“الصدفة المُقَرَّرَةُ”.. في حياة البشر

 تكوين

  لطالما ارتبط وعي الإنسان ذاته برغبةٍ متأصِّلَةٍ لديه في امتلاك القوة التي تحتضن داخلها قدراتٍ جَمَّةٍ متَّصلة بعضها ببعض: الإرادة والحرية والرغبة في السيطرة… وهي جميعها متماهية مع “الأنا” الرامية إلى إقناع الفرد بأنه سَيِّدُ قراراته، مهما اختلفت أنواعها، ومهما كانت حالتها بالقوة أو بالفعل.

  •  هل الإنسان في الواقع هو ذاك المستمسك بما يفكِّر ويبغي وينفِّذُ، أم أنَّ أحداثًا عِدَّة تتقاطع، في زمانٍ ومكانٍ مُعيَّنَين، لترمي به خارج سياق مُخطَّطاته “الحازمة” كما يحلو له توصيفها، فتكون الصدفة المُقَرَّرَةُ سيَّدة المواقف؟!
  • وهل يلتقي حقًا متناقضان: وقوع الأمر خارجًا عن القصدية، وهو الصدفة…، ووجود نظامٍ وعِلَّةٍ محدَّدَين يؤدِّيان إلى وقوع هذا الأمر خلف غلاف “العشوائية”، وهو “المُقَرَّرُ”؟

تساؤلات عديدة تثير قلق الإنسان وتدفع بتفكُّره إلى التراوح بين اللوغوس المؤدِّي إلى السبيل القويم، وبين المجهول الذي لم ولن تكون للفرد يومًا ملكةٌ على تحديده أو استنباط مصادره.

هي الصدفة المُقَرَّرَةُ، هو السؤال الذي يتناسل ويتوالد أجوبةً وأسئلة، وتراكماتٍ من الشكِّ واليقين، والحقيقة والحلم… على قياس زمنٍ يتواصل بحركةٍ “هيراقليطيةٍ” لا تهدأ ولا تبلغ السكون مطلقًا.  

  •   فما هي انعكاسات الصدف المقرِّرَةُ وتداعياتها في حياة الفرد والجماعة والدول؟
  1. على المستوى الفردي

  بعيدًا من فائض القوة “النيتشوية”، ومن هشاشة الانصياع شبه الأعمى لحتمية الأقدار كما في بعض المذاهب الفلسفية الضاربة في التاريخ، ينظر الفرد إلى نفسه، هيكلًا مؤلَّفًا من جسدٍ ورُوح. يمنحه الجسد وجودًا ماديًّا، وتُلقي فيه الرُوح انبعاث الحياة المتجدَّدَةِ مع صحوة كُلَّ يوم…

ويقف هذا الفرد متباهيًا بامتلاكه العقل الفاعل الذي غالبًا ما يوظِّفه في خدمة مسيرته الحياتية، حاضرًا ومستقبلًا، فيُخيَّلُ إليه أنه هو من يفكِّرُ ويخطِّطُ ويقرِّرُ ويقيِّم المراحل كافة، ولا سيّما التنفيذية منها… غير أنه يصطدم أحيانًا بما كان يتصوّره وليدَ خياراته، ليجري مع رياحٍ لم يتوقَّعها، وسط عواصف لم يتنبَّأ بهبوبها، وعلى امتداد اتِّجاهاتٍ حكمًا لم يقم باختيارها. فيقول إنها

الصدفة، ذاك الحدث غير المنتظر وغير المقصود وغير المخطَّطِ لهُ مُسْبَقًا، المتحرِّرُ من اللزوم والوثوقية، ومن الإدراك السببي للظواهر والأشياء، والمعبَّرُ عنه “بالعلاقة الاعتباطية غير المعلَّلَةِ”.

هذا ما يفترضه الفرد الذي يستمرُّ في الظنِّ أنه المسيطر على الأحداث المرسومة سلفًا، وحتى على تلك الطارئة منها أيضًا. إلَّا أنه لا يتنبَّهُ دائمًا إلى أنَّ هذه الصدفة التي قد تكون إيجابيةً أو سلبيةً، أو في بعض الحالات دون تأثيرٍ مباشرٍ في مجرى ما يعيشه، هي صدفة مقرَّرَةٌ تداخلت عِدَّةُ حتمياتٍ في أعماقها لتخرج إلى العَلَن وكأنها فُجائية.

إنه تلاقٍ خارج إطار الحسابات الفردية المألوفة، وداخل هذه الحسابات في الوقت عينه. هي صدفةٌ قرَّرتها قوةٌ ما، وجعلتها تتسلَّلُ خلسةً إلى حياة الإنسان، في أحداثها اليومية حينًا على بساطتها وتعقيداتها، والمصيرية أحيانًا أخرى على عمق معانيها وأبعادها.

  1. على مستوى العلاقات المجتمعية

  يرى فلاسفة علم الاجتماع أنَّ اللقاءات بين الأفراد ليست نتيجةً لصدفةٍ مطلقة، لأنّ ما يوجِّهها هو رغبات هؤلاء الأفراد ووقوع اختيارهم على أناسٍ يلتقون معهم في نقاطٍ معيَّنة قد تكون فكريةً وثقافيةً، أو فنّيةً أو رياضية، وما سوى ذلك. ويشمل الأمر كذلك التقاء الأشخاص عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

هل هي إذًا صدفةٌ ترسمها فقط رغبةٌ ما لدى طرفَين محدّدَين؟ بالطبع لا، لأنَّ جميع العوامل التي تُفضي إلى هذه “الصدفة” خُطَّت في وقتٍ سابق. ولنأخذ مثلًا على ذلك، العلاقة التي جمعت الفيلسوفَين الكبيرَين “جان بول سارتر” و”سيمون دي بوفوار”، وهي علاقةٌ وُصِفَتْ “بالقَدَرية”.

وُلِدَا في الحقبة ذاتها، درسا في الجامعة ذاتها، ارتادا الأماكن الفكرية ذاتها، وأسَّسا معًا مجلَّة “الأزمنة الحديثة” Les Temps modernes إلى جانب مجموعة من الأصدقاء المفكِّرين. وارتبطا بعلاقة حبٍ وفكرٍ مدى الحياة (مع أنه كان لكلٍّ منهما علاقات أخرى).

أن تلتقي الممثِّلةُ الأبرز للفكر النسوي مع المُطلِق الأول للفلسفة الوجودية في فرنسا في القرن العشرين… هي صدفةٌ مُقرَّرَةٌ أدَّت إليها عوامل عِدَّة:

  • رفض “دي بوفوار” الرضوخ للتفكير الذكوري وثورتها حتى في وجه والدها الذي كان يردِّدُ على مسامعها : “أنت تملكين عقل رجل”.
  • إصرارها على الدراسة في كلِّية الآداب في جامعة باريس حيث التقت “سارتر” الذي وصفته آنذاك “بالعبقري”.
  • التزامهما بالاتجاهات الفلسفية عينها: فكان ما كتبه “سارتر” من “الغثيان” إلى “الوجود والعدم” إلى “الشيطان والربّ” ” و “قضايا الماركسية” وسواها من المؤلَّفات، يتماهى مع ما كتبته هي من “الجنس الآخر” إلى “عنفوان الحياة” إلى “الموت السهل”.. وصولًا إلى “وداعًا سارتر” فقد كانت على يقينٍ بأنَّ الحياة التي جمعتهما تصادمت مع الموت الذي قرَّرَ أن يفصل بينهما… وبعد الموت لا لقاء وفق رؤية الاثنَين معًا، لا بصدفةٍ ولا بقرار!

وينسحب الأمر عينه، باختلافاتٍ طفيفةٍ حينًا وجذريةٍ حينًا آخر، على العلاقات المجتمعية كافة تحت مسمَّيات الحبِّ أو الصداقة أو الزمالة…

الحياة هنا، وهي مفتوحةٌ على كلِّ ما هو متوقَّع أو غير متوقَّع، ظاهرًا وباطنًا.

  1. على مستوى الدول

  تُطرح في هذا المجال علامات استفهامٍ كثيرة بخصوص مفعول الصدفة في إحداث منعطفات في مسار الدول، وتغيير مصائر في حياة الشعوب.

ولا شكَّ في أنَّ الحروب المندلعة والصراعات المتأجِّجَةُ في كثيرٍ من بقاع العالم، تُمَثِّلُ مادَّةً خصبة لطرحنا إشكالية الأحداث، بمسبِّباتها ومفاعيلها، بين الصدفة والحتمية.

“أرنولد جوزف توينبي” الذي قرأ “تاريخ حرب البيلوبونيز” لثوسيديدس، وشهد مأساة الحربَين العالميّتَين، وما بينهما وبعدهما، دعا إلى الارتداد نحو الصفاء الديني والنفسي والذهني لبلوغ خلاص الحضارات… أمَّا “صاموئيل هنتنغتون” فوصَّفَ الواقع كما هو: صدام الحضارات حاصل حتمًا، والأمل في التلاقي بينها شبه حلم.1  

كان “توينبي” على يقينٍ بأنَّ أيًّا من الحروب لم تندلع بمحض صدفة، بل بتزامن وجود قادة وعتاد وإرادة وقرارات، إذ تتحوَّلُ النخبة الخلاَّقة إلى قلَّةٍ مُسيطرة مُستبدِّة. وكذلك “هنتنغتون” الذي أكَّد أنه رأى “الحادي عشر من أيلول 2001” قبل سنوات، وحَلَّلَ أسباب الحدث الأليم قبل وقوعه. وكأنَّ الحروب التي حصدت الملايين من البشر، وحادثة البُرجَين التي أشعلت صراعاتٍ ما تزال مُمتدَّة إلى اليوم في نواحي العالم كافة… كانت شبه مرسومة بحذافيرها، وإن تخفَّت خلف رداء “الحدث الفجائي”.

عندما طرح “أبيقورس” نظرية تلاقي الذرَّات وتراكمها في مجموعات، رأى أنَّ هذه التركيبات هي نتاجٌ كُلُّيٌ للصدفة التي أرفقها بكلمة Clinamen: هكذا وُجِدَت الكائنات دون غايةٍ أو خُطَّةٍ أو أسبابٍ نهائية، في عالمٍ تكوَّن هو نفسه عن طريق التلاقي العَرَضي للذرَّات. فإذا كان تَجمُّع ذرَّاتٍ يوجِد مادةً، فلقاء أسبابٍ مع خلفيَّاتٍ لا إنسانية يُطلق حروبًا. وهذا ما يحدث في منطقتنا العربية للأسف، اليوم كما بالأمس: السيناريو ذاته مع تبديلٍ بأسماء “أبطال الحرب”، وبأرقام الضحايا.

هل في أيِّ حربٍ مصادفة؟ أم أنها قرارات اتُخذت بالتضحية بأبرياء فداءً لمصالح الدول، وقد تعلَّبت هذه القرارات ضمن مفهوم “الصدفة”؟!

خاتمة

  ““كُلُّ شيءٍ ألم” – هذه الصيغة البوذية يُمكن أن تُصبح إذا حُدِّثَتْ : “كُلُّ شيءٍ كابوس.”2

بهذه العبارة المجدولة على النزعة التشاؤمية، عبَّر الكاتب الروماني “إميل سيوران” في كتابه “مثالب الولادة” De l’inconvénient d’être né عن معاناته من الحياة، مؤكّدًا -في الكتاب نفسه- خضوع الإنسان لقوةٍ خارجةٍ عن إرادته… حتى أنَّ ولادته التي لم يختَرها، لو خُيِّر لما أرادها كما كان يردُّد.

فكم من المرَّات انتقَينا دربًا، فأخذتنا أحداثٌ مباغتة، قد تكون على المستوى الشخصي أو العام، إلى دروبٍ أخرى؟ وكأنَّ حريّتنا، بمعنى اللا تقيُّد واللا ضرورة، مُصطنعة ومُكبَّلة، وهي تستغيث حينما تصطدم بعبورِ صدفةٍ آتيةٍ من مصدرٍ ما يستحيل علينا تحديده، فنجدنا مُرتَهنين له، وللأسف أحيانًا مدى الحياة.

هي الصدفة المقرَّرة… ونحن نحاول بشتَّى الطرق تلقُّفها وتقبُّلها ومحاولة إحداث تغييرٍ في مفاصلها وتفاصيلها، لكن دون جدوى.

ربُّما ما نحتاجه في الحقيقة هو الركون، كما أراد “كامو”، إلى نوعٍ من التمرّد ليكون خيارًا وحيدًا في مواجهة صُدَفِ الحياة وعبثيِّتها، وبخاصة إذا كان ما نحياه مأساةً تحدث بطريقة عشوائية دون أن يكون لها هدف أو معنى مُسْبق، ما يجعلها “مُقرَّرَةٌ” وحتميَّة الحدوث، وفي الوقت ذاته محض صدفة!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

[1] Samuel Huntington, Le choc des civilisations, Ed. Odile Jacob, traduit de l’anglais par Jean-Luc Fidel et autres, France, 2001, p.27.

[2] إميل سيوران، مثالب الولادة، ترجمة آدم فتحي، منشورات الجمل، مكتبة بغداد، الطبعة الأولى، بغداد، بيروت، 2015، ص. 20.

اقرأ ايضا

المزيد من المقالات

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete