العدالة في الفكر السياسي العربي الإسلامي؛ بين التراث وقُرّائه

لم يُعر الباحثون المهتمون بالتراث السياسي الإسلامي مسألةَ العدالةِ الأهمية التي تستحقها، دراسةً وتحليلاً، قياساً بغيرها من القضايا التي جرتْ عادتُهم على الاحتفال بها كلما سنحت لهم الفرصةُ بالحديث عن التراث السياسي الإسلامي، كقضية الخلافة/الإمامة، أو العلاقة بين السياسي والديني، أو نظامُ الحكم في الإسلام…الخ. وبصرف النظر عن الأسباب التي تكمن وراء هذا الشح في دراسات موضوعة العدالة، والتي غالباً ما حصرت مناولتها في المقاربة الكلامية (العدل عند المعتزلة) والفلسفية، فإن ما يعنينا في هذه الدراسة هو بيان التعدد الذي يسم دلالات مفهوم العدالة في الخطاب السياسي الإسلامي من جهة، وأثر ذلك، من جهة ثانية، في تحديد طبيعة النقد الذي وجهه الفكر العربي المعاصر لذلك المفهوم، لاسيما وأنه اتخذ منه مدخلاً لخلخلة أُسس العقل المتحدر إلينا من التراث والثاوي في تضاعيفه. يحضرُ مفهوم العدل في كل مجالات الخطاب السياسي الإسلامي؛ نجده حاضراً عند المتكلمين (المعتزلة خاصة) كما عند فقهاء الأحكام السلطانية والسياسة الشرعية، عند أصحاب الآداب السلطانية ونصيحة الملوك كما عند الفلاسفة وكتاب التاريخ والأخلاق…إلخ؛ تختلف تلك الخطابات في فهمها لمعنى العدالة، وهو ما يؤشر على وعي أصحابها القلق بزئبقية المفهوم ذاكَ ودوره في تحديدِ تصورهم للسياسة كما لطبيعة السلطة السياسية وأشكال ممارستها في الاجتماع السياسي الإسلامي. وراء ذلكَ الاختلاف تثوي رؤية خاصة إلى السياسة ومجالها، تختلف مقدماتُها ونتائجُها، بالتبِعَة، كلما انتقلنا من حطاب إلى آخر. يُعنى المتكلم بالدفاع عن العقائد الإيمانية، فيضع العدالة في صلب العلاقة بين الفعل الإنساني والفعل الإلهي، في حين يستمد الفقيه مبادئه من أصول الدين، ويزجُّ بها في مجال التشريع واشتقاق الأحكام الشرعية المتعلِّقة بالاجتماع السياسي وتدبيره، فيخرج المسألة السياسية، رأساً، من أفقها الكلامي ويصيّرها قضية سياسية بامتياز، وذلك من خلال وصلها بمسألة المشروعية السياسية. لذلك تكاد العدالة أن تتماهى عنده مع تنزيل مقولات الشرع على المجال السياسي، سواء ما تعلق منه بعملية توزيع السلطة على مختلف مكونات الدولة من خلال أحكامها الشرعية، أو بممارسة الفعل السلطوي وتحديد وجوهه المشروعة. في حين يتبنى صاحب الآداب السلطانية تصوراً ‘‘طبيعياً’’ للمُلك والسياسة، ويصرفُ نظره إلى عملية تأسيس المُلك وتقويته حتى إن تطلب منه ذلك الخروج من دائرة المشروعية الدينية، وهو ما ألقى بظلاله على تمثله لفكرة العدالة التي غدت آلية لتبرير الحاجة إلى السلطة القوية وتسويغها في ذهن الرعية. هذا في حين يأبى فيلسوفٌ، كالفارابي، إلا أن يقارب مفهوم العدالة من داخل مقولة المدينة الفاضلة وخصومها، ليرسم معالم رؤية مثالية عن العدالة والسياسة معاً.

لم يكن بمقدور المفكرين العرب المحدثين أن يستشكلوا سؤال العدالة بمعزل عن التصور المتحدر إليهم من التراث السياسي والأخلاقي. بدت الحاجة ملحة إلى مساءلة هذا التصور بحكم الأسئلة الملحة التي طرحها عليهم اكتشافهم للغرب المتقدم وقيمه الأخلاقية والسياسية، ووعيهم بالحاجة إلى إصلاح سياسي من شأنه أن يخرجهم من وضعية التأخر والانحطاط. فأتى تفكيرهم في العدالة يجسد سعيهم إلى نقد العقل السياسي التراثي الذي نسبوا إليه كثيرا من أسباب الغفلة عن الحاجة إلى تطوير تصورنا للسياسة والدولة والحكم. من هنا ذلك الحوار الذي أقامه أبرز المفكرين العرب المحدثين مع كبار ممثلي التراث السياسي، والذي كان مداره على سؤال الحرية وطبيعة السلطة وأشكال الحكم أساساً. يحضر، في ثنايا هذا الحوار النقدي، اهتمام قلقٌ بمشكلة العدالة، ومحاولة للحسم في مدى قدرة مفهومها التراثي على استيعاب مفهومها الحديث الذي يختزلُ رؤيةً مغايرة إلى الإنسان والسياسة والعالم. من هذا المنطلق أقترح أنْ نتاول النقد العربي المعاصر للتصور التراثي للعدالة من خلال الوقوف على تأويل بعض المفكرين لصورة التي رسمتها الخطابات السياسية الكلاسيكية عن العدالة. أما غرضنا من ذلك فهو الإجابة عن الإشكالية التالية؛ كيف تصوّر التراث السياسي الإسلامي إلى العدالة والعدل؟ هل استطاع أعلامه الارتفاع بالعدالة إلى مستوى القيمة الموجهة للاجتماع السياسي الإسلامي، أم أنهم ظلوا حبيسي تصور أخلاقي للعدل لا يلحظ أبعاده السياسية ودوره في تحديد علاقة الفرد بالسياسة ومجالها؟ هل لا يزال من الممكن للعدل من داخل المنظور التراثي أن يفيدنا في بلورة مفهوم للعدالة يستجيب لمقتضيات اجتماعاتنا السياسية المعاصرة، في ظل الانسداد الذي تعيشه هذه الأخيرة بسبب أزمة الديمقراطية فيها، وانتعاش خصومها واحتمائهم بقراءة ماضوية/سلفية للتراث السياسي ومفاهيمه؟

أولاً؛ العَدْلُ في خطاب الآداب السلطانية

نبدأ بالقول السلطاني في العدل؛ فإلى قُدرته على تقديم استراتيجياتٍ عملية للحاكم، الغايةُ منها تمكينُه من التأسيس لحكمه (مُلكه) وضمان استمراره؛ وإلى أنه استطاع منافسة الخطاب الفقهي على احتكار معنى السياسة، ومشروعية السلطة والدولة، فإن هذا الخطاب قدم فهماً للسياسة يقوم على إخراجها من أفق المشروعية الدينية، على نحو ما بلورها الفقهاء والمتكلمون، ليقيمها على تصورٍ “طبيعي” للحكم[2]، لم تعد معهُ مراعاة المقتضيات المعيارية للشرع شرطاً قبلياً لصلاحية الفعل السياسي، طالما أن المطلوب من الحاكم هو ضمان الوحدة ودرء مظاهر الفتن والاقتتال، وإخراجُ الرعية من وضعية الحرب إلى وضعية الاستقرار والأمن، بما يقتضيه ذلك من إعادة صوغٍ لمفاهيم المجال السياسي كمفهوم الطاعة، والسلطة، والحكم، والحق، والزج بها في أفق تصور “طبيعي” للسياسة والمُلك.

1- يبقى نص رسالة الصحابة لابن المقفع (724-759) تأسيسياً في هذا الباب، وقد استطاع صاحبُه التقعيد لنظامٍ من القول قدم فهماً للسياسة ومجالها مغايراً لما جرت عليه عادة الوعي السياسي الإسلامي منذ أولى لحظات تكوين المجال السياسي في الإسلام، في أعقاب التجربة النبوية ودخول الاجتماع السياسي الإسلامي أفق “الفتنة الكبرى”[3]. كانت المشروعية الدينية، وقتئذٍ، في جملة القواعد المعيارية التي ينبغي على كل نظرٍ ممكنٍ في السياسة والدولة أن يراعيه بالنسبة إلى مفكري الإسلام[4]. وما كان في حكم الممكن أن ينهج أي منهم منهجاً لا يأخذ في الحسبان وصل الاجتماع السياسي بالمقدمات الدينية وفق ما يلزم عن مفهومي الإمامة والخلافة. لذلك يُمكن القول، دون كبير مجازفةٍ، إن المآل المأساوي للصراع على السلطة، منذ الثورة على عثمان بن عفان إلى انهيار الحكم الأموي وتأسيس الامبراطورية العباسية، هو ما أدى إلى خلخلة تلك القاعدة المعيارية، فصار من الممكن ظهور خطاب يسعى إلى تأسيس المُلك من خارج دوائر المشروعية الدينية، واعتماداً، على منطق التدافع الطبيعي لامتلاك السلطة والظفر بالمُلك[5].

لاحظ كثيرٌ من الباحثين[6]، عرباً ومستشرقين، أن الخطاب السلطاني يَصْدُر عن رؤيةٍ استبداديةٍ إلى السياسة ومجالها، وبات في حُكم البديهي عندهم أن مرد ذلك إلى المرجعية التي تأسس عليها هذا الخطاب، مُمثلة في عهد أردشير[7] الذي رام إيجاد حلٍ للعلاقة المتوترة بين المُلك والدين بأن سخر الدين لخدمة الحُكم القوي والمُطلق[8]. نقرأ في هذا العهد ما يلي؛ “واعلموا أن ذهاب الدول يبدأ من قبل إهمال الرعية بغير أشغال معروفة ولا أعمال معلومة. فإذا فشا الفراغ في الناس تولد منه النظر والفكر في الأصول. فإذا نظروا في ذلك نظروا في طبائع مختلفة، فتختلف فيهم المذاهب ثم يتولد من اختلاف مذاهبهم تعاديهم وتضاغنهم، وهم مع ذلك مجمعون-على اختلافهم-على بُغض الملوك، لأن كل صنف منهم إنما يجري إلى فجيعة المَلك بمُلكه، ولكنهم لم يجدوا سُلَماً إلى ذلك أوثق من الدين ولا أكثر أتباعاً ولا أعز امتناعاً ولا أشد عند الناس صواباً “[9]. بقدر ما يُمثل الدين عامل تأسيسٍ للمُلك[10]، بقدر ما يُمكنه أن يُضْحيَ سبباً من أسباب انهياره وضياعه، لذلك يدعو أردشير إلى احتكار تأويل الدين وجعله تحت تصرف الحاكم، وهو ما يتأتى من طريق التحالف مع رجال الدين في نظره. واضحٌ أن ما يعني صاحب العهد، هنا، ليس الدين من حيث هو علاقةٌ بين الإنسان والمُطلق، بين المتناهي واللامتناهي، وإنما وظيفتُه ومفعوله في مجال المُلك وسياسته. لذلك كانت لملمة شتات العقيدة، ودرء الاختلاف والتعدد بين مذاهبها أول خطوة في طريق التأسيس للمُلك القوي في نظره، وهذه سُنةٌ سارَ عليها جل كُتاب الآداب السلطانية كابن المقفع، بل وتأثر بها حتى من كتبوا في الآداب السلطانية من الفقهاء كالماوردي[11].

من يطالع رسالة الصحابة لابن المقفع يلْحظُ استلهام صاحبها لهذا الحل والذهاب به بعيداً في صوغ مفهوم الطاعة[12]، لاسيما على ضوء إيمانه بحتمية الإفادة من تجربة الفُرس في ظل العوز المعرفي الذي يعتري الفكر السياسي الإسلامي في نظره[13]. قدمت رسالة الصحابة رؤية متناسقة لمشروع سياسي يمكن للدولة العباسية الناشئة، في ذلك الإبان، أن تهتدي به لتجنب مظاهر الوهن التي ورثتها عن الحكم الأموي البائد. تشمل تلك الرؤية كل العناصر المكونة لهندسة المُلك؛ فهي تبدأ بمسألة الجند، ثم تعرج على قضية الطاعة، ثم معضلة العلاقة بين المركز والهامش، ثم ثنائية الخاصة والعامة، ليأتي بعد ذلك حديثه عن صحبة السلطان، والإمارة على الخراج، والسياسة الدينية للدولة. نلاحظ أن هذه البنية ليست مجرد وصفٍ لمكونات الحُكم كما يمكن اشتقاقها من معاينة التجربة التاريخية للدولة الإسلامية، وإنما تتضمن، على نحوٍ خفي، أبرز العوامل التي كانت وراء أزمة تلك الدولة وحكمت تكوينها التاريخي. تمثل هذه المعطيات، مجتمعةً، عناصر لمشروعٍ إصلاحيٍ شاملٍ، يراهن صاحبه على وحدة السلطة السياسية وما يستدعيه ذلك من تحكم في الشأن العمومي والديني، ومن مراجعةٍ لطبيعة العلاقة التي يجب أن تربط الحاكم بالمحكوم. وقد صدر الرجل عن إيمانه بإمكانية الإصلاح ومؤازرة العامة والخاصة لمشروعه، إذا ما تبناهُ حاكمٌ اجتمعتْ فيه الصفات المطلوبة لقيادة مثل هذا المشروع، كما هي حال الخلفية العباسي المنصور. نقرأ لابن المقفع قوله في هذا المعرض؛ “فلما رأينا أن هذه الأمور ينظم بعضها بعضاً، وعرفنا من أمر أمير المؤمنين ما بمثله جمع الله خواص المسلمين على الرغبة في حسن المعاونة والمؤازرة والسعي في صلاح عامتهم، طمعنا لهم في ذلك يا أمير المؤمنين، وطمعنا فيه لعامتهم، ورجونا ألا يعمل بهذا أحدٌ إلا رزقه الله المتابعة فيه والقوة عليه”[14].

2- وعيٌ إيجابي بالدولة وبالحاجة إلى سلطة قوية وموحدة؛ تصورٌ منسجمٌ وشامل للحكم ومكوناته؛ دعوةٌ إلى إعادة النظر في طبيعة السلطة من حيث هي علاقة تربط الملك بغيره من مكونات مُلكه؛ وإخضاع مجال الدين والأخلاق لسلطة الدولة من طريق التحالف مع رجال الدين و”تسييسهم”؛ هذا هو الدرس الذي يستشفُه ابن المقفع من التراث السياسي الفارسي، وعليه يُقيم تصوره للإصلاح السياسي ويقدمه للخليفة العباسي المنصور (754-775)، ليحدد بذلك الأفق النظري الذي سيتحرك فيه خطاب الآداب السلطانية برمته. في هذا السياق، تحديداً، كتب أصحاب الآداب السلطانية ونصيحة الملوك ما كتبوه عن مفهوم العدل. نلاحظ أن حديثهم عن العدل اتخذ صيغاً متعددة؛ فتارةً يردُ عندهم بمعنى الاعتدال بين مكونات النفس، وتارةً أخرى يُشير إلى تناغم مكونات المجتمع وصون تراتبيته الطبقية كما حددها عهد أردشير[15]. كما يشير، حيناً، إلى الرأفة وتجنب الشطط في سياسة الرعية[16]، وحيناً آخر إلى الانتصاف للمظلوم[17]، وفي أحايين أخرى إلى خصلةٍ أخلاقية يُمكن حسبانها في جملة ما عرف بأخلاق/آداب الملوك[18]. لنسجل أن المشتركَ بين تلك المعاني تشديدُها على الانسجام كشرطٍ لقيام مفهوم العدل من جهة، وعلى الرأفة ودرء العسف والجوْر في سياسة الرعية باعتباره تجلياً من تجليات هذا المفهوم. فكيف يكون العدل ضماناً للانسجام ودرءً لمظاهر الجوْر؟ وبأي معنى يكون الفعل السياسي فعلاً عادلاً في مثل هذا الجو من التناغم والانسجام بين قوى النفس الطبيعية، ومكونات المجتمع وتراتبيته السياسية من جهة، وفي ظل وعي “الآداب السلطانية” بالحاجة إلى سلطةٍ قويةٍ وحاكمٍ نافذٍ يُمضي أمورَ السياسة على مقتضى القوة والعدل في الآن نفسه من جهة ثانية؟

قد يُوحي إلحاح كُتاب “الآداب السلطانية” على شرط الانسجام بتبنيهم التصورَ الفلسفي عينه الذي فشا أمرُه بين الفلاسفة المسلمين منذ الفارابي[19]، وهو التصور الذي نهلوا حيزاً كبيراً منه من الفكر الأفلاطوني، الذي صدر في رؤيته للعدل عن المفهوم الكوسمولوجي القديم للكون المتناغم[20]. فيكون العدل، تَبَعاً لذلك، محاكاةً لنظامِ الطبيعة والكون، وهذا ما يعضده تصور أصحاب الآداب السلطانية للمُلك كرديفٍ للنظام والعقل، في مقابل الفتنة والحرب التي اعتبروها مرادفة للفوضى والعبث. غير أن تدقيق النظر في المقاصد التي رمت إليها “المرايا” سرعان ما يشي بأن وراء حديثها عن العدل كتناغمٍ يثوي تصورٌ للسلطة راهنَ عليه أصحابُه للتأسيس للمُلك القوي القائم على تركيز السلطة في يد الحاكم، وتوزيعها داخل البناء السياسي على نحوٍ يحولُ دون تشتيتها على بؤر جديدة، من شأنها أن تغدو منابع لمعارضة تُضعف الدولة وتقود إلى زوالها. بذلك تجنب هؤلاء الخطأ المزدوج الذي وقع فيه الفقهاء؛ إذ أدى فصل المشروعية السياسية عن معيارية الشرع إلى عدم السماح بظهور معارضةٍ تُقيم نفْسها على الرأسمال الرمزي للدين وترفع، بناءً عليه، شعار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر[21]. كما قاد إلى ربط شرعية المُلك بمدى قدرة الحاكم على تحقيق الغايات الدنيوية للمُلك، انطلاقاً من إخضاعه لمنطق التدافع الطبيعي بين القوى المتصارعة على السلطة، وهو ما أغلق الباب أمام المنطق التسويغي (la logique justificative)  الذي أعمله الفقهاء في استيعاب طوارئ السياسة ومتغيراتها[22]، بل وجعل الفقهاء أنفسهم يقتنعون، شيئا فشيئا، بأن أقصى ما يُمكن للفعل السياسي أن يرنو إليه هو سياسةُ الدنيا وتدبيرُ أهل الإسلام على حد قول ابن جماعة (639- 733 هـ).

لعل الثعالبي يبقى النموذج الأظهر لمفكرٍ حاول إقامة صلة وصل متينة بين معاني مفهوم العدل كما تداوَلتْه أدبياتُ “الآداب السلطانية”؛ إذ حاول الجمع بين ما سماه آداب الملوك، التي يبقى العدل قوامها الذاتي، وبين السياسة من حيث هي “آلة السلطان وأداته، بها نظام المُلك وعليها مداره”[23]، أما صلة الوصل تلك، فتتمثل في ما عُرف عنده بالسياسة، التي يشير بها، على غرار ما جرت عليه عادة “المرايا”، إلى فن التدبير. فكيف تكون السياسة تجسيداً للعدل؟

قدمت الآداب السلطانية نفسها، غالباً، كقول مفصل في التدبير والسياسة، بدءاً بسياسة النفس والجسد والخاصة، ووصولاً إلى سياسة العامة والمُلك. وفي هذا السياق يرد الحديث عن مفهوم العدل، ليس فقط باعتباره من “أفضل أخلاق الملوك”[24]، بل كعلاقةٍ سلطويةٍ تربط الحاكم بالمحكوم، وانطلاقاً منها يتحددُ مفهوم الفساد والإصلاح[25]. صحيحٌ أن حديث الثعالبي عن العدل هو من باب التمني ليس أكثر، فهو لا يدقق النظر في المفهوم ولا يصله بغيره من المفاهيم المكونة لمعادلة المُلك، خلافاً لما نجده عند الماوردي. كما أنه من الممكن القول إن الذي حمل هذا الأخير على إضفاء طابعٍ علائقي على مفهوم العدل هو تكوينه الفقهي، ومقاصده الإصلاحية التي قدمها من موقعه كفقيه راعٍ لدولة الشريعة. غير أن ذلك لا ينفي وعي الثعالبي بالحاجة إلى العدل، وما تشديده على ربطه بفساد المُلك وصلاحه إلا دليلٌ على ذلك. ما الذي تعنيه السياسة والتدبير من منظور العدل السلطاني؟

أ- تعني السياسة، أولاً، أن الفعل السياسي ليس مجرد فعلٍ للظفر بالمُلك وتثبيت دعائمه، بل هو فعلُ تدبيرٍ يبدأ بسياسة النفس ليتدرج إلى سياسة الخاصة والعامة. وسيكون علينا أن نقف بكثيرٍ من الحذر على هذه المماثلة التي يُقيمها خطابُ “أدب النصيحة” بين سياسة النفس وسياسة الدولة، وهي مماثلةٌ تبناها الفلاسفة منذ الفارابي ومسكويه[26] وابن سينا[27]. وقد أجروها، سيراً على هَدْي أفلاطون وأرسطو، على مقتضى التنافر الحاصل بين القوة العاقلة وغيرها من القوى المكونة للنفس، معتبرين أن الأقدر على تقلد مهام حكم المدينة هو الذي له القدرة على عقل نفسه وإخضاعها لمقتضى قوته العاقلة. نلاحظ أن الثعالبي لا يفكر في سياسة النفس إلا من جهة علاقتها بسياسة الناس[28]، الأمر الذي يعني أن المَلك مطالبٌ بإخضاع نفسه لرقابةٍ دائمةٍ تمكنه من ضمان اعتدالها، حتى إذا نال ذلك أجرى أمور السياسة على مقتضى نفسه المعتدلة.

يبدو أن ما يقصده أصحاب الآداب السلطانية باعتدال نفس المَلك هو ضرورة خضوعِها لما يُسميه الماوردي “أخلاق الملوك”[29]، وهي أخلاقٌ جَهَد هؤلاء في بيانها. وفيما يتحدث الثعالبي عن الغضب، والكتمان، والسخاء، والعفو[30]، باعتبارها أخلاقًا تضمن للمَلك استقرار نفسه وتناغم مكوناتها، وتُمكنه من سياسة خاصته وعامته، فإن الماوردي يتحدث عن أخلاق أخرى معتمداً منطق التقابل؛ فنجده يذكر أخلاق الرقة والرحمة في مقابل قيم الغلظة والقسوة، وقيم السماحة والعطاء في مقابل البُخل والإمساك[31]. من المفيد أن نسجل، هنا، أن التفكير في أخلاق النفس ليس غايةً في حد ذاته، بل إن ما يهم منها هو نتائجها السياسة العملية، المرتبطة أساساً بتدبير المُلك وليس بلحظة تأسيسه؛ إذ الحديث عن الأخلاق يأتي بعد الارتفاع بفكرة السلطة إلى مستوى الحقيقة البديهية. فالسياسة بهذا المعنى تحتاج إلى أخلاقٍ تقتضيها النفس البشرية الميالة إلى التغلب والقهر والأنانية[32]، لذلك سيكون من باب التزيد القولُ إن نصوص الآداب السلطانية تدفع في اتجاه الفصل بين السياسي والأخلاقي، لأنها تروم، في الحقيقة، جعل الأخلاق تحت تصرف الملك، وتنظر إليها باعتبارها آليةً لحفظ الملك. فالأخلاق تؤدي، في مقامنا هذا، الوظيفة عينها التي يؤديها الدين؛ إذ لا يمكن الحديث في فكر ابن المقفع، مثلاً، عن فصلٍ نهائيٍ للسياسي عن الديني[33]، بل عن تسخير للثاني من طرف الأول، وهو ما تختزله العبارة التي رددها كتاب آداب النصيحة؛ “من حَسُنَتْ سياستُه، دامتْ رئاسته”[34].

ب- وتعني السياسة، ثانياً، القدرة على تدبير العامة والخاصة بعد القدرة على تدبير النفس وسياستها. لذلك تنتقل بنا نصوص النصيحة إلى الحديث عن الزوج المفهومي الخاصة والعامة. يصف لنا كتاب التاج، بتدقيقٍ، الطرق التي يجب على الملك أن يسلكها في التعامل مع هاتين الفئتين، مع ملاحظة إسراف الجاحظ في الحديث عن سياسة الخاصة إلى درجة يمكن القول فيها إن الكتاب، في جوهره، مقالٌ في سياسة الخاصة. ويمكن أن نلاحظ أن الخاصة لا تشير فقط إلى الحيز الخاص (La sphère privée)، كما وصفه أرسطو في سياسته، لأنها تتضمن وظائف تُحتسب على المجال العام كذلك، الأمر الذي يشي بأن المجال الخاص يتجاوز حدود الأسرة ليشمل وظائف المجال السياسي[35]. ويبدو أن حديث نصوص الآداب السلطانية عن العدل في الخاصة ليس إلا دعوة إلى العناية بها وبمصالحها، وترويضها على الطاعة المطلقة للملك. أما بالنسبة إلى الرعية فالأمر ليس على هذا القدر نفسه من الوضوح؛ إذ في مقابل ترويج الطرطوشي لقيمة الصبر، وتمسكه بمبدإ “كما تكونوا يولى عليكم”[36]، نجده يذكر الملك قائلاً؛ “من طال عُدوانه، زال سُلطانه”[37]. ورغم أن الثعالبي لم يفرد باباً من كتابه آداب الملوك للنظر في وضعية الرعية ومقامها من الملك، فإنه ما انفك يذكر الملك بضرورة العدل في سياستها، وهو يقصد بالعدل، هنا، تجنب الشطط في معاملتها، لاسيما فيما يتعلق بجبي الخراج بحيث “لا يظلم أحداً، ولا يغضب ضيعة، ولا يؤذي جاراً، ولا يعنت شريكاً ولا يُصادر رعيةً”[38].

