تكوين
تمهيد
نسعى في هذه الدراسة إلى تحليل وتشريح وضعية الأزمة التي لازمت مفهوم العلمانية منذ دخوله إلى ديار العرب، أي تقريبًا منذ وعى المفكرون النهضويون العرب الفارق الحضاري بين الشرق والغرب، بين الإسلام وأوروبا، وذلك في المائة والخمسين سنة الماضية، كما نسعى إلى الحفر، ما وسعنا الحفر في “الكلمات والأشياء”، والغوص فيما ينطوي عليه لفظ العلمانية من معانٍ ودلالات، كما نحاول أن نضع إشكالية الدين والسياسة في سياقها التاريخي، كما تناولها خطاب الإصلاحية العربية ضمن هاجس البحث عن أسس التقدم، أي النظر إلى الإشكالية في سياقها التاريخي، ونقصد بالسياق التاريخي، سياق صدام الشرق مع الغرب، السياق الذي ترتبت عنه صدمة الحداثة، ومن المعروف أن المفاهيم لا تفهم إلا في سياقها التاريخي.
وبالتالي وجب علينا أن نُعِّرف المفهوم وأن نتعرف على الظروف والملابسات التي أحاطت بالمفهوم، خاصة عندما أدرجت مسألة العلمانية ضمن انشغالات الخطاب السياسي العربي، ثم أصبحت فيما بعد من قضايا السجال السياسي والنقاش الفكري.
كما لم يكن لنا بد في هذه المقالة من التطرق إلى المآلات التي انتهى عندها الدال (اللفظ) والمدلول (المعنى) في نهاية القرن العشرين، حيث كان في وضعية اللفظ المنبوذ والكلمة التي لا تطاق والمفهوم غير المرغوب فيه في “دار الإسلام”.
ولقد كان من الضروري في هذه الأسطر أن نجيب عن عدد من الأسئلة التي طالما شغلت الكثير من الباحثين ومن الدارسين العرب وحتى من المستشرقين، من بينها:
-
متى دخلت كلمة العلمانية فضاء الثقافة العربية؟ وكيف تناول المفكرون الإصلاحيون معضلة الدين والدولة؟ وهل للسياق التاريخي دور في وضع القضية على طاولة النقاش في الفكر السياسي العربي النهضوي؟ وقد يتساءل البعض كذلك: لماذا أخفقت الدعوة العلمانية في العالم العربي؟
-
ولماذا يعتبر فصل التوأم المتلاصق، الدين والدولة، منذ ميلاد الدولة في الإسلام، في المدينة/يثرب، من أخطر العمليات الجراحية في التاريخ العربي/الإسلامي؟ وهل كان الخطاب المناهض لأي شكل من أشكال العلمنة، سببًا في تراجع الدعوة العلمانية في المائة سنة الأخيرة؟ ولماذا رَكَن دعاة العلمانية في منطقة الدفاع في نهاية القرن العشرين، بعد أن كانوا في حالة الهجوم في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين مع فرح أنطون، وشبلي الشميل، وسلامة موسى، وأحمد لطفي السيد، وطه حسين، وعلي عبد الرازق؟
العلمانية.. وصراع الأضداد
للإجابة عن هذه الأسئلة، لا مندوحة لنا أن ننبه وأن نشير في البداية، بأنه في العقود الأخيرة من القرن العشرين وحتى السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين، كانت قضية العلمانية وبالمعنى الذي ينحو منحى رسم الحدود الفاصلة بين حقوق الله وحقوق الإنسان، ويفك الارتباط بين السلطة الزمنية والسلطة الدينية، بين المعرفة اللاهوتية والمعرفة العلمية، بين الحق الإلهي والحق الإنساني، بين طريقة تفكير القرون الوسطى وطريقة تفكير العصر الحديث، من أهم القضايا المطروحة على طاولة النقاش السياسي والفكري في العالم العربي.
ولا نبالغ إذا قلنا إن هذه القضية قد شكلت بالفعل وبالقوة، موضوعًا خصبًا للسجالات ومادة دسمة في المناظرات والنقاشات في الندوات والملتقيات والمؤتمرات التي تقام هنا وهناك، كما نالت هذه القضية جانبًا من الكلام حتى في وسائل الإعلام الكلاسيكية أو في وسائل الإعلام الجديدة.
ولعلنا لا نجانب الصواب إذا قلنا إن إشكاليات وقضايا الإسلام والسياسة، والدولة والدين، والهوية والتاريخ والثقافة، هي من أخطر التحديات التي واجهت الفكر العربي المعاصر، والدليل على ذلك أن هذه القضايا كانت وما زالت، كما أشرنا في عدد من المقالات والدراسات، من الموضوعات المثارة باستمرار والباعثة دومًا على النقاش.
والجدير بالذكر أن إشكاليات الدولة والدين والسياسة أصبحت في السنوات الأخيرة مجالًا خصبًا للبحث العلمي في العلوم الإنسانية وفي الدراسات الفكرية وحتى في النقاشات الفلسفية.
ومما لا شك فيه أن مسألة رسم حدود الدين وحدود السياسة في العالم العربي/الإسلامي، لا تفهم خارج السياق العام سواء على صعيد الفعل الثقافي أو على صعيد الأحداث السياسية المتلاحقة، ولا تقرأ بعيدًا عن ظرفية الغزو الاستعماري وزمنية التوسع الرأسمالي والاختراق الإمبريالي المتكرر للمنطقة وملابسات نشأة الدولة الوطنية في العالم العربي وظهور الحركات الإحيائية وجماعات الإسلام السياسي وتنظيمات الإسلام الحزبي، في الحقبة الزمنية التي تمتد من سنة 1880 وحتى سنة 1930.
ما نبغي قوله أنه في هذا السياق، يطرح السؤال التالي: أين تبدأ حدود الدين وأين تنتهي؟
والحقيقة أن الإجابة عن هذا السؤال كانت دائمًا من المُفكَّر فيه، في تلك الحقبة، لأن الواقع التاريخي يقول إن الخلافة العثمانية كانت تحتضر، أي على وشك الموت، وكان الاستعمار الأوروبي يستعد لقضم الولايات العربية في الهلال الخصيب، في إطار التوسع الرأسمالي والمَّد الإمبريالي.
ومما يستوقف الباحث هنا أن الدعوة إلى العلمانية في العالم العربي، لم تأتِ من فراغ ولم تطلق في الهواء الطلق، بل هي دعوة كانت لها أسباب نزول وكانت نتاج ظروف تاريخية معينة في مرحلة معينة من تاريخ تطور الفكر العربي الحديث الذي تحددت موضوعاته ومقولاته ومفاهيمه وقضاياه في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.
وغني عن البيان القول إن هذه الدعوة هي إحدى الموضوعات والمقولات والمفاهيم والقضايا التي شغلت بال الإصلاحيين العرب وأرقت الفكر السياسي النهضوي العربي، إذ طُرحت أول ما طُرحت عقب أحداث الفتنة الطائفية في سوريا ولبنان في عام 1860، وكان أول من وضعها على جدول أعمال الفكر العربي هو العلامة بطرس البستاني (1819-1883) ثم صارت من القضايا التي لا تقبل التأجيل مع تصاعد الاضطهاد العثماني للمسيحيين العرب في سوريا الكبرى، وبدايات طروحات فكرة القومية العربية وصعود الفلسفات الوضعية وظهور النظريات العلمية الكبرى في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، مع ثلة من مثقفي النهضة العربية نذكر منهم فرنسيس مرَّاش، وفارس الشديَّاق، ويعقوب صروف، وشبلي شميل، وفرح أنطون [1].
ومن أبرز الأحداث في بداية القرن العشرين التي عجلت بوضع هذه الإشكالية على طاولة النقاش، السقوط المدوي للخلافة العثمانية السُّنية عام 1924 بالتزامن مع نشوء الدولة الوطنية/القطرية ابتداءً من عام 1920 في سوريا مع محاولات فيصل الأول في التأسيس لنظام سياسي قومي سوري، وفي العراق مع إنشاء النظام الملكي والنظام السياسي البرلماني، وفي مصر مع صدور دستور 1923 وتأسيس حزب الوفد الذي كان يحمل بصمة ليبرالية/علمانية واضحة.
وفي هذا السياق كذلك، تجدد علم الكلام حول مشكلة الخلافة والإمامة مع نشر كتاب الشيخ علي عبد الرازق “الإسلام وأصول الحكم” عام 1925، والذي أكد فيه وبصريح العبارة أن الإسلام دين وليس دولة، ولا ننسى كذلك صدور كتاب طه حسين “في الشعر الجاهلي” عام 1926 الذي مارس فيه النقد المنهجي والشك الديكارتي، أما الحدث الأهم في هذه الحقبة، فهو تأسيس جماعة “الإخوان المسلمين” في مدينة الإسماعيلية عام 1928 رافعة في البداية، أي في مرحلة التَمسكُّن، شعار “الإسلام دين ودولة” الذي تحول مع تكاثر الأعداد وازدياد الأنصار ونجاح سياسة التعبئة والحشد ومن ثمة تأسيس الجناح العسكري للجماعة والمعروف باسم التنظيم الخاص، إلى شعار “الإسلام مصحف وسيف” في مرحلة التَمكُّن.
والحقيقة كان حدث تأسيس جماعة الإخوان المسلمين بمثابة بداية تكوين ونشأة ما يسمى بجماعات الإسلام السياسي [2]، وفي هذا السياق التاريخي الحافل بالأحداث الكبرى، كانت القضايا المتعلقة بالسياسة والاجتماع والدولة والدين، قد تحولت إلى صراع سياسي/أيديولوجي بين القوى المحافظة/التقليدية التي طالها التهميش من جهة، والقوى الليبرالية/العلمانية الصاعدة والتي كانت تمسك بكل خيوط اللعبة من جهة أخرى. فقد كانت رياح الحداثة الفكرية قد هبت على المنطقة، ناثرة بذور العلم والعقلانية والنقد والتنوير، وكانت مقولات الحداثة تقابل بالرفض والمعارضة عند قطاع عريض من النخب ذات المرجعية اللاهوتية والمؤسسات الدينية والقوى المحافظة وجماعات الضغط التقليدية بالاعتماد على العامة من أفراد الطبقات الكادحة والفئات الاجتماعية والتشكيلات الاجتماعية الريفية والشرائح المُهمَّشة في المدينة [3]. وعلى العكس من ذلك، كانت تقابل أفكار وآراء الحداثة السياسية بالترحاب والقبول عند الطبقات الأرستقراطية والطبقات الوسطى وفئات وشرائح من النخبة الوطنية العصرية التي تكونت مع نشوء مؤسسات الدولة الحديثة ذات الإدارة الحديثة والجيش النظامي والنزعة العلمانية.
والجدير بالذكر أن جزءًا كبيرًا من هذه النخبة العصرية كانت قد تخرجت من الجامعات والمدارس الحديثة في أوروبا وخاصة في فرنسا وإنجلترا، وبالتالي تكونت فئات وشرائح اجتماعية جديدة خاصة من فئة المثقفين ومن الطبقة السياسية، وحتى من المؤسسات المدنية الحديثة، خاصة في ظل ما يمكن تسميته بتحفظ “الحقبة الليبرالية” التي سادت في المشرق العربي بعد الحرب العالمية الأولى، وقد تزامن كل ذلك مع التهميش المتزايد لرجال الدين والمؤسسات التقليدية والفئات والشرائح الريفية [4].
ففي هذه الحقبة بالذات تشكلت طبقة اجتماعية أرستقراطية/مدينية، أفرزت نخبة سياسية/وطنية، ذات توجه ليبرالي، وهي نفسها النخبة التي قادت الحركات الوطنية خاصة في مصر والعراق وسوريا، وحتى وإن كانت ملفوفة في بطانة سلفية وتتكلم بلسان خطاب الإصلاحية العربية في تونس والمغرب والجزائر.
ومما يلفت الانتباه أن هذه النخب السياسية، استهلت نشاطها السياسي منذ عشرينيات القرن الماضي بالمطالبة بجلاء الاستعمار، كما طالبت بالدستور، في نفس الوقت الذي كانت تطالب فيه بالاستقلال [5].
وثمة ملاحظة في هذا الصدد، وهي أن هذه الحقبة قد شهدت محاولات في التأسيس لحياة سياسية برلمانية لأول مرة في المنطقة العربية، ومن ثمة كان السعي حثيثًا نحو بناء الدولة الوطنية التي تقوم على مبدأ المواطنة، التي يعتبر فيها الفرد مواطنًا له حقوق وعليه واجبات، دولة فوق الطوائف والعشائر والعصبيات، ويحكمها القانون وليس الفتوى (الشريعة) لأن الدولة الحديثة تقوم على مبدأ المواطنة، ويكون فيها الولاء للوطن بالدرجة الأولى وليس للدين، والانتماء الأساسي يكون للدولة وتكون السيادة فيها للأمة والشعب وليس لله، كل ذلك تحت شعار “الدين لله والوطن للجميع”.
والشيء الملاحظ أن درجة حرارة النقاش حول كل ما يتعلق بالإسلام وأصول الحكم، وكل ما يرتبط بالعلم والإيمان وكل ما له صلة بالثقافة الفقهية وبالمعرفة نتاج العلوم الإنسانية، قد ازدادت سخونة منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي مع تصاعد المد الديني/الأصولي الذي اجتاح الوطن العربي، كما ارتفع منسوب الاهتمام بالإسلام وبالتاريخ العربي/الإسلامي وبإشكاليات الشريعة والقانون وحتى بالعلوم والمعارف التي تأسست عند المسلمين في العصر الوسيط، ذات الصلة بالسياسة مثل السياسة الشرعية والفقه السياسي والآداب السلطانية، وكان ذلك جليًا في الأبحاث والدراسات التي صدرت في السنوات الأخيرة وهي كثيرة، ومن المؤكد كذلك زيادة الاهتمام أكثر بمسائل “الملل والنحل” وبأوضاع الطوائف والأقليات داخل الجماعة الوطنية في البلاد العربية.
وفي اعتقادنا أن القضية التي نالت قسطًا وافرًا من البحث والدراسة والنقاش هي قضية الدين والسياسة في الإسلام المبكر، أي الدعوة المحمدية في المدينة/يثرب، وما يرتبط بهذه القضية من قضايا ومشكلات، وعلى رأس تلك القضايا مشكلة الخلافة، كما تجلت في ذلك الصراع الضاري على السلطة، في البداية بين الأنصار والمهاجرين، ثم لاحقًا بين بني هاشم وبني أمية، وبعد ذلك بين السنة والشيعة والخوارج [6]. والحقيقة أن هناك واقعًا تاريخيًا وحقيقة موضوعية تثير الانتباه وتدعو للدهشة وتبعث على التساؤل، هي تلك القضايا والمشكلات التي انبثقت من ذلك التداخل بين المعتقد الديني والممارسة السياسية، سواء في عهد النبوة أو في عهد الخلفاء الأربعة، والتي جرى فيها الانتقال من الدعوة الدينية إلى الدولة السياسية.
وغير خافٍ على أحد، أن النظام السياسي الذي تشكَّل عقب مرحلة النبوة والمعروف باسم الخلافة، قد تعرض في البداية لمشكلة تعتبر من أبرز المشكلات التي ترتبت عن ذلك التداخل بين السياسة والدين في صدر الإسلام، قد بدأت وتمثلت بشكل واضح في أزمة سياسية تعرضت لها الطبقة السياسية في دولة الخلافة، هي مشكلة الحكم التي تحولت مع مرور الوقت إلى حرب أهلية طاحنة، قَتل فيها الصحابة بعضهم بعضًا، حيث لم يحدث الانتقال السلمي للسلطة، بل إن الأمر تم بالشوكة والغلبة والقوة والعصبية القبلية.
ومن المعروف أن أزمة الخلافة تمخض عنها عنف سياسي غير مسبوق، قد امتدت لسنوات حتى قيام الدولة الأموية وقد عرفت باسم الفتنة الكبرى، وهي من المسكوت عنه في التاريخ العربي/الإسلامي. وإذا شئنا الدقة نقول إن الفتنة/الحرب كانت في حقيقة الأمر مشكلة سياسية وليس مشكلة دينية وتمظهرت في صراع سياسي على السلطة، وفيها حاول كل طرف من أطراف الصراع استخدام وتوظيف الآليات والمقولات الدينية، ما استطاع إلى ذلك سبيلًا.
والغريب في الأمر، أن تأسيس نظام الخلافة عقب وفاة الرسول، كان عاملًا أساسيًا في نشوء علم الكلام الذي دار فيه النقاش حول مسألة الإمامة في القرن الهجري الأول، كما أن سقوط نظام الخلافة العثمانية السنيّة على يد الجنرال التركي مصطفى كمال عام 1924، كان السبب الرئيس في تجدد “علم الكلام” المعاصر حول الخلافة والإسلام والسياسة، وما كتاب الشيخ محمد رشيد رضا “الخلافة أو الإمامة العظمى” إلا دليل على ذلك [7].
وهذا ما يدفعنا للقول بأن مشكلة الخلافة، في البداية أي في صدر الإسلام وفي النهاية في الربع الأول من القرن العشرين، هي الدافع الأساسي في هذا الكم الهائل من الطروحات والطروحات المضادة في قضايا وإشكاليات الإسلام والسياسة والشريعة والقانون والحداثة، سواء في عصر النهضة العربية التي عبر عنها الخطاب النهضوي أو عصر الثورة العربية التي عبر عنها الخطاب الثوري.
ولا نذيع سرًا، إذا قلنا إن الخطاب السياسي العربي النهضوي، كان تفكيره منصبًا على الإسلام الحضاري، الذي أبدع فيه المسلمون في الآداب والفنون والعلوم، بينما خطاب الصحوة الإسلامية، كان تركيزه على المظاهر والشكليات وعلى العبادات والطقوس دون المعاملات، كما كان شغله الشاغل على الحجاب وعلى ترك اللحية وعلى لبس العباءة القصيرة ومضغ السواك، وعلى تطبيق الحدود وقطع الرؤوس والأيدي والأرجل، ومن هنا ليس غريبًا أن يكون سؤال الفكر العربي النهضوي هو: كيف ننهض؟ وبالتالي فإن الخطاب النهضوي كانت تحركه هواجس حضارية ويؤرقه سؤال التقدم وهاجس التمدن وحُلم الرقّي.
ومن المعلوم أنه قد تم تدشين القول في النهضة والتقدم في منتصف القرن التاسع عشر بالتزامن مع إصلاحات الدولة العثمانية في عهد السلطان سليم والسلطان عبد الحميد ومحاولات محمد علي باشا وأبنائه في بناء الدولة الحديثة، وكذلك الإصلاحات السياسية والإدارية التي قام بها بايات تونس، وسوف يتوقف الكلام المباح في الإصلاح وسيختفي لفظ النهضة من القاموس السياسي العربي في منتصف القرن العشرين، تاركًا المجال لخطاب الثورة والذي تزامن نشوؤه مع الحلقات الأولى من مسلسل الانقلابات العسكرية، بزعم القضاء على الاستعمار وتحرير فلسطين والتبعية والاستبداد والتخلف، وفي نفس الوقت تحقيق مطالب القوى الوطنية في العدالة الاجتماعية والوحدة العربية والاشتراكية وبناء حياة ديمقراطية سليمة.
ومن البديهي القول إن دعاة التغيير الثوري ومُنظّري الأيديولوجيا الثورية في العالم العربي رفعوا شعار الثورة هي الحل، كما أقنعوا الجماهير بأن الثورة هي السبيل الوحيد للتقدم وجعلوهم يحلمون بأن الثورة هي الحل السحري ذلك من التغيير الجذري للأوضاع القائمة، وقد حدد “الثوريون” العرب مشروعهم السياسي في قائمة الأهداف المذكورة أعلاه، مع التركيز على هدفين كبيرين هما القضاء على الاستعمار وتحرير فلسطين.
ولكن وبعد سنوات قلائل من الانقلابات والتي استولى من خلالها العسكر على السلطة في أكثر من بلد عربي، كان المشهد كارثيًا.. وتمثل في النتيجة التالية: فشل ذريع في التنمية وازدياد الفوارق الاجتماعية وتكاثر الهزائم العسكرية، كما تغوَّلت الدولة على المجتمع وارتفع منسوب التسلط والاستبداد والقمع وكان منحى العنف السياسي في تصاعد مستمر.
وهكذا وفي مطلع الثمانينيات أصبحت الصورة أكثر قتامة على جميع المستويات وعلى إثرها تم استخراج شهادة وفاة حقبة الثورة وتهاوت أطروحات “فلسفة الثورة” وتوارى “المثقفون الثوريون” عن الأنظار.
وفي الوقت الذي كان يسحب فيه البساط من تحت أقدام خطاب الثورة ويزاح من الفضاء العام، كان خطاب “الصحوة الإسلامية” يثبت أقدامه ويملأ الفراغ، والحقيقة أن خطاب “الصحوة” الذي كان سؤاله كيف نتقوقع ونتقهقر ونتراجع، وأبرز من يمثله هو خطاب الإسلام السياسي الذي لا ينفك يتحدث عن الذات والأصالة والدين ويحركه هاجس الحفاظ على الهوية ويتكلم كثيرًا عن “الغزو الثقافي” وضرورة غلق الأبواب والنوافذ أمام “الأفكار المستوردة” [8].
أما قضايا الأصالة والمعاصرة والديمقراطية وحقوق الإنسان، فقد كانت وما تزال من القضايا العالقة والعائقة، العالقة التي لم يحسم فيها النقاش منذ بدايات تكوين الفكر العربي الحديث في منتصف القرن التاسع عشر، والعائقة لتقدم الفكر وتطور الفهم وتراكم الوعي.
أقول إن النقاش في إشكاليات الشريعة والهوية والاختلاف والحداثة والهوية والاجتهاد وتجديد الخطاب الديني، لم يهدأ طيلة القرن العشرين ويبدو أنه لن يهدأ في القرن الحادي والعشرين، وذلك بالتزامن مع تصاعد المد الديني الأصولي وظهور وانتشار ما يسمى بإسلام البترودولار خاصة بعد ارتفاع أسعار النفط عقب حرب أكتوبر عام 1973، ونشوب الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979، والغزو السوفياتي لأفغانستان عام 1979، وحرب الخليج الأولى بين العراق وإيران عام 1980 وحرب الخليج الثانية عام 1991، وانفجار موجة الإرهاب الأولى والثانية في الثمانينيات والتسعينيات من طرف الجماعات التكفيرية، خاصة في مصر والجزائر وفي سوريا والعراق بعد ذلك. وكذلك من الأحداث البارزة والساخنة، نذكر من بينها اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987 والثانية في عام 2000.
لقد كانت المسألة واضحة، كل هذه الأحداث ساهمت في تأجيج نار النقاش ورفعت درجة حرارة السجال ودفعت الكثير من الباحثين للكتابة في قضايا السيادة والأمة والدولة الوطنية والدستور.
ولهذا لا نندهش من هذا السيل الجارف من الكتابات في هذه القضية التي يبدو أنها لا تسقط بالتقادم، وهي كتابات في أغلبها جاءت في شكل سجالات ومناظرات وحوارات وندوات، بين الدعوة المتجددة إلى العلمنة في دنيا العرب، أي ضرورة زيادة جرعة العلمنة في الحياة السياسية والاجتماعية، والدعوات المتكررة والمدوية إلى رفض أي شكل من أشكال العلمنة.
ولا بد من التنبيه هنا، إلى نوع جديد من الكتابات في الدعوة إلى أطروحة وضع الحدود الفاصلة بين السلطة الزمنية والسلطة الروحية، وكما أشرنا في دراسات سابقة [9] بدأ هذا النوع من الدراسات يرى النور مؤخرًا، ويحاول أصحابه أن يتقيدوا بالصرامة المنهجية في الكتابة والالتزام بالقواعد العلمية في البحث والموضوعية في التحليل، أي أنها كلها محاولات في إنشاء مقالة علمانية عربية، مقالة تراعي خصوصيات الثقافة والمجتمع في المنطقة العربية، ونحن نعرف أن المجتمعات العربية، إن تميزت بشيء فإنها تميزت بصفة المجتمعات الفسيفسائية، حيث يلاحظ التعدد الطائفي والتنوع الإثني والاختلاف المذهبي، والحقيقة أن هذه الدراسات تأخذ بعين الاعتبار ظروف نشأة وتكوين الدولة القطرية/الوطنية وتعير اهتمامًا للمستوى الحضاري للمجتمعات العربية التي بدأت في التَعلمُّن (مسار العلمنة) منذ حملة نابليون على مصر في نهاية القرن الثامن عشر [10].
واللافت للانتباه أن الدعوة الجديدة إلى العلمانية والمطالبة بها في العالم العربي في نهاية القرن العشرين، وإن كان بصوت خافت، جاءت كرد فعل ضد المشروع السياسي/الديني الأصولي المُتنامي في المنطقة منذ سبعينيات القرن الماضي والمناقض للمشروع العربي القومي العلماني.
مشروع.. في مواجهة مشروع
هذا المشروع الماضوي الذي يرتكز بالدرجة الأولى على ثلاثة مبادئ وبعبارة أخرى كان يروم تحقيق ثلاثة أهداف، كُلَّها تصب في بوتقة واحدة هي الأسلمة (Islamisation) [11] أو بعبارة أدق إعادة أسلمة المجتمعات العربية، إن صَّح هذا التعبير، بدعوى أن هذه المجتمعات قد انحرفت عن النهج الإسلامي الصحيح والأمة افترقت عن الشريعة.
ومن جملة هذه الأهداف التي سعى إليها الإسلاميون وقد حققوا الكثير منها، نذكر ما يلي: أولًا – أسلمة المجتمع: وذلك بتديين المجتمع بكل فئاته وشرائحه وطبقاته، عموديًا وأفقيًا، بواسطة نشر الثقافة الفقهية والمعرفة اللاهوتية في كل مفاصل الدولة والمجتمع، وتتم الأسلمة في بناء أكبر عدد ممكن من المساجد ومن المدارس القرآنية، بالإضافة إلى نشر التعليم الديني وتكثيف البرامج الدينية في الإذاعة والتلفزيون وفي وسائل التواصل الاجتماعي إلى درجة التخمة، وبالتالي ضرب عصفورين بحجر واحد، تمهيد الطريق أمام ممارسة الهيمنة – hégémonie – على أفراد المجتمع وجماعاته، وبالتالي تكريس الرؤية الدينية للعالم – بحيث لا يرى هؤلاء والجماعات في هذه الأرض غير المساجد والكنائس والمعابد، ولا يسمعون غير كلمات الكفر والإيمان والجنة والنار والملائكة والشياطين، ومن المؤكد أن هذه الرؤية للعالم تصنف الأفراد إما كافر أو مسلم والأشخاص إما ملحد أو مؤمن، والجماعات إما في حزب الشيطان أو حزب الله.
ثانيًا – أسلمة الدولة: وذلك باتباع تكتيك التَّغلّغل في كافة مؤسسات الدولة أو ما يسمى في الخطاب الإخواني بالتمكين، أي بالاستحواذ على أكبر عدد ممكن من الوظائف الحسّاسة في الدولة، ومن ثمة السطو على مناصب صنع القرار وخاصة في القطاعات التي تسهل فيها عمليات الهيمنة وإجراءات السيطرة، مثل قطاعات التعليم والإعلام والشؤون الدينية والأوقاف.
ومن المعروف أن هذا التكتيك يساعد على تحقيق هدف استراتيجي هو ممارسة السيطرة domination على جميع الأفراد والجماعات داخل المجتمع، ومن ثمة بسط الهيمنة على النخب السياسية والثقافية وهذا يؤدي بدوره إلى تحييد القوى الليبرالية واليسارية وقطع خطوط الاتصال بينها وبين قطاع عريض من الفئات والشرائح الاجتماعية.
وهكذا، وبعد أن تمت عملية الهيمنة في أوساط المجتمع أفقيًا وعموديًا وبنجاح وعلى الحاكم والمحكوم، وكل ذلك حدث تحت الرعاية السامية للدولة التسلطية والأنظمة الاستبدادية.
ثالثًا – أسلمة القانون: وذلك بإحلال فقه وفتاوى الجماعات الأصولية وتطبيق أحكام الشريعة، ولسنا في حاجة إلى شرح كبير للقول بأن الشريعة قد تشكل خطابها القانوني ومنطقها الداخلي ونظامها المعرفي وتأسست طرق ومناهج الاستدلال فيها في العصور الوسطى وبالضبط في القرن الثاني والثالث الهجري أي في عصر التدوين، أي في ظروف تاريخية واجتماعية وسياسية مختلفة جذريًّا عن أوضاع المجتمعات العربية/الإسلامية اليوم [12]، وبالتالي صدرت في سياق تاريخي سياسي/اجتماعي ونظام معرفي ثقافي/فقهي يقوم أساسًا على التمييز – la discrimination – وإن كان ذلك التمييز مبررًا في تلك الحقبة التاريخية.
ولقد بات من المتفق عليه، أنه كان هناك تمييز على أساس الجنس بين الذكر والأنثى، وعلى أساس العرق بين العرب والعجم، وعلى أساس المعتقد الديني بين المسلم وغير المسلم، ويميز بين الطوائف، السنة والشيعة والخوارج، ويميز بين الإنسان العبد والإنسان الحر، أقول إحلال الشريعة محل القوانين المدنية العصرية خاصة تلك التي تراعي حقوق الإنسان.
وهكذا تم في بعض البلاد العربية وضع الفتوى في مكان القانون وتم تداول مفاهيم لاهوتية مثل الحلال والحرام بدل مفاهيم القانون المدني، وإقامة الحدود بدل القانون الجنائي.
رابعًا – أسلمة الاقتصاد: وذلك بإلصاق لفظ الإسلامية على مفاهيم حديثة كأن يقال الاقتصاد الإسلامي، البنوك الإسلامية والصيرفة الإسلامية، بالإضافة إلى تشجيع ما يسمى باقتصاد البازار والسوق الموازية والتجارة الحرة الموازية وإحلال الزكاة محل الضرائب واعتبار فوائد البنوك ربا وبالتالي هي حرام!
بعد الغرام.. يأتي الانتقام
وكما سبق لنا القول في فقرة سابقة، بأن هناك ظاهرة غريبة في الفكر العربي الحديث والمعاصر، وهي أنه كلما تعالت الأصوات الداعية إلى رسم دائرة الدين بعيدًا عن دائرة السياسة وكلما صدرت كتابات تبشِّر بقيم الحداثة ومبادئ العقلانية والتنوير، كلما كان يثير ذلك زوبعة من ردود الفعل، تتمثل في سيل من كتابات الإنذار وبيانات الشجب وخطب التنديد ومناشير التحذير من شرور الحداثة والتنبيه إلى مساوئ العقلانية وخطر العلمانية الداهم على العقيدة والشريعة.
والحقيقة أن هذه الظاهرة الغريبة تكررت كثيرًا في التاريخ العربي المعاصر، هو أنه في البداية تعطى إشارة الانطلاق لرسالة التبشير بالعلمانية ومزاياها ومحاسنها لدى بعض المفكرين الليبراليين، ثم يعقبها رسائل الإنذار وخطابات التهديد والتي تظهر بشكل واضح في كتابات ونصوص الفكر السياسي الإسلامي المعاصر.
ولسنا في حاجة إلى توضيح أكثر، بأن هذه الظاهرة وقعت في بداية القرن العشرين عندما طرح فرح أنطون الفكرة ورَّد عليه الشيخ محمد عبده، وتكررت في نهاية القرن العشرين في العالم العربي وتمثلت في كتابات ونصوص محمد أركون وفرج فودة وفؤاد زكريا ونصر حامد أبوزيد وعادل ضاهر وعزيز العظمة وجورج طرابيشي وصادق جلال العظم والتي رد عليها يوسف القرضاوي ومحمد الغزالي ومحمد عمارة وعبد السلام ياسين.
ويبدو أن ظاهرة الفعل ورد الفعل في قضية العلمانية سوف تتكرر أيضًا في بداية القرن الثاني والعشرين.
وهكذا كان الفكر العربي الحديث والمعاصر تحكمه جدلية المثير والاستجابة، إذ بمجرد ما تطلق دعوة فصل الشأن السياسي عن الشأن الديني، وكانت هذه هي المُثير والفعل، إلا ويعقبها هجوم كاسح على الفكرة وشيطنة المفهوم، ووضع الداعين لها في قفص الاتهام، وكانت هذه هي الاستجابة ورد الفعل.
وغني عن البيان القول بأنه من السهل معرفة من يرفضون فكرة الفصل بين الشأن الديني والشأن السياسي، ومن لا يحبذون رؤية وجه من أهم وجوه الحداثة السياسية وعلامة من علامات الدولة الحديثة والمجتمع الحديث والثقافة الحديثة.
ومن المعروف أن الحداثة لا تكتمل بدون أجزائها الرئيسة وهي العلمانية والديمقراطية وحقوق الإنسان والدولة الحديثة، وهناك علاقة ماهوية بين الدولة الحديثة والعلمانية، فلا توجد دولة حديثة/متقدمة لا تفصل بين الدين والسياسة، بين سلطة رجال الدين وسلطة رجال الدولة، كما لا يوجد مجتمع حديث ومتقدم يُعطي ما لله لقيصر، وما لقيصر لله!
أقول إنه من السهل معرفة من يرفضون مبدأ الفصل وما يرتبط بهذا الفصل من ضرورات سياسية ودينية وثقافية وفكرية وأدبية، وخاصة ضرورات الإصلاح الديني ومطالب تجديد الخطاب الديني والدعوات المتكررة لفتح باب الاجتهاد ناهيك عن عقلنة التراث ونقد الموروث الثقافي.
ومن المعروف أن التيار السياسي الأيديولوجي الذي يعتبر العلمانية مفهومًا غير مرغوب فيه يتمثل أساسًا في جماعات الإسلام السياسي، بكل أنواعها وأشكالها وفصائلها وتنظيماتها، سواء على مستوى الفكر أي عبر منصة الفكر السياسي الإسلامي المعاصر [12] وعلى مستوى ما يمكن أن نطلق عليه اسم الإسلام الحزبي (الأحزاب الإسلامية) أي ذلك الذي يتجلى في شكل التنظيمات السياسية الحزبية مثل حزب حركة مجتمع السلم في الجزائر أو يتجلى من خلال تنظيمات المجتمع المدني مثل الجمعيات الأهلية/الخيرية والنقابات المهنية، أقول إن هذا التيار السياسي الملفوف في بطانة دينية والذي سرعان ما تضخم في الربع الأخير من القرن العشرين، هذا التيار ومعه كل القوى المحافظة يعلن صراحة رفضه لأي صيغة من صيغ العلمنة، وليس هذا فحسب بل ويعارض بشدة الدعوة ومهما كان مصدرها، إلى أي نوع من أنواع الفصل بين شؤون السماء وشؤون الأرض، كما أن هذا التيار الجارف والذي تدفق سيله ليس فقط يرفض فكرة “إعطاء ما لله لله وما لقيصر لقيصر” والغريب في الأمر أنه لا يقبل حتى طرح الموضوع للنقاش، بل ويذهب أبعد من ذلك وهو إلصاق بدعاة العلمنة قائمة من الاتهامات، على رأسها الخروج من المِلّة والمروق من الدين وتحريف رسالة التوحيد وزعزعة العقيدة والردة عن الثوابت ومعاداة الإسلام.
والحقيقة أن اغتيال المثقفين التنويرييّن ماديًا أو معنويًا، كان يتم على مراحل ووفق الخطة التالية، ففي المرحلة الأولى تصدر التهم وفي المرحلة الثانية يصدر حكم “شرعي” بالقتل أي حكم الإعدام، وبالتالي يصبح دم هذا المفكر أو الكاتب حلالًا مُستباحًا، وفي المرحلة الثالثة تتولى الجماعات الجهادية تنفيذ الحكم، واغتيال عدد كبير من خيرة المثقفين في الجزائر وفي تسعينيات القرن الماضي خير مثال على ذلك!
ومن البديهي القول إنه إذا كان من السهل تحديد مناهضي العلمانية، فإنه من الصعب القبض على موقف بعض المفكرين ومعرفة رأي بعض المثقفين والإمساك بوجهة نظر بعض الكتاب في العالم العربي من هذه المسألة التي يفضل الكثير من النخب السياسية والفكرية والأكاديمية الخوض فيها، وحتى بعض الأحزاب السياسية وبعض منظمات المجتمع المدني وبعض أنظمة الحكم، من المحيط إلى الخليج، فكل هؤلاء يعتقدون أنه من الأفضل عدم اتخاذ موقف واضح ومحدد من هذه القضية الحسَّاسة طلبًا للسلامة والعافية، إما خوفًا من العامة (la foule) أو طمعًا في رضا الجماهير وسكوت الشعب، علمًا أن العامة والجماهير والشعب في الوطن العربي قد تكاثر عددهم بسبب الانفجار الديمغرافي، إذ تضخم عدد العامة الذين يسهل تعبئتهم وتجييشهم.
وبالتالي فإن هؤلاء النخب الفكرية لا يرغبون في تحديد موقفهم من العلمانية خوفًا من الخاصة/السادة، أي من الطبقة السياسية الحاكمة، كما أن بعض المثقفين في هذه القضية يلتزمون الصمت ويحسبون ألف حساب لجماعات الهوس الديني التي خُلقت لتقتل، أو يسعون إلى إرضاء السلطة السياسية في إطار التطبيل للحاكم الذي هو في حد ذاته يستغل الدين لإرضاء العامة ويوظفه لستر عورة اللاشرعية بسبب غياب الشرعية القانونية-الدستورية!
ومن الظواهر التي تسترعي الانتباه في الحياة الثقافية العربية في القرن العشرين أن المفكرين والكُتَّاب العرب تتغير مواقفهم عندما تتغير مواقعهم في الخريطة السياسية وفي الطبقة الاجتماعية، فموقفه وهو في المعارضة مثلًا يختلف تمامًا عن موقفه وهو في السلطة أو مع السلطة السياسية أو قريب حتى من السلطة. وتتغير مواقف المثقف أيضًا كلما تقدم في العمر، وبعبارة أفصح مواقف المثقف/المفكر العربي وهو شاب تتناقض مع مواقفه وهو كهل، أما وهو في منتصف العمر فيتميز موقفه بالتذبذب والتردد واللاحسم، حتى لا نقول بالتناقض، وعندما يبلغ من العمر عُتيه، يتغير موقفه مائة وثمانين درجة عن الموقف الذي قد تبناه وهو في ربيع العمر!
وما يثير الدهشة والاستغراب هو أن يبدأ بعض المثقفين العرب مشوارهم الفكري ونضالهم السياسي باعتبارهم يساريين بل ويتبنون المنهج الماركسي-اللينيني، ثم يتحولون في نهاية العمر إلى أصوليين متشددين، وهناك حتى من الباحثين من ينطلق من الدعوة إلى الفكر الاشتراكي ويصرخ بأعلى صوته بتطبيق العدالة الاجتماعية وينادي بتحرير المرأة ويطالب بالديمقراطية وعندما تمر عليه السنون وتشتد عليه ضغوطات المد الأصولي، ينقلب أيديولوجيًا رأسًا على عقب وكأن شيئًا لم يكن، وينتهي في نهاية المطاف عند المطالبة بدولة ثيوقراطية ويرفع شعار تطبيق الشريعة ويترشح في الانتخابات رافعًا شعار “الإسلام هو الحل” بل ويعتبر المرأة عورة يجب أن تُغطى بالكامل من رأسها إلى أخمص قدميها، أي يطالب السلطات القائمة أن تفرض على النساء والفتيات أن يَلبسّن الحجاب وتضعن النقاب!
وفي المقابل كان هناك ثلة من المفكرين العرب لهم مواقف واضحة ومحددة من شعار “أعط ما لله لله وما لقيصر لقيصر”، كما اتسمت كتاباتهم بالجرأة والشجاعة، بل ووصلت في بعض الأحيان درجة التهوّر من مسألة العلمانية من البداية حتى النهاية، كما جاءت نصوصهم وفق منهج عقلاني وتنحو منحى النزعة النقدية، أما كتاباتهم الفكرية، فقد كانت تنضح بالتبشير بقيم الحداثة والسعي نحو التنوير ومحاولة لتكريس التفكير العلمي [13].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر و المراجع:
- ناصيف نصار.. نحو مجتمع جديد. بيروت ، دار الطليعة.1981ص 21.
- مصطفى دحماني. مجلة المستقبل العربي . أزمة الفكر الإسلامي المعاصر.عدد 522 فيفري, 2025 ، ص 25.
- عبد الإله بلقزيز. القومية و العلمانية. الرباط، دار الكلام.1989.ص 77.
- عزيز العظمة.. العلمانية من منظور مختلف. بيروت. مركز دراسات عربية.1992 ص 75.
- علي أومليل. الإصلاحية العربية و الدولة الوطنية . الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي. 1985 ص
- هشام جعيط. الفتنة .جدلية الدين و السياسة في الإسلام المبكر. بيروت . دار الطليعة(2012).ص 5.
- وجيه كوثراني. الدولة و الخلافة في الخطاب العربي. بيروت، دار الطليعة. 1996 ص 5..
- فؤاد زكريا. الصحوة الإسلامية في ميزان العقل. الإسكندرية،القاهرة،دار الوفاء لدنيا الطباعة و النشر. 2006. ص 9
- كمال عبد اللطيف. العرب و الحداثة السياسية. بيروت، دار الطليعة. 1997.ص29.
- مصطفى دحماني. فضح الزمن الأصولي. دراسات عربية ، 1994 العدد 7 و8. ص 47.
- محمد عابد الجابري. تكوين العقل العربي. بيروت. مركز دراسات الوحدة العريبة.1990.ص 199.
- مصطفى دحماني. أزمة الفكر الإسلامي المعاصر. المرجع نفسه.ص
- عزيز العظمة. العلمانية من منظور مختلف. المرجع نفسه ص 17