تكوين
الملخص
تنطلق الدراسة من مقترح الفيلسوف الألماني مارتن هيدجر Martin Heidegger (1889-1976) في كتابه الكينونة والزمان، محاولة تحديد أحد زوايا كينونة الذات الإسلامية من خلال أحد المفاهيم الجوهرية المكونة للعقل الإسلامي المعاصر وهو: مفهوم البدعة، ودوره في تكوين مفهوم التقدم ومفهوم الشريعة في الذهن الإسلامي. فمفهوم التقدم يعني ما تطمح إليه الذات أو النحن وترى فيه نسخة جديدة من نفسها؛ مجاوزة لأزمات الراهن ومشكلاته، ووجوده الواقعي مرهون بكينونة الذات ومستطاعها في الراهن. وتبدأ الدراسة بتحديد طبيعة المستقبل على أنه امتداد الراهن الذي يختلف عنه بطبيعة الحال، وتميزه عن الراهن والماضي، فلا يمكنه بأي حال من الأحوال أن يكون الماضي، وإذا كان الراهن؛ فهذا يعني ثبات الذات/ النحن وعدم إدراكها لصيرورة الكون من حولها والتنصل من مسؤوليتها. ومن ثم تنتقل لدراسة مفهوم التقدم من خلال مفهوم البدعة الذي يطفوا عادة عند السؤال حول المستقبل، ويضع محددات ومحاذير تعمل على تحديد مفهوم التقدم، وتحصره فيما هو مجرب ومضمون، وتسحب حق التجريب والخطأ من الذات.
وعليه تنتقل الدراسة في العنصر الثاني لتحديد مفهوم البدعة في العقل الإسلامي ومراحل بلورته التي أفضت به إلى أن أضحى من مكونات التوحيد. ويعد مفهوم البدعة محور الدراسة، حيث إنها تسعى لتقديم دوره في بناء مفهوم التقدم، وبلورة مفهوم الشريعة؛ على أنها حل لكافة الأزمات التي تعانيها المجتمعات الإسلامية. فالدراسة تسعى لتقديم مفهوم التقدم الذي تكوَّن تحت ضغط الراهن الملح بأزماته ومفهوم البدعة، حيث جاء بوصفه بحثًا للذات الإسلامية عن حلول لأزماتها، في وقت تقف البدعة فيه ضمن عقيدة التوحيد وتسلبها حق الخطأ بموجب سلطة إلهية. وفي ظل التجارب الاستعمارية ومحاولات الدمج الثقافي