3- لنُسجل، في أعقاب ما تقدم، أن العدل في خطاب النصيحة يبقى مفهوماً مركزياً عليه أقام أصحابها تصورهم للسياسة. صحيحٌ أن العدل عندهم ليس غايةً في حد ذاته، وإنما هو وسيلةٌ لضمان تأسيس المُلك وسياسته، لكن هل كان بمقدورهم أن يُطالبوا بأكثرَ من هذا في ظل الوضع السياسي الذي حاولوا الخروج من خندقه؟ إن استحضار هذا المُعطى هو الذي يدفعنا إلى التشديد على ضرورة قراءة تصور الآداب السلطانية للعدل من خلال ربطه بوعيها الإيجابي بالدولة، كما بالحاجة إلى تنكب أسباب الفساد وتحقيق الخروج من وضعية الفتنة. وعندما يستدعي الباحثون[39]، وخاصة منهم العربُ المعاصرون، هذا الخطاب، في سياق ما بات يعرف بمشروع نقد العقل السياسي العربي أو الإسلامي، فإنهم غالباً ما يصدرون عن فهمٍ استبداديٍ له، بقدر ما يلحظ تشديدَه على الحاجة إلى الدولة القوية، بقدر ما يغفل عن مدى تمسك أصحابه بقيمة العدل. تبقى أعمال الجابري[40]، وعبد المجيد الصغير[41]، وكمال عبد اللطيف[42]، وعز الدين العلام[43]، خير نموذج نمثل به لحضور هذه القراءة في الفكر العربي المعاصر؛ إذ ذهبوا في تحليل مفاهيم المرايا وتشبيهها للملك إلى حدودٍ بعيدة أظهروا فيها أن الأمر يتعلق بخطاب رسخ قيمة الاستبداد والمجال السياسي المنغلق.

الأسباب التي تقف وراء هذا الموقف ليست بالخفية؛ دفعُ شبهة الاستبداد عن الموروث السياسي العربي الإسلامي (الأصيل) أولاً، بما يقتضيه ذلك من نسبتها إلى ما تسرب إلى الثقافة الإسلامية من تراثٍ فكريٍ في السياسة مُمَثلاً في التراث الفارسي، بل ويرى فيه البعضُ خطاباً برر المنحى الاستبدادي الذي سارتْ فيه التجربة السياسية في الإسلام، لذلك يذهب الصغير إلى القول؛ “لعل السبب الفاعل في شيوع النموذج السياسي الساساني في تدبير السلطة راجع قبل كل شيء إلى رغبة “إيديولوجية” تتمثل في التطور الفعلي الذي سارت إليه الخلافة نفسها، منذ العصر الأموي، حيث كانت الدولة أو السلطة الحاكمة نفسها، تشجع ذلك التراث الفارسي وتحبذه، ما دامت قد وجدت فيه صورتها، أو على الأقل، توسمت فيه الحل لمشاكلها السياسية”[44]. ونذكر من تلك الأسباب، ثانياً، أن “تشريح أصول الاستبداد” (على حد تعبير كمال عبد اللطيف) يقتضي خلخلة المفهوم السلطاني عن السياسة والدولة، وفك الارتباط بين التسلطية السائدة في العالم العربي والمرجعيات التراثية التي يمكنها أن تستدعيها قصد تبرير نفسها والتماس المشروعية منها، وهذا ما يعني أن الصراع على تأويل الموروث السياسي الإسلامي عامة، والسلطاني منه على وجه التحديد، كان حلقة من حلقات مواجهة الفكر الفلسفي العربي المعاصر للتسلطية التي وسمت راهنه السياسي، وعياً منه بأن تفكيك بنيانها، النظري والمفاهيمي، يبقى المدخل الرئيس لأي تفكير ممكن في الحداثة السياسية في العالم العربي. وسيكون علينا أن نعترف بأن هؤلاء نجحوا، إلى حد بعيد، في تفكيك التراث الاستبدادي في الإسلام، وحالوا دون احتكاره من طرف القراءات الأورثوذوكسية (السلفية) للتراث. غير أن السؤال الذي يستوقفنا في هذا المقام هو؛ ألم يَقُدْ نقدهم للقول السلطاني إلى إغفال ما يتضمنه التراث السياسي العربي الإسلامي الأصيل، من كلامٍ وفقه سياسي، من جراثيم لقيم الاستبداد والتسلط؟ ألم يتضمن الخطاب السلطاني خطأ مبدئيا عندما صدر أصحابُه عن مسلمة التماثل المطلق بين التجربتين الإسلامية والفارسية في السياسة والدولة، فأسقط على الثانية مقولات الأولى، وخلط بين مواقع رجال الدين هناك، ومواقعهم هنا؟ وهل استطاع الخطاب السلطاني الانفراد بحقيقة السياسة، والعدل، والعدالة، والحق، إلخ، في ذهن الفاعلين السياسيين أمام شراسة خصمه العنيد؛ الفقه السياسي؟

يبدو لي أن أية مساءلة لقيمة التراث السياسي السلطاني ينبغي أن تتم على ضوء هذه الأسئلة، بل وانطلاقاً منها يُمكن أن نفهم قيمة النقد الذي ينبغي أن نوجهه لمفهوم العدل السلطاني، لأنه يبقى عدلاً يكرس قوة الدولة والوعي الإيجابي بها، لكنه يُضَحي بالرعية ولا ينظر إليها باعتبارها منبعاً من منابع الحق والسلطة؛ فهي تابعة له ولاحقة عليه فقط. كما أنه لا ينظر إلى العدل كغاية في ذاته، أو كقيمة يمكن أن يتأسس عليها الاجتماع السياسي، يُلزم به الملك نفسه، وإنما هو فعلٌ قد يلجأ إليه هذا الأخير، وقد يستغني عنه باسم حاجة المُلك إلى السلطان والأبهة والبطش. يعني هذا القول، في جملة ما يعنيه، أن المطلوب اليوم هو العمل على الارتفاع بالعدل ليصير قيمة في ذاته، ومنبعا من منابع مقبولية الاجتماع السياسي والسلطة معاً. فهل يمكن أن نعثر على مثل هذه الغاية في الخطابات السياسية الأخرى التي تناولت مفهوم العدل في التراث السياسي الإسلامي؟

ثانياً؛ العدل في الخطاب الفقهي

1-   يقتضي الحديث عن القول الفقهي في السياسة الوعي بالاختلاف المهم الذي يفصله عن القول السلطاني. وما كان التقابل بينهما مجرد اختلاف بين نوعين ينتميان إلى الجنس نفسه من الخطاب السياسي السائد في الثقافة الإسلامية الكلاسيكية، بقدر ما كان تجلياً من تجليات جدليةٍ تَعْتَمِل في شرايين المجال السياسي الإسلامي، بعد أن أدرك لحظة من الأزمة حملتِ الفاعلينَ فيه على التنقيب عن مصادر أخرى للمشروعية السياسية، غيـر المشروعية الدينية، بل والقبائلية، التي قامت عليها التجربة السياسية في الإسلام. تصف كتب التاريخ ملامح تلك الأزمة[45]، ولئن كان جلها يربط نشأتها بضعف دولة الخلافة بعد لحظة المأمون، وتصاعد الدول السلطانية وتكالبها على وحدة الخلافة، فإن المتمعن في مسار الأحداث السياسية يمكنه الجزم بأن الأزمة تلك ارتبطت بالتكوين التاريخي للمجال السياسي الإسلامي، منذ تصدع القاعدة الدينية والمعيارية المؤسسة لمفهوم الخلافة نفسه بعد اغتيال الخليفة عثمان بن عفان واندلاع أحداث الفتنة الكبرى، بما أفرزه ذلك من انبعاث للمكبوت القبائلي والعَصَبي، وارتفاع العقيدة إلى مستوى المسوغ المعياري لمقبولية السلطة وشرعية الدولة. وما العودة القوية لمفهوم المُلْك إلى ثنايا الوعي الإسلامي إلا علامةٌ من علامات هذا “الوعي الشقي” بانزلاق الحُكم في الإسلام من نموذجية الخلافة إلى واقع الملك والتغلب، وما كان صدفة أن يمثل هذا الوعي الشقي أحد مصادر التوتر المزمن بين السياسي والديني في ذلك الوعي.

إن ما اتسمت به التجربةُ السياسية الإسلامية من توتر بين الديني والسياسي، منذ تلك اللحظة، يبقى مقدمةً ضروريةً لفهم نشأة الخطابات السياسية التي أنتجها الوعي السياسي الإسلامي؛ أدى تفاقم أزمة المشروعية في المجال السياسي الإسلامي إلى ارتفاع الطلب على خطاباتٍ في السياسة من شأنها أن تُسعف الحاكم بما يحتاجه من رأسمالٍ رمزي يُضفي على سلطته القدر اللازم من المشروعية الدينية. وفي سياق اجتماعٍ سياسي يتبوأ فيه الدينُ مكانة رئيسة كالاجتماع السياسي الإسلامي، يصيرُ تأويل الدين واحتكار رمزيته جزءً من عملية تأسيس المُلك كما لاحظ الماوردي[46] ومن بعده ابن خلدون[47]. لذلك كان من الطبيعي أن يُقبل صاحب السلطة على بضاعة الفقهاء في السياسة، باعتبارهم الأقدرَ على فهم النص الديني وتأويله؛ فهُم ورثة الأنبياء كما جاء في الحديث النبوي[48]، وفي تسخيرهم جليلُ خدمةٍ للسلطان السياسي ونفوذه. بيد أن الفقيه كان على بينة من أمر ما يحتازه من “رأسمالٍ رمزيٍ” يؤهله لأن يصبح صاحب سلطان يضارع، من حيث القوة الرمزية، سلطان الحاكم؛ إنه صاحب سلطة ثقافية على حد تعبير علي أومليل[49]، وقد عبر مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر[50] عن الصراع الذي خاضه أصحاب السلطة الثقافية مع السلطة السياسية في التجربة السياسية الإسلامية[51]، لاسيما وأن الفقهاء أرادوا لأنفسهم أن يكونوا سدنة الشرع، بل وعملوا على الارتفاع به إلى مستوى “القانون” بغية ممارسة رقابةٍ على الحاكم كما لاحظ برنارد لويس، وبصرف النظر عن مدى مطابقته للواقع[52]. ولعلنا لا نجانب الصواب إذ نقول إن في جملة ما حال دون تماهي الدولة في التجربة الإسلامية بنموذج الدولة الثيوقراطية القديمة، هذا الدور الذي اضطلع به الشرع، بوصفه “قانوناً”، في فرض رقابةٍ معياريةٍ على السلطة وفعل الحاكم؛ إذ كان على الحاكم أن ينتبه إلى كثافة السلطة الثقافية التي يمثلها الفقيه، كما إلى رمزية الشرع في صوغ مشروعية سلطته السياسية، لذلك سيكون من الخطإ الاعتقاد بأن الشريعة السياسية في الإسلام كانت مطابقةً لنظيرتها الثيوقراطية، القائمة على الحق الإلهي[53]. كما سيكون من مجانبة الصواب اختزالُ الوظيفة التسويغية، التي اضطلعت بها تشريعات الفقهاء السياسيةُ، في بُعدها التبريري فقط؛ إذ إنهم راموا من وضعها فرضَ نوعٍ من الرقابة المعيارية على الحاكم، وتسويغ فعله السياسي بحدود الشرع وقوانينه. ليست كتب الأحكام السلطانية وحدها من تنضح بهذا الهاجس، فقد شاركتها إياهُ صنوفٌ أخرى من القول الفقهي في السياسة، ككُتب فقه الخراج[54]، والقضاء، والحسبة، وتدبير بيت المال، والحدود. يجد القارئ في تلك الكتابات الفقهية معالم “رؤيةٍ معياريةٍ” إلى السياسة وتدبير شؤون الرعية، مدارُها على علاقة الحاكم بالمحكوم كما تتبدى في هذا المجال أو ذاك. غير أن الثابت في اختلاف مستوياتها كلها نزوعُ أصحابها إلى رسم الحدود الشرعية التي لا ينبغي على الحاكم تجاوزها في إمضائه أمور السياسة، وهذه مسألةٌ يجب التقاطها بكثيرٍ من التحوط والحذر؛ إذ بهذا الموقف المعياري يكون الفقيه قد سعى إلى إغلاق الباب أمام ما يبدو له عَسْفاً من طرف الحاكم في ممارسته للسلطة، لذلك ما كان صدفةً أن يصطدم الحاكم بالفقيه كلما تعلق الأمر بمحاولة الثاني تقييد الأول بقوانين الشرع. صحيحٌ أن الحاكم استطاع أن يُجند كثيراً من الفقهاء لمَده بما يكفيه من المشروعية الدينية، بيد أن ذلك لا يعني، بالضرورة، أن عملية الشرعنة تلك لم تتضمن رؤيةً معياريةً إلى السياسة ومجالها، بل وتصوراً يُعيد ترتيب أوضاع السلطة السياسية أيضاً، وهو ما نلمسه عند أكثر الفقهاء ارتباطاً بالسلطة الحاكمة كالماوردي وإمام الحرمين الجويني.

2- يعْنينا من الفقه السياسي الكلاسيكي تصورُه للعدالة، وسيكون علينا أن نعترف بأن قلق تسمية المفهوم عند الفقهاء يفرِضُ على الباحث التمييـزَ بين سياقات حديثهم عن العدل والعدالة، وهو تمييـز تفرضه طبيعة كتاباتهم السياسية، التي لا تندرج ضمن جنس نظري واحد في الكتابة والتأليف السياسي. لذلك سنحاول تبين ملامح التصور الفقهي للعدل من خلال الوقوف على سياقاته الرئيسة التي تورده فيها كتب الفقه السياسي الكلاسيكي، وفي ما يلي بيان ذلك.

أ- ففي كتب الأحكام السلطانية، التي اختصت بالنظر في الأحكام الشرعية الضامنة لمشروعية السلطة السياسية كما لعملية توزيعها داخل بناء الدولة وأجهزتها، من خلال ضبط الوضع الشرعي (القانوني) لكل جهاز ووظيفة على حدة، تم تناول العدل من حيث هو شرطٌ لمشروعية سلطة الحاكم الذي يتماهى، في عُرف تلك الكتب، مع الإمام. يقولُ الماوردي، في مطلع كتابه الأحكام السلطانية، إن ما يتغير به حال الإمام، “فيخرج به عن الإمامة شيئان؛ أحدهما جرحٌ في عدالته، والثاني نقصٌ في بدنه”[55]، ويشرح أبو يَعْلَى الفراء ذلك بالقول إن “الجُرحَ في العدالة هو الفسق”[56]. وليس الفسق، هنا، مجرد طعن في سلوك الإمام، و”ارتكابه للمحظورات وإقدامه على المنكرات تحكيما للشهوة وانقيادا للهوى”، وإنما هو انخرام في “الاعتقاد المتأول بشبهة تعترض فيتأول لها خلاف الحق”[57]. واضحٌ أن الأمر يتعلق بفهمٍ معياريٍ للعدل من حيثُ هو شرطٌ أخلاقيٌ لعقد الإمامة وتنصيب الإمام. بيد أن ذلك لا يُلغي، مطلقاً، الأغراض السياسية من هذا المفهوم الأخلاقي، خاصةً وأن الفقهاء ربطوا مشروعية السلطة بالقدرة على ضمان الوحدة والاستقرار والدفاع عن حوزة الإسلام، وهو ما يقتضي موقفا واضحا من الدين والعقيدة، الأمر الذي يعني أن عدالة الإمام لا تكفي لإسباغ الشرعية على سلطانه إنْ ألمَّ به الوَهَنُ والضَعف. ويكاد الفقهاء يقرون بأولوية شرط القوة والنجدة كلما اضطروا إلى الاختيار بين شرط العدالة والقوة في الإمام، انطلاقاً من اعتبار سياسةِ الأمة، والدفاع عنها، سببَ وجود الدولة وجهازها[58].

على أن هذا الفهم الأخلاقي للعدالة ليس المعنى الوحيد الذي يُعمِل به الفقهاء هذا المفهوم، ما داموا يتناولونه في سياقٍ آخر يتمثل، هذه المرة، في حديثهم عن الميز الحاصل بين أهل العدل وأهل البغي[59]. نُلاحظ أن الأمر يتعلقُ بمقابلةٍ بين المنتمين إلى الجماعة، المقبولة معيارياً من طرف الفقيه والسلطة، أي إلى الأنا السياسية، وبين الخارجين عنها الرافضين لسلطة الإمام. لذلك يُميـزهم ابن تيمية عن غيـرهم من “المخالفين” كالمحاربين وقُطَّاع الطرق. إنهم “الذين يخرجون عن الإمام، ويخالفون الجماعة، وينفردون بمذهبٍ ابتدعوه”[60]، أي “الفئة التي اعتزلت أهل العدل وتحيـزت بدارٍ تميزت فيها عن مخالطة الجماعة”[61]. مما يعني أن أهل العدل هم الذين يطيعون الإمام، ولا يخالفون الجماعة ويعتقدون مذهبها دون ابتداع. لذلك يُمكن القول إن الخضوع للسلطة السياسية القائمة هو الذي يعطي معنى لمفهوم أهل العدل؛ فالعدل، هنا، يفيد القبول بسلطة الإمام الشرعية، بما يستدعيه ذلك من التـزامٍ بمقتضيات هذه العلاقة السلطوية. لكنه يعني، أيضاً، التزام الإمام بالشروط التي سور بها الفقهاء سلطته وجعلوها ضامنة لمشروعيتها، والتي يمكن اختزالها في القدرة على تنزيل مقولات الشرع أولاً، وحماية دار الإسلام ثانياً.

كيف يمكن تحقيق ذلك؟ إذا كانت حماية دار الإسلام في جملة البديهيات التي ما كان الفقهاء في حاجة إلى مناقشتها، فإن ضبط معنى تنزيل الشرع وإمضاء أمور السياسة على مقتضياته يبقى مسألة صعبة التحديد، رغم كل التبسيطات التي سلكها الوعي الإسلامي لإضفاء البداهة عليه. في مقام الأحكام السلطانية، تعني عملية التنزيل تلك تسيير وظائف الدولة وفق الأحكام الشرعية التي اشتقها الفقهاء، كل من مذهبه، لكل وظيفة على حدة، بدءً بوظائف الإمام نفسه، ووصولاً إلى الوظائف المرتبطة بالسلطة الضريبية والرقابية والعقابية للدولة. من هذا المنطلق يمكن فهم سبب اهتمام الفقهاء بآلية الولاية وضبط أحكامها الشرعية، وبيان طبيعة السلطة التي تفرع منها، إذ بها يمكن ضمان شرعية عملية توزيع السلطة داخل البناء الدولتي. تتحدد السلطة، هنا، باعتبارها حقاً في الأمر والتصرف يستلزم تدخل الفقيه للحيلولة دون أيلولته إلى العسف، لما لذلك من أثر سلبي في تمثل الرعية لسلطان الدولة وللعلاقة التي تجمع بينهما. راهن الفقهاء على الأحكام الشرعية لضبط حدود السلطة في كل مستوياتها؛ سواء تعلق الأمر بسلطة الإمام وحدود طاعته، أو بسلطة الوزير، ووالي المظالم، والقاضي، والمحتسب…الخ؛ وكان اهتمامهم بممارسة الفعل السلطوي على الرعية، في حياتها اليومية، أظهر بحكم حساسيتها. ولعل هذا هو المعنى الأعم الذي يتخذه مفهوم “العدل في الرعية” عندهم كلما نظروا إليه من جهة الأحكام السلطانية وهندسة الدولة، فيكون تمسكهم بالشرع، وسعيهم إلى الارتفاع به إلى مستوى القانون المتعالي على إرادة الحاكم وممثلي سلطته كما قال برنارد لويس[62]، ضمانة معيارية للعدل.

ب- نقرأ للماوردي قوله؛ “فالسعيد من وقى الدين بمُلكه، ولم يوق المُلك بدينه، فأحيى السنة بعدله، ولم يُمِتْها بجوْره، وحرس الرعية بتدبيره، ولم يُضِعها بتدميره، ليكونَ لقواعد مُلكه موطداً، ولأساس دولته مشيداً، ولأمر الله في بلاده ممثلاً، فلن يُعجزَ اللهَ استقامةُ الدين عن سياسةِ الملك، وتدبيرِ الرعية”[63]. بصرف النظر عن العلاقة الجدلية التي يُقيمها هذا القولُ بين الدين والسياسة، فإن ما يهمنا منه هذه المقابلة التي تفصل العدل عن الجور من جهة، وربطه إياهما بالفعل السياسي من جهة ثانية. يدرك التقابل ذاك حد التناقض والتزايل عندما يصبح الظلم والجور من أسباب خراب البلاد، ليقتـرن العدل بعمارتها[64]، إذ “ليس شيءٌ أسرعَ في خراب الأرض، ولا أفسدَ بضمائر الخلق، من الجور”[65]، حينها يكون تأسيس الملك وضمان استمراريته رهينَيْن بمدى قدرة الحاكم على تحقيق العدل، وهو ما يجعل من هذا الأخير علاقةً جدلية بين الحاكم والمحكوم، بقدر ما تضمن للأول استقرار ملكه، فإنها تضمن للثاني جملة حقوقٍ. يُمكن أن نذهب في هذا الاستنتاج بعيداً، فنقر بأن العدل يكاد يصير، هنا، قيمة تتعالى على السلطة، بل وتضفي معنى على الفعل السلطوي نفسه. لذلك يُفرد الماوردي حيزاً من متنه للنظر في علاقة الحاكم (الملك) بغيره من مكونات المُلك، من عمارة بلدان، ورعية، وجند، وحاشية، وأموال[66]، إذ أن “النفعَ بصلاح أحوالهم عائد عليه، والضرر متعد إليه، فلن توجد استقامة ملك فسدت فيه الرعية”[67].

ما الذي يعنيه العدل في هذا السياق؟ فإلى كونه يُضْحي قيمةً موجهةً للفعل السياسي ومعياراً تقاسُ به مقبوليته، فإن الماوردي ينظر إلى العدل، هنا، بحسبانه “انصافاً وانتصافاً”[68]. أما الإنصاف فهو “عدل يفصل بين الحق والباطل (…) يستقيم به حال الرعية وتنتظم به أمور المملكة، فلا ثبات لدولة لا يتناصف أهلها، ويغلب جورها على عدلها”[69]؛ في حين أن الانتصاف يقتضي ضرورة مراعاة حقوق الملك؛ فكما أن العدل في الرعية يقتضي ألا يَعْدُو المَلِكُ على أموال أحد، فكذلك لا يجب أن تُتْرَك حقوقُ المَلك دون استيفاءٍ[70]. ليست الإشارة، هنا، إلى المَلِك محاولةً لاختزال المجال السياسي في شخصه، بقدر ما تنم عن وعي بالمُلك من حيث هو وظيفةٌ يحتاجها الاجتماع السياسي ككل، خاصة وأن ذهاب أموال المَلك يقود، حتما، إلى الجور على الرعية لتحصيل الأموال، حيث “تُلْجِئُه الحوادثُ، إذا تَرك ما يستحق، إلى أن يأخذ ما لا يستحق، فيصيرُ بالترك جائراً على مُلكه، وفي الأخذ جائراً على رعيته؛ فلا ينفكُ في الحالين من أن يكون خاطئاً مَلوماً، وجائراً مذموماً”[71] وهذا ما يجعل حقوق الحاكم تقابل حقوق الرعية، وتشكل، بالتالي، الطرف الثاني في معادلة السلطة والحكم عند الماوردي.

يلخص الغزالي عناصر هذه المُعادلة بقوله؛ “إن الدين بالمُلك، والمُلك بالجند، والجند بالمال، والمال بعمارة البلاد، وعمارة البلاد بالعدل في العباد”[72]، والملاحظ أن العنصر الأهم، في نهاية المطاف، هو العدل في الرعية، لذلك يتخذ العدل، في كتابه التبر المسبوك في نصيحة الملوك، بُعداً سياسياً يتجاوزُ حدود الفهم الأخلاقي الذي هيمن على كتاباته الأصولية والفقهية الأخرى؛ بذلك يترفع العدل ليصير قيمة موجهة لعملية الحكم طالما أن مراعاته تقود، حتما، إلى حفظ الملك واستقرار المجتمع.

ليس غرضنا سوقُ أمثلة من كتب الفقهاء نُدلل بها على حضور هذا الفهم السياسي للعدل؛ إذ في ما أوردناه من كلام الماوردي والغزالي ما يقوم به الدليل على ذلك. يكاد حديث الفقيه عن الشرع يتماهى مع حديثه عن العدل، لدرجة يصعب فيها الحسم في أسبقية أحدهما عن الثاني، وهذا الفهم الشرعي للعدل الفقهي هو ما يميزه عن العدل السلطاني؛ إذ فيما كان الأول يتوسل العدل لتأسيس الملك وضمان استمراره، انصرف العدل الفقهي لتأسيس السلطة على رؤية جدلية تربط الحاكم بالمحكوم، فتعالى بذلك على السياسية ليغدو قيمة مؤطرة لمجالها، وهذه، تحديداً، نقطةُ قوته وضعفه في الآن نفسه. فمن جهة، نلاحظ أن تسوير العدل السياسي بمقتضيات الشرع كان يرمي إلى الحد من عسف الحاكم وشطط سلطانه، وقد ذهب ابن القيم إلى حد صهر السياسة والدين في مفهوم العدل ظناً منه بأن تلك هي السبيل الوحيدة لتحقيق ما سماه، سيرا على هدي ابن تيمية، السياسة الشرعية. نقرأ له في هذا المعرض قوله؛ “إن الله أرسل رسله، وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به الأرض والسماوات، فإذا ظهرت أمارات العدل وأسفر وجهه بأي طريق كان فثم شرع الله ودينه (…) بل قد بين سبحانه بما شرعه من الطرق أن مقصوده إقامة العدل بين عباده، وقيام الناس بالقسط، فأي طريق استخرج به العدل والقسط فهي من الدين وليست مخالفة له”[73]. ليس المهم في هذا القول ما ينم عنه من اقتناع بإمكانية إخراج العدل من دائرة الأحكام الشرعية المتعالية على الواقع ومتغيراته، وربطه بالمصلحة على نحو ما جرت عليه عادة الفقهاء في مجال السياسة، وإنما ما يضمره من رغبة في ضرورة إضفاء الطابع الشرعي على العدل، من خلال ربطه بمفهوم القسط الذي يستلزم وجود منظومة حقوق وواجبات يحددها الشرع، وهذا ما يعني، بالتبعة، أن الفكر السياسي الفقهي ظل حبيس تصور شرعي لمفهوم الحق. صحيح أن العدل يبقى، في نهاية المطاف، كيفية في توزيع الحق، لكن عن أي حق نتكلم؟ إنه الحق الذي يحدده الشرع وينزله الحاكم على الرعية، وليس الحق النابع من الرعية نفسها، وهنا تكمن مشكلة العدل الفقهي؛ ففي ظل مواجهته مع الحاكم ورغبته في عقل سلطانه المطلق، هرع إلى الشرع ليشتق منه منظومة الحقوق التي يتحدد داخلها معنى العدل، أكان إنصافاً أو انتصافاً أو قسطاً، الخ. لكنه لم ينتبه إلى أنه، بموقفه هذا، يرسم حدود العدل نفسه، ولا يدفع به لأن يجعل من الرعية نفسها منبعاً للحقوق، رغم كل الأشواط التي قطعها الفكر السياسي الفقهي في تطويع أحكام الشرع مع الواقع وطوارئه.

لعلنا لا نجانب الصواب إذ نقول إن الخلاف المستعر بين المفكرين، العرب والمسلمين، حول قيمة التراث الفقهي السياسي لا ينفصل عن موقفهم من مفهومه عن العدل. فعندما يفكر رشيد رضا في مفهوم الخلافة والدولة انطلاقا من مقولات السياسة الشرعية، مستحضرا تراث ابن تيمية، وعندما يتحدث السيد قطب عن العدالة الاجتماعية في الإسلام، أو أحمد عطوة عن العدالة الحقيقية كما جسدتها السياسة الشرعية[74]، فإنهم يعبرون عن موقف من ذلك التراث مفاده إمكانية تأسيس الاجتماع السياسي الإسلامي على الفهم الشرعي للعدل، وهذا ما يستتبع التسليم بصلاحية هذا العدل وفائدته في بناء المجتمع المأمول. وإذا ما نحن غضضنا الطرف عن القوة التبريرية التي يحتازها هذا التراث الفقهي في الوعي السياسي الإسلامي المعاصر، فإن الملاحظ على هذا الموقف طابعه الإيديولوجي الفاقع الذي يجعل منه جزءاً من الرؤية السلفية إلى المجتمع والسياسة والتاريخ. لذلك ارتبط نقد العدل الفقهي بنقد التوجهات السلفية السائدة في الفكر العربي المعاصر، وعندما يُشدد محمد عابد الجابري على ضرورة الخروج من أفق العقل السياسي العربي، من محدداته كما من تجلياته[75]، وعندما يدعو عبد الله العروي إلى ضرورة توحيد مجال الحرية والأخلاق بمجال السياسة والدولة، فإنهما يقران بضرورة القطع مع الرؤية التراثية إلى السياسة والعدل بالضرورة[76]، نظراً لما بدا لهما من مجافاتها لروح الدولة الحديثة التي تستجيب لمتطلبات التحديث السياسي في العالم العربي. إن القطع مع التصور الفقهي للعدل يستلزم الخروج من تصوره الضمني للحق، والوعي بالطباع المحايث لهذا الأخير، بعيداً عن تعالي الحق الشرعي، لذلك يبقى كل نقدٍ للمفهوم الفقهي للعدل رهينا بمدى قدرتنا على خلخلة الانغلاق الدوغمائي الحاكم للعقل السياسي الفقهي برمته.

العدلُ في خطاب الفلاسفة

ليس غرضُنا تقديم عرضٍ مفصل عن مختلف النظريات التي بلورها فلاسفة الإسلام عن العدل[77]، ونكتفي بنموذج الفارابي بحكم طابعه التأسيسي في مجال الفلسفة السياسية الإسلامية[78]، وبالنظر إلى قدرته الفريدة على استيعاب التراث الفلسفي السابق له وإعماله في فهم الإشكالية الرئيسية الحاكمة للوعي السياسي الإسلامي؛ إشكالية العلاقة بين السياسة والدين، وفهم أثرها في تضخم الأزمة السياسية التي عاش فيلسوفنا في كنفها، وهي عينها تلك التي نضجت فيها أطروحات الفقهاء والكتاب؛ أزمة دولة الخلافة التي كانت العنوان الأكبر لأزمة تكوين مفهوم المشروعية في الفكر السياسي الإسلامي. تنضح كتابات الفارابي بمعالم وعي قلق براهنه السياسي، وقد استطاعت أن تجد لنفسها موقعاً ضمن التراث الفلسفي المُمتد من الفكر اليوناني، من دون أن تَسقُط في نزعةٍ نصيةٍ تكتفي بالبحث عن أفلاطون أو أرسطو الحقيقيين، وتذهل عن راهنها السياسي ومعضلاته الكبرى. لذلك يزج الفارابي بقارئه في معمعة العلاقة المتوترة بين السياسة والدين، أما جوازه إلى ذلك، فيتمثل في إقامة صلة متينة بين السياسة المدنية ومبادئ الموجودات[79]، حيث يصيرُ العدلُ محاكاةً لذلك الانسجام القائم بين مبادئ الموجودات (الكوسموس) ليتجسد في تدبير المدينة (العلم المدني)، بما يستلزمه ذلك من نظرٍ في علاقة السعادة بآراء أهل المدينة وقدرتهم على الاتصال بالعقل الفعال وإدراكهم لحقيقة الوجود. يمكن أن نتفهم، إذن، سبب تمسك الفارابي بفكرة المدينة الفاضلة؛ إذ هي وحدها قادرةٌ على احتواء هذا القدر الهائل من الانسجام والتناغم، وفيها يصير الجمع بين السعادة والحقيقة أمراً ممكناً لأن في ذلك تحصيلاً للكمال الأخير، “الذي هو السعادة القصوى، وهو الخير على الإطلاق، فهو المؤثر المشتهى لذاته، وليس يكون ولا في وقتٍ أصلاً مؤثراً لأجل غيره، وسائرُ ما يؤثرُ إنما يكون مؤثراً لأجل نفعه في بلوغ السعادة”[80]. لا مراء في أننا، مع الفارابي، أمام رؤية مغايرةٍ إلى الاجتماع السياسي الإسلامي لا تصدر عن المقدمات المعيارية الفقهية، كما أنها لا تتخذ من التأسيس للحكم الطبيعي غاية لها كما هي الحال عند أصحاب الآداب السلطانية، وإنما تفضل مقاربة وضعها السياسي انطلاقاً من مفهوم المدينة الفاضلة ذي الأصول الأفلاطونية والدينية الوسطوية. فهل يتعلق الأمر برد فعل على وضع سياسي قاتم جعل الفلاسفة يتشرنقون في أبراجهم المثالية بعيداً عن ضوضاء وضعهم ذاك؟ كيف أثرت فكرة المدينة الفاضلة في صوغ مفهوم العدل عند فيلسوف كالفارابي؟ وهل يقتضي نقد المفهوم الفلسفي التراثي للعدل نسف المدينة الفاضلة والتقعيد لفهم محايث لهذا المفهوم؟

1- ليس مدعاة للاستغراب أن يكتفي الباحثون بالتنبيه إلى التشابه القائم بين رؤية الفارابي وأفلاطون إلى مفهوم العدل[81]، معتقدين أن الأول لم يخرج عن الإطار العام للتصور القديم للعدل من حيث هو انسجام بين مختلف مكونات الكوسموس، وتجلياً من تجليات محاكاته في مجال تدبير النفس والمدينة. القرائن على ذلك كثيرة في متنه، بدء بإرجاعه الاختلاف الطبيعي للناس إلى اختلاف الأجرام السماوية المسامتة للكرة الأولى، وما لذلك من أثر في اختلاف مناطق الأرض والماء والهواء والزرع، إلخ[82]، وصولاً إلى تصوره لنظام المدينة الفاضلة وتراتبيته. يقول الفارابي في هذا الشأن؛ ” كل واحد ممن في المدينة الفاضلة ينبغي أن يفوض إليه صناعة واحدة يفرد بها وعمل واحد يقوم به، إما في مرتبة خدمة، وإما في مرتبة رئاسة لا يتعداها، ولا يترك أحد منهم يزاول أعمالا كثيرة ولا أكثر من صناعة واحدة”[83]. يحيلنا هذا الكلام على التراتبية الأفلاطونية التي قامت على وضع الناس في موضعهم الطبيعي داخل المجتمع، وما التقارب بين تناغم الكون والمدينة إلا محاولة لإخراج هذه الأخيرة من مظاهر الاختلاف والصراع التي تهيمن عليها.

لا يُمكن أن نفهم موقف الفارابي من الفلسفة إلا في هذا السياق تحديداً؛ فعندما يراهن على العلم المدني، الذي يتحصل من طريق العلم بمبادئ الموجودات والاتصال بالعقل الفعال، فإنه يرمي من ذلك إلى تحصيل السياسة المدنية القادرة على التقريب بين ملكوت الله ومدينة الإنسان، “فكما أن في العالم مبدأ أولاً، ثم  مبادئ أخرى تتلوه على ترتيب وموجودات أُخر تتلو تلك الموجودات على ترتيب إلى أن تنتهي إلى آخر الموجودات رتبة في الوجود، كذلك في جملة ما يشتمل عليه الأمة أو المدينة مبدأ ما أول ثم مبادئ أخر تتلوه ومدينيون آخرون (…) حتى يوجد فيما يشتمل عليه المدينة نظائر ما يشتمل عليه جملة العالم”[84]. كما أن الغاية من البحث في مبادئ الموجودات إدراك النظام الحاكم للوجود والطبيعة، والوقوف على العقل السائد فيهما، فكذلك يفضي بنا النظر في مبادئ المدينة وتراتب مكوناتها إلى وضع اليد على العقل السائد فيها باعتبارها نظاما، وهذا يعني أن أي زيغ عن نموذج المدينة الفاضلة هو، في جوهره، زيغٌ عن النظام والعقلِ وسقوطٌ في أتون الفوضى والصراع. من علامات هذا الزيغ تشتت آراء أهل المدينة وتنافرها، وهذا ما يعني، بالضرورة، خرقاً لمبدإ المحبة الذي يشكل اللحْمة الرابطة بين مكونات المدينة في نظر فيلسوفنا، طالما أن المحبة “في هذه المدينة تكون أولاً لأجل الاشتراك في الفضيلة ويلتئم ذلك بالاشتراك في الآراء والأفعال (…) فإذا اتفقت آراء أهل المدينة في هذه الأشياء ثم كمل ذلك بالأفعال التي ينال بها السعادة بعضهم مع بعض يتبع ذلك محبة بعضهم لبعض بالضرورة”[85]. الغاية، إذن، من العلم المدني هو تحصيل السعادة، بيد أن ذلك يقتضي تحصيل المحبة، وهذا لا يتأتى إلا بتوحيد الآراء، أو إن شئنا الدقة أكثر؛ بالخروج من تشتت الآراء إلى وحدة الحقيقة والنظام والعقل. لذلك يشدد الفارابي على عدم حاجة المدن الجاهلة إلى العلم المدني، ” لأن الذين رئاستهم جاهلية لا ينبغي أن يسموا ملوكاً أصلاً، وأنهم لا يحتاجون في شيء من أحوالهم وأعمالهم وتدابيرهم إلى الفلسفة، لا النظرية ولا العملية”[86]. وعلى ضوء هذا التصور يمكن أن نفهم موقفه من الملة والمعارف التي تدور عليها، كالفقه والكلام اللذيْن، ولئن كانا يساحلان العلم المدني من جهة الموضوع، فإنهما ينفصلان عنه من حيث الغرض والطريقة والمبادئ الأولى. يرى الفارابي أن “الفقيه يأخذ الآراء والأفعال التي صرح بها واضع الملة مسلمةً ويجعلها أصولاً يستنبط عنها الأشياء اللازمة عنها. والمتكلم ينصر الأشياء التي يستعملها الفقيه أصولاً من غير أن يستنبط عنها أشياء أخرى. فإذا اتفق أن يكون للإنسان منا قدرة على الأمريْن جميعاً فهو فقيه ومتكلم، فتكون نصرته لها بما هو متكلم، واستنباطه عنها بما هو فقيه”[87]. سيكون علينا أن نلاحظ أن ما يهم الفارابي هو التنبيه، الضمني، إلى أن الفقيه والمتكلم لا يدركان مبادئ الموجودات بالعقل النظري بقدر ما يتلقفانها مسلمة من واضع الملة، ولما كانت الفلسفة مثالاً لما في الملة، كان من الطبيعي أن ينجم عن صناعة الفقه والكلام تعدد الآراء والمذاهب[88]. بذلك تكون الفلسفة وسيلة للخروج من فوضى التعدد والصراع إلى رحاب الوحدة والعقل، ولعلنا في غُنْيةٍ عن التذكير بأن ما يثوي خلف هذا الموقف من الفلسفة والفقه والكلام من وعي شقي بالصراعات المذهبية التي عاش فيلسوفنا في كنف تجلياتها المأساوية. لنسجل، في أعقاب هذه المعطيات، أن لجوء الفارابي إلى المماثلة بين نظام الكون والمدينة لم يكن، فقط، بسبب انتمائه إلى باراديغم العصور الوسطى المثخن في إيمانه بالكون المتناغم، بل إن شرطه السياسي كان له سهمه الكبير في بلورة موقفه ذاك؛ إذ لم ير في أزمته السياسية إلا جنوحاً عن النظام والعقل، فطفق ينقب في التراث الفلسفي عما ينقذ به المدينة ويعيدها إلى مقام النظام، وليس العدل، في نهاية المطاف، إلا العنوان الكبير لمحاولته تلك.

2- كثيرة هي المناسبات التي تناول فيها الفارابي مفهوم العدل. والملاحظ عليه تشديده على إظهار صلة هذا المفهوم بالمدينة وتدبيرها، الأمر الذي يوحي بأن الرجل قدم فهماً “سياسياً” للعدل رغم الهالة الميتافيزيقية التي أضفاها على مفاهيم فلسفته السياسية. يتضمن كتابه العمدة، آراء أهل المدينة الفاضلة، فصلاً أفرده لمفهوم العدل، حيث تناول فيه بعضاً من المعاني التي يقال بها المفهوم ذاك، انطلاقاً من توصيف لتطور الاجتماع البشري وأيلولته إلى وضع من الصراع والاحتراب يغدو معه التفكير في العدل مسألة ضرورية للخروج منه. يقول الفارابي: فما في الطبع هو العدل. فالعدل إذن التغالب، والعدل هو أن يقهر ما اتفق منها”[89]. لسنا بحاجة إلى التذكير بأن هذا الموقف هو عينه موقف السوفساطئيين على النحو الذي قدمته محاولة جورجياس، والذي بمقتضاه يكون العدل تعبيراً عن نظام القوة والتدافع الناجميْن عن جدلية الاجتماع السياسي وانقسامه إلى أطراف متصارعة، تحكمها الرغبة في القهر والغلبة. لذلك يتماهى العدل، وفق ها المنظور، مع المنفعة، وهذا ما عبر عنه الفارابي بقوله إن “ما هو الأنفع للقاهر هو أيضاً العدل، فهذه كلها هو العدل الطبيعي، وهي الفضيلة”[90]. قد يوحي هذا الكلام بأن فيلسوفنا يتبنى هذا الموقف المنفعي للعدل، وهذا ما انتهى إليه بعض الدارسين عندما اعتقدوا أنه يصدر عن تصور صراعي للعدل تحكمُه القوة والمنفعة[91]. غير أن تدقيق النظر في سياقات حديثه عن هذا المفهوم يكشف أن حديثه ذاك لم يكن أكثر من عرضٍ لموقفٍ سيأْتي هو نفسُه على نقده عند وصفه لمدينة التغلب، التي يدرجها ضمن المدن الجاهلة بحسبانها خصماً من خصوم مدينته الفاضلة[92]. وبصرف النظر عن علاقة المدينة الفاضلة بخصومها، فإن الثابت في نهاية المطاف أن العدل الطبيعي ليس مقوماً من مقومات المدينة الفاضلة عند الفارابي، طالما أنه يهبط بالاجتماع البشري إلى مستواه البدئي، ويحول بينه وبين بلوغ مراتب الكمال والسعادة والفضيلة، إذ هو علامة من علامات اندحار المحبة وأيلولة صلة المواطنين إلى قهرٍ وتغالب، في حين أن المدينة “لا تتماسك وتبقى محفوظة إلا بالعدل”[93].

ما الذي يعنيه العدل إذا لم يكن هو التغالب إذن؟ وهل يمكن أن يفلت، تماماً، من قبضة التغلب والقهر والضرورة الطبيعية؟

يقول أبو نصر؛ “العدل، أولاً، يكون في قسمة الخيرات التي لأهل المدينة على جميعهم. ثم من بعد ذلك في حفظ ما قسم عليهم. وتلك الخيرات هي السلامة والأموال والكرامة والمراتب وسائر الخيرات التي يمكن أن يشتركوا فيها، فإن لكل واحد من أهل المدينة قسطاً من هذه الخيرات مساوياً لاستئهاله”[94]. يطرح هذا التعريف أكثر من صعوبة على مستوى ماهية العدل عند الفارابي، هل يتعلق الأمر عنده بمساواة أم باستئهال أم بقسط وإنصاف؟ وهل يتعلق الأمر بعدالةٍ على مستوى توزيع الخيرات التي أقر الفارابي بأن لكل واحد نصيب منها؟ وما طبيعة الخير الذي يتحدث عنه هنا؟ وبأي معنى يمكن الجمع بين مبدأي المساواة والاستحقاق؟ ليست غايتنا من طرح هذه الأسئلة إحراج الفارابي بأسئلة لا تنتمي إلى الحقل التاريخي الذي تفتق فيه وعيه، وإنما تنبيه القارئ إلى ضرورة التخلي عن الفهم المعاصر للعدل ومراتبه على نحو ما حددتها فلسفة العدالة الحديثة والمعاصرة، لأن الأمر عند الفارابي يُفهم على ضوء التصور الكلاسيكي لمفاهيم من قبيل المساواة والاستئهال والخير. فالاستئهال خاضع عنده لتراتبية المدينة ولمعيارها؛ وكما أن الاختلاف بين الأمم راجع إلى أمور طبيعية (الخلق والشيم) وأخرى وضعية (اللسان)[95]، فإن الاختلاف بين ملكاتهم العاقلة ليس أمراً إرادياً، وإنما هو هبة من هبات العقل الفعال لأنه هو واهب المعقولات الأُول[96]، وهو ما يبرر الطابع الاستثنائي للرئيس. حينها يكون العدل مراعاة لهذه التراتبية، كما يكون “نقصه عن ذلك وزيادته عليه جور. أما نقصه فجور عليه، وأما زيادته فجور على أهل المدينة”[97]. ليس الجور، هنا، مقابلاً ماهوياً للعدل في حد ذاته[98]، وإنما هو نتيجة للإخلال بنظام المدينة وما يترتب عليه من شرور تستلزم العقاب[99]، والفارابي يؤكد أن عدم الإقدام على الجور يكون بسبب “الخوف والضعف وعند الضرورة الواردة من الخارج”[100].

لنسجل، في ضوء ما تقدم من تحليل، أن العدل عند الفارابي جزء من نسق المدينة الفاضلة، ومقياس من مقاييس درجة فضيلتها، لكنه ليس المقياس الأول، ولا الوحيد. نلاحظ أنه لم يرتفع بالمفهوم ذاك إلى مستوى القيمة المستقلة بذاتها والموجهة للاجتماع السياسي، طالما أنه كان، بالنسبة إليه، خطوة في طريق تحصيل السعادة التي تبقى الغاية القصوى من الاجتماع الفاضل. لذلك يشعر القارئ أن الفارابي يربط العدل بالقهر وبالتغالب كلما أتى على بيان مراتبه، فالعدل يبقى “طبيعياً” بالضرورة، لذلك كان بحاجة إلى قيمة أخرى تتجاوزه؛ المحبة التي تلحم آراء أهل المدينة وتعبد الطريق أمامهم نحو السعادة. هل كان العدل، في فلسفة الفارابي، ضحية لهثه وراء المحبة والسعادة والفضيلة؟ لا ندعي تقديم جواب حاسم عن هذا السؤال، لكن نكتفي بالإشارة إلى أن الفارابي سيج العدل بالاستئهال وحفظ التراتبية الصارمة، فاعتبر أي خروج عنها جوراً، فكان من الطبيعي أن يعول على المحبة لترسيخ تلك التراتبية وتسويغها في النفوس. لكن، هل يمكن التفكير في العدل من دون فهم علاقته بالجور؟ ألم يكن من الممكن أن يفكر الفارابي في العدل من داخل مقولة مدن التغلب حتى يضعه في سياقه الواقعي، وحتى ينتبه إلى أن واقع التغلب (واقع الملك على حد تعبير الفقهاء والكتاب) لا يرتفع بمجرد الرهان على المحبة، فإلى أن تتحقق السعادة وتعم المحبة، يبقى العدل هو التغلب؛ وإلى أن تتحقق المدينة الفاضلة، تبقى المدن الجاهلة، والفاسقة، والضالة، إلخ، هي الموجودة.

3- للفارابي وفلسفته مكانتهما الاستثنائية عند الدارسين والمفكرين العرب المعاصرين. ليس مرد ذلك إلى هوس هؤلاء بتاريخ الفلسفة الإسلامية ورغبتهم في اكتشاف مخزونها الفكري فقط، بل لما توسموه في فلسفته تلك من كبير فائدة في فهم مسار تشكل العقل العربي/الإسلامي، ما تعلق منه بحيزه النظري كما بحيزه العملي، الأخلاقي والسياسي. وعندما نتأمل صورة الفارابي عند المفكرين والفلاسفة العرب المعاصرين، نلحظ أن قلةً قليلةً منهم هي التي توقفت، بكثير من النقد، عند تصوره لمفهوم العدل. يبقى الفيلسوف ناصيف نصار أبرز هؤلاء، إذ اتسمت قراءته لمفهوم العدل عند صاحب كتاب الحروف بطابعها النقدي الذي أسعفه بخلخلة رؤية الفارابي لمفهوم العدل، ومن خلاله للتصور الفلسفي التراثي الحاكم لرؤيتنا لهذا المفهوم، وذلك من أجل التأسيس لفهم جديد للعدل، ينتهل من مكتسبات الفلسفة السياسية والأخلاقية الحديثة والمعاصرة، ويتبلور في ظل علاقة العدل بمسألة السلطة التي شغلت بال نصار كثيراً[101]، وحملته على تقديم نظريته في السلطة التي اعتبرها أساس كل تحديث سياسي ممكن في العالم العربي[102].

وإذا كان العدل عند الفارابي قائماً على فكرة تماثلِ تدبير المدينة مع تناغم الكوسموس، فإن نصار لاحظ ما تتضمنه هذه الفكرة من تسليم بمكانة التغلب والقهر وترسيخٍ لمنطق القوة في تدبير المدينة[103]، لذلك كان عليه أن يعيد النظر في تصور الفارابي لمفهوم العدل بحكم التناقض الحاصل بين تصورهما له؛ إذ يستوي العدل عند نصار على مقتضى الحق من حيث هو معطى بدئي وطبيعي في الإنسان[104]، لذلك كان، من حيث هو قيمة، في حاجة إلى ذاتية تحتضنه وتقعد له[105]، وهذا ما يُفسر جذرية نقده للعدل عند الفارابي، لاسيما ما تعلق بحديثه عن التماهي، شبه المطلق، بين التغلب والعدل. يقول نصار؛ “فما هو المبرر للقول بأن القانون الذي يحكم العلاقات بين الموجودات الطبيعية ينبغي أن يحكم العلاقات بين الناس؟ وتالياً، لماذا ينبغي أن يكون العدل الإنساني صورة عن العدل الكوني؟ (…) إن الفارق الكياني بين الإنسان وسائر الموجودات الطبيعية يحتم على فلسفة العدل أن تفرق بين العدل بين بني الإنسان والعدل بين سائر الموجودات الطبيعية”[106]. بصرف النظر عن اختزاله عدلَ الفارابي في المعنى الأول الذي يٌقال به المفهوم عند هذا الفيلسوف، فإن ما يعنينا هو تركيز نصار على الاقتران بين العدل والتغالب، حيث يكون “العدل هو التغالب، والتغالب هو العدل، وما عداه مما يسمى عدلاً ليس سوى اتفاق ناتج عن الخوف أو عن الضعف، ولا يدوم إلا بدوام الخوف أو الضعف”[107]. يدرك نصار أن الفارابي ما تناول العدل من هذه الجهة إلا رغبة منه في نقد مقولة التغلب، وبيانِ مفعولها السلبي على مستوى تدبير المدينة وتوحيد آرائها. غير أنه يدرك، بالقدر نفسه، أن نقدها لا يتحصل من طريق صهر مفهوم العدل في النظام الكوني وترتيبه، طالما أن الشأن الإنساني ليس متماثلاً ولا متطابقاً مع الكون ونظامه الطبيعي. لذلك يرى نصار أنه “ينبغي فصل قضية العدل بين بني الإنسان عن قضية العدل بين تلك الموجودات”[108]، وهذا ما يفترض تخليص العدل من شوائبه الميتافيزيقية التي ظلتْ تحكمُ المنظور التراثي له، سواء منها تلك التي تقتضي مراعاة التوازن بين مكونات النفس ومستوياتها، أو تلك التي تسقط التوازن ذاك على المدينة ومكوناتها. لا يعني هذا، مطلقاً، أن نصار يفصل العدل عن أي ترتيب اجتماعي ممكن، وهو الذي اعتقد أن العدل ” ترتيبٌ اجتماعيٌ تاريخي، يعترفُ لكل ذي حقٍ واستحقاقٍ بحقه واستحقاقه، ويتيحُ له أن يتمتع به، وأن يقوم بالواجب المصاحب له، تحت شروط معينة”[109]، غير أن هناك فرقاً بين أن نقول إن العدل ترتيب اجتماعي قائم على الحق والاستحقاق، وأن ننظر إليه باعتباره انعكاساً لتراتبية كونية سابقة للإنسان ولشرطه السياسي. إن الترتيب الذي تناول الفارابي في ظله مفهوم العدل سابق للشرط السياسي للإنسان لأنه يصدر عن مسلمة تناغم المدينة والكون، وبالنسبة إلى نصار يمكن اعتبار ترتيب كهذا ترتيباً ظالماً، لأنه لا يقوم على معيار الحقوق الطبيعية والاجتماعية التي يملكها الناس[110]، “فكل إنسان يولد حاملاً معه منظومة من الحقوق التي لا دخل لأي سلطة بشرية في تكوينها، من الحق في الحياة وأسبابها إلى آخر ما يمكن استنباطه أو استكشافه تأسيساً على هذا الحق. وكل ترتيب اجتماعي لا يقوم على احترام هذه الحقوق يخرج عن نطاق العدل”[111].

يُمكن أن نفهم من هذا القول أن نصار يرفض النظر إلى العدل والسلطة من خلال مقولة القوة والتغلب، وهو ما يقوده، حتماً، إلى تبني منظور حقوقي تغدو فيه السلطة حقاً في الأمر[112]. والعدل، وفق هذا المنظور، مسألةُ تموقعٍ داخل التراتب الاجتماعي أولاً، واستحقاقٍ لهذا الحق ثانياً، لذلك فهو ينأى بنفسه عن كل المقاربات المتعالية لمفهوم الحق، لاسيما منها تلك التي تنظر إليه باعتباره معطى إلهياً أو كونياً[113]. وتجدر الإشارة، هنا، إلى أن دفاع نصار عن المنظور الحقوقي من خلال إقراره بأن الإنسان يولد وهو حامل لحقوق بدئية لا يعني تسليمه بفكرة القوة كمعيار للحقوق الإنسانية؛ إذ يميز بين القوة والتغالب، ويرى أن فلسفة التغالب موجهة نحو السلب بالضرورة، وهو ما يجعلها تقيم الحق على القوة، في حين يمكن أن ننتبه إلى أن القوة ليست إلا وسيلة للتغالب، ووجودها لا ينفي وجود الحق، “فإذا كان الحق موجوداً بين الناس، فإن وجوده لا يتوقف أصلاً على القوة، ولا على الخوف والعنف، اللذيْن يندرجان ضمن علاقات القوة، بل يتوقف على الخصائص والمقومات الماهوية للكائن البشري”[114]. هكذا يغدو الوجود البشري منبع الحق، ويكون العدل مراعاة لهذا الأخير. من هنا استدعاء الفيلسوف العربي مفهوم الانصاف والاستحقاق باعتبارهما أساس العدل[115]، مع الدفع به لأن يصير مقوماً ذاتياً من مقومات السلطة عند نصار.

لا يساورنا شك في أن نقد ناصيف نصار للفارابي كان مرحلة من مراحل تفكيكه للاستبداد المتحدر إلينا من التراث، ومحاولة لتجفيف منابعه التبريرية التي مازال ينتهل منها كثيراً من مبررات وجوده، ونصار، بعمله هذا، يُسهم في هذا الجهد النقدي الذي بذلته جمهرة من الفلاسفة العرب في مواجهة الاستبداد. غير أن الادعاء بإمكانية استلال مفهوم العدل من مقدماته الميتافيزيقية يبقى أمراً يحتاج إلى توضيح؛ إذ من الصعب القول إن مفهوم العدل، بمعناه السياسي المعاصر، عديم الصلة بالتصور المعاصر للذات الإنسانية وشروطها الوجودية، ويبدو لي أن نصار نفسه انتبه إلى هذه المسألة فطفق يبحث في الأسس الميتافيزيقية للعدل عندما ربطه بمسألة الذات والحضور[116].

قد يبدو للبعض أن الاحتفال بالمقاربة الفلسفية للعدل لا يفيد كثيراً في ربح تلك المواجهة، طالما أنها كانت هامشية ولم تضارع قوة الخطابين السلطاني والفقهي من حيث حضورها في المجال السياسي الإسلامي[117]، غير أن ذلك لا ينفي حاجتنا إلى فهمها قصد إدراك ما حال دون اكتساح العقل الفلسفي للسياسة ومجالها، ودون بلورة فهم فلسفي واقعي للعدل ومفارقاته.

خاتمة

هل يمكن الاستناد إلى التصورات التراثية للعدل في بناء نظرية سياسية من شأنها أن تستجيب لتطلعات الاجتماع السياسي العربي؟ وما المنظور الفكري (الفلسفي) الذي يمكن أن نصدر عنه في تحصيل هذه الغاية؟

يُمكن للقارئ أن يلاحظ أن مقاربتنا لتصورات العدل في التراث الإسلامي مرتْ بمرحلتين متعاقبتين؛ إظهار مكانة كل واحد منها أولاً، ثم الكشف عن حدوده التاريخية والنظرية ثانياً، مع التشديد على قوة حضور هذا التراث في ثنايا فكرنا السياسي الحديث والمعاصر، درء لكل نزعة عدمية لا ترى فيه إلا ماضياً ميتاً من السهل طي صفحته حتى من دون الاطلاع عليه ودراسته دراسة تاريخية. ولعلنا لا نبالغ إذ نقول إن حضور هذا الموقف عند كثيرٍ من الباحثين العرب يبقى عائقاً معرفياً يحول دون فهم أثر ذلك التراث في توجيه تلقي مفاهيم الفكر السياسي الغربي الحديث والمعاصر، وبالتالي في نحت تصورنا لمفهوم العدل، بما ينجم عنه من تشويش على تمثلنا للسياسة ومجالها. لذلك يبقى التبرم من هذا الموقف العدمي أول خطوة في طريق فهم قيمة التراث السياسي الإسلامي وطبيعة حضوره وتوظيفه في الراهن العربي، دون أن يعني ذلك السقوط في نزعة تبجيلية للتراث لا تلحظُ حدوده التاريخية والمفاهيمية، وتكرس وعياً غير تاريخي بعلاقتنا بالماضي والحاضر. إن تفهم التراث السياسي يعني الانفتاح عليه والإفادة منه من خلال وصله بأسئلة الراهن من جهة، وبمكتسبات الفكر الكوني في مجال السياسة من جهة أخرى، وهذا يقتضي الاعتراف، أولاً، بما يتضمنه ذلك التراث من جهد تنظيري جبَه به وضعه السياسي، وحاول أن يُقَدم من خلاله فهماً معقولاً للسياسة ومعضلاتها.

من يدقق النظر في ما يؤلف عن مفهوم العدالة في العالم العربي، يلاحظ أن الحيز الأكبر منه قد خُصص لشرح نظريات العدالة الغربية الحديثة، وذلك تحت تأثير كتاب جون رولز نظرية العدالة، وما أثاره من نقاش في الأوساط الفكرية والسياسية الغربية، وهذا عملٌ ضروريٌ بحكم الحاجة القائمة إلى الاطلاع على مكتسبات الفكر السياسي المعاصر في مجال العدالة، والإفادة من الأسئلة التي بلورها في مقاربته لهذا الموضوع. بيد أن ذلك وحده لا يكفي، في نظري، لبناء نظريةٍ في السياسة والعدالة في الفكر العربي، طالما أن المرجعية التراثية ما تزالُ حاضرةً تُلقي بظلالها عليه، بل ويتم استدعاؤها، في كثيرٍ من الأحيان، لتبرير وضع الاستبداد وتسويغه. ما الذي يعنيه تفكيك الأسس النظرية للاستبداد في هذه الحالة؟ يعني، بدايةً، خلخلة التصورات التي أسس نفسه عليها وأولها وفق أغراضه ومقاصده الاستبدادية، وهذا ما يتأتى من طريق إعادة اكتشاف هذا التراث وقراءته قراءةً جديدة من شأنها أن تخرجه من أفق التأويل الاستبدادي، بما يقتضيه ذلك من بيان لسياقاته التاريخية ومراميه السياسية والمعيارية التي أينعت في تربتها المفاهيم السياسية التراثية، وهو أمرٌ حاولتُ توضيحه من خلال إعادة قراءة تصورات التراث لفكرة العدل، وتسليط الضوء على مقاصده السياسية والأخلاقية التي تتجاوز، كثيراً، حدود تبرير الاستبداد.

بيد أنَّ هذا الضرب من القراءة يقتضي، ثانياً، وعياً دقيقا بالراهن والأسئلة الكبرى التي بات وضعُنا في العالم يطرحها على اجتماعنا السياسي، خاصةً على ضوء المرجعيات السياسية والأخلاقية التي تضفي على نفسها صفة الكونية في هذا المجال؛ فتفكيرنا في العدل لا يمكنه أن يتم بمعزل عن علاقته بفكرة الديمقراطية، والحرية، والحق في الاختلاف، وحقوق الإنسان، إلخ، وهي التي تمثل مطلباً نقرأ في أفقه التراث السياسي الإسلامي، فنطرح عليه (التراث) أسئلة غير نابعة منه، لكنها ضرورية للزج به في معمعة الراهن وفهم تطلعاته. واضحٌ أننا نُدافع عن رؤية ‘‘تثاقفية’’ في مقاربتنا للتراث السياسي الإسلامي، بعيدا عن كل تشرنق على الذات والتراث، وبعيدا، أيضا، عن أي رفض عدمي له، انطلاقاً من الاعتقاد بأن الإفادة من التراث، كما من الثقافة السياسية المعاصرة، يبقى أمراً مُمكنا في بناء نظرية في السياسة في الفكر العربي المعاصر.

المراجع:

[1] – أستاذ الفلسفة السياسية بجامعة الحسن الثاني، الدار البيضاء- المغرب.

[2]– يقتضي التصور الطبيعي للحكم النظر إلى السياسة كنتيجة للطبيعة الإنسانية المحكومة بالرغبة في حفظ البقاء، بما ينجم عنه من صراع وتغلب بين أفراد المجتمع، تتبدى معه الحاجة إلى تأسيس سلطة تنهض بوقف الصراع والتغالب وضمان الأمن، على نحو ما نجده عند هوبس.

[3]– المقصود بها حالة الصراعات والحروب الدامية التي عاشها المسلمون بعد مقتل الخليفة الراشدي الثالث عثمان بن عفان، والصراع الذي دار على السلطة بين الصحابة، بداء بوقعة الجمل التي دارت الحرب فيها بين علي بن أبي طالب من جهة، وعائشة وطلحة والزبير من جهة ثانية، ووقعة صفين التي دارت بين جيش علي وجيش معاوية بن أبي سفيان، ثم معركة علي مع الخوارج الذين انسحبوا من جيشه بسبب رفضهم موقفه من التحكيم في حربه مع معاوية، وصولا إلى عام الجماعة (41 هـ) الذي تنازل فيه الحسين بن علي عن الحكم لمعاوية بن أبي سفيان.

[4]– حديث الماوردي عن تأسيس الملك على الدين خير نموذج لذلك، أنظر؛ الماوردي، نصيحة الملوك، تحقيق الشيخ خضر محمد خضر، القاهرة؛ مكتبة الفلاح، 1983، ص. 67.

[5]– Abbés, A. (2009) ; Islam et politique à l’âge classique, Paris, PUF, p. 47.

[6]– أنظر على سبيل المثال؛ كمال عبد اللطيف، في تشريح أصول الاستبداد، بيروت؛ دار الطليعة، 1999، ص. 201.

[7]– محمد عابد الجابري،العقل الأخلاقي العربي؛ دراسة تحليلية نقدية لنظم القيم في الثقافة العربية، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الرابعة، 2011، ص. 291.

[8]–  نقرأ في كتاب التاج ما يلي؛ “سعادة العامة في تبجيل الملوك وطاعتها، كما قال أردشير بن بابك؛ سعادة الرعية في طاعة الملوك، وسعادة الملوك في طاعة المالك”. أنظر؛ الجاحظ، كتاب التاج في أخلاق الملوك، القاهرة، دار الآفاق العربية، 2006، ص. 2.

[9]– عهد أردشير، تحقيق إحسان عباس، دار صادر، بيروت 1967. ص. 62.

[10]– الماوردي، نصيحة الملوك، م.م. ص. 67.

[11]– الماوردي، قوانين الوزارة وسياسة الملك، تحقيق رضوان السيد، بيروت؛ دار الطليعة، 1979، ص. 203.

[12]– ابن المقفع، رسالة الصحابة، بيروت؛ دار البحار، 2009، ص. 124.

[13]– “منتهى علم عالِمنا في هذا الزمان أن يأخذ من علمهم، وغاية إحسان محسننا أن يقتدي بسيرتهم، وأحسن ما يصيب من الحديث محدثنا أن ينظر في كتبهم فيكون كأنه إياهم يحاور ومنهم يسمع (..) فلم يبق في جليل من الأمر لقائل بعدهم مقال”. ابن المقفع، الأدب الكبير، ص. 60.

[14]– المصدر نفسه، ص. 141-142.

[15]– الجابري، العقل العربي الأخلاقي، ص. 157.

[16]– الغزالي، التبر المسبوك في نصيحة الملوك، بيروت؛ دار الكتب العلمية، 1988، ص. 46.

[17]– المصدر نفسه، ص. 77.

[18]– الماوردي، تسهيل النظر وتعجيل الظفر،  تحقيق رضوان السيد، بيروت؛ دار العلوم العربية للطباعة والنشر، 1987، ص. 173.

[19]– الفارابي، فصول منتزعة، تحقيق فوزي متري النجار، بيروت؛ دار المشرق، الطبعة الثانية، 1993، ص. 75.

[20]– عبد السلام بن عبد العالي، الفلسفة السياسية عند الفارابي، بيروت؛ دار الطليعة، الطبعة الرابعة، ص. 63.

[21]– مايكل كوك، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الفكر الإسلامي، ترجمة رضوان السيد، بيروت؛ الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2009، ص. 109

[22]– نبيل فازيو، المشروعية والتبرير، جدلية السياسي والديني وسؤال المشروعية في الفكر الفقهي السني، مجلة النهضة، الرباط؛ العدد السابع، 2014، ص. 67.

[23]– الثعالبي، آداب الملوك، بيروت؛ دار الغرب الإسلامي، 2006، ص. 31.

[24]– المصدر نفسه، ص. 89.

[25]– ابن المقفع؛ رسالة في الصحابة، ص. 141.

[26]– مسكويه، تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق، القاهرة، مكتبة الثقافة الدينية، [د،ت]، ص. 184.

[27]– ابن سينا، رسالة في السياسة، ضمن؛ السياسة الشرعية، مجموع رسائل، بيروت، دار الكتب العلمية، 2003. ص. 111.

[28]– “من أحسن سياسة نفسه وأهله، كان أهلا لسياسة الناس” الثعالبي، آداب الملوك، ص. 85.

[29]– “وليعلم الملك أن أربعة أخلاقٍ متقابلة ليس يعرى منها أو من أبدالها ملك، فإن استعملت في موضعها ووقف منها على حدودها خمدت، وإن استعملت في غير مواضعها أو خرجت عن حدودها إلى زيادة أو تقصير ذمت…” الماوردي، تسهيل النظر وتعجيل الظفر، ص. 173.

[30]– الثعالبي، آداب الملوك، ص. 213.

[31]– الماوردي، تسهيل النظر وتعجيل الظفر، ص. 176.

[32]– “أول ما أوصيك به في هذا الباب أن تأخذ نفسك بالاعتدال في جميع الأحوال، في مطعمك ومشربك وملبسك ومنكحك ونومك ويقظتك وتعبك وراحتك”؛ المرادي، كتاب السياسة في تدبير أو الإشارة في تدبير الإمارة، بيروت، دار الكتب العلمية، 2003. ص. 24.

[33]– علي أومليل، السلطة الثقافية والسلطة السياسية، مرجع سابق، ص. 65.

[34]– نقرأ للشيزري ما يلي؛ “لما اقتصرت الرعية في تدبيرها إلى تدبير الملك، وكان الأدب مجموع خلال حميدة، وخصال جميلة، افتقر إليها الملك ضرورة لتصدر عنه تصاريف التدبير في المملكة على قانون العدل الذي به دوام المملكة، فقد قيل؛ من حسنت سياسته، دامت رئاسته” الشيزري، النهج المسلوك في سياسة الملوك، بيروت، دار الكتب العلمية، 2003، ص. 80.

[35] – Abbés, M. Islam et politique à l’âge classique, op, cit. p. 65.

[36]– الطرطوشي، سراج الملوك، ص. 289.

[37]– الصفحة نفسها.

[38]– الثعالبي، آداب الملوك، ص. 216.

[39]– Dakhlia, J. (2005) L’empire des passions, l’arbitraire politique en Islam, Paris, Aubier, 2005, p. 16. Voir aussi ; Le divan des rois, Le politique et le religieux dans l’Islam, (1998) ; Paris, Aubier, p. 227.

[40]– الجابري، العقل الأخلاقي العربي، ص. 232.

[41]– عبد المجيد الصغير، المعرفة والسلطة في التجربة الإسلامية، قراءة في نشأة علم الأصول ومقاصد الشريعة، القاهرة؛ رؤية للتوزيع والنشر، 2010، ص. 95.

[42]– كمال عبد اللطيف، في تشريح أصول الاستبداد، مرجع سابق، ص. 201.

[43]– عز الدين العلام، الآداب السلطانية، دراسة في بنية وثوابت الخطاب السياسي، الكويت؛ سلسلة عالم المعرفة، العدد 324، فبراير 2006، ص. 140.

[44]– الصغير، المعرفة والسلطة في التجربة الإسلامية، مرجع سابق، ص. 87.

[45]– ابن الطقطقي، الفخري في الآداب السلطانية، بيروت؛ دار صادر، [د،ت]، ص. 141.

[46]– الماوردي، نصيحة الملوك، القاهرة؛ مكتبة الفلاح، 1983، ص. 70.

[47]– ابن خلدون، المقدمة، بيروت؛ دار الكتب العلمية، 1993، ص. 160.

[48]– الجويني، غياث الأمم في التياث الظلم، بيروت؛ دار الكتب العلمية، 2003، ص. 61.

[49]– علي أومليل، السلطة الثقافية والسلطة السياسية، بيروت؛ مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الثالثة، 2011، ص. 132.

[50]– فهمي جدعان، المحنة؛ بحث في جدلية الديني والسياسي في الإسلام، بيروت؛ المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الثانية 2000، ص. 414.

[51]– أنظر تفاصيل الصراع بين المعرفة والسلطة في التجربة الإسلامية في؛ عبد المجيد الصغير، المعرفة والسلطة في التجربة الإسلامية، قراءة في نشأة علم الأصول ومقاصد الشريعة، ص. 95.

[52]– Sheij Husain Al Fatah garcià, (2003) ; una exposicion del derecho Islamico, Historia del pensamiento y la doctrina juridica y teoria general de la ley Islamica, Bibliotéca Islamica Ahlo lbayt, p. 198.

[53]– Badie, B. (1997) ; Les deux Etats, Pouvoir et société en occident et en terre d’Islam, Paris, Seuil, p.42.

[54]– الفضل شلق، في التراث الاقتصادي الإسلامي، بيروت؛ دار الحداثة، 2009.

[55]– الماوردي، الأحكام السلطانية والولايات الدينية، بيروت؛ دار الكتب العلمية، [د، ت]، ص. 19.

[56]– أبو يعلى الفراء، الأحكام السلطانية، بيروت؛ دار الكتب العلمية، 2000، ص. 20.

[57]– الماوردي، الأحكام السلطانية، ص. 21.

[58]– أبو المعالي الجويني، غياث الأمم في التياث الظلم، بيروت؛ دار الكتب العلمية، 2003، ص. 48.

[59]– ابن تيمية، السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، بيروت؛ دار الكتب العلمية، 2005، ص. 75.

[60]– أبو بعلى الفراء، الأحكام السلطانية، ص. 54.

[61]– الماوردي، الأحكام السلطانية، ص. 73.

[62]– Lewis, B. « Le langage politique de l’Islam », in, Islam, Paris, Gallimard, p. 792.

[63]– الماوردي، تسهيل النظر وتعجيل الظفر، تحقيق رضوان السيد، بيروت؛ المركز الإسلامي للبحوث، 1987، ص. 202.

[64]– المصدر نفسه، ص. 211.

[65]– الماوردي، أدب الدنيا والدين، بيروت؛ دار الفكر، 2000، ص. 99.

[66]– الماوردي، تسهيل النظر وتعجيل الظفر، ص. 221.

[67]– المصدر نفسه، ص. 252.

[68]– المصدر نفسه، ص. 225.

[69]– الصفحة نفسها.

[70]– المصدر نفسه، ص. 228.

[71]– الصفحة نفسها.

[72]– الغزالي، التبر المسبوك في نصيحة الملوك، ص. 46.

[73]– ابن القيم الجوزية، الطرق الحُكمية في السياسة الشرعية، بيروت؛ دار الكتب العلمية، 1995، ص. 13.

[74]– عبد العال أحمد عطوة، المدخل إلى السياسة الشرعية، القاهرة؛ دار السلام، 2014، ص. 100.

[75]– محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي؛ محدداته وتجلياته، بيروت؛ المركز الثقافي العربي، الطبعة السادسة، 2003، ص. 315.

[76]– عبد الله العروي، مفهوم الدولة، بيروت؛ المركز الثقافي العربي، الطبعة السابعة، 2001، ص. 105.

[77]– يمكن الرجوع، في هذا الشأن، إلى كتاب؛ مجيد خدوري، مفهوم العدل في الإسلام، دمشق، دار الحصاد، 1998.

[78]– Mehdi, M. (2000) ; la fondation de la philosophie politique en Islam, Paris, Flammarion, p. 17.

[79]– الفارابي، كتاب السياسة المدنية (الملقب بمبادئ الموجودات)، تحقيق فوزي متري نجار، بيروت؛ دار المشرق، 1994، ص. 32.

[80]– الفارابي، فصول منتزعة، بيروت؛ دار المشرق، 1993، ص. 46.

[81]– عبد السلام بن عبد العالي، الفلسفة السياسية عند الفارابي، بيروت؛ دار الطليعة، الطبعة الرابعة، 1997، ص. 82.

[82]– الفارابي، السياسة المدنية، ص. 70.

[83]– الفارابي، فصول منتزعة، ص. 75.

[84]– الفارابي، الرسائل، مطبوعات دائرة المعارف العثمانية، الهند، 1962، ص. 16.

[85]– الفارابي، فصول منتزعة، ص. 71.

[86]– الفارابي، كتاب الملة (ونصوص أخرى)، تحقيق محسن مهدي، بيروت؛ دار المشرق، الطبعة الثالثة، 2001، ص.74.

[87]– المصدر نفسه، ص. 76.

[88]– أنظر نقد الفارابي للتوظيف السياسي للدين في الفصل السادس والثلاثين من كتاب آراء أهل المدينة الفاضلة تحت عنوان؛ القول في الخشوع.

[89]– الفارابي، آراء أهل المدينة الفاضلة، بيروت؛ دار المشرق، الطبعة الثامنة، 2003، ص.157.

[90]– المصدر نفسه، ص. 158.

[91]– هذا موقف ناصيف نصار من العدل عند الفارابي، أنظر ما سيأتي من حديث عن نصار.

[92]– الفارابي، آراء أهل المدينة الفاضلة، ص. 166

[93]– بنعبد العالي عبد السلام، الفلسفة السياسية عند الفارابي، ص. 83.

[94]– الفارابي، فصول منتزعة، ص. 71.

[95]– الفارابي، السياسة المدنية، ص. 71.

[96]– المصدر نفسه، ص. 32، 71.

[97]– الفارابي، فصول منتزعة، ص. 71.

[98]– كما هو الشأن عند الفيلسوف المعاصر أمارتيا صن مثلا، الذي يعرف العدل بأنه محاربة للجور.

[99]– الفارابي، فصول منتزعة، ص. 73.

[100]– الفارابي، آراء أهل المدينة الفاضلة، ص. 158.

[101]– ناصيف نصار، منطق السلطة؛ مدخل إلى فلسفة الأمر، بيروت؛ دار أمواج، الطبعة الثانية، 2001، ص. 11.

[102]– نبيل فازيو، الفلسفة في معترك العدل؛ قراءة في تصور ناصيف نصار لجدلية السلطة والعدل، مجلة المستقبل العربي، العدد 424، حزيران 2014. ص. 71

[103]– نصار، منطق السلطة، 244.

[104]– ناصيف نصار، الذات والحضور، بحث في مبادئ الوجود التاريخي، بيروت؛ دار الطليعة، 2008، ص. 376.

[105]– الصفحة نفسها.

[106]– نصار، منطق السلطة، ص. 244.

[107]– المصدر نفسه، ص. 243.

[108]– المصدر نفسه، ص. 244.

[109]– المصدر، ص. 237.

[110]– نصار ناصيف، منطق السلطة، ص. 238.

[111]– المصدر نفسه، ص. 239.

[112]– المصدر نفسه، ص. 7.

[113]– المصدر نفسه، ص. 236.

[114]– المصدر نفسه، ص. 246.

[115]– نصار ناصيف، الذات والحضور، ص. 389.

[116]– المصدر نفسه، ص. 376.

[117]– عبد الله العروي، مفهوم الدولة، ص. 102.

    اقرأ ايضا

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete