية Populism: Its Meaning and National Characteristics، يعرض عدد من الباحثين تعريفات متباينة للشعبوية، فالبعض يعتبرها إيديولوجيا، وآخرون يصفونها كـحركة اجتماعية، بينما يراها فريق ثالث متلازمة سياسية أو نفسية.
كما أن صعوبة التحديد هنا مرتبطة أيضا باختلاف السياقات الاجتماعية والثقافية والدينية، التي تزيد من ضبابية المفهوم، وتعقيدات المشهد الاجتماعي. فإذا استحضرنا السياق الأوروبي نجد الشعبوية غالبًا ما ترتبط بمعارضة الهجرة ونزعات كراهية الأجانب، بينما في أمريكا اللاتينية تُفهم عادة على أنها زبونية سياسية وسوء إدارة اقتصادية. أما في سياقاتنا العربية والإسلامية، فيمكن أن نجزم بأنها ترتبط بتيارات الإسلام السياسي الصاعدة إلى دواليب الحكم حديثا، وكذلك بعض التيارات القومية واليسارية الراديكالية التي ما زالت تحلم بمجتمع المساواة المطلقة، والعدالة الاجتماعية، والحقوق المتعالية على ظروف الزمان والمكان. ويرجع هذا الالتباس جزئيًا إلى أن مصطلح “الشعبوية” نادرًا ما يُستخدم من قبل الشخصيات أو التنظيمات نفسها، وغالبًا ما يُلصق بهم من الخارج، حاملاً دلالات سلبية[7].
ما يدل على ذلك هو أن أبرز الشخصيات التي يعتبرها الباحثون نموذجًا للشعبويين، مثل الرئيس الأرجنتيني خوان دومينغو بيرون أو السياسي الهولندي بِم فورتاين الذي اغتيل سنة 2002، لم يُعرّفا بأنفسهما على أنهما “شعبويان”. أي أن الشعبوية ليست مؤسّسة على نص تأسيسي أو نموذج موحد، بل هي مجموعة من السلوكيات والممارسات والأفكار السياسية المتنوعة التي تختلف من سياق لآخر. ولا يمكن حصرها في تعريف واحد جامد. فهي تحتاج إلى فهمٍ دقيق لسياقاتها الوطنية والاجتماعية والسياسية، وهو ما يجعل دراستها مهمة معقدة، لكنها ضرورية لفهم ديناميات السياسة المعاصرة.
السلطات الشعبوية
تحدثنا سابقا أن مفهوم الشعبوية مفهوم مثير للجدل، والغموض في بعض الأحيان، لأننا نتعامل مع ظاهرة اجتماعية وسياسية وفكرية تنخر المجتمعات النامية دون استثناء. ولكن المهم في هذا المفهوم هو أنه يقوم على اصطفاف حاد، وثنائية رخوة تميز بين مستويين كما سبق الإشارة إلى ذلك: المستوى الأول: هو النخب التي يعتبرها الشعبويون فاسدة وظالمة، والمستوى الثاني: الشعب في الجهة المقابلة الذي يمثل قيم النقاء والطهرانية، وهو ما تسعى كل الأحزاب، والتشكيلات السياسية الشعبوية إلى ترسيخه في المجتمع خاصة أثناء الحملات الانتخابية.
هذا المعطى الذي أكدنا عليه هو نفسه ما تمت الإشارة إليه من الثلاثي الذي أشرف على كتاب POPULISMES AU POUVOIR أي الشعبويات في السلطة، وهم ألان ديكهوف (Alain Dieckhoff)، كريستوف جافريلّو (Christophe Jaffrelot)، إيليز ماسيكار [8](Élise Massicard). فتمهيدهم للكتاب يعطينا انطباعا واضحا أننا أمام مفهوم مثير، أو بتعبيرهم أمام إيديولوجية “رخوة“، أو أسلوب سياسي، أو استراتيجية تقوم على ما أشرنا إليه سابقا، بأن الشعبوية هي مفهوم يرتكز بالأساس على تصويب النقد الهدام لنخبة تعتبرها مصدر الفساد المالي والأخلاقي والاقتصادي للمجتمعات، في حين تنكفئ على النقد الذاتي، حيث تعتبر بأن مسمى الشعب، هو مسمى نقي وطاهر، لأنه متجذر في الأرض الوطنية، وضحية في آنٍ واحد للنخب وللتهديدات الداخلية – مثل المهاجرين، والأقليات- وكذلك للتهديدات الخارجية – كالعولمة، والاتحاد الأوروبي، والإمبريالية.
هذه المقدمة التي أشرف عليها الثلاثي السابق يمكن اعتبارها خلاصة مركزية في فهم الشعبوية وإيقاعاتها، وأساليبها الخفية اتجاه السلطة. فالواقع الذي تشير إليه هذه الخلاصة، والذي يشير إليه الواقع الفعلي الذي نعيشه نحن داخل مجتمعاتنا، ونتقاسمه مع أطراف أخرى تعاني من الأزمات نفسها التي نعيشها، يؤكد أن الشعبويين بمختلف تلاوينهم يعملون دور جماعات الضغط، مستفيدين من الأزمات الاجتماعية المتعاقبة منذ تسعينيات القرن الماضي، تحت قيادة زعماء يتمتعون بقدرات خطابية لا تُنكر، ويجيدون توظيف الخطاب الديماغوجي.
إننا أمام ظاهرة تستحق منا كل التأمل والتفكير، خاصة خطابات التعبئة والحشد التي يقوم بها الشعبويون في خلق قاعدة عريضة لأفكارهم وإيديولوجياتهم، كما أنها فرصة لفهمِ كيف يظهر هؤلاء الشعبويون لقواعدهم أنهم أفراد مثلهم، يتقاسمون معهم بشريتهم، وفي الوقت ذاته يبدون ككائنات من طبيعة أرقى، بل «فوق بشرية» في بعض الحالات. ولهذا فكتاب ” الشعبويون في السلطة ” يتخذ منحى مختلفًا، إذ يسلّط الضوء على كيفية “حكم” الشعبويين. خاصة ذلك التحول الكبير الذي حدث خلال العقد الأخير، وهو أن العديد منهم أصبحوا في السلطة، ليس في أوروبا فقط، بل أيضًا في مناطق أخرى من العالم، من أمريكا اللاتينية إلى آسيا مرورًا بالشرق الأوسط.، والعالم العربي والإسلامي، بالرغم من أن الكتاب لا يثير موضوع وصول الإسلاميين بشكل أساسي إلى السلطة.
أثار أيضا الكتاب مسألة أخرى لا تقل أهمية عما قلناه سابقا، وهو محاولة إعادة النظر في التصنيفات التي درج عليها عالمنا، أي تقسيم العالم إلى شمال وجنوب. كما أنه أكد على أن التواصل بين القادة الشعبويين يعد أمرًا نادرًا، كما يُظهر الاجتماع الذي عُقد في ميلانو قبل الانتخابات الأوروبية في مايو 2019- بمبادرة من وزير الداخلية الإيطالي ماتيو سالفيني، الذي جمع عددًا من الزعماء الشعبويين مثل مارين لوبان (عن حزب التجمع الوطني الفرنسي) وخيرت فيلدرز عن )حزب الحرية الهولندي(- أن هناك انقسامات تشقّ التيار الشعبوي، خاصة ما حدث بين رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، الذي رفض أي تحالف مع مارين لوبان، وزعيم حزب القانون والعدالة البولندي ياروسلاف كاتشينسكي. فضلًا عن ذلك، فإن هذا اللقاء لم يكن يمثل سوى نوع واحد من الشعبوية، هو الشعبوية اليمينية القومية، وهي بعيدة عن أن تختزل كل أشكال الشعبوية المنتشرة في العالم اليوم.
إن ما يريد أن يثيره كتاب ” الشعبويون في السلطة “ له أهميته القصوى في الكشف عن أبعاد هذه الظاهرة المنتشرة في دول العالم بأسره، وتحديدا في دولنا النامية، حيث يسود هذا الخطاب المنحاز للشعوب، في حين أنه يعبر عن أزمة حقيقية، بدل أن يكون جزءا من الحل. لهذا نحن بإزاء كتاب يحلل أسلوب الخطاب الشعبوي أو لغته، ليتمكن الباحثون، والمختصون من فهْم كيف يستولي الشعبويون على السلطة، وكيف يمارسونها ويحتفظون بها. وفي الأخير كيف يتجاوزون دورها الاحتجاجي والمعارض للنظام، وهو الدور الذي طالما اعتُبر خاصيتها الجوهرية.
لقد أثارت مجموعة من الأبحاث والدراسات حول الشعبوية أسئلة مشابهة لما طرحه كتاب ” الشعبويون في السلطة “، وقد تركزت هذه الأسئلة حول طبيعة بعض التيارات الشعبوية ذات الصيت العالي، خاصة تلك المنتمية إلى الجذور اليسارية واليمينية، وكذلك بعض التيارات الإسلامية في العالم العربي. فكل هذه التيارات تبدأ مسيرتها في صفوف المعارضة ورفض النظام القائم، ثم تُمسِك بالسلطة لتتحول إلى أزمة مزمنة للنظام القائم، وما أحداث الربيع العربي ببعيد عنا، فوصول الشعبويون الإسلاميون إلى السلطة دمر مفهوم الدولة الحديثة، وأهدر مقدّرات المجتمعات، وأشعل المنطقة برمتها بالأزمات والحروب الطائفية والدينية. من هنا تنبثق أسئلة من قبيل: ما الذي يحدث للشعبوية حين تصل إلى الحكم؟ هل تفقد تميزها بمجرد دخولها دواليب السلطة فتصبح جزءًا من المشهد السياسي العادي؟ أم أنها تحتفظ بسماتها الخاصة وتعيد تشكيل مفهوم الحكم على طريقتها؟. ويتفرع عن هذا الأسئلة أسئلة أخرى لا تقل أهمية عنها: إلى أي مدى تُغيّر تجربة الحكم طبيعة الشعبوية نفسها؟ وكيف تتمكن هذه الأنظمة من الاستمرار والبقاء في السلطة رغم طابعها الاحتجاجي في الأصل؟
هذه التساؤلات المشروعة هي بوابة للبحث في طبيعة الظاهرة المعقدة التي تجتاح مجتمعاتنا، خاصة تلك المرحلة الأشد والأخطر، وهي استيلاء الشعبويون على مقاليد السلطة. حيث تكشف لنا هذه المرحلة أن مسارات صعود القادة الشعبويين ليست متشابهة؛ فبالرغم من خطابهم المعادي للنخب والمؤسسات، إلا أن العديد منهم ليسوا وجوهًا جديدة في السياسة. بعضهم يمتلك خبرة طويلة في العمل العام، بينما يحوّل آخرون مواردهم الاقتصادية والاجتماعية إلى رأسمال سياسي يمكنهم من التأثير بقوة في الساحة السياسية. وخير مثال على ذلك مثل ناريندرا مودي ورجب طيب أردوغان اللذان لهما جذورًا محلية قوية، في حين يملك آخرون خبرة طويلة في المناصب الانتخابية الوطنية.
والمثير أنه بوصول مثل هؤلاء الشعبويون إلى السلطة، والسيطرة على الدولة ومفاصلها، لا يقومون بالقطيعة مع الخطاب الشعبوي الذي أوصلهم إلى هناك. فعند تولي السلطة، غالبًا ما يحافظ القادة على الخطاب المعادي للنخب، كأنهم ما زالوا في حملة انتخابية لا نهائية، كما يستمرون في التواصل المباشر مع الجماهير عبر الوسائل غير الرسمية، لا سيما وسائل التواصل الاجتماعي، بدلًا من القنوات التقليدية مثل الخطابات البرلمانية أو المؤتمرات الصحفية. إنها استراتيجية ناعمة، وقوة خفية يتبناها الشعبويون منذ اللحظة الأولى لتوليهم السلطة، لأنها تتيح لهم إعلان الانفصال عن “النظام القديم“. ومع ذلك، قد تتطور الشعبوية أثناء ممارسة الحكم، حيث يصبح اللجوء إلى الشعب أداة ضرورية لمواجهة ضغوط مؤسسات غير ديمقراطية.
إن هذا التحول من الشعبوية إلى السلطوية، والذي يُوصَف عادة بأنه «انحراف»، هو في الواقع أمر شائع جدًا: فبمجرد وصولهم إلى الحكم، يسعى معظم القادة الشعبويين سريعًا إلى تركيز السلطة في أيديهم، على حساب الديمقراطية التي كانت أساس صعودهم السياسي. ويرتبط هذا المسار أولًا بالشخصنة المفرطة للسلطة التي ترافق وصولهم إلى الحكم، وثانيًا بمفهومهم الخاص للشعب وتصورهم للسيادة الشعبية. فادعاؤهم تمثيل الشعب من خلال الانتخابات يصاحبه عادة عداء واضح تجاه مؤسسات الرقابة والتوازن مثل القضاء والجامعات والمنظمات غير الحكومية والإعلام، إذ يُصوَّر هؤلاء كـعوائق أمام التعبير عن الإرادة الشعبية، بينما تراهم النظرية السياسية الليبرالية ضمانات أساسية لدولة القانون وحرية الفكر.
بما أنهم يعتبرون أنفسهم التجسيد الحقيقي للشعب في ظل وحدة وطنية زائفة ذات طابع استفتائي شمولي، فإنهم ينزعون الشرعية عن المعارضة تمامًا. إذ إنهم يقولون: إذا كنا نحن الشعب، فلماذا الحاجة إلى التعددية السياسية أصلاً؟ وفي الواقع، يقدم الشعبويون المعارضة دائمًا على أنها بقايا النخب المكروهة، المتواطئة مع الأجانب أو التي تمثل «الغرباء» الذين يشكّلون طابورا خامسا داخل التراب الوطني» يُشتبه بتعاونه مع العدو. وفوق ذلك، فإن ادعاء الشعبويين تمثيل الشعب الأغلبي يرتبط في كثير من الأحيان بـالدفاع عن الأغلبية العِرقية ضد الأقليات، التي تُتَّهم هي الأخرى بالتواطؤ مع مضطهدي الشعب. وفي هذه الظروف، يُطرح السؤال: كيف يتمكن الشعبويون من إعادة انتخاب أنفسهم؟ الجواب هو أن الأغلبيات العِرقية (في الشعبويات اليمينية) أو الأغلبيات الاجتماعية في الشعبويات اليسارية ترى فيهم حماةً لها. فالكثير من الناخبين يتأثرون بـ نضال الزعيم – سواء أكان حقيقيًا أو مفتعلًا – ضد «النخب الفاسدة» و«الأغنياء»، وهي سمة أساسية في الشعبويات اليسارية، لكنها قد تظهر أيضًا في الصيغ اليمينية، كما هو الحال مع ناريندرا مودي، رغم أنه يميل أكثر إلى الاستقرار لا إلى الثورة.
مع ذلك، فإن استمرار العديد من الشعبويين في الحكم، من انتخابات إلى أخرى، بل وازدياد هيمنتهم السياسية، لا يمكن تفسيره فقط بتحريف قواعد التنافس الانتخابي. ففي معظم الحالات، لا يقوم هؤلاء القادة بمصادرة السلطة أو تزوير الانتخابات بشكل فجّ، بل إنهم يحظون فعلًا بثقة قسم واسع من الناخبين. فعندما يُعاد انتخاب هؤلاء القادة الشعبويين رغم انتهاكاتهم لدولة القانون وللتعددية، فذلك لأن جزءًا كبيرًا من الجسم الانتخابي يعتبر أن الدفاع عن الديمقراطية الليبرالية أقل أهمية مما يقدمه الزعيم الشعبوي من أمان وسيادة وطنية، أو مواجهة للتهديدات الداخلية والخارجية، أو محاربة للّامساواة، أو إنصافٍ للمناطق المهمشة والمنسية. وهذا التحول يعكس تراجع التعلّق بالديمقراطية الذي تظهره الاستطلاعات الكبرى للرأي العام، وهي نتيجة تسير موازيةً لتراجع مؤشرات جودة الديمقراطية في العالم[9].
- روزانفالون والنقاش المعاصر حول الشعبوية
قبل أن نتحدث عن واحد من أهم النقاشات المعاصرة حول الشعبوية، لا بد من وضع تعريف مختصر لبيير روزانفالون Pierre Rosanvallon، وسنعتمد في ذلك على تعريف بمثابة سيرة ذاتية له على موقع كوليج دو فرانس حيث يقول الموقع بأن بيير روزانفالون من مواليد 1 يناير 1948 في بلوا (فرنسا). تميز مساره المهني بطابعه غير التقليدي. قبل أن يبدأ مسيرته الأكاديمية في أوائل الثمانينيات، كرّس سنواته الأولى في الحياة المهنية للنشاطات ذات الطابع الحركي والسياسي. بعد تخرجه في عام 1969 من مدرسة الدراسات العليا للتجارة (HEC)، أصبح مستشارًا اقتصاديًا للاتحاد الفرنسي الديمقراطي للعمل (CFDT) في الفترة 1969-1972، ثم مستشارًا سياسيًا لإدموند مير، ورئيس تحرير مجلة التفكير التابعة للنقابة “CFDT-أوجوردهوي” (1973-1977). وبصفته قريبًا من ميشيل روكار، أصبح خلال هذه الفترة أحد النظريين الرئيسيين لما يُعرف بـ “اليسار الثاني”، من خلال نشره كتاب عصر الإدارة الذاتية (1976) ثم من أجل ثقافة سياسية جديدة (1977).
في عام 1978، بعدما قرر عدم الانخراط في المسار السياسي الذي كان مفتوحًا أمامه، اتجه نحو الأنشطة الأكاديمية. التحق في ذلك العام بجامعة باريس-دوفين، حيث أشرف على المحور الاجتماعي لمركز أبحاث العمل والمجتمع الذي أنشأه جاك دلور في الجامعة. عمل كباحث رئيسي في الفترة 1978-1982، وربط علاقات فكرية مع كورنيليوس كاستورياديس وفرانسوا فوريه وكلود ليفور. وأعد مع الأخير أولاً أطروحة دكتوراه من الدرجة الثالثة في التاريخ، نُشرت عام 1979 بعنوان الرأسمالية الطوباوية: تاريخ فكرة السوق، ثم حصل على دكتوراه الدولة في الآداب والعلوم الإنسانية بعنوان لحظة غيزو (1985).
فتحت له هذه الأعمال أبواب مدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية (EHESS)، حيث انتُخب أستاذًا محاضرًا عام 1983، ثم مديرًا للدراسات عام 1989، وهو يشغل هذا المنصب حتى اليوم. كما أشرف على مركز أبحاث ريمون آرون السياسية في المدرسة من 1992 حتى 2005[10].Haut du formulaire
Bas du formulaire
بعد أن تعرفنا على هذه الشخصية، نريد أن نتعرف أكثر على النقاش الذي أحدثه بيير روزانفالون حول الشعبوية من خلال ما كتبه عنها بعنوان:” الشعبوية كنموذج لـ “الديمقراطية المستقطِبة”: نظرية الشعبوية لبيير روزانفالون في ضوء النقاش المعاصر ” Le populisme comme modèle de “démocratie polarisée” : la théorie du populisme de Pierre Rosanvallon à l’aune du débat contemporain[11]
يؤكد روزانفالون في هذا البحث مثل غيره من الباحثين الذين قاربوا موضوع الشعبوية بأن هذا الموضوع بالتحديد من أكثر الموضوعات إثارة للاهتمام في النقاشات المتعلقة بالأزمات السياسية المعاصرة، حيث تتزايد الدراسات والأبحاث حولها، إلا أن الأدبيات العلمية لا تزال تفتقر إلى إجماع واضح بشأن تعريفها أو تمييزها عن الحركات السياسية الأخرى، فضلاً عن التساؤل حول ما إذا كانت ظاهرة قابلة للفهم والتحليل كمفهوم مستقل وفعّال.
يقول روزانفالون بأن الأعمال الكلاسيكية والتقليدية حول الشعبوية، أو ما كتبه حولها غيتا أيونسكو وإرنست جيلنر في أواخر الستينيات، يؤكد على الإقرار بطبيعة المفهوم المراوغة. مع الإشارة إلى الشعبوية ظاهرة لا يمكن تجاهلها، كما لا يمكن التنكر لها، لكن المشكلة الحقيقية التي تواجه الباحث والدارس هنا هي أنه: “لا أحد يعرف بالضبط ما هي”، كما أن الباحثين السابقبن يؤكدان أيضا على أن الظاهرة “تظهر في كل مكان، لكنها تتخذ أشكالاً متنوعة ومتناقضة، مما يطرح السؤال: هل لها وحدة أم أنها مجرد اسم يغطي اتجاهات متفرقة؟“
تنبع تعددية المقاربات حول الشعبوية من تنوع الرؤى النظرية. فمن بين هذه المنظورات نجد:
- التفسيرات التاريخية التي تربط بين الشعبوية وأيديولوجيات ما بعد الحرب والفاشية (فينشيلشتاين، 2017)،
- العلاقة بين الشعبوية وأزمة التمثيل الديمقراطي الليبرالي (تاجارت، 2004؛ أوربيناتي، 2019)،
- الشعبوية كظاهرة تهدف إلى استبدال النظام الديمقراطي بـ”ديمقراطية غير ليبرالية” (مولر، 2016)،
- الشعبوية كأداء سياسي أو أسلوب متميز في ممارسة السياسة (موفيت، 2016).
في هذا المقال، يركز النقاش على تفسير روزانفالون للشعبوية، متجاوزًا المناقشات التاريخية حول ظهور الشعبوية في روسيا أو تطويرها الزراعي في الولايات المتحدة، فضلاً عن الشعبوية في أمريكا اللاتينية. كما تتناول بعض الدراسات التجريبية الخصائص الجيلية للناخبين المؤيدين للشعبويين، ما يوفر فهْماً أفضل لكيفية تفاعل القواعد الشعبية مع هذه الظاهرة (نوريس وإنغلهارت، 2019).
الشعبوية والتمثيل الديمقراطي
ارتبط تفسير روزانفالون للشعبوية ارتباطا وثيقاً بنظرية “عدم الحسم الديمقراطي”، وبنظرية “انغلاق الأفق الديمقراطي”. بمعنى آخر، الشعبوية بالنسبة له ليست مجرد تعبير عن مطالب شعبية أو احتجاج على النخب، بل هي انعكاس لمحدودية القدرة الديمقراطية على معالجة التعقيدات السياسية والاجتماعية بطريقة تمثيلية متوازنة. فمنذ أعمال جيلنر وأيونيسكو (1969)، مروراً بأبحاث مارغريت كانونافان، يُنظر إلى الشعبوية على أنها تعبير عن غموض ديمقراطي جوهري، يتجلى في مفارقة بين السيادة الشعبية والممارسات المؤسسية، وقيود المطالب الشعبية على السياسة (كانونافان، 1999). ومن منظور أيديولوجي، يرى كاس مود وروفيرا كالتووتر الشعبوية على أنها “أيديولوجيا قليلة المضمون” أو “فارغة” (thin-centered ideology)، تقوم على ربط السياسة بالشعب ضد المؤسسة، لكنها لا توجد بمعزل عن أيديولوجيات “غنية” أخرى كالاشتراكية أو القومية أو الليبرالية. إلا أن هذا التفسير يواجه نقداً أساسياً، إذ من الصعب تمييز الشعبوية عن الأيديولوجيات الأخرى ذات الأسس المحددة جيدًا، كما لاحظ بنيامين موفيت (2016) الذي اعتبر أن “الأيديولوجيا قليلة المضمون قد تصبح فارغة إلى درجة فقدان صلاحيتها المفاهيمية“.
أما ناديا أوربيناتي فقد نحت اتجاها مختلفا عما سبق، حيث تقترح النظر إلى الشعبوية باعتبارها عملية تغيير داخل الديمقراطية التمثيلية، بدلاً من تعريفها بوصفها أيديولوجيا أو عقلية أو أسلوباً سياسياً بحتاً (أوربيناتي، 2019). معنى ذلك أن وفق هذا المنظور ينبغي تحليل كيفية تأثير الشعبوية على المؤسسات والإجراءات الديمقراطية، خصوصاً على التعددية السياسية وآليات الحد من الأغلبية. فالشعبوية، من منظور أوربيناتي، هي طريقة لتحويل ممارسة الديمقراطية دون استبدالها بنظام سلطوي صريح، مما يميزها عن الفاشية، التي ترتبط بالضرورة بإقامة الطغيان.
الشعبوية كممارسة سياسية
أمام هذا النقاش الذي يثيره كل من روزانفالون وأوربيناتي حول الشعبوية، يتبين لنا أهمية فهم كيف تتفاعل هذه الظاهرة مع ممارسة السلطة. فعلى عكس الرؤية التي تصور الشعبوية كتجسيد مباشر لإرادة الشعب، يرى روزانفالون أنها تؤدي أحيانًا إلى ما يمكن وصفه بـ”الديمقراطية غير الليبرالية”، حيث تصبح ممارسة السلطة أكثر استقطابًا ومباشرة، مع تقليل الاعتماد على مؤسسات الرقابة والتوازن، وتجاوز التعددية التقليدية (روزانفالون، 2020). ومن الأمثلة الواقعية على هذا التحول نجد تجارب أحزاب مثل بوديموس في إسبانيا وحركة الخمس نجوم في إيطاليا، حيث طالبت هذه الحركات بممارسة “السلطة الشعبية المباشرة” و”الديمقراطية التشاركية” كبديل عن سلطة النخب التقليدية. هذه التجارب تمثل حالات صاعدة للشعبوية، لكنها تظهر أيضًا حدود هذه الظاهرة عند اندماجها في المؤسسات القائمة وتحالفاتها مع أحزاب الوسط-اليسار[12].
استمرارية الشعبوية وتحولاتها
حسب التحليل المقارن فالشعبوية، ليست ظاهرة ثابتة، إنها تخضع لديناميات متحركة ومتطورة وفق السياق السياسي والاجتماعي. ففي أمريكا اللاتينية، بدأت بعض الحركات الشعبوية بنهج نيوليبرالي في التسعينيات، كما في حالة ألبرتو فوجيموري في بيرو، لكنها تحولت في العقد الأول من الألفية الجديدة إلى نسخ يسارية راديكالية، مثل تجربة هوغو تشافيز في فنزويلا. هذا التطور يوضح قدرة الشعبوية على التكيف مع التحولات السياسية والاجتماعية، والاندماج في ممارسة الحكم، مع الحفاظ على خطابها الجذري الذي يركز على حماية “الشعب” وفرض إرادته.
كما يلاحظ أن هناك استمرارًا في الممارسات الشعبوية قبل وبعد الوصول إلى السلطة: فالقادة الشعبويون غالبًا ما يستمرون في الخطاب المناهض للنخب، ويستخدمون وسائل غير مؤسساتية، مثل وسائل التواصل الاجتماعي، للتواصل المباشر مع الشعب، كما لو أنهم ما زالوا في حملة انتخابية مستمرة. وفي بعض الحالات، يصبح الشعبويون شعبويين ضد إرادتهم، لأن التفاعل المباشر مع الشعب يمثل الوسيلة الوحيدة لمواجهة ضغوط مؤسساتية غير ديمقراطية، كما حدث مع رئيس الوزراء التايلاندي تاكسين شيناواترا أو مع التحولات التي شهدتها فنزويلا خلال عهد نيكولاس مادورو[13].
الشعبوية والتحديات الديمقراطية
تشير التحليلات إلى أن الشعبوية تشكل تحديًا جوهريًا للتعددية والمؤسسات الديمقراطية، إذ تقوم على ادعاء تمثيل الشعب بصورة حصرية، ما يقلل من شرعية المعارضة ويضعف قدرة المؤسسات على ممارسة دورها الرقابي. ومع ذلك، لا يعني صعود الشعبوية بالضرورة نهاية الديمقراطية، فقد تمكنت بعض الدول من مقاومة هذا المد، كما في حالة سريلانكا والولايات المتحدة، حيث أظهرت المؤسسات القدرة على الصمود أمام محاولات تركيز السلطة.
إن النقاش المعاصر حول الشعبوية، سواء من منظور روزانفالون أو أوربيناتي، يوضح أن فهم هذه الظاهرة يتطلب تجاوز التعريفات البسيطة، والتركيز على تأثيرها على ممارسات الحكم والمؤسسات الديمقراطية. فالشعبوية ليست مجرد احتجاج شعبي، بل هي عملية تغيير ديناميكية داخل النظام الديمقراطي، يمكن أن تؤدي إلى إعادة تشكيل التمثيل والسياسات العامة، مع مخاطر الاستقطاب وتقويض التعددية، لكنها أيضًا تعكس الأزمات الكامنة في ممارسة الديمقراطية التمثيلية نفسها[14].
- الفاشية: الشيء ونقيضه: تعظيم للشعب وتحقير للجماهير
تعد الفاشية وجهًا من أوجه الشعبوية المتعددة التي ظهرت في العالم المعاصر، ولعل أول ظهور رسمي لها كان مع موسوليني في عام 1919، وكانت تعني تلك الحركة السياسية القومية المتعصبة والمعادية لكل من اليسارية والسياسة المحافظة. كان التطرف هو السمة البارزة في الشعارات الفاشية حينذاك، كما كانت الحركة تسعى إلى تشكيل المجتمع وفق رؤية شمولية إقصائية تهميشية لكل ما سواها، معتمدة في ذلك على الحشد الجماهيري، والتعبئة الإيديولوجية، والتحفيز الوجداني بوطن قوي ومتماسك لا يلين. ومن خلال هذه الشعارات القومية المحفزة تمكّن موسوليني عام 1922، من الوصول إلى السلطة على رأس ائتلاف مدعوم من المحافظين، ليبدأ في عام 1926 تأسيس ديكتاتورية شاملة، ركزت على تعزيز سلطة الدولة المركزية وتوسيع نفوذ الحزب الفاشي في جميع مفاصل الحياة الإيطالية.
انتشرت الشعارات الفاشية في جميع أنحاء العالم، وتجاوزت بذلك حدود إيطاليا، وأصبحت الإيديولوجيا الشعبوية الفاشية مثار اهتمام العديد من الشخصيات السياسية والأدبية، ورجال الأعمال في كل بقعة من بقاع الأرض، والمثير أنها لم تقتصر فقط على ذوي النزعات المتطرفة، والمنظورات اليمينية المتعصبة. وإنما أثارت هذه الأفكار أيضا اهتماماً واسعاً لما كانت تقدمه من تصور جديد للسلطة والسياسة، يجمع بين الوطنية المفرطة والانضباط الاجتماعي الصارم. لكن التحول الكبير في مسار الفاشية اكتمل مع النازية التي تركت أثرها الكبير في العالم بأسره في النصف الأول من القرن العشرين، خاصة في فترة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي بدأت عام 1929، واستطاعت الوصول إلى السلطة في يناير 1933. وبينما كان موسوليني يعمل على بناء مجتمع شمولي يهدف إلى توسيع سلطة الدولة وإخضاع المجتمع للنظام الفاشي، شرع هتلر في تنفيذ رؤيته الخاصة، وهي «يوتوبيا» عنصرية تستند إلى افتراض تفوق العرق الآري، الأمر الذي أسفر عن استبعاد اليهود من الحياة العامة في ألمانيا وشن الغزو العسكري على أوروبا الشرقية، وفرض سيطرة النازية على عدد واسع من الدول المجاورة.
كل هذا التحول ساقه لنا بأسلوب موجز، لكنه مفيد جدا كيفن باسمور[15]، وهو محاضر في مادة التاريخ في جامعة كارديف، في كتاب رائع عن تاريخ الفاشية، بعنوان:” الفاشية مقدمة قصيرة جدا “. في هذا الكتاب يؤكد باسمور أن الفاشية، إلى جانب الليبرالية والمحافظة والشيوعية والاشتراكية والديمقراطية، من العلامات الفارقة في التاريخ المعاصر، وتحديدا النصف الأول من القرن العشرين. خاصة أنها حظيت باهتمام الباحثين والمتابعين والمتدخلين في الحقل السياسي المعاصر، على الأقل لأن امتداداتها تتجاوز الفكرة، إلى السلطة، والعنف، والشمولية في أبهى صورها. لهذا يطرح باسمور سؤال: كيف يمكن فهم هذه الأيديولوجية التي جذبت في الوقت نفسه المتطرفين والمثقفين؟ وكيف يمكن تفسير تناقضاتها العميقة، مثل إدانتها للبرجوازية بينما تشكِّل تحالفات مع المحافظين، أو تبنيها لنمط ذكوري بينما تجذب عددًا كبيرًا من النساء، أو دعوتها للعودة إلى التقاليد مع انبهارها بالتكنولوجيا، أو تعظيمها للشعب وفي الوقت ذاته احتقارها للجماهير، وأخيرًا دعوتها للعنف باسم النظام؟ كل هذه التناقضات تجعل الفاشية، كما وصفها أورتيجا جاسيت، «الشيء ونقيضه» في الوقت ذاته.
هناك مشكلة أساسية تواجه الباحث حسب باسمور وهو يبحث في الحركات ذات النزوع الفاشي، الأمر الذي يجعل من الصعب تعميم صفة «الفاشية» على جميع الحالات، وإلا فإننا نخفي السمات الخاصة بكل حركة أو نظام. فهل استخدام مصطلح الفاشية ينفي الطابع الفريد للشر الذي ميّز النازية؟ أم من الأفضل تصنيف النازية والستالينية ضمن الحركات والأنظمة الشمولية؟. هذه أسئلة تواجِه الباحث وتجعل أيضا من مفهوم الفاشية مفهوما ذا قيمة تحليلية، لأنه يسمح بمقارنة الاتجاهات المشتركة بين بلدان وحقب مختلفة، مع الاحتفاظ بتفرد كل حركة أو نظام. مع ذلك، ليس كل التعريفات مفيدة بالقدر نفسه. فيجب أن تخضع المفاهيم للنقد والتحليل، بعكس المفاهيم الفاشية الذاتية التي غالبًا ما تنطوي على تحيّزات وعنصرية غير قابلة للنقد. إذ التفكير الفاشي حول العرق يقوم على افتراضات مسبقة غير قابلة للدحض، كما في تفسير هتلر للنازية من خلال الصراع بين العرق الآري واليهودي، وهو تفسير لا يمكن قبوله علميًا، لأنه مجانب للتحليل النقدي. لذا، فإن التعريف العلمي للفاشية يجب أن يسمح بفهم الظاهرة وتحليلها بطريقة منهجية، بعيدًا عن الانحيازات الأيديولوجية.
إضافة إلى ما سبق نجد أن هناك صعوبة أخرى تتمثل في ادعاء بعض الباحثين أن نظريتهم هي السبيل الوحيد لفهم الفاشية، وهو ما يقود أحيانًا إلى تجاهل الأدلة التي لا تتوافق مع فرضيتهم. إذ تُصنف السمات إلى أساسية وثانوية بحسب التفضيلات السياسية للباحث، وهو أمر اعتباطي غالبًا. لهذا، يحتاج البحث إلى مقاربة متوازنة، تجمع بين تحليل الجوانب المحافظة والفكر الراديكالي، لتقديم فهم شامل للفاشية.
يمكن النظر إلى الفاشية من منظورين رئيسيين: الأول: يركز على الجوانب المحافظة، ويرى أن الفاشية تمثل رد فعل ضد التغيير الاجتماعي والسياسي، محاولة للحفاظ على القيم التقليدية والنظام القائم. أما الثاني: فيركز على الجوانب الراديكالية، معتبرًا أن الفاشية تسعى لإحداث تحول جذري في المجتمع والدولة، من خلال التعبئة الجماهيرية والسيطرة على مؤسسات الدولة. كلا المنهجين مهم لفهم الفاشية، لكن أيًّا منهما لا يختزل الظاهرة بالكامل. وذلك لأن الحركة الفاشية، أو بالأحرى الإيديولوجية الفاشية تتسم بالتناقضات الداخلية العميقة التي تجعلها معقدة وصعبة الفهم. فهي تدعو إلى التقاليد وفي الوقت نفسه تتبنى التكنولوجيا الحديثة. تعظم الشعب بينما تحتقر الجماهير، وتستخدم العنف باسم النظام، وتجمع بين تحالفات مع المحافظين وانتقاد للبرجوازية. هذه التناقضات ليست عشوائية، بل تعكس قدرة الفاشية على التكيف مع السياقات الاجتماعية والسياسية المختلفة، وتحقيق أهدافها من خلال خطاب مزدوج يجمع بين القوة والسيطرة والتأييد الشعبي. ولعل هذا جزء من الدينامية والحركية التي تتسم بها الفاشية، إذ يمكن اعتبارها كما يرى باسمور نفسه، حركة متحولة ومتغيرة، وليست مجرد أيديولوجية جامدة، فهي تتفاعل مع الواقع، وتستخدم الرموز والخطابات لإضفاء الشرعية على سلطتها، وتسعى لإلغاء التعددية السياسية، وتقويض آليات الرقابة، وتحويل الديمقراطية إلى نظام سلطوي مستقطب.
ختاما:
لا بد أن نذكّر بأن الهدف من البحث كان هو التحذير من التلاعب بالأسماء والمفاهيم والمصطلحات في عالمنا المعاصر، فالكثير مما نعتبره بريئا ومحايدا يصير في الواقع هو السم القاتل، وما أحداث ما سمي الربيع العربي ببعيد، وكذلك ثورات ما سمي باحتجاجات جيل زيد، أو جيل الألفية الثالثة. وما لم نحذر من الاستعمالات المبطنة والمضللة للكثير من المفاهيم فسنسوق أنفسنا بشكل طوعي إلى مسالخ من يقود هذه الحملات التضليلية. ولعل مفهوم الشعبوية من المفاهيم المثيرة للجدل في عالمنا المعاصر، خاصة في سياقاتنا العربية، وكذلك في السياقات الأوروبية والأمريكية.
فالناظر في المصطلح يعتقد بأنه هو الانحياز إلى صوت المقهورين والمعذبين في الأرض، في حين أن التجربة الفعلية تؤكد أننا أمام مفهوم غارق في الإيديولوجيا، وغارق في الديماغوجيا التضليلية، وذلك ما حاولنا الكشف عنه من خلال أبحاث كرست جهودا متواصلة لتبين لنا بأن الشعبوية ليست مجرّد تيار سياسي عابر، أو أسلوب في الخطابة والحشد والتعبئة والاستقطاب الحاد، بل هي بنية فكرية ونفسية عميقة تعبّر عن أزمة العالم المعاصر في تمثيل السلطة والهوية والمعنى. إنها أكبر من استقطاب حاد بين توجهين كل منهما يرى في الآخر الشر الأكبر، والخطر القادم. بل هي في جوهرها تعكس نوعا من الاختلال الحاصل بين مكونات المجتمع الواحد، بين الإرادة العامة وآليات التمثيل الديمقراطي، بين العاطفة الجامحة للشعوب المقهورة، وبين عقلية الدولة المؤسساتية والبيروقراطية. وربما قد نجزم بأنها شكل من أشكال الاستعصاء الديمقراطي في عالمنا، وتعبير صريح بأن العدالة المطلقة لا يمكن أن تتأتى فقط من الأشكال الديمقراطية، والتمثيليات الانتخابية التي أفرزتها الدولة الحديثة.
إن ما يؤكد لنا صدق هذه الفرضيات، أو على الأقل ما يجعلها قربية من الموضوعية المرجوة في مقاربة مثل هذه الظواهر الاجتماعية المعقدة، سواء تلك التي كشف عنها كاس مودي وكالتفاسر أو تلك التي تحدث عنها روزانفالون والتي أشارت إلى معضلة عدم الحسم الديمقراطي، هي أن حديثنا عن الشعبوية لا يعني بأننا أمام كتلة واحدة، وظاهرة منسجمة، وكيان متماسك. بل على العكس من ذلك نحن أمام ظاهرة ذات أبعاد متعددة، وأوجه متباينة، يحكمها السياق الموجودة فيه، والظروف والملابسات التي تنشأ فيها. فلا يجب أن ننظر إلى الشعبوية فقط من منظور أنها فعل احتجاجي رافض لتحكم نخبة قد تعتبرها فاسدة في مجتمع ما، وهو أمرٌ واقعي تؤكده كل المعطيات والدلائل. بل أيضا من إطالة التفكير في الشعبوية وامتداداتها، خاصة تحوّلها إلى خطاب إقصائي تهميشي لكل الأصوات المعارضة، بعد أن تمنحها الشعوب الإمساك بمقاليد السلطة.
ربما هذه هي المعضلة التي تعيشها كل الشعبويات، إذ تمزج هذه الأخيرة بين الطموح إلى الحرية والانزلاق نحو الهيمنة، بين أن تتكلم باسم الشعب، وبين التسلط باسمه. بالتالي فمواجهة الشعبوية لا تكون بإدانتها أو بتجاهلها، بل بفهم أسبابها العميقة في المجتمع والسياسة والفكر، وبالسعي إلى تجديد الممارسة الديمقراطية نفسها، على نحو يعيد الثقة بين المواطن والمؤسسات، ويستعيد السياسة كفضاء للنقاش العقلاني لا كمنبر للتعبئة العاطفية. فحينما يستعيد الإنسان قدرته على التفكير الحر والمشاركة الواعية، تزول الحاجة إلى الخطابات التي تَعِد بالخلاص باسم “الشعب”، وتعود الديمقراطية إلى معناها الأصيل: سلطة العقل الجمعي لا غوغائية الجماهير.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر والمراجع:
[1] – أكد بخلر أن وظائف الإيديولوجيا تختصر في: التجمع ralliment، التبرير justification، الإخفاء، التعيين désignation، تجويز الإدراك autoriser la perception.
انظر بهذا الشأن كتاب الإيديولوجيا، إعداد وترجمة محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي. دار توبقال للنشر. ص: 53/54
[2] المقطع تحليلي لفيلم they live وهو أحد روائع سينما هوليود اليسارية، وتدور أحداثه حول شخصية جون نادا وهي كلمة إسبانية تعنى لا شيء، يدخل ذات مرة إلى كنيسة مهجورة ويجد بها صندوقا كرتونيا به نظارات شمسية. وعندما يضع واحدة على عينيه يكتشف شيئا غربيا، وهو أن هذه النظارات تعمل كأنها نقد للإيديولوجيا.
رابط الفيديو: https://2u.pw/Dte6oD
[3] – كريستوفر، باتلر. ما بعد الحداثة مقدمة قصيرة جدا. ترجمة نيفين عبد الرؤوف. مؤسسة هنداوي،ط1،2016. ص:19.
[4] CAS MUDDE CRISTÓBAL ROVIRA KALTWASSER Brève introduction au populisme . préface de Jean-Yves Camus traduit de l’anglais par Benoîte Dauvergne. éditions de l’aube fondation européenne d’études progressistes fondation jean-jaurès .P:9
[5] – Ibid p: 9
[6] Ibid p: 11
[7] Ibid P: 14
[8] POPULISMES AU POUVOIR sous la direction de Alain Dieckhoff Christophe Jaffrelot Élise Massicard. Paris : Presses de Sciences Po, 2019. P: 7
[9] – Ibid
[10] – التعريف موجود على موقع: https://www.college-de-france.fr/fr/chaire/pierre-rosanvallon-histoire-moderne-et-contemporaine-du-politique-chaire-statutaire/biography
[11] Le populisme comme modèle de “démocratie polarisée” : la théorie du populisme de Pierre Rosanvallon à l’aune du débat contemporain. Diogo Cunha* Paulo Henrique Paschoeto Cassimiro. Sociologias, Porto Alegre, ano 24, n. 59, jan-abr 2022, p. 200-236.
[12] Ibid
[13] Ibid
[14] Ibid
[15] – كيفن، باسمور. الفاشية مقدمة قصيرة جدا. ترجمة رحاب صلاح الدين. مؤسسة هنداوي،ط1،2014. ص: 19.