العدالة ومسار الإنصاف في التاريخ والفلسفة: التعدد الثقافي أو إعادة الحقوق الرمزية

 تكوين

نظرية العدالة ومفهومها الفلسفي تخضع لمسائلات عديدة، وفق مقارباتها المختلفة، وكذا سياقاتها التاريخية والشروط المختلفة التي تحكمت في الاتجاهات النظرية للفلاسفة. فمفهوم العدالة لدى أفلاطون يختلف في طرحه عن السفسطائيين والجدالات بينهما، والأمر ذاته نجده لدى الفلاسفة المعاصرين وتبايناتهم مثل جون راولز وجان جاك روسو أو ستيوارت مل في مقابل كانط وهيغل وماركس. ويمكن القول إن روسو المولود بجنيف عام 1712، ينتمي إلى لحظة القطيعة مع أشكال الحكم في أوروبا القروسطية، وفقدان الثقة بها. وكما أي مرحلة انتقالية، يظل البحث عن “عقد اجتماعي“، بما يتضمنه من أسئلة حول العدالة والحقوق والقانون، أمراً ضرورياً وملحاً. فالمفاهيم في تصوراتها أو طرحها التجريدي أو من الناحية الفنية والإجرائية، تكون في نطاق الجذب والتأثير للبحث عن المساواة، العدالة، الحرية، المواطنة، الاستقلال، التعددية الثقافية، وتحسين الأوضاع القائمة بين الأفراد وبعضهم، كما بين الأفراد والدولة.

وقد تعددت المداخل النظرية لمفهوم العدالة، حيث إنها تتخطى كونها مطلباً قانونياً أو سياسياً، بل هي نواة تأسيسية، اجتماعية، وأخلاقية، واقتصادية، وقانونية، بينما تحقق وظيفة أساسية داخل البنية المجتمعية. بالتالي، تشكل العدالة مطلباً إنسانياً بمعناه الشمولي والكلي، ومركزيته في الفلسفة تعني مركزية في التاريخ والعلوم الإنسانية المنشغلة بحقوق الأفراد، وعدم الإخلال بالتوازن المجتمعي أو الدولة. عنى فلاسفة عصر التنوير بالعدالة بوصفها الفضيلة الأولى للدولة وغايتها النهائية. فمن دون العدالة لا يتوافر للحق أي ضمانه، حيث إنها الإطار المعياري للحكم على ليس فقط إدارة شؤون الحكم وعمل المؤسسات إنما كذلك طبيعة العلاقات بين الأفراد داخل المجتمع، ومن ثم، عد روسو العدالة أسبق من القوانين، بل هي كما قال في “العقد الاجتماعي” المسؤولة عن حماية القوانين. أما كانط الذي انتقد المفهوم النفعي للعدالة عند ستيوارت مل العدالة، فقد جعل الحق أسبق على العدالة، وقال إن العدالة هي ضمان الحرية على أساس المساواة من دون التعدي على حرية جماعة مقابل جماعة أخرى، أو تسيًّد فئة مقابل أخرى. في حين انتقل هيغل إلى مستوى آخر بوصف العدالة شكلاً من أشكال الوعي بالذات الذي يحقق التجانس المجتمعي، ويجعل الوحدة بين الأفراد ممكنة.

إذاً، شكلت العدالة موضوعاً رئيسياً في الفلسفة السياسية والأخلاقية، وتباينت أبعاده بين ما هو اجتماعي، اقتصادي، أخلاقي. فعدالة توزيع الثروة/ الموارد، هي ذاتها ضمان حقوق الأفراد وحرية الآخرين كما المواطنة والتعددية الثقافية، وهي مطالب تشتق معانيها المتجددة وتصوراتها عبر العصور. لطالما كانت العدالة هي الهدف الأسمى من الاجتماع البشري، لإنهاء العلاقات غير متكافئة. وبالتالي، ثمة ارتباط العدالة بمفاهيم مختلفة حول السلطة والسيادة، وتلامس إطار الدولة، الأمر الذي يمكن أن نعتبره قاسماً مشتركاً في تاريخ المفهوم فلسفياً من أفلاطون وحتى فلاسفة الحداثة. فالعدالة تتحقق في إطار الجسم السياسي كما القانوني والتشريعي وداخل إطار الدولة وليس خارجاً عليها.

وكما يقول توماس هوبز، فالعدالة غير ممكنة بل تقتضي وجود القوانين الملزمة، أي “القوانين التي تجعل الأفراد ملتزمين بطاعتها“، بحسب ما ذكر في كتابه: “اللفياثان”، وارتباطها بنظرية العقاب. فالعدالة توفر إطار حاكم وضوابط للإنصاف وإعطاء الأفراد ما يستحقونه من “مكافآت، ثروة، وظائف”، أو العقوبات لصنع الألم في حال تهديد المجتمع على مستوى أفراده أو الدولة ومؤسساتها. ويخلص إلى أن العدالة تقتضي وجود القانون الذي تتعين من خلاله دلالات العدل ونقيضه الظلم. وعلى هذا، يضع الدولة/ الحاكم، باعتباره ممثلاً أعلى لتحقيق العدالة والعقاب بناء على تصوراته للطبيعة البشرية، انفعالاتها، ميولها، دوافعها، تباين درجاتها العقلية ومستواها الثقافي والحضاري، حتى أنه طرح تخفيف الأحكام في الجرائم بحسب مراجعة هذا السجل الكرونولجي للشخص وما إذا كانت جريمته الطارئة لها دوافع أو بالمعنى القانوني “انعقاد النية” والتفكير المسبق فيها (1).

وبعبارة أخرى، فالدولة عند هوبز مسؤولة عن تحقيق السلم الاجتماعي وحماية حقوق الأفراد. لكن، في المقابل، يتعين على هذه السلطة أن توفر شروط الطاعة من خلال تحقيق العدالة. والانتقال من حالة الطبيعة، الفوضوية والعشوائية، إلى الحالة المدنية وقوانينها والالتزام بمؤسسات الدولة وتشريعاتها. والدولة العادلة تضمن العدالة التوزيعية للأفراد وتمتعهم بالحقوق الأساسية.

إقرأ أيضًا: العدالة في الإسلام أو ما بعد مجتمع الصحابة المتخيل!

انطلاقاً من هذا، تظل العدالة عند هوبز أداة للضبط الاجتماعي وليست قيمة مطلقة. فهي لا يمكن أن توجد خارج إطار الدولة. ففي حالة الطبيعة، حيث تسود الأهواء وتغيب القوانين الملزمة، لا وجود للعدالة. وبالتالي، تبرز فقط من خلال القانون المدني الذي يصدر عن سلطة عليا (الحاكم)، ومن دونه يغيب مبدأ الإكراه وبالتبعية يُفقد الضمان لتحقيق العدالة. في المقابل، يختلف جان جاك روسو تماماً مع سابقه؛ إذ يرى أن الإحساس بالعدالة والإنصاف ليس خارجاً عن الكيان الإنساني وطبيعته، كما أنه ليس بحاجة إلى وسائط أو حالات غير مجاله الخاص للاشتغال والتعيين. فحتى في غياب القوانين، وبخلاف هوبر، توجد في داخل الفرد نوازع لتحقيق العدالة والفضائل المرتبطة بها، غير أن المجتمع غير العادل هو الذي يعيق حدوث ذلك. ومن هنا، ينتقل روسو من فكرة تأسيس إرادة تحقق العدالة وتحويلها لنظام قانوني يضمن الحقوق والحرية وضبط المتمردين والمجرمين، إلى تدشين قيمة أخلاقية مرتبطة بعقد اجتماعي (مجتمع مساواتي) وانتهاء بمبدأ الإرادة العامة وليست القسرية (2).

ويقول روسو:

“وكنت أجتنب على الخصوص، كسيئة الإدارة بحكم الضرورة، جمهوريةً يعتقد الشعب فيها إمكان استغنائه عن حكامه أو عدم تركه لهم غير سلطة وقتية، فيحتفظ عن عدم تروٍّ بإدارة الأمور المدنية وتنفيذ قوانينه الخاصة، فهذا ما وجب أن كان عليه نظام الحكومات الأولى الغليظ فور خروجها من الحال الطبيعية، وهذا ما كانت عليه إحدى النقائص التي قضت على جمهورية أثينة. ولكنني كنت أختار مجتمعاً يكتفي الأفراد فيه بتأييد القوانين، وبتقريرهم أهم الشئون العامة ضمن هيئة وبناءً على طلب الرؤساء فينشئون محاكم محترمةً، ويميزون بين مختلف الدوائر بعناية، وينتخبون بين عامٍ وعام أقدر مواطنيهم وأنزههم لإدارة العدل والحكم في الدولة. كنت أختار مجتمعاً تكون فضيلة الحكام فيه شاهدةً على حكمة الشعب، فيوجب كل من الفريقين شرف الآخَر مقابلةً، فإذا ما ظهر في مثل هذه الحال من سوء التفاهم المشئوم ما يكدِّر الوفاق العام، فإن أدوار العماية والضلال نفسها تُوسِم بدلائل الاعتدال والتقدير المتبادل وباحترامٍ شامل القوانين، أيْ بعلاماتٍ وضامناتٍ لوفاقٍ صادق دائم”. (3)

كما أن هيغل اعتبر العدالة لا يمكن تقييدها في قوانين أو نظم شكلية، بل هي تعبير عن “الروح الموضوعية” التي تتجلى في الدولة. فالعدالة هي التوفيق بين الحرية الفردية والنظام الكلي الذي تمثله الدولة. لا توجد عدالة حقيقية خارج الإطار المؤسساتي، ولكن هذا الإطار ليس أداة قمع بل تحقيق للحرية الحقيقية. وبالتالي، العدالة هي سيرورة تاريخية وعقلانية تحقق التوازن بين الفرد والمجتمع، بين الخاص والعام. وهي ليست فقط التزاماً بالقانون، بل انسجاماً مع تطور “الروح” بالمعنى الديالكتيكي التي تسير نحو الحرية.

بالمحصلة، يتجاوز المفهوم مجرد كونه قوانين ملزمة وتشريعات قسرية نهائية تحقق الطاعة والضبط المجتمعي عبر الإنصاف والعقاب، بل تعبير عن وعي الإنسان لذاته كما للآخر والحرية. وهي مقاربة هيغلية تتضح أكثر عند كانط الذي جعل الحق يسبق العدالة، واعتباره مبدأ عقلياً أخلاقياً، وله مفهوم كوني، ينسجم مع الطبيعة الإنسانية والعقل، يساهم في تدشين مجتمع حر، عاقل وأخلاقي.

فالعدالة، إذاً، هي من المفاهيم الفلسفية التي كانت محايثة للفكر الإنساني، ويتخطى، في ظل الطروحات المختلفة، كل النطاقات الضيقة والمحدودة بقدر ما يسمح به التجريد بمعناه الفلسفي، حيث إن المفهوم يراكم حمولته من مختلف السياقات التاريخية وشروطها الاجتماعية والسياسية، الأمر الذي يجعل القضايا المرتبطة بمفهوم العدالة لها تأطيرها النظري المختلف في سياق آخر. ذلك ما يمكن رؤيته عملياً وتطبيقياً مع مسألة الفوارق الطبقية والعدالة الاجتماعية والتعددية الثقافية وحقوق الجماعات المهمشة، أو على سبيل المثال قضية الرق في أثينا نهاية القرن الرابع قبل الميلاد وعددهم نحو أربعمائة ألف مقابل مائة ألف حر، باعتبارها قضية يمكن القياس عليها المنظور الذي اشتبك معه فلاسفة مثل أفلاطون. فضلاً عن العلاقة بين الأفراد والنخبة التي تحوز الثروة والسلطة. فيكاد يختلف مفهوم العدالة الذي سعى لتحقيقه أفلاطون كما في “المحاورات” عن ما سعى إلى الوصول له فلاسفة معاصرون ممن تحدثوا عن العدالة التوزيعية في الموارد وفي الحقوق والحريات الأساسية، منهم روسو وماركس.

غير أن القضية قد لا تبدو بهذه التلقائية أو الأحكام النهائية التي تنطلق من التصنيفات القائمة على الصوابية أو المعاني الأيدولوجية المباشرة. فالعدالة في التأطير الفلسفي، كمفهوم كلي، وباعتبارها جوهراً أو عقلاً وليس تفصيلاً جزئياً، تبدو مثل وحدة دينامية لابتعاث الوحدة المفهومية والتماسك بين المعاني المختلفة التي تحققها. من هنا، ثمة قدرة تأويلية تتجاوز المادي والملموس والتاريخي إلى الكلي والجوهري والعام. إذ تظل العدالة كمبدأ، في أثينا، رغم شروطها التي لم تكن فيها مسألة الرق غريبة أو مستهجنة، بمثابة صفة عقلية تجمع الأخلاقي والسياسي، كما هو الحال عند كانط لاحقاً، بما يعني تدشين جملة من الفضائل في المجالين السابقين لتحسين شروط الحياة الإنسانية. وكما في كل الفلسفة التي تحركت بين عالمين أحدهما مادي والآخر مثالي، أو ثوري ومحافظ، انتمى مفهوم العدالة مرة إلى معاني الأزلية والسكونية والثبات الميتافيزيقي/ الألوهية، ومرة أخرى إلى المقاربة الثورية واشتقاقاتها المادية التاريخية بقوانينها الديالكتية.

وبالعودة إلى أفلاطون في المحاورات، يمكن القول إن المباديء التي سعى إلى تحقيقها ربما لا تسعى إلى مقاومة الواقع، أو تغييره، غير أن ما تؤكده المعرفة الفلسفية في جوانبها كافة، تتمثل في بناء معمار قوامه أو أسسه العقل والإرادة، كما الحرية والمساواة والمسؤولية. ولئن يقول أفلاطون إن

“المبدأ الذي ينبغي أن يتمسكوا به (أي الحكام) في أحكامهم على الدوام، هو المبدأ القائل إن أحداً لا ينبغي أن يعتديَ على ما يمتلكه الغير أو يُحرَم مما يمتلكه هو” (4)

فيعاود التأكيد على أن “العدالة إنما هي أن يمتلك المرء ما ينتمي فعلاً إليه، ويؤدي الوظيفة الخاصة به“، موضحاً أن “التعدي على وظائف الغير، والخلط بين الطبقات الثلاث، يجر على الدولة أوخم العواقب، بحيث إن المرء لا يعدو الصواب إذا عدَّ ذلك جريمةً… فهذا إذاً هو الظلم. أما إذا اقتصرت كل من الطوائف الثلاث: الصناع والمحاربين والحكام، على مجالها الخاص، وتولت كل منها العمل الذي يلائمها في الدولة، فهذا عكس ما قلناه الآن، أي هو العدل” (5).

ومع ما توضحه هذه النصوص من تخوف إزاء الخلل في التوازن الطبقي، في حال حدوث الفوضى نتيجة التعدي على أعمال ومهن وخصائص كل طبقة التي كانت أساس تصنيف كل فئة اجتماعية، وتمنحها تراتبية، فإن المحاورات تكشف عن “نوع من الحركية الاجتماعية، ويسمح لأبناء الصنَّاع مثلاً بأن يكونوا جنوداً، بل حكاماً، إذا توافرت فيهم الشروط اللازمة”، بما يؤكد الفرضية التي تتبناها الدراسة، أن التجريد الفلسفي يتخطى معنى الصوابية والأحكام المطلقة في إطارها السياسي الحزبي أو الأيدولوجي.

وبالفعل ذهب بعض الشرَّاح، مثل تيلور، إلى أن أفلاطون لا يقول بنظام الطبقات المقفلة (الذي يقضي بأن يظل الفرد ملتزماً نفس الطبقة التي وُلد فيها، دون أن يستطيع الارتفاع عنها. فأفلاطون في رأيه يضع استثناءات هامة لهذه القاعدة؛ إذ إن سلوك الفرد يراقب باستمرار، لكي يتقرر إن كانت مكانته ستهبط أو ترتفع تبعاً لقيمته الكامنة؛ أي إن ميلاد الفرد ليس هو العامل الوحيد المتحكم في تحدي مكانته في المجتمع. ومن ذلك يستنتج “تيلور” أن دفاع أفلاطون عن نظام “المهنة المفتوحة” يعني القضاء التام على نظام الطبقات المقفلة. وعلى أية حال، فهذه هي العدالة عند أفلاطون، أي أن يلتزم كل فرد حدود الطبقة التي ينتمي إليها تبعاً لطبيعته أو تكوينه، ولا يحاول أن يتعدى نطاقها الخاص، أو يتطلع إلى غيرها من الطبقات. ولا جدال في أن مثل هذا التحديد لمفهوم العدالة يصطدم بقوة مع معظم التعريفات الحديثة لفكرة العدالة. ذلك لأن الإنسان الحديث يتجه إلى الربط بقوة بين العدالة والمساواة، على حين أن العدالة عند أفلاطون لا ترتبط بالمساواة أدنى ارتباط، بل هي في الواقع تأكيد اللامساواة.

فالدولة في رأي أفلاطون تكون عادلة إذا رضي الصانع والزارع بوضعه، ولم يحاول أن يمارس عملاً أرفع من ذلك الذي تؤهله له طبيعته، أي إذا اقتنع باللامساواة الطبيعية بينه وبين الآخرين. وبعبارة أخرى، فالعدالة هي المحافظة على الفوارق بين الناس، وليست هي السعي إلى إلغاء هذه الفوارق، كما يميل الإنسان الحديث إلى تفسيرها (6).

ولعل أفلاطون ذاته كان قد عبَّر عن الفرق بين نوعَي العدالة هذين:

  • عدالة المساواة
  • وعدالة اللامساواة

حين أطلق على الأولى اسم العدالة الحسابية، وعلى الثانية اسم العدالة الهندسية؛ ذلك لأن الحساب يستخدم الأعداد على نحو يؤدي إلى توزيعها بالتساوي، أما الهندسة فهي تستخدم النسب؛ أي إنها توزع الأشياء وَفقًا لمرتبتها، وتحفظ الفوارق بينها.

فسيادة المبدأ الهندسي في الدولة تعني المحافظة على التميز بين الطبقات، على حين أن سيادة المبدأ الحسابي يؤدي إلى بعث الاضطراب والخلط بين مختلف فئات الناس، وبينما تؤدي الهندسة إلى توزيع للنسب حسب المراتب، فإن الحساب يسوي بين كل شيء دون تفرقة. لذلك كانت العدالة الهندسية هي التي تلائم النظرة الأرستقراطية، على حين أن العدالة الحسابية تتناسب مع المفهوم الديمقراطي للسياسة. وبفكرة العدالة الهندسية، أو عدالة اللامساواة هذه، تكتمل عناصر النظرية السياسية عند أفلاطون، كما عرضها في محاورة الجمهورية، ويتحدد الإطار النظري العام الذي يمكن أن ترد إليه كل أفكاره التطبيقية أو الجزئية في مجال السياسة. وسوف يتضح لنا، من دراستنا التالية لبعض الأفكار التطبيقية الرئيسية، أن هذه الأفكار كلها ترتد إلى نفس هذا المبدأ الواحد، وأنها تهدف قبل كل شيء إلى تحقيق “الاستقرار” و”العدالة” بالمعنى الذي أوضحناه من قبل عند أفلاطون (7).

كما يمكن ملاحظة الخلاف المحموم حول طبيعة العدالة، بين السفسطائيين من أنصار التغيُّر والحركة والنسبية. وهم لا يؤمنون بما هو أزلي ثابت. في حين كان سقراط من أشد أنصار الثبات والاستقرار تحمساً. وإذا كان هذا الصراع الحاد بين السفسطائيين وسقراط (أو بينهم وبين أفلاطون) قد عرض في كثير من الأحيان في صورة صراع نظري حول “الحقيقة” وهل ينبغي أن تكون أزلية أم متغيرة. فهناك حقيقتين أساسيتين ينبغي أن تستقرا في أذهاننا ونحن بصدد هذه النظرية السفسطائية السياسية، التي هي القطب المضاد لنظرية أفلاطون:

  • الأولى هي أن هذه النظرية تقدم على أنها تعبير عما هو كائن، ولا عما ينبغي أن يكون. فهي نظرية تصف الأمر الواقع. وهو أن كل حكم قائم بالفعل إنما يُعبِّر عن صالح الفئة القوية في المجتمع. وليس هناك تعارض بين الاعتراف بهذا الأمر الواقع، وبين الدعوة إلى وجهة النظر المضادة في مجال ما ينبغي أن يكون. أعني أن في استطاعة المفكر أن يعترف بأن الحكومات القائمة فعلاً تُعبِّر عن مصالح الأقوياء، ويدعو في الوقت ذاته إلى وضع مخالف تكون فيه الحكومات تعبيراً عن مبادئ أو قيم عامة، لا عن مصالح فئة معينة. فالنظرية في هذه الحالة وصف للأوضاع القائمة بالفعل، وهو وصف لا يستطيع المرء أن ينكر أنه دقيق حقاً.
  • والحقيقة الثانية، هي أن هذه النظرية، مهما قيل عنها، تفتح الباب على مصراعَيه لتغيير أية أوضاع قائمة. ففي ظل هذه النظرية وحدها يكون تغيير نظم الحكم أمراً طبيعياً، من الوجهة النظرية، إذا لم تعد هذه النظم ملائمة لمن تطبق عليهم. أما النظرية المضادة، التي تجعل العدالة معنًى أزليًّا، لا مجرد عُرف أو اصطلاح تواضَع عليه الناس في مجتمع معين، ففيها يصبح تغيير الأوضاع أمراً مستحيلاً. ومن هنا كان السفسطائيون في الغالب، من أنصار الحكم الديمقراطي الذي يعد التغيُّر حقيقةً أساسية، على حين أن أفلاطون كان عدوًّا لدوداً للديمقراطية وكان من الأنصار المتحمسين للأليجاركية، بما فيها من دعوة إلى استقرار الأوضاع القائمة والمحافظة عليها (8).

وتخلص موسوعة الانترنت للفلسفة، إلى أن العدالة عند أفلاطون هي فضيلة تؤسس لنظام عقلاني، حيث يؤدي “كل جزء دوره المناسب دون أن يتدخل في حسن سير الأجزاء الأخرى“. فيما يقول أرسطو إن العدالة تكمن فيما هو قانوني وعادل، وأن الإنصاف ينطوي على توزيع عادل وتصحيح ما هو غير عادل. وعليه، فالفضيلة الأساسية للعدالة تتطلب منا السعي لإعطاء كل الناس حقهم، وفق أوغسطينوس.

في حين يرى توما الأكويني أن العدالة هي ذلك الوسط العقلاني بين أنواع متعارضة من الظلم، وتتضمن توزيعات متناسبة ومعاملات متبادلة. غير أن هوبز يعتقد أن العدالة فضيلة مصطنعة، ضرورية للمجتمع المدني، ووظيفة للاتفاقيات الطوعية للعقد الاجتماعي.

ويقول هيوم إن العدالة تخدم المنفعة العامة أساساً من خلال حماية الملكية (بمفهومها الواسع). أما كانط أنها فضيلة نحترم من خلالها حرية الآخرين واستقلاليتهم وكرامتهم من خلال عدم التدخل في أفعالهم الطوعية، طالما أنها لا تنتهك حقوق الآخرين. ويقول ميل إن العدالة اسم جامع لأهم المرافق الاجتماعية، التي تُسهم في تعزيز وحماية الحرية الإنسانية. في حين قام راولز بتحليل العدالة من حيث الحد الأقصى من الحرية المتساوية فيما يتعلق بالحقوق والواجبات الأساسية لجميع أعضاء المجتمع، مع التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية التي تتطلب تبريراً أخلاقياً من حيث تكافؤ الفرص والنتائج المفيدة للجميع؛ كما قام العديد من الفلاسفة ما بعد راولز بتطوير مفاهيم بديلة (9).

المقاربات النظرية المختلفة حول مفهوم العدالة، خضعت إلى أحكام عديدة وزوايا وانحيازات متباينة، سواء الوقوف عند وصف الواقع وتعيينه وتحديد معطياته والكشف عن جوانبه المختلفة، الأخلاقية والسياسية، أو تجاوز ذلك إلى محاولة فهمه بغرض تثويره وتغييره. وقد عدّ الموقف الفلسفي المادي التاريخي العدالة البرجوازية تختلف عن العدالة البروليتارية، وهي لدى الطبقة الأولى المتسيدة وسيط لاكتساب صفة أو قيمة أخلاقية، للحفاظ على امتيازاتها كما التأكيد أو تبرير شرعيتها.

بعبارة أخرى وفق كارل بوبر، العدالة ما هي “إلا مؤشر جهاز لقياس الضغط، يسجل ضغط القوى الاقتصادية أو السياسية أو الاجتماعية” في كتابه: “المجتمع المفتوح وأعداؤه“. ففي ظل الحراك المستمر من أجل تحقيق المساواة بين الجنسين، مثلاً، اشتق مفهوم العدالة، باعتباره مفهوماً مركزياً في الفلسفة السياسية والأخلاقية، معاني جديدة فلسفياً، ليس فقط كقيمة أخلاقية أو مبدأ قانوني، بل كإطار فلسفي يتقاطع مع المفاهيم والحقوق الجندرية، ومطالب الحركات النسوية، بتعقيداتها ونطاقات حركيتها في المجالات المختلفة، بما فيها المجال الديني، مثل كسب حقوق تزايح الطبيعة البطريركية والتراتبية الهيراركية التي تمنح الرجل صفة التفوق على حساب المرأة في المؤسسة الدينية.

ولقد تم تقويض مفهوم العدالة على خلفية تصورات ذكورية، حيث صيغت من قبل فلاسفة رأوا الإنسان باعتباره ذكراً، وتجاهلوا أو اختزلوا خبرة النساء وموقعهن في النظام الاجتماعي. ولهذا، يمكن مراقبة قضايا الهويات المهمشة والمجموعات الإثنية التي تطالب بالاعتراف والحقوق على أساس من العدالة، كذلك، مثل الأكراد في الشرق الأوسط والأمازيغ في شمال إفريقيا. فالعدالة هي مسار إنصافي، كما عند الفيلسوف الأميركي جون راولز، وهي نفع عام لدى جون ستيوارت مل، أو احترام للحرية لدى كانط.

فالحركة النسوية الدينية في ستينات القرن الماضي، مثلاً، بالغرب، نجحت في أن تخلق مرتكزات للعدالة بالمعنى الكوني والعالمي، حتى أضحى لها روافدها وتأثيراتها العربية وعملت على بعث روح تجديدية لإعادة النظر في أوضاع النساء ونقلهم من دائرة “الحريم” بمفاهيمها القيمية والاجتماعية والأخلاقية المغلقة، ثم التبعية للرجل وسيادته السياسية والدينية. فباشرت المرأة مهامها للانخراط في المجال العام ومنافسة الرجل الذي كان يحتل فضاءاته من دون شراكة الآخر النسوي.

الحركة النسوية الإسلامية ومثلها المسيحية انطلقت من الدين باعتباره سلطة عليا، يحتمي برأسماله الرمزي الرجال في ظل منظومة بطريركية، تهدف إلى تعميم مفاهيم المنفعة الذكورية وتأويل النصوص المقدسة لحساب جمع السلطة والحقوق كافة في قبضته. وبما إن الرجل كان هو الذي يعتلي منصة المؤسسة الدينية لعقود وقرون، فشكلت الطبقة الدينية التي يتسيدها الرجل ممانعة وحواجز صلبة، باعدت بين المرأة وحقوقها وإنصاف أي دور وموقع لها. ومع حلحلة هذا النفوذ ومقاومة المقولات التي لها صفة مقدسة مثل “القوامة”، كما في النصوص الإسلامية، أو اقتران المرأة بالخطيئة وشيطنة الجسد، كما في الكتاب المقدس، بدا مسار آخر لإنهاء الخوف الغرائزي من المرأة في ضوء مخيلة قديمة، والنظر لها على أساس مبادئ العدالة والحقوق.

إقرأ أيضًا:  الذكاء الاصطناعي والتحيز الجندري

النسوية تاريخياً كانت تعنى بالعدالة الجندرية وإلغاء الفوارق الجنسانية التي تجعل هناك تمايزات على هذا الأساس، وتباعد بين المرأة وحقوقها المجتمعية والثقافية والسياسية والدينية مثل قضية المنصاب/ الرتب الدينية، أو حقوق اجتماعية فقهية، كالمواريث، أو الطلاق بالمسيحية، وهي في مسارها الكفاحي تبحث عن تعديل الشروط المؤسسة للوصاية والتبعية والقوامة. وتعددت النسويات بين النسوية الليبرالية والاشتراكية وهناك النسوية السوداء الإفريقية والأميركية فضلاً عن المسيحية والإسلامية.

فيما تقول الدكتورة أميمة أبو بكر في كتاب من تحريرها وضم مجموعة باحثين بعنوان: “النسوية والمنظور الإسلامي آفاق جديدة للمعرفة والإصلاح“، إن النسوية الإسلامية انطلقت من النصوص الدينية لفض الحواجز التي تهدد وجودها، وتجعلها مهمشة. فتحولها من سلاح ضدها إلى سلاح يضمن حقها. أي أن تحقيق العدالة بهذا المعنى كان يتجه إلى بناء نظري جديد من خلال تفكيك الأطر ذاتها التي تشكل معماراً يحبس النساء بين جدرانه، ويفصل أجزاءها بين حدوده، حتى لا يكون بمقدورها الانطلاق نحو شيء. فتقول:

“الإسلام لا يشكل أزمة للنساء بل يمنحهن الحقوق والامتيازات. وتبعاً لذلك، فإن هدفهن الأعم يتمثل في نشر التعريف بتلك الحقوق والعمل على احترامها وتطبيقها من قبل الجميع. بمعنى آخر فإن سبب معاناة النساء لا يكمن في الإسلام بقدر ما يكمن في الجهل به والتفسيرات الخاطئة” (10).

بالتالي، قامت التيارات النسوية على تحرير النصوص والخطابات الدينية المتحفزة والمتحيزة ضد النساء، وتفكيك مقولاتها العدائية، ثم مقاربة ذلك مع الرسالة الدينية في مسارها المقاصدي، والتي تتبنى مبادئها قيم العدل والإنصاف والمساواة بين البشر.

كانت بداية المسار في الدراسات النسوية المسيحية بالغرب مع ظهور تيار اللاهوت النسوي، وأسسته نسويات متخصصات في الشأن اللاهوتي، ومن أشهرهن روزماري رادفور روثر، وقد واصلت نشاطها عند حدود غير مسبوقة، حيث اعتبرت أن مهمة النسويات لا تقتصر على فكرة نشر الأفكار النسوية التحررية، ومبادئها التجديدية، والتي لن يكون بمقدورها حلحلة مركزية الرجل، وتثبيت المرأة في الهامش، إنما مراجعة التصورات المؤسسة لهذه التراتبية وتفكيكها، وبناء سرديات جديدة من داخل الحقل اللاهوتي. وتقول روزماري في كتابها الشهير: “في اللاهوت النسوي المسيحي“، إنه من الضروري الانتقال إلى داخل “الحقل التيولوجي لنقد النموذج السائد لعلاقات النوع وإعادة بنائه“. وهنا كانت الباحثة والنسوية في آن، تهدف إلى إعادة تأسيس نموذج مغاير عن البنى السائدة والتي شكلتها العقلية الذكورية، وفرضت تصوراتها ومفاهيمها وقيمها.

لذا تقول في الكتاب ذاته، إن الأسئلة التي تشغل النسويات هي

“الأنماط والأفكار الدينية التي تبرر سيطرة الرجال وتبعية النساء ودونيتهن مثل الاستخدام الحصري لصيغة التذكير في اللغة، وعند الحديث عن الإله والقدرة الإلهية مما يكشف عن تصور بأن الذكر/ الرجل أقرب إلى الإله وأشبه به من الأنثى المرأة، وأن الرجل بالتبعية هو الأحق بتمثيل الرسالة الإلهية، وبالتعبير عنها، والتحدث باسم الله بصفتهم قادة وزعماء في المجتمع وآباء مؤسسين في الكنيسة، وأن الإله خلق النساء تابعات للرجل وإذا رفضن هذه التبعية فهن يقترفن إثما كبيراً” (11).

وعليه، كان ضرورياً إعادة بناء تعريفات جديد للرموز الدينية المؤسسة مثل الله والخالق والبشرية بنوعيها الذكر والمؤنث، فضلاً عن الخطيئة والخلاص والكنيسة. ثم التأكيد على المساواة الجندرية وإلغاء كل الفوارق التي قامت بفرضها وتعميمها الثقافية الدينية الذكورية. إذ إن غياب العدالة في بناء الرموز وتقسيم العمل والتفاوت في المجالين العام والديني، قد ترتب عليه شرعنة العنف ضد المرأة من خلال تأويلاتهم المتعسفة للنصوص الدينية، بما منح السلطة الأبوية امتيازات تؤدي إلى تفوق على الأنثى وإضعاف مكانتها. فـ”من يملك السلطة والقوة في المجتمع هو من ينشئ الرموز ويحدد المفاهيم التي تحافظ على هذا الميزان المختل من علاقات قوة بين البشر”. من ثم، فالعلاقات الاجتماعية المختلفة القائمة على الطبقية والعرقية والنوع، ليست بعلاقات تامة ونهائية أو أزلية خلقها الله لتكون نظاماً كونياً، بل هي بناء اجتماعي يمكن هدمه وتعديله وتغييره. وهنا يمكن القول إن النسوية المسيحية/ الإسلامية، انطلقت من رؤية إيمانية بوجود عدالة في الرسالة الدينية، وأن المنظومة الثقافية هي صناعة أيدولوجية تحتاج للنقد والتفكيك.

إقرأ أيضًا: لماذا غابت فيلسوفة العرب؟

فالثقافة الدينية هي بناء اجتماعي حددته شروط تاريخية وسياسيةـ بينما تخفي مصالح وامتيازات عديدة سلطوية. وقد ساهمت الحركة النسوية في تحقيق انتصارات مثل رسامة كهانة المرأة بالعديد من الكنائس الكاثوليكية بالسبعينات. ولعبت النسويات بالولايات المتحدة أدواراً مؤثرة لتشكيل قاعدة من اللاهوتيات التي وفرت إطارات نظرية تحقق من خلالها نقداً للواقع الثقافي التقليدي، وإيجاد بنية تستقبل التغيير الذي سيجعل للمرأة حضوراً له مركزيته حتى داخل المؤسسة الكنسية.

ومن بين النسويات اللواتي أسهمن بدور كبير روزماري دالي مؤلفة كتاب “في ما وراء الإله الأب“، وكتاب إليزابيث فيورنزا: “إعادة بناء جذور المسيحية من وجهة نظر تيولوجية مسيحية“. وقد ذهبت النسويات إلى تأنيث العالم. ففي عقدي الثمانينات والتسعينات برزت كتابات تبشر بإعادة بناء المتخيل اللاهوتي بعيون نسوية، كما كتبت كارول كريست في كتاب: “هي تلك التي تغير إعادة تخيل الألهي في العالم“، وكذا في دراسة إليزابيث فيورنزا المعنون بـ”نحو هرمنيوطيقا لتفسير الكتاب المقدس.. تفسير الكتاب المقدس ولاهوت التحرير”. وفي الكتابين محاولات تأويلية جادة للنصوص الدينية المقدسة لإنهاء المسوغات التي شرعنت قمع النساء أو اضطهادهن.

ففي دراسة فيورنزا، تقول إنه من الضروري السعي للتأويل التاريخي النقدي للكتاب المقدس لمواجهة التفسيرات المغلقة، والتأكيد على أن تراث الكتاب المقدس لا يعد تراثاً عقائدياً أو تأويلياً أو تاريخياً، وحسب إنما هو تراث حي. وتقول: “حتى نفهم نصوص الكتاب المقدس يجب ألا نكتفي بترجمة نص ما أو تفسيره داخل سياقه المباشر بل نحدد الموقف والجمهور الذي يخاطبهم النص“. فنصوص الكتاب المقدس وفق فيورنزا كانت تفي باحتياجات المؤمنين وليس “الكشف عن مبادئ سرمدية أو تقديم سجل بوقائع تاريخية دقيقة”.

يكاد الوضع في الحالة الإسلامية مشابهاً بدرجة ما. حيث سعت النسوية الإسلامية إلى هدم تراث نظري ديني، كان بنفس الدرجة من الصلابة الذكورية التي افترضت تفوق الرجل على الأنثى. فتقول ريتا فرج إن “النسوية الإسلامية“، بدأت في الظهور مع مطلع التسعينات بالقرن الماضي، وكان ضمن ما يعرف بحراك “الإسلام التقدمي” بإفريقيا الجنوبية ضد نظام الفصل العنصري. وفي الفترة ذاتها ظهرت بالعالم الإسلامي في تركيا مع كتاب نوليفير غول “الحداثة الممنوعة” (1991م) وبعد ذلك في إيران، التي كانت تواجه من خلال مجلة “زنان” إحباطاتها من حكم الملالي.

وفي كتابها “إمراة الفقهاء وامرأة الحداثة”، تشير الباحثة اللبنانية ريتا فرج إلى جهود النسويات في تفكيك البنى الثقافية الذكورية منذ القرن التاسع عشر، وتذكر منهن عائشة تيمور وزينب فواز وملك حفني ناصف وعائشة عبدالرحمن الشهيرة بـ”بنت الشاطئ” وهدى شعراوي ونظيرة زين الدين، والأخيرة تتميز عن سابقاتها في كونها صاحبة المبادرة الأولى النوعية بالاجتهاد في ما طرحته المنظومة الفقهية حول مسألة الحجاب، وقدمت قراءة جريئة للنصوص القرآنية حول هذا الموضوع الشائك. ورفضت المقولات الفقهية التقليدية السائدة في كتابها المهم “السفور والحجاب”. وهذا الطرح يمكن القول إنه كان بمثابة قطيعة مع ما سبقه من كفاح نسوي اقتصر على قضايا حقوقية، تتعلق بالتعليم والحقوق السياسية وتفادى النقد الديني.

أميمة أبو بكر تقول في كتاب: “النسوية الإسلامية والمنظور الإسلامي، آفاق جديدة للمعرفة والإصلاح“، إن

“السعي إلى التمكين في الحقوق على خلفية ثقافية إسلامية عامة، كان من البديهيات [بداية من أواخر القرن التاسع عشر] وإن غاب عن ذلك السعي، التنظير المباشر والمناهج التحليلية المتعمقة للمصادر الرئيسة والمسميات من أجل طرح رؤية تجديدية شاملة حول قضايا المرأة في منظومة الفكر والعلوم الدينية”.

فالنسوية الإسلامية تطور في العشرين سنة الأخيرة (الكتاب صدر عام 2013 في طبعته الأولى) ذلك “من خلال تطبيق الوعي النسوي لفهم معضلة التفاوت بين رسالة الإسلام التوحيدية، وترجمة قيم تلك الرسالة السامية إلى عدالة وتكافؤ الفرص، وشراكة على أرض الواقع بين الجنسين، وإلى الأخذ في الاعتبار الكرامة الإنسانية المتساوية للمسلمين والمسلمات، ثم الاتجاه كذلك إلى استخدام المناهج النسوية التحليلية –ليس فقط- لغربلة الكثير من فكر العلوم الإسلامية من وجهة نظر المرأة المسلمة وواقع حياتها، لكن –أيضاً- لفتح باب الاجتهاد لها، حتى يتسنى بناء معرفة إسلامية، تحيي معاني العدل والمساواة والشراكة وتؤكدها؛ معرفة بديلة عن منطق الاستبعاد والتمييز والأفضلية الذي شاب خطابات التراث وطرائق استنباط العلماء للأحكام، الذين رغم براعتهم العلمية وجهدهم في تحري الشريعة، ما كانوا إلا نتاج عصورهم، وكان من الطبيعي أن يتأثروا بثقافات هذه العصور، ومن الطبيعي –أيضًا- ألا يهتموا بتأسيس المكانة الواحدة المتساوية للرجال والنساء“.

فإن إعادة النظر في مفهوم العدالة من زاوية نسوية أو الجماعات المهمشة، مثلاً، لا يعني فقط المطالبة بحقوق متساوية، بل هو، حتماً، مساءلة البنية المفاهيمية ذاتها التي تقوم عليها الفلسفة. حيث إن هذه المفاهيم يمكنها أن تكون أدوات للإنصاف، بقدر ما قد تتحول إلى وسائط لتبرير التمييز كما الاستبعاد أو التهميش.

إقرأ أيضًا: لماذا لا تكون المرأة نبيا أو رسولا؟

فرغم أن أفلاطون طرح في “الجمهورية” فكرة مشاركة النساء في الطبقة الحاكمة، فإنه ظل ينظر إلى النساء باعتبارهن استثناءً من القاعدة الذكورية، دون الاعتراف بخصوصية تجربتهن الإنسانية. أما أرسطو، فكان أكثر جذرية في تهميشه للنساء، حيث اعتبرهن “رجالاً ناقصين”، غير مؤهلين للعقل الكامل. بالتالي غير صالحين للمواطنة السياسية.

ومع فلاسفة مثل جون لوك، هوبز، وروسو، برز مفهوم الحقوق الطبيعية والعدالة التعاقدية، ولكن تطبيق هذه الحقوق كان مخصصاً للرجال. فالمرأة استُبعدت من التعاقد الاجتماعي، وبقيت في الفضاء الخاص والتقليدي (الأسرة)، لا تُمنح وضع المواطن الكامل. كما أن روسو في “العقد الاجتماعي” كان من أبرز من وضع المرأة في موقع خضوع لطبيعة ذكورية. لكن كتاب “نظرية في العدالة” لجون رولز، بدا ملهما في بناء تصوره للعدالة على أساس مبدأ الحريات الأساسية المتساوية، مبدأ التفاوت المشروع (شرط أن يكون لصالح الأضعف)، وقد حاول إلغاء التحيز من خلال “وضعية الجهل” أو “حجاب الجهل”، حيث لا يعرف الأفراد موقعهم الاجتماعي. كما يفترض مساواة نظرية مع الأخذ في الاعتبار الواقع المتخم بالتمييز البنيوي، فضلاً عن تجاهل البنى الثقافية والرعاية غير المدفوعة كأشكال رمزية لا مرئية من الظلم.

وبالتالي، يمكن النظر إلى العدالة في شقين أحدهما يحقق الانتماء ويخفف من وطأة التمايز ويحقق العاطفة والتجانس، وثانيهما على ضوء التجربة كمصادر للمعرفة الأخلاقية والسياسية. بعبارة أخرى، الاعتراف بالهويات والتجارب المقموعة. فلا تقتصر العدالة على المعنى الاقتصادي (مساواة الفرص أو العدالة التوزيعية للموارد والحقوق، مثلاً)، إنما كذلك العدالة الرمزية (الاحترام والتمثيل)، أي إعادة تعريف القيم، والهويات، ومواقع القوة. وبما يشمل الحقوق التي تتبنى المواطنية الكاملة، في جانب من جوانبها، والحق في الظهور كما التمثيل الظهور الاجتماعي دون تحقير أو تشييء.

وكما سبقت الإشارة بشأن قضية الرق، في أثينا، حيث تنبني فلسفة أفلاطون باعتبار العدالة هي أن يؤدي كل عنصر في الدولة (أو النفس) وظيفته دون التدخل في وظائف الآخرين، ما يعني احترام البنية القائمة. فيمكن لهذا التصور أن يُستخدم لتبرير الوضع القائم في الأنظمة التي ترى أن الاعتراف بالأقليات قد يُحدث “اختلالا” في وحدة الدولة. وقد يكون وسيلة لقمع المطالب الكُردية أو الأمازيغية بحجة الحفاظ على النظام العام، أو التناغم الاجتماعي.

لكن النموذج الأفلاطوني ليس مبرراً لغياب أو تغييب الحقوق، كما أن فلسفته لا تهدف، رغم وضعها القديم الذي كانت فيه أثينا، وقتذاك، أمام تقسيم طبقي واجتماعي قائم على التمايز والتصنيف الحاد رق وأحرار، إلى خلق روابط قسرية تؤسس للتبعية، أو وسائط إكراه، مع الأخذ في الاعتبار أنه الحمولة الفلسفية وفق شروط اللحظة تُقصي عملياً إمكانية تحول الوظائف أو المراجعة النقدية للوضع الاجتماعي، لكنها تفتح المجال أمام إمكانية التصحيح التاريخي. وهذا ليس تناقضاً بقدر ما هو رد الاعتبار للعقل والجوهر كأساس فلسفي على ما هو متغير في عينة البحث على المستويين التاريخي والاجتماعي. فثمة عدالة تعويضية يمكن استرداداتها كاستحقاق ضمن مبدأ التعدد الثقافي وإعادة التوزيع العادل للحقوق الرمزية (اللغة، الثقافة) والمادية (التمثيل السياسي، الموارد).

بالتالي، العدالة تبرز كواجب عقلي أخلاقي، يحمي الفرد كغاية في ذاته، ولا يجوز استخدامه كوسيلة، بما يحقق “الإنصاف” وفق تعبير راولز. وبالمحصلة، فمفهوم العدالة لا يخرج في الأحوال كافة عن إطار المصلحة الاجتماعية، سواء حققت السعادة والمنفعة العامة أو الإنصاف أو منعت الخلل والتوازن الاجتماعي، إذ إنها ليست قيمة مطلقة بل تحدد ضمن الشروط والمحددات السابقة. فالاعتراف بالهويات الثقافية يمنح المجتمع استقراره، في حين يقارب بين المجتمعات المحلية/ ولا يعزلها إلى كيانات بعيدة تباعد بينهما الكراهية وعدم الاعتراف. من ثم، تحقيق العدالة، يعزز الاندماج والسعادة العامة. ووفق ستيوارت مل: “العدالة تحمي الحقوق الأساسية لأنها تحقق الأمن، وهو مصلحة اجتماعية عليا”.

وعادة ما تُفهم العدالة العالمية كمفهوم يركز على الجوانب الاجتماعية والمؤسساتية، خاصة فيما يتعلق بتوزيع الثروات على المستوى الدولي. غير أن هذا الفهم كثيراً ما يغفل الجوانب المرتبطة بالهويات القومية والثقافية. فتعاني النظريات المعاصرة للعدالة والديمقراطية من ضغوط ناتجة عن العولمة وتزايد التعدد الثقافي. وقد أدت هذه التحولات إلى مراجعة جوهرية للمقاربات التقليدية، إذ لم تعد تكفي المفاهيم المحلية لمواجهة تحديات عالم باتت فيه السلطة والهوية موزعتين عبر مستويات وأطر متداخلة. إذ تفترض المواطنة أن جميع البشر ينتمون إلى كيان أخلاقي واحد، وتمنحهم حقوقاً والتزامات بغض النظر عن خلفياتهم. ورغم أن هذا التصور يقوم على الفردانية والكونية والعمومية، إلا أن منتقديه يعتبرونه تجريدياً ويصعب تطبيقه دون الاعتراف بتأثير الهويات والسياقات الثقافية على سلوك الأفراد والجماعات. كما يُستخدم فكر كانط كثيراً لتبرير المواطنة العالمية، لكن تفسيره الدقيق يُظهر أنه يميز بين مستويات أخلاقية وسياسية ومدنية.

فكانط يرى إمكانية الجمع بين العالمية والوطنية المدنية، لكنه يحذر من الوطنية القومية التي قد تكرس الإقصاء، خاصة عندما تُمارس على حساب الأقليات. فيما يشير إلى أن البشر يسعون للتعايش، لكنهم يتصارعون أيضاً بسبب طبيعتهم التنافسية. هذا “الميل غير الاجتماعي إلى الاجتماع” هو ما يدفع نحو التقدم، لكنه يخلق صراعات دائمة. ويقدم كانط “أفكار العقل” كمفاهيم تنظيمية لا يجب التعامل معها كحقائق مطلقة، بل كإطارات أخلاقية موجهة. ورغم ما تحققه الديمقراطيات الليبرالية من احترام للحقوق المدنية، إلا أنها لا تكفل دوماً حقوق الأقليات القومية والثقافية. وتحتاج المواطنة العالمية إلى إعادة صياغة تجعلها قادرة على احتضان هذا التنوع، سواء من خلال الاعتراف الدستوري، أو عبر ضمانات مؤسساتية وقضائية تسمح بتمثيل عادل للأقليات. وذلك من خلال المواطنة العالمية الأخلاقية التي تأخذ في الحسبان مبدأ التعددية القومية، حتى تكون أداة فعالة لتعزيز كرامة الإنسان في عالم تتشابك فيه الثقافات والهويات.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

1-   توماس هوبز، الليفياثان، الأصولية الطبيعية والسياسية للدولة، ت: ديانا حرب وبشرى صعب، هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث، 2011، كتاب شهر كانون الثاني/ يناير

2-   جان جاك روسو، أصل التفاوت بين الناس، ت: عادل زعيتر، نسخة إلكترونية- موقع هنداوي

3-   المرجع السابق

4-   جمهورية أفلاطون، الإفكار السياسية، أفلاطون، ت: فؤاد زكريا، نسخة إلكترونية https://www.hindawi.org/books/38069095/

5-   المرجع السابق

6-   المرجع السابق

7-   المرجع السابق

8-   المرجع السابق

9-   Western Theories of Justice

10- النسوية والمنظور الإسلامي– آفاق جديدة للمعرفة والإصلاح، تحرير أميمة أبو بكر، مؤسسة المرأة والذاكرة، القاهرة، ط2013

11- Rosemary Radford Ruether, Sexism and God-Talk: Toward a Feminist Theology, Beacon Press, 1983 رابط: https://archive.org/details/sexismgodtalktow0000ruet

 

اقرأ ايضا

المزيد من المقالات

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete