تكوين
“إنّ الجسد والعالم يتبادلان الحضور دائمًا.”
(ريتشارد شوسترمان)
تمهيد
يتفق أغلب المسلمين على أن صيام رمضان فريضة دينية، وأن له فوائد صحية وروحية واجتماعية عديدة. فهو يمنح من يعاني عادةً ضارة، كالتدخين مثلًا، فرصة للتخلّص منها، كما يتيح لمن يواجه مشكلات غذائية، كالسمنة مثلا، مساحة لإعادة التفكير في نمط حياته. غير أن تحقق هذه الفوائد يظل مشروطًا بقدر من الوعي والمعرفة بكيفية التعامل مع الصيام بوصفه ممارسة واعية لا مجرد امتناع شكلي عن الطعام.
ويشيع أيضًا أن الصيام يسهم في “سموّ الروح” عبر كبح مطالب الجسد، وكأن هدوء الجسد يمنح الروح مساحة للتنفّس في عالم مادي صاخب. أما اجتماعيًا، فيرتبط رمضان بأجواء تثير فينا السعادة والبهجة مثل: انتظار الهلال، والزينة، واللقاءات العائلية، ثم يأتي “العيد” بما يحمله من طقوس للفرح ليكمل البهجة. ويُقال أيضا إن الصيام يوقظ الإحساس بالفقراء، لأنه يترافق مع فريضة الزكاة التي تعزز البعد التضامني في هذا الشهر.
غير أن ثمة اتجاهًا معاصرًا يثير أسئلة فلسفية حول الصيام، وغالبًا ما يُجاب عنه بحجج دينية فقط، أو بحجج طبية علمية فقط. وهنا تبرز الحاجة إلى مقاربة فلسفية؛ إذ إن الفكر لا يُجابَه إلا بالفكر. وكما علّمنا سقراط، يبدأ التفلسف الحقيقي بالاعتراف بالجهل، لا بادعاء امتلاك الحقيقة، ومقولة سقراط الشهيرة: “أنني أعرف أنني لا أعرف شيئًا” هي مفتاح البدء.
انطلاقًا من هذا الأفق، يحق لنا أن نتساءل: كيف يمكن التفكير في الصيام فلسفيًا إذا حررناه من الخطاب الوعظي والجدل السجالي؟
فنحن هنا لا نعالج الموضوع من زاوية الإثبات الديني أو الجدل الطبي، بل من زاوية الخبرة المعيشة. لذا، سوف نستعين بالمنهج الفينومينولوجي أو الظاهراتي الذي يركّز على تحليل الخبرة في كيفية حضورها للوعي، لا في كيفية تفسيرها أو تبريرها نظريًا.
حيث تُعد الفينومينولوجيا Phenomenology اليوم من أبرز التيارات الفلسفية وأكثرها تأثيرًا في الفكر الفلسفي المعاصر، وتُعرَّف بأنها علم وصف الظواهر كما تتجلى في خبرتنا الشعورية، أي كما تُعطى للوعي مباشرة، بعيدًا عن الفروض والتصورات المسبقة التي قد نحملها عنها. إنها تتيح أفقًا جديدًا للبحث، وزاوية نظر مختلفة، إذ تسعى بوصفها منهجًا إلى بلوغ “الماهيات الأولى” والوقائع الأساسية التي يمكن أن تُبنى عليها معرفة أصيلة، لا تحجبها التراكمات ولا تُشوّهها المسلّمات الجاهزة.
ولكي نصل إلى وصف تجربة الصيام، ينبغي أن نتأمل الجسد نفسه، لأنه هو الذي يقع عليه فعل الصوم. وقد شهد الجسد في التاريخ الفلسفي مسارًا معقدًا: فمن الثنائية الديكارتية التي منحت العقل السيادة، إلى أفلاطون الذي رأى في الجسد عائقًا أمام تحرّر الروح، ظل الجسد موضع ريبة وتهميش.
غير أن هذا المسار تغيّر جذريًا مع فريدريك نيتشه، الذي أعاد الاعتبار للجسد ومنحه أولوية على العقل، معتبرًا أن العقل ليس سوى أداة من أدوات الجسد. ثم جاء موريس ميرلوبونتي ليربط الجسد بالإدراك، فرأى أنه ليس شيئًا نملكه، بل هو طريقتنا في الوجود في العالم. ومع هيدجر، لم يعد الجسد مجرد موضوع، بل صار تعبيرًا عن انفتاح الإنسان على العالم وإمكاناته في الفهم.
أما في الفلسفة المعاصرة، خصوصًا عند ريتشارد شوسترمان وتحديدًا في كتابه “الوعي الجسدي” Body Consciousness، يظهر اتجاه يؤكد أن صفاء التفكير مرتبط بصفاء الجسد، وأن كثيرًا من العلل الفكرية تعود إلى عادات جسدية غير واعية. لذلك طوّر شوسترمان بعدًا تطبيقيًا يُعرف بـ “السوماتيقا” أو “الجماليات” Somaesthetics، وهو مشروع فلسفي يرد الاعتبار إلى الجسد باعتباره مركز الإدراك والمعنى والتشكّل الجمالي للحياة. وهي لا تعني دراسة جمال الجسد، بل دراسة الجسد بوصفه وسيطًا للخبرة الجمالية ومجالًا لتشكّل الذات. ويرى أن كل قيمة جمالية أو أخلاقية، تمر عبر الجسد؛ فنحن لا نختبر العالم بعقل خالص مجرد، بل بجسد يشعر، ويحس، ويستجيب، ويتعلّم. وينصب هدف الجماليات السوماتيكية على فكرة أساسية مفادها أن تحسين حياتنا الجمالية والأخلاقية يمر عبر رفع وعينا الجسدي. ورفع الوعي الجسدي لا يتم من خلال رفع الوعي والإدراك النظري فقط، وإنما أيضا عبر سلوكيات وتمارين وتأملات وحركات مقصودة.
إذا وضعنا هذه الرؤية في سياق الصيام، أمكن فهمه لا كتعذيب للجسد، بل كفرصة لإعادة الإصغاء إليه. فالصيام يقطع الإيقاع الاعتيادي للاستهلاك، ويُحدث فجوة في العادة اليومية، وهذه الفجوة تتيح إمكانية الانتباه. في نمط الحياة المعاصر المليء بالسرعة والضجيج، فنحن غالبًا ما نهمل إشارات أجسادنا. أما الصيام، فيفرض علينا التوقف، ويجعلنا أكثر وعيًا بالجوع، وبالعطش، وبالتعب، بل وحتى بالرغبة.
من هذا المنظور، لا يكون الجوع غاية في ذاته، بل وسيلة للانتباه. ليس الهدف قمع الجسد، بل سماعه. فالألم نفسه لغة من لغات الجسد. وعندما نصوم بوعي، نكتشف أن الجسد ليس خصمًا للروح، بل شرطًا لكل إدراك ومعرفة.
المشكلة إذن ليست في الصيام ذاته، بل في الإطار الذي ننظر من خلاله. فحين نختزله في خطاب علمي تجريبي صرف، أو نحصره في خطاب ديني مغلق، نفقد إمكان النظر إليه كتجربة إنسانية قابلة للتأمل. الفلسفة لا تنفي الدين ولا تنافس العلم، لكنها تفتح سؤال المعنى.
لعل الصيام، في أحد أبعاده الممكنة، هو تمرين على الوعي: وعي بالجسد، وبالعادة، وبالإيقاع الذي نحيا داخله. وهو دعوة إلى التمهّل في عالم يطالبنا بالسرعة الدائمة.
لذا، خلال هذا المقال سوف نطوف حول فلسفة الصيام وما تكشفه لنا، بشرط أن نُقوِّس الظاهرة كما طالب هوسرل، وأن نضع كل أفكارنا المسبقة جانبًا، ونستكشف الصيام بوصفه تجربة معيشة وتجربة للوعي. ومن فينومينولوجيا الصيام يمكننا أن نقتل العادة ونحيي الوعي، ونلتمس الطريق ونضع الإشارات. والمبدأ الأساسي هنا هو عدم تحويل الصيام إلى مجرد تقنية جسدية، بل طرحه كخبرة مركّبة يمكن قراءتها فلسفيًا.
1- فلسفة الصيام
الإشكالية الأساسية هنا، والتي تمنح المقال عمودًا فقريًا قويًا، تتمثل في السؤال الآتي:
هل يمكن فهم الصيام بوصفه ممارسة لرفع الوعي الجسدي ضمن أفق فينومينولوجي معاصر؟
ولكي نحدد هذا الأفق؟ سوف نستعين بفينومينولوجيا هوسرل Edmund Husserl، متناولين مفهوم “الخبرة المعيشة”، كما سنعتمد بشكل أساسي في فهمنا للجسد من خلال فلسفة ميرلوبونتي Maurice Merleau-Ponty، ولا سيما مفهومه عن “الجسد الحي”، ثم ننتقل إلى قراءة سوماتيكية/جمالية للجسد عند شوسترمان Richard Shusterman.
ولفهم إمكان قراءة الصيام في أفق فينومينولوجي، ينبغي أولًا تفكيك الإرث الفلسفي الذي همّش الجسد.
- عرض تاريخي موجز لمشكلة الجسد
سيطرت ثنائية العقل/الجسد التي أسسها ديكارت René Descartes زمنًا طويلًا، وربما ساهم الترسيخ الديني في المسيحية بشكل كبير في صمودها، كما ربما اتفقت مع معظم آراء الفلسفة القديمة حول الجسد، فجاءت تتويجًا لما سبقها. وهكذا صمدت أسطورة الجسد الفاني الذي يمثل سجنًا للروح، واستساغها العقل البشري ببساطة؛ لأنه يعلم يقينًا أن الروح لا تملك حرية الخروج من الجسد، وما دمنا لا نملك حرية الخروج من شيء ما؛ فهو سجن. ويُستدل على ذلك بأن هذا “السجن” لا يكف عن المطالب والرغبات: من طعام إلى شراب إلى تدفئة، إلى رغبات عديدة؛ فهو مزعج كطفل صغير، لا يكف عن التذمر وطلب المزيد.
رسخت الأديان والفلسفة مثل هذه التصورات؛ فأفلاطون الذي طالب بتهذيب الجسد لكي يتحقق للنفس الخلود، اعتبر الجسد عائقًا أمام سعيها نحو المعرفة والحكمة. ويوضح لنا في محاورة “فيدون” أن الروح أبدية وتنتمي إلى عالم المُثُل. وتبعه أرسطو الذي لم يقل إن الجسد سجن للروح، إلا أنه اعتبره عائقًا كذلك.
إلى أن حدث التحول مع نيتشه Friedrich Nietzsche؛ ففي كتابه “هكذا تكلم زرادشت” أحدث انقلابًا إبستمولوجيًا خطيرًا. فقد تطرف إلى حد بعيد، وقلب الثنائية الديكارتية رأسًا على عقب، معلنًا أن الجسد هو الأساس وأن العقل ثانوي، بل عدَّ “العقل ليس إلا أداةً للجسد، وإن كان يُساء استخدامها كثيرًا، لا سيّما من قِبل الفلاسفة الذين يجعلونه سجنًا خانقًا للجسد.”([1]) فالعقل مجرد أداة من أدوات الجسد يستخدمها مثل غيرها من الأدوات، لا ميزة له ولا تفضيل. أمّا تحليل هيدجر للجسد في ملتقيات زوليكون ZolliKon Seminars، فيبدأ بمقولتين لنيتشه، أولاهما، أن: “فكرة الجسد مذهلة أكثر من الفكرة القديمة عن الروح”، وثانيهما، أن: “ظاهرة الجسد أكثر ثراء وتميزا وأقرب منالًا للفهم، من أي ظاهرة أخرى؛ لذلك يجب أن يكون لها أولوية منهجية، دون أن نقرر أي شيء حول أهميتها النهائية.”([2]) وقد أتفق هيدجر مع المقولة الأولى، ولكنه يرى في المقولة الثانية مجانبة للدقة؛ لأن فكرة الجسد ليست مفهومة كما ينبغي.
ثم يأتي تحليل ميرلوبونتي؛ إذ قدّم تحليلًا فينومينولوجيًا للجسد بوصفه موضوعًا يمكن دراسته من الخارج، وفي الوقت نفسه خبرة داخلية معاشة. ففي كتابه “فينومينولوجيا الإدراك” Phenomenology of Perception يوضح كيف يُختبر الجسد بوصفه موضوعًا خارجيًا -كما في رؤيتنا للأجساد الأخرى-، وكيف يُختبر كخبرة داخلية لأنني أملك جسدي وأعيه من الداخل. ويخلص إلى أن إدراك العالم يتوقف على إدراك الجسد؛ لأنه الوسيط بيني وبين العالم، فهو وسيلتنا إلى الإدراك، ونحن نختبر العالم من خلاله.
وفي كتابه “المرئي واللامرئي” يثبت ميرلوبونتي أننا نملك جسدًا بيولوجيًا موضوعيًا يمكن دراسته، وهذا ما نعرفه، وجسدًا حيًا متشابكًا مع العالم، وهذا ما نختاج إلى فهمه، وإذا كان نيتشه قد قلب الهرم، فإن ميرلوبونتي قد تجاوزه تمامًا؛ فهو لم يكتفِ بإعادة الاعتبار للجسد فحسب، بل أعاد تعريف الجسد بوصفه شرطًا لكل إدراك.
وإذا كان ميرلوبونتي قد أعاد الجسد إلى قلب الإدراك، فإن هيدجر أعاد الإنسان كله — بوصفه دازاين — إلى بنية الانفتاح على العالم من خلال مفهومه عن “الوجود-في-العالم” فقد اعتبر الجسد انفتاحًا على العالم، وغيّر فكرتنا عن المكانية التي ننظر إليها بوصفها مجرد إحداثيات. فلم يعد الجسد مجرد جسم يشغل حيزًا مكانيًا كالأشياء الأخرى، بل كيانًا حيويًا ممتدًا ننفتح من خلاله على العالم. ولا انفصال بين النفس والجسد، بل هما وحدة واحدة؛ “الدازاين” في توجه دائم نحو العالم لمعرفة معناه.
وفي الفلسفة المعاصرة، جاء ريتشارد شوسترمان ليبني على ما وضعه ميرلوبونتي وأسس له. فقد أسس ميرلوبونتي الإطار النظري الذي يجعل الجسد وسيلتنا في الإدراك واكتشاف العالم، بينما وضع شوسترمان الجانب التطبيقي: كيف يمكن تنمية الوعي الجسدي ليرتفع إدراكنا وتتحسن جودة حياتنا؟ فهو يؤمن بأن الأخطاء الفكرية الجسيمة ناجمة عن عطب جسدي، كما يؤمن بأن الفلسفة الحقّة هي تلك التي تناولها القدماء بوصفها أسلوب حياة. وهي أسلوب حياة متجسدة؛ فأنا أتوجه إلى العالم بجسدي، لذا يؤكد سوشترمان على “إنّ الجسد والعالم يتبادلان الحضور دائمًا.”([3])
. ومن هنا يمكن فهم شعار دلفي القديم “اعرف نفسك” على أنه يشمل أيضًا: أن تعرف جسدك.
-
الصيام كتجربة نحو الوعي الجسدي
نقل شوسترمان سؤال الجسد من المستوى النظري إلى مستوى الممارسة، وأكد أن تنمية الوعي الجسدي ليست تأملًا ذهنيًا فحسب، بل تدريبًا فعليًا يمكننا ممارسته لإعادة تشكيل إدراكنا للعالم. ولكن: هل يمكن حقًا أن نقرأ بعض الممارسات الدينية مثل الصلاة أو الصيام بوصفها أوامر تعبدية فحسب، أم يمكننا أن نمدّ المعنى إلى وصفها كتقنيات جسدية لرفع الوعي؟
بعبارة أخرى، إذا كانت الجماليات السوماتيكية عند شوسترمان والتي تهدف إلى تحرير الجسد من عادات الإدراك الآلية ومن العيش غير الواعي، فلماذا لا يُنظر إلى الصيام باعتباره هو أيضًا ممارسة منظمة لكسر الآلية اليومية والعادة، ومن ثمّ دفع الذات إلى إعادة اكتشاف جسدها بوصفه أفقًا للإدراك، لا مجرد أداة للإشباع؟ وهنا يمكن النظر إلى الصيام باعتباره من أكثر الممارسات كثافة في إعادة تشكيل علاقة الإنسان بجسده. بل ينبغي أن نُظهر كيف يُعاش الصيام فعلًا كتجربة إدراكية.
2- التحليل الفينومينولوجي للصيام
وهنا يبدأ التحليل الفينومينولوجي الفعلي لتجربة الصيام، من خلال طرح التساؤلات التالية:
- كيف نعيش تجربة الجوع؟
- كيف يتغير إدراكنا للزمن في تجربة الصيام؟
- كيف تتبدل علاقتنا بالذات وبالعالم أثناء فكرة الامتناع التي يحققها الصيام؟
- كيف ينكشف الجسد كشرط للمعنى في خبرة الصيام؟
إذا أردنا تعميق التحليل الفينومينولوجي للجوع أو الصيام، فلا يكفي القول إن “الجسد يشعر بالجوع” أو إن نقول “الزمن يبطؤ أثناء الصيام”؛ فالفينومينولوجيا لا تسأل عما يحدث بيولوجيًا، بل كيف يُعاش هذا الحدث البيولوجي في أفق الوعي. نحن في حاجة إلى تفكيك بنية التجربة ذاتها، وتعميق التحليل الفينومينولوجي حول خبرتنا بكيفية معايشة تجربة الجوع؟ وكذلك كيف يتغير إدراكنا للزمن في الصيام؟
أولًا: كيف نعيش تجربة الجوع؟
الجوع في الصيام لا يظهر كموضوع أفكر فيه، بل هو حالة أكون عليها. وهي الفكرة نفسها التي يقدمها ميرلوبونتي في كتابه “فينومينولوجيا الإدراك”؛ إذ يعرض تصوره عن الجسد بوصفه ليس شيئًا أملكه، بل أكونه. فقد جعل التصور الديكارتي الجسد يبدو وكأنه موضوع أمام الوعي، مثل أي شيء آخر من الأشياء في العالم، أما ميرلوبونتي فرفض هذا التصور، وميّز بين:
الجسد الموضوعي: وهو الجسد كما يدرسه الطب أو العلم.
الجسد الحي/المعيش: الجسد كما أعيشه من الداخل.
الجوع في الصيام لا يُعاش على مستوى “الجسد الموضوعي” فحسب، كما قد نختزله نحن في مؤشرات (هبوط سكر الدم أو تغيرات هرمونية حادة)، بل يحدث أيضًا على مستوى الجسد المعيش/ الحي، حيث يقول ميرلوبونتي بوضوح “إنني لا أمتلك جسدي كما أمتلك شيئًا، بل أنا جسدي؛ فالجسد هو وسيلتي العامة لامتلاك عالم”. أو كما يقول هيدجر “إننا ليس لدينا «جسد» على نحو ما لدينا سكِّين صغير يُطْوى في النِّصاب/ مِطْواة في جيوبنا، وبالمعنى الدقيق للكلمة: ليس لدينا جسد، وإنما نحن «جسديون» We are bodily. نحن نعيش إلى الحد الذي ننمو فيه”.([4])
لذا، ففي الصيام، لا يقف الجوع أمامي كموضوع أفكر فيه، بل يصبح طريقة يتغير بها وجودي كله. فأنا هنا لا ألاحظ الجوع من الخارج، بل أعيش من خلاله. فـ”أنا جائع”.
في الحياة اليومية يكون الجسد شفافًا؛ يعمل في الخلفية ولا يلفت الانتباه، حتى لو أراد ذلك، بسبب ضجيج الحياة الذي لا يهدأ. لكن مع الصيام ينكسر هذا “الشفاف”، وتتحرك الخلفية للأمام لتشغل المقدمة، ويتحول الجسد من وسيط صامت إلى حضور مكثف. وقد يحدث الأمر نفسه في المرض؛ إذ يفرض الألم صوته، فحين يمرض الجسد يتوقف الضجيج فجأة. غير أن السؤال هنا: هل الأفضل أن نكتشف الجسد عبر تجربة روحية نعيشها مرة كل عام، أم ننتظر مرضًا يفرض علينا هذا الاكتشاف؟ في كل الأحوال، سوف يثور الجسد يومًا، إن لم نرفع وعينا به.
الجوع إذن يُعاش كتحول في بنية الانتباه؛ حيث يصبح الانتباه دائريًا، يعود إلى الداخل بدلًا عن أن يتجه كليًا نحو العالم. وهنا يحدث تغير في إيقاع التفكير، لا لأن الدماغ أصبح ضعيفا، بل لأن الجسد يعيد تنظيم الأولويات.
تظهر الرغبة هنا لا كفكرة، بل كتوتر. والأهم أن الجوع ليس مجرد نقص غذائي، بل تجربة انكشاف؛ فهو يكشف عن هشاشتنا، لكنه يكشف أيضًا عن قدرتنا على تأجيل الاستجابة. فنحن مازلنا نملك مفتاح الحرية بكسر التجربة. بل إن أمر هذه الحرية مربك أيضًا، لأنه مشروط بموعد في الزمن حدده الله، من الفجر حتى غروب الشمس. ومع ذلك فإنه يجعلنا نشعر بالتحرر؛ فحتى مع وجود هذا الإلزام الإلهي بالتوقيت، ما زلنا نملك فعل الطاعة أو العصيان. فالحرية الحقيقية مشروطة وليست مطلقة. هذه المسافة بين الإحساس والفعل هي لحظة وعي، وفي هذه المسافة يتكوّن المعنى.
ثانيًا: كيف يتغير إدراك الزمن في الصيام؟
نعلم أن الزمن الفيزيائي ثابت، لكن الزمن المعيش يتبدل ويتشكل وفق إحساسنا به. وقد أشار برجسون إلى أن الزمن تجربة داخلية يعيشها الإنسان بوصفها “ديمومة”. وفي تحليلات الزمن الداخلي عند هوسرل، لا يكون الزمن مجرد تعاقب لحظات، بل شبكة من احتفاظ بالماضي وتوقّع للمستقبل داخل الحاضر. وعند هيدجر لا يوجد انفصال بين آنات الزمن الثلاث: ماضٍ وحاضرٍ ومستقبل، بل هو بنية واحدة ونسيج واحد؛ فالماضي هو ما كنّاه، والحاضر ما نكونه الآن، والمستقبل ما سوف نكون عليه. إنه نسيج لا محطات منفصلة.
في تجربتنا للصيام يتسارع الوقت في فترة الإفطار، ويمر مرور البرق في وقت السحور، ويتباطأ خلال اليوم، ويكاد يتوقف قبيل الإفطار. هكذا نشعر خلال تجربة الصيام. لذلك يمكننا أن نحلل بنية الزمن في هذه التجربة ونقول إن في تجربة الصيام يحدث أمران:
الأول: المستقبل، ممثّلًا بلحظة الإفطار، يكتسب كثافة خاصة ويصبح نقطة اهتمام مكثفة تُعيد تنظيم سير اليوم كله، فنحن ننتظره طوال الوقت.
الثاني: الحاضر يُعاش أيضًا بكثافة متزايدة؛ فقد تبدو الدقيقة فيه أطول، لأن الوعي لم يعد مندمجًا في التدفق العادي للعادات اليومية، فينصب التركيز على اللحظة الحالية، بفعل جوع الجسد وإحساسه بالنقص.
لذا، فالزمن ليس هو الذي يبطؤ، بل علاقتنا به هي التي تتغير؛ فحين تكون الرغبة معلّقة، يصبح كل امتداد زمني محسوسًا بوضوح أكبر. الانتظار يكشف أن الزمن ليس محايدًا، بل يتشكل وفق وضعنا الجسدي. فالجسد الذي يشعر بالشبع يعيش الزمن كامتداد عادي، أما الجسد الذي يشعر بالجوع يعيش الزمن كتوتر ممتد.
ثالثًا: كيف تتبدل علاقة الذات بالعالم أثناء الشعور بالامتناع؟
في فكرة الامتناع أو الإمساك التي تثيرها تجربة الصيام، يتم تعليق العلاقة الاستهلاكية بالعالم؛ فنحن نتعامل مع العالم اليومي — في نمط الحياة المعاصر — كموضوع للاستعمال: مخزن للأشياء التي نستهلكها، من طعام نلتهمه إلى وقت نملؤه. أما تجربة الصيام فتعلق هذا النمط، فنجد أنفسنا فجأة غير قادرين على تحويل كل ما نراه في العالم إلى إشباع مباشر. هذا التعليق يكشف عن علاقتنا بالعالم خلال الصيام، فهي ليست بالضرورة علاقة بيولوجية فحسب، بل بنية وجودية. وهذه الفكرة تتوافق مع هيدجر حول نمط وجود الأشياء في العالم، حيث إن الأشياء غالبًا ما تكون قيد الاستعمال ولا نشعر بها إلا حين تتوقف أو تتعطل؛ حينها يكتسب وجودها كثافة ويحضُر في الذهن، لأنها لم تعد تعمل؛ فتثير فينا شعور الغرابة.
ما يحدث في تجربة الصيام هو تغيّر إدراكنا للزمن وتحوله إلى بنية (الوجود-في-العالم) كما عند هيدجر، بحيث لا يبقى الأمر مجرد شعور عابر، بل إعادة تشكيل وجودية كاملة. فهيدجر يعتبر الإنسان ليس ذاتًا داخل زمن خارجي، بل كائنًا زمانيًا/متزمنًا في بنيته. فالزمن ليس إطارًا نعيش داخله، بل طريقة وجودنا أصلاً في هذا العالم. ولهذا يرتبط مفهوم الزمن عنده بمفهوم “الدازاين”، أي الكائن الذي يوجد بوصفه انفتاحًا على العالم.
ففكرة هيدجر حول بنية الوجود في العالم تقول إننا لا نواجه أشياءً محايدة، بل نعيش داخل شبكة معانٍ متكاملة. والصيام يعيد ترتيب هذه الشبكة، حيث يتحول الطعام من شيء مألوف إلى موضوع انتظار مرهق، ويتحول شرب الماء من عادة طبيعية تمر مرور الكرام بسبب توفره، إلى قيمة عظيمة تستحق الثناء لما يثيره من متعة ورضا، ويتحول الجسد من مجرد أداة ثانوية إلى مركز لكل تجربة. فالامتناع لا يقلص العالم كما يبدو، وإنما يعيد شحنه بالمعنى.
لذلك فإن تغيّر إدراك الزمن لا يكون مجرد إحساس بالبطء أو التسارع كما نشعر، بل مؤشر على تحوّل أعمق في بنية الوجود ذاته. فالشعور الذي ينتابنا تجاه تباطؤ الزمن قبيل الإفطار ليس مجرد وهم إدراكي، بل تعبير عن توتر في بنية انخراطنا بالعالم.
وكما قلنا، فإن الامتناع لا يقلص العالم، بل يعمل كتعديل لشبكة المعنى. ففكرة هيدجر عن وجود الأشياء في العالم، والتي تشترط كونها في وضع متناول اليد وجاهزة للاستعمال، تجعل العالم لا يُفهم أبدًا كمجموعة أشياء محايدة تقع حولنا في كل مكان، بل كشبكة من الدلالات المرتبطة باستعمالنا لها.
لذا، فالطعام في الوضع العادي “جاهز للاستعمال” — لا نفكر فيه، بل نأكله. لكنه في الصيام يخرج من هذه الجاهزية ويتحول من أداة إلى موضوع انتظار. وهكذا ينتقل من خلفية مألوفة إلى مركز وعي، ويُعاد شحنه بالمعنى. والتغيير الذي يحدث هنا في بنيتنا المعرفية للمعنى ليس في الطعام ذاته، بل في نمط علاقتنا به. وهذا هو التغير الحقيقي: إعادة ترتيب شبكة المعاني التي نوجد داخلها في العالم.
والخلاصة هنا، والتي تنبني على فهمنا للزمنية عند هيدجر، أن خبرتنا بتجربة الصيام تسير في الأفق نفسه؛ إذ يتغير الزمن في الصيام ليكشف أننا لسنا كائنات تعيش داخل زمن موضوعي فحسب، بل كائنات تتشكل علاقتها بالعالم عبر بنيتها الزمنية. يتباطأ الزمن فيتجلّى الوجود ويكتسب كثافة. وحين ننتظر، ننكشف لأنفسنا. وعندما نعلّق الاستجابة الفورية التي يفرضها الصيام، نخرج — ولو جزئيًا — من نمط العيش الآلي. وهكذا لا يعود الصيام مجرد تمرين جسدي، بل يصبح تجربة تعيد تشكيل علاقتنا بالزمن، وبالتالي علاقتنا بالعالم نفسه.
رابعًا: كيف ينكشف الجسد كشرط للمعنى؟
نحن عادة نفترض أن المعنى يُنتَج في العقل، لكن الصيام يُظهر لنا أن المعنى يتشكل عبر الجسد. وانطلاقا من رؤية ميرلوبنتي للجسد يمكننا تحليل “القصدية الجسدية” التي تتمثل في كيف يتجه الجسد نحو العالم، وكيف يكوّن المعنى بحركاته وإحساساته المختلفة؛ فنجد مثلا أن الشعور بالجوع هو الذي يمنح الصبر معنى، وكذلك الشعور بالعطش هو الذي يمنح الانتظار معنى. ولو لم يكن هناك توتر جسدي، لما كان للحرية أي معنى. لذا، فالجسد ليس عائقًا أمام المعنى، بل هو شرط إمكانه من الأساس.
وعند هذه النقطة تحديدًا نلتقي بتحليلات ريتشارد شوسترمان حول جماليات الجسد، حيث يصبح رفع الوعي الجسدي طريقًا لتحسين الإدراك وجودة العيش. ومن ثَمَّ، فالصيام عموماً — وليس الإسلامي فقط — في هذا الأفق، لا يمثل إنكارًا للجسد، بل تكثيفًا للوعي به.
ومن خلال التحليلات السابقة لبنية شعورنا الواعي بتجربة الصيام، نخلص إلى أن التحليل الفينومينولوجي يثبت أن تجربة الصيام تعمل على تعليق العادات (break in habit)، وإعادة توجيه الانتباه، وكذلك إعادة تشكيل علاقة الرغبة بالفعل، وتنظيم بنية الزمن المعيش، وكشف الجسد بوصفه أفقًا للمعنى لا مجرد موضوع فحسب.
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن ومن منطلق فلسفي: هل الصيام مجرد انضباط ديني؟ أم يمكننا أن نعده تقنية لإعادة تأسيس العلاقة بين الوعي والجسد؟
3- شوسترمان والوعي الجسدي
تأتي الإجابة الشافية في كتاب “الوعي الجسدي” لريتشارد شوسترمان، حيث يقدم مناهج مستحدثة لرفع الوعي الجسدي، مؤكّدًا أنه لا يمكن تذوّق أي حس جمالي أو أخلاقي بدون وعي جسدي حقيقي. يقدم شوسترمان الوعي الجسدي كـ “الانتباه المنظم لمشاعرنا وحركات جسدنا”، باعتباره وسيلة لتحسين المعرفة الذاتية والعالمية، والأداء في المهارات المختلفة، بل وحتى تحقيق المتعة. وهو يقر بأن الأمر ليس رفاهية كما قد يتصور البعض، أو شيئًا هامشيًا، وإنما هو ضرورة حياتية لا غنى عنها، وبذلك يرفع من شأن التجربة الجسدية المباشرة كمصدر للمعرفة والتحسين وجودة الحياة عمومًا.
يشير شوسترمان إلى أن “الفلسفة في عصورها القديمة كانت تُمارس بوصفها أسلوب حياة متجسّد، حيث شكلت التمارين الجسدية غالبًا جزءًا مهمًا من الممارسة الفلسفية”([5]). فقد أكّد أفلاطون على أهمية التدريب الجسدي لتقوية الجسد كما تفعل الموسيقى والفلسفة للعقل والروح، وكان سقراط يمشي حافي القدمين ويتجول في أرجاء مدينته، بينما وضع كانط نظامًا صارمًا لمراقبة نظامه الغذائي والحركي. “وذهب ويليام جيمس إلى جعل التأمل الجسدي الذاتي محور فلسفة العقل، بينما دعا جون ديوي إلى وعي جسدي تأملي لتحسين معرفة الذات واستخدامها، أي لدمج الفلسفة في فنّ العيش الجسدي الواعي.”([6])
لكننا ضللنا الطريق وتوقفنا عن أن نكون فاعلين بحق، وصخب الحياة المعاصرة أعاقنا. هنا ينادي شوسترمان بضرورة رفع الوعي الجسدي، حيث “قدراتنا على الانتباه الجسدي الواعي أصبحت مهددة بالتفاهات التي يصدرها لنا الإعلام المعاصر وفائض المعلومات في عصر التقنية”([7]). وإذا نظرنا إلى واقعنا المعاصر، سنرى ما يؤكد رؤية شوسترمان ويضيف عليها مزيدًا من التأكيد يوميًا. ففي عصر الذكاء الاصطناعي، أصبح الوعي الجسدي ضرورة ملحّة، إذ تحوّل كثير من التجارب الجسدية إلى افتراضية، مثل الألعاب الرياضية أو التمشية والتجوال، وحتى إمكانية إنشاء نسخ افتراضية من أجسادنا لتحقيق القوام أو الجمال الذي نطمح إليه. لذا، “ما دام المستقبل يتضمّن تحولات في استخدام الجسد وتجربته، فإن الوعي الجسدي الذاتي يجب أن يظل عنصرًا محوريًا في متابعة هذه التحولات وتوجيهها والاستجابة لها.”([8])
وضع شوسترمان مناهج للتدريب الحركي، لتعديل العادات السيئة التي نمتلكها من خلال رفع الوعي الجسدي بها، وإيقافها، وتعديلها، ثم إعادة تنفيذها بوعي. ويتم ذلك عبر تمارين مثل: اليوجا والتأمل والزن وغيرها. وهناك منهجان أساسيان لذلك، هما تقنية تقنيات تصحيح الحركة مثل Alexander Technique وطريقة “فيلدنكرايس” Feldenkrais، يوضحهما شوسترمان في نهاية كتابه ومن هنا تأسّس حقل “جماليات الجسد” ؛ فالجماليات هنا ليست مجرد نظرية، بل “حقل من النظرية والممارسة”، أي أنها تشمل التمارين والتدريب الحركي لتطوير الوعي الجسدي. كما تستخدم مناهج التدريب الجسدي التأملي من ممارسات شرقية قديمة مثل اليقظة الذهنية Mindfulness.
والآن، ما علاقة كل هذا بالصيام؟ الأمر بسيط، لكنه مربك من شدة بساطته. فالتعاليم الدينية التي فرضها الإسلام، مثل الصلاة والصيام، بل وكل الأديان انتهجت نفس النهج: الجزء الحركي من خلال الصلاة، والجزء الجسدي من خلال الصيام. فالفكرة موجودة أيضًا في المسيحية واليهودية، بفلسفات وأساليب مختلفة، إلا أن النهاية واحدة والغرض واحد، مع اختلاف الطرق والتعبير عنها. ويمكن فهم الغاية هنا بوصفها وسائل لرفع الوعي الجسدي، كما وضحه وشرحه شوسترمان، والذي تنصب عليه الدراسات الغربية الآن في دراستها للجسد.
الأمر لا يتعلق بحاجة الله إلى الصلاة، أو الصيام أو غيرهما من العبادات، فهو الإله الأعلى العظيم الذي لا يحتاج إلى شيء، وإنما يمكن النظر إلى الصلاة بوصفها تمارين وتدريب للجسد. وهذه التمارين بالفعل تشبه حركات اليوجا، وتشترط الوعي بكل حركة وأدائها، مثل تعاليم الصلاة تمامًا. بل إن بعض الممارسات الدينية، مثل قيام الليل والاستيقاظ في الهدوء المطلق في تلك التوقيتات غير المعتادة، يمكن مقاربتها بوصفها أشكالية من التأمل التي تُؤدَّى في مراكز متخصصة لتحسين الإدراك ورفع الوعي الجسدي.
أما الصيام، فليس المقصود به حرمان الجسد أو تعذيبه، بل فهمه والوعي به، والنظر في العادات التي يمارسها. الصيام وسيلة تواصل مع الجسد، نستطيع من خلالها تحسين آلية عمله. وأهمية الجسد هنا تتعلق بالإدراك وعيش الحياة واكتشاف العالم. فهيدجر، وهو فيلسوف ألماني شهير، لم يفصل الجسد عن الوعي أو الروح، بل نظر إلى الإنسان بوصفه وحدة واحدة تشمل الجسد، وهذه الوحدة هي التي تساعدنا على الانفتاح على العالم واكتشافه. وكلما ارتفع الوعي والإدراك، زادت المعرفة وتجلّت الحقيقة.
نحن لا نصوم فقط لنشعر بالفقراء، وإن كان ذلك جائزًا ولا ضرر فيه، بل ويعكس بعدًا إنسانيًا فريدًا. ولا نجوع من باب التعذيب الجسدي، بل إن الألم نفسه وسيلة تعبير للجسد. نحن نصوم لأننا نمنح الجسد مساحة من الحرية ليتكلم، ونُجبَر على أن نسمعه.
نمط الحياة المعاصر يملؤه الضجيج والسرعة والهرولة، فلا ننتبه إلى أجسادنا أغلب الوقت. فكم من شخص اكتشف فجأة إصابته بأمراض مزمنة أو قاتلة من دون سابق إنذار، مع أن الجسد لم يكفّ عن إنذاره، لكنه لم يكن يسمعه وسط الضجيج والعجلة المحيطين به. يوفر الصيام بيئة مثالية للانتباه إلى الجسد وسماعه. فيأتي شهر رمضان كإنذار ولافتة حمراء كبيرة تقف أمامك فجأة، فتوقف سرعتك في الحياة وتهوّرك غير المحدود في الحصول على كل شيء وتحقيق كل شيء، وتقول لك: استمع إلى جسدك وراقبه.
يتم ذلك اليوم بأشكال مماثلة في منتجعات صحية كثيرة تستند إلى فلسفات كبرى، مثل الاستشارة الفلسفية والعلاج بالفلسفة حول العالم. والعلاج بالفلسفة يتم ببساطة من خلال تحسين الوعي والإدراك عمومًا، وتنصبّ كثير من ممارساته على الجسد، من تمارين وحميات غذائية وعلاج بالفنون وبالطهي وغيرها.
فلماذا لا نتقبل أن يكون الصيام كذلك؟ ولماذا نقف عند عبارة “أثبت العلم” أو “قال الطب”، من دون أن نتفكر في الجوانب الأخرى، ومن دون أن نتحلى بالحياد تجاه معارفنا؟ المشكلة ليست في رمضان ولا في الصيام، بل في النظارة التي نرتديها، فتجعلنا نفرّ من الأوامر الدينية لمجرد أنها تنتمي إلى الدين الذي يظن البعض أنه يجب أن يُترك في سبيل العلم. وهؤلاء الذين ينتمون إلى باب العلم قد يظنون أنهم يمتلكون الحقيقة كاملة، كما أن الذين يلبسون نظارة الدين قد يشعرون بأنهم أيضًا يمتلكون الحقيقة التي يجب فرضها على الناس. وإلى أولئك وهؤلاء نقول: ما عليكم إلا أن تخلعوا النظارة، وتثقوا، ولو قليلًا، في أعينكم. دعوها تعمل، وترى، وتخطئ في الرؤية، فليس هناك معرفة بلا خطأ، ولا نموّ بلا تخبط.
___________________________________________
المراجع
- زكريا إبراهيم، (1968)، دراسات في الفلسفة المعاصرة، القاهرة: مكتبة مصر، دار مصر للطباعة.
- سعيد توفيق، (2015)، الخبرة الجمالية “دراسة في فلسفة الجمال الظاهراتية”، الفصل الأول : ما الفينومينولوجيا، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة.
- عبد الرحمن بدوي، (1973)، الزمان الوجودي، بيروت: دار الثقافة، الطبعة الثالثة.
- عبد العفار مكاوي،(2010)، نداء الحقيقة، سلسلة الفكر، مكتبة الأسرة، الهيئة العامة المصرية للكتاب، مصر.
- موريس ميرلوبونتي، (1987)،: المرئي واللامرئي، ترجمة : سعاد محمد خضر، دار الشؤون الثقافية العامة، العراق.
- هوسرل، (2009)،الفلسفة علمًا دقيقًا، ترجمة وتقديم محمود رجب، الطبعة الثانية، العدد 489، المركز القومي للترجمة، مصر.
- Jesus Adrian Escudero, Heidegger and the Hermeneutics of the Body, International Journal of Gender and Women’s Studies, American Research Institute for Policy Development, June, Vol. 3, No. 1, (2015), pp16-25. (P21-22).
- John Macquarrie, Edward Robinson (translator), (2019) Martin Heidegger (author), Being and time, Martino Fine books.
- Martin Heidegger, ZolliKon Seminars: Protocols— Conversations—Letters, (2001), Medard Boss (ed), trans. by Franz Mayr & Richard Askay , Northwestern University Press Evanston, Illinois.
- Merleau-Ponty, M. (1962). Phenomenology of perception(C. Smith, Trans.). Humanities Press.
- Shusterman, R. (2008). Body consciousness: A philosophy of mindfulness and somaesthetics. Cambridge University Press.
[1] Shusterman, R. (2008). Body consciousness: A philosophy of mindfulness and somaesthetics. Cambridge University Press.P51.
[2] Martin Heidegger, ZolliKon Seminars: Protocols— Conversations—Letters, (2001), Medard Boss (ed), trans. by Franz Mayr & Richard Askay , Northwestern University Press Evanston, Illinois, p80.
[3]Shusterman, R. (2008). Body consciousness, Ibid, P70.
[4]Jesus Adrian Escudero, Heidegger and the Hermeneutics of the Body, International Journal of Gender and Women’s Studies, American Research Institute for Policy Development, June, Vol. 3, No. 1, (2015), pp16-25. (P21-22), p18.
[5]Shusterman, R. (2008). Body consciousness, Ibid, P ix
[6] Ibid, P 66.
[7] Ibid, P12.
[8] Ibid, P14.