تكوين
العلمانية أكثر الاشكاليات التباسًا وتناقضًا في الفكر العربي الحديث والمعاصر. شغلت حيِّزًا كبيرًا من السجال الفكري في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، مع أحمد فارس الشدياق وبطرس البستاني وفرنسيس المرّاش ثم مع شبلي الشمّيل وفرح أنطون. كما استحوذت على شطرٍ واسع من الأبحاث المعاصرة والدراسات الأكاديمية والنقاشات في الصحف والدوريات العربية. ولعل إشكاليةَ المعنى في مقدمة الإشكاليات التي تطاول العلمانية. فهل هي “الموقف الحر للروح أمام مشكلة المعرفة” كما وصفها محمد أركون، أو هي “نتوء شاذ نظرت إليه الأمة دائمًا نظرةَ رمزٍ للخيانة الحضارية” وَفْق تعبير المفكر الاسلامي محمد عمارة، أو هي “طرح مزيَّفٌ يجب استبعاده من القاموس التداولي للفكر العربي” كونه مرادفًا للإلحاد كما رأى المفكر الراحل محمد عابد الجابري؟ هل هي “فصل الديني عن الدنيوي” لأن الخلطَ بينهما يُفسد الاثنين معًا، كما طرحها الشدياق والبستاني والمرّاش، أو هي ردةُ فعلٍ إزاء تَسلُّط الكنيسة واستبدادها في الغرب لا مجال له في الثقافة العربية الإسلامية كما تصوَّرَ الجابري؟ هل هي البحثُ الحر عن الحقيقة من دون قيود وعوائق منهجية أو هي “فلسفة حلولية مادية لا تستبقي من الإنسان غير جُملة من الغرائز والاندفاعات” وَفْق الإسلامي التونسي الشيخ راشد الغنوشي؟
بالفعل كانت العلمانية دائمًا موضع شبهة في الخطاب السياسي العربي الحديث والمعاصر جعلها ترادف التجديف والإلحاد والردة التي عقابها الموت أحيانًا. وقد دفع عديدٌ من رجال الفكر العربي أثمانًا باهظة لموقفهم العلماني منذ بدء النهضة العربية حتى اليوم. ففارس الشدياق نُبِذَ من طائفته وقضى حياته مشردًا عن وطنه، وفرنسيس المرّاش تعرَّض للتشهير من الأكليروس بما هددَهُ في حياته وسلامته. وجبرائيل دلاّل الحلبي قضى تحت التعذيب. وطه حسين وعباس العقاد وإسماعيل مظهر وزكي نجيب محمود اضطرّوا للانكفاء والتراجع تحت التهديد أو المحاكمة، وحسين مروَّة ومهدي عامل وفرج فودة اغتيلوا، ومحمد أركون ونصر حامد أبو زيد وهاشم صالح قاسوا مرارة المنفى.
إزاء هذا الإشكال المزمن، لا بُدَّ من إعادة تحديد مفهوم العلمانية وكيفية تكوُّنهِ في الفكر النهضوي العربي، فليس من علاقة تلازمية بين العلمانية والإلحاد وليس من علاقة افتراضية بين هذا المفهوم والتطلع إلى الاستقلال عن السلطنة العثمانية كما ذهب محمد عابد الجابري، فالعلمانيون النهضويون العرب باستثناء شبلي الشمّيل، كانوا متدينين وكانوا باستثناء رزق الله حسّون وعبد الرحمن الكواكبي عثمانيي الولاء. فارس الشدياق وفرنسيس المرّاش ينتميان إلى عائلتين مسيحيتين عريقتين في التدين، وبطرس البستاني كان قسيسًا إنجيليًا وناصيف وابراهيم اليازجي وأديب إسحق وفرح أنطون كانوا مؤمنين ولم يكونوا علمانيين ملحدين كما تصوَّرَ المؤرخ علي المحافظة في كتابه “الاتجاهات الفكرية عند العرب”. كما أن هؤلاء جميعًا كانوا حريصين على الرابطة العثمانية، مدعومين من التنويريين العثمانيين، من دون أن يجدوا في ذلك تناقضًا مع انتمائهم العربي، كون الإمبراطورية العثمانية مُتعددة القوميات والشعوب.
يبقى إذا أن التوجه العلماني تكوَّنَ في الفكر النهضوي العربي واللبناني خصوصًا على خلفية مقاومة الاستبداد والتعصُّب الديني والطائفي وتأكيد المساواة المدنية والمواطنية، في ظلِّ تمييز جائر بين المواطنين في الحقوق السياسية والاجتماعية. ففي عشرينيات القرن التاسع عشر قضى أسعد الشدياق، وكان لُغويًّا وشاعرًا وخطيبًا، تحت التعذيب في وادي قنوبين بأمر من رئيس طائفته لانتمائه إلى المذهب الإنجيلي، وكان أخوه فارس ليلقى المصير المشؤوم نفسه لو لم يسارع في الفرار إلى مالطة. وفرنسيس المرّاش تعرَّض لتهديد جِدِّيٍّ من رجال الدين كاد يودي به لتصدِّيه لمسائل علمية تخالف المنظور الديني التقليدي، وجبرائيل دلاّل الحلبي سُجن وعذِّب وأُعدم، وهو العالم والسياسي والشاعر الفذ، بتواطؤ السلطتين: الدينية والسياسية، بسبب موقفه الليبرالي سياسيًا واجتماعيًا ودينيًا. وقد رفض رجال الدين الصلاة على جثمان النهضوي الفذ أديب إسحق لمواقفه الفكرية الليبرالية.
كان ثمة رفض للآخر، إذ يصل إلى حد القطيعة والعداء والمواجهات الطائفية الدموية التي أكثر ما تمثلت في فتنة 1860 في لبنان. وإذا كانت هذه الحقبة المظلمة قد عَرفت بعض الأفكار التنويرية الداعية إلى الانفتاح على الآخر وإعلاء الرابطة الوطنية والقومية على الروابط المِلية، والتي رفع لواءها المعلم بطرس البستاني في نشرته السياسية “نفير سورية” عام 1860 وناصيف وإبراهيم اليازجي في قصائدهما الوطنية في ستينيات القرن التاسع عشر، إلا أن التوجه العام السائد ظلَّ يتسم بالتعصب والانغلاق. ولم يكن المنحى الانفتاحي الليبرالي الذي بشَّر به دانيال بلس في حفل افتتاح الكلية السورية الإنجيلية في بيروت عام 1866 بقوله إن الكلية مفتوحة لكل الملل والطوائف، وحتى للكافرين الملحدين. لم يكنْ هذا المنحى ليتجسَّدَ فعلا، فعقب خطبة ألقاها أحد الأساتذة وأيَّدَ فيها آراء داروين في حفل التخرُّج عام 1882، أصدرت الإدارة قرارًا بفصله من الكلية مع الطلاب الذين ناصروه.
في هذا المناخ الأيديولوجي المُتشدد، تبلور فكر شبلي الشمّيل الذي درس الطب في الكلية السورية الإنجيلية في بيروت وتابع اختصاصه في باريس، حيث درس علاوة على الطب، نظرية التطور والعلوم الطبيعية وعلم التشريح. واطلع الشمّيل على نظرية داروين وعلى شرح الفيلسوف المادي الألماني لودفيغ بوخنر لهذه النظرية، ولم يلبث أن انبرى، لا للدعوة إلى فصل الدين عن السياسة كسائر النهضويين العلمانيين العرب، بل لدحض الدين واقصائه بالكامل من الوجود السياسي والاجتماعي، فكان بذلك المفكر العربي الوحيد في عصره الذي يُنادي بالإلحاد نافيًا وجود الله ونظرية الخلق وخلود النفس والفصل بين المادة وأي قوة مُدبرة لها، باعتبار المادة أزلية لا تُخلق ولا تَفنى ولا تتأثر بأي شيء خارجًا عنها. ففي رأي الشمّيل أن المُوَحِّدَ في الطبيعة، أي المؤمن بمبدأ التوحيد الطبيعي،” لا يُسَّلِّمُ بشيء غريب عن الطبيعة، فاعلٍ فيها، أو مفعولٍ عنها، بل يُسلم أن كل الحوادث التي تحدث فيها منها وبها واليها، متحولة بعضها عن بعض، وراجعة بعضًا إلى بعض، لا تثبت على صورة، والبقاء غير متوفر إلا للكل. ما ينفي القولُ بالقوى المجرَّدة، والأرواح المستقلة”. وهكذا وَفْق الشمّيل تتكون جميع الأشياء من المادة بحركة عفوية وُجدت منذ الأبد وستبقى إلى الأزل. وكل مرحلة من مراحل التطور تنبثق من المرحلة التي سبقتها بفضل قوى ملازمة أصلا للمادة نفسها، تتخذ صورًا مختلفة باختلاف المستويات، فما يبدأ نورًا يصبح حركةً ثم جاذبية ثم رغبة ثم حبًا. والإنسان هو قمة هذا التطور، والكائن القادر على السيطرة عليه والإسهام فيه عن وعي، وذلك بتغيير ظروفه الخارجية، وبالاستعاضة عن الصراع من أجل البقاء بالتعاون والسعي وراء سعادة الجميع.
إن العلوم الطبيعية في رأي الشمّيل، هي الوحيدةُ الكفيلة بتقدم الناس وبإنقاذ الإنسان والمجتمع من العلوم الضارة والمعيقة للتقدُّمِ، أي العلوم اللاهوتية والكلامية وفلسفة ما وراء الطبيعة، وهذه كلها سبب المفاسد والاستبداد. فاذا كانت أوروبا متقدمة وغنية، فالفضل للعلوم الطبيعية، بينما تأخر الشرق وفقره عائدان إلى الجهل والدين، وإلى تفرُّق المذاهب والملل. فالجامعة الدينية في شرقنا في رأي الشمّيل، لا تزال فوق كل جامعة، وهي سبب كل الاختلافات الداخلية، والدين هو أصل البلاء، وقيامه في هذه الدنيا، لعاملين:
“حب الرئاسة في الرؤساء، وارتياح المرؤوس إلى حب البقاء، وكلاهما في الإنسان من محبة الذات. فسطا دُهاة الناس على ساذجي العقول منهم، فساد البعض، وسيد على البعض الآخر”.
أما الوحي الذي تعتمد عليه الأديان، فلا يصمد أمام العلم والبرهان، وما منبعه إلا وهم الإنسان البدائي من الأشياء التي تحيط به في عهد الخشونة، وقد سار معه هذا الوهم ونما فيه. باختصار، إن قوام شأن الإنسان وصلاح حاله دون الديانات، يجب ألاّ يكون فيه شك، بل لا يصلح حال أمة إلا كلما ضعفت فيها شوكة الديانة، ولا يقوى شأن الديانة إلا كلما انحطَّ شأن الأمة.
إلا أن الشمّيل مع ذلك لا يروم فرض إلحاده وفلسفته المادية على المجتمع والناس، ومن هنا علمانيته، يقول الشمّيل:
“أنا لست متعصبًا ضد الأديان بمعنى الكلمة الموجب لكراهة من لا يشاركك في اعتقادك الخاص. وإذا شددت النكير على الأديان، فليس قصدي أن أُحرج أحدًا في إيمانه، ولولا ما أشاهده كل يوم من الشرور المستعصية المبتلى بها المجتمع بسبب الحاسة الدينية ولا سيما في وطننا الخاص، لما قمت قومتي على الأديان وأصحابها، والتي أصبحت بعد الأنبياء والمصلحين الدينيين، في أيدي الرؤساء وسيلة للإرهاق، وفي أيدي الجُهلاء سلاحًا للتفريق حتى في الوطن الواحد، فانقلبت البَرَكَةُ المقصودة منها بأيديهم لعنةً، جنى بها الخَلَفُ على السَلَفِ”.
ومن المنظور العلماني نفسه رأى الشمّيل أن الحكومات يجب ألا تفرض الإيمان على الناس بالقوة وألا تمنعهم التعبيرَ عمَّا يفكرون به وألا تُمارس أي ضغوط على ضمائرهم.
في موازاة هذه العلمانية أو العلموية الملحدة، عَرف الفكر النهضوي العربي علمانية تصدَّت للظرف التاريخي بالحدَّة ذاتها التي تصدَّى بها الشمّيل، ولكنْ من دون أن تصطدم بالدين ومسلَّماته الإيمانية الميتافيزيقية، بل هي على العكس أعلنت تمسكها بهذه المسلَّمات ودفاعها عنها وعدم التشكيك بأي واحدة منها، وواجهت بالإدانة والاستنكار اتهامها بالكفر والإلحاد. إنها علمانية فرح أنطون التي تريد بمفهومها الأنواري أن تنقِّي العقائد الدينية من الأوهام والخرافات وأن تنتزعها من أيدي رجال الدين المستبدين الذين يدَّعون احتكار الحقيقة فيما هم لا يبغون سوى أهوائهم ومصالحهم بالسيطرة على قلوب الناس وضمائرهم. يقول أنطون:
“معاذ الله أن نروم هدم الدين كما تفترون علينا وإنما نروم هدم الأوهام والخزعبلات في الدين فلماذا تجعلون هذه قسمًا منه، وأول هذه الخزعبلات قولكم إن الإنسان لا يُمكن أن يعبد الله وأن يفهم الكتب الدينية إلا بواسطة كاهن أو شيخ. وبذلك تضعون أنفسكم بين الله وبين عباده رفعًا لشأنكم وطلبا للفائدة لكم”.
لا يجد أنطون تناقضًا بين العلم والدين، ولا يرى مُوجبًا له سوى الأهواءِ والمصالح، فالعلم والدين إذا اختلفا في الطرق، فإنهما يتفقان في الغرض، لأن غرضهما واحد، وهو تحسينُ حالة الإنسانية وترقبه شؤون البشر، إن الله موجود وكل ما في الطبيعة يدل عليه ويشير إليه.
ولقد واءم فرح أنطون في فكره بين هذا الإيمان العميق وبين الإبحار في رحاب الفكر الإنساني بكل اتجاهاته، من دون خوف أو تقية، فاكتشف تعاليمَ ماركس قبل أن “تُحَمِّرَ” روسيا البيضاء بتعبير مارون عبود. وترجم أخطر كُتب إرنست رينان “يسوع” وصلاته عند الأكروبول، التي علَّق عليها بقوله:
“يا أثينا العظيمة علِّمينا أن نجهر بمعتقداتنا ولا نخاف فيه قوات الأرض والسماء. بُثي فينا رُوح التساهل المطلق، وبهذا كمال لنهضتنا الشرقية التي إنْ لم نشاهدها في زماننا، فحسبنا أن يشاهدها أحفاد أحفادنا ولو بعد عشرين عقبًا”.
ولعل النزعة العقلانية التي جذبت فرح أنطون إلى أرنست رينان، هي التي أثارت اهتمامه بابن رشد، كون هذا الأخير أهم الفلاسفة الاسلاميين الذين أعادوا إلى العقل مكانته وإلى الفلسفة اعتبارها منذ أن أَعلن الغزالي تهافتها في القرن الثاني عشر. فأعاد أنطون توظيف الرشدية للحد من هيمنة السياسة الدينية على السياسة المدنية، ومواجهة شعار الجامعة الإسلامية الذي كانت ترفعه الحركة الاصلاحية السلفية. ففي العدد الثامن من مجلته “الجامعة” حزيران 1902، نشر أنطون مقالةً طويلة عن ابن رشد وملخصًا عن فلسفته ومبادئه العقلانية، رمى من خلاله إلى تأكيد التواصل بين العقل والدين وإثبات وَحْدة التوجُّه في ما بينهما، في وقت كان التقليد والتعصُّب يطغيان على التفكير العقلاني، وإن لم يكنْ بذلك يرمي إلى الخوض في الأمور الميتافيزيقية والإلهيات، إلا أن المقالة ما لبثت أن أثارت مناظرة أيديولوجية بين أنطون ومحمد عبده عن إشكالية التسامح الديني بين النصرانية والإسلام، يُمكن من خلالها الوقوف على آراء أنطون العلمانية والوطنية والقومية. فقد كان هذا الرائد النهضوي يتطلع إلى وَحْدة الشعوب الشرقية على أساس وطني لا طائفي يُمكنها في آن من الوقوف بوجه المطامع الغربية ومن مقاومة فكرة الجامعة الاسلامية التي تستبعد الأقليات الدينية وتحول دون انخراطها انخراطًا كاملًا في مواجهة الاجتياح الغربي.
أما الأساس الذي بنى عليه أنطون دعوته إلى اتحاد المشرقيين، فقد جاء على خلفية تفكيره العلماني وإمكان حل النزاع بين العلم والإيمان وبين الآراء الدينية المختلفة بالقول بقوتين إنسانيتين مستقلتين: العقل والقلب. لكلٍّ منهما قواعدُ عمله ونطاقُ نشاطه وطرقُ إثبات حقائقه، ولذلك يجب أن يحترم كل منهما الآخر وألا يتجاوز حدود الآخر. إن الفصل بين هاتين القوتين يستتبع الفصل بين السلطتين الزمنية والدينية، كذلك إن غاياتهما مختلفة، فغرض الدين هو الحثُّ على الفضائل والاشتراع للآخرة، في حين أن غرض الحكومات هو تنظيمُ المجتمع والاشتراع لهذا العالم ما يفرض على الحكومات احترام الأديان وعدم تقييد المعتقدات الإيمانية، والفصل بين الدين والدولة. وهذا ما تتطلبه “الرغبة في المساواة بين أبناء الأمة مساواة مطلقة بقطع النظر عن مذهبهم ومعتقداتهم ليكونوا أمة واحدة”، إذ في التمييز ضعف للأمة بالفتن الداخلية، وإهانة للإنسانية التي خلقها الله عزيزة كريمة ونقض للحق البشري الذي حرّم مسه في شريعة الله والناس.
ومما يوجب الفصل بين السلطتين الدينية والسياسية، هو “ضعف الأمة واستمرار الضعف فيها إلى ما شاء الله ما دامت جامعة بين السلطتين المدنية والدينية” لأن رجالَ الدين يثيرون التعصب الديني عند الشعب ويؤلبونه على بعضه من أجل دوام سلطانهم وليس من أجل تقدُّمِ الشعب وترقيته. ومتى كان سوس الشقاق الديني يأكل أحشاء الأمة، فقد قُضي عليها بالضعف والانحطاط. فضلاً عن أن الشقاق يُبيح الأمة المفككة للتدخل الخارجي ما يحكم عليها بالتبعية للخارج.
إن الدين في رأي أنطون يجب أن يبقى مُنزها عن السياسة ونقائصها، كي لا يتلطَّخ بأوحالها. كما أن زجَّ الدين في السياسة يقود إلى الفتن والانقسامات والاضطرابات، فكل الحوادث الدموية في الإسلام والمسيحية تعود إلى هذا السبب لاستحالة الوَحْدة الدينية ولاستحالة توحيد الأمم على أساس الدين، إذ إن ما يُحقق هذه الوَحْدة، هو مفهوم الوطن وَحْده، حيث يتساوى الجميع أمام القانون القائم على تحقيق مصلحة الجماعة الوطنية لا الدينية.
وباختصار يذهب أنطون إلى أنه” لا مدنية حقيقية ولا تساهل ولا عدل ولا مساواة ولا أمن ولا أُلفة ولا حرية ولا علم ولا فلسفة ولا تقدم في الداخل، إلا بفصل السلطة المدنية عن السلطة الدينية. ولا سلامة للدول ولا عز ولا تقدم في الخارج إلا بفصل السلطة المدنية عن السلطة الدينية”.
بعد أكثر من قرن على طروحه العلمانية ينصفُ التاريخ المفكر النهضوي المناضل فرح أنطون الذي لازم مكتبه حتى أُغمي عليه بسبب الإجهاد ومعاناته من المرض في معدته وقلبه ثم لم يلبث أن فارق الحياة عام 1922. فقد أثبتت مآلات التاريخ أن الدولة الوطنية القائمة على الحرية التي تساوي بين المواطنين من دون أدنى تمييز بين الأشخاص، والتي تفصل بين الدين والسياسة، هي الدولة التي تتفق مع وجهة التطور الإنساني وتحقق سعادة الأمم والمجتمعات. أما تلك القائمة على التمييز بين الناس وعلى الاستبداد الديني والتعصب العقائدي، فقد ثبت جفاؤها لمنطق التاريخ ولتقدم الأمم والمجتمعات. لقد قيض لفكر أنطون أن يستمر ويتقدم في أطروحات الأجيال اللاحقة من العلمانيين العرب من: أمين الريحاني ومارون عبود إلى ناصيف نصّار ومحمد أركون وهاشم صالح وسواهم.
إلا أن مآلات التاريخ إياها التي أنصفت بشبلي الشمّيل في تفكيره العلمي وإيمانه بالتطور الإنساني اللا محدود، قد خيبت موقفه من الدين الذي لم يستطعْ حتى ماركس وإنجلز ولينين من بعدهما، إنكار دوره في الوجود السياسي والاجتماعي، الأمر الذي تبينوه ولو متأخرين، وكذلك لم يُكتب لفكر الشميل الإلحادي التجذُّرَ في الفكر العربي الحديث والمعاصر حتى عند الماركسيين العرب الذين أخذوا بالجانب السياسي الاجتماعي من الماركسية دون جانبها الفلسفي المادي. وها هو الإنسان المعاصر بعد كل التقدم العلمي الباهر في الغرب، يطرح سؤال المعنى والوجود والمصير من جديد، ويجد ملاذه في الإيمان الديني الذي ظنَّ أنه انطوى وأَفُلَ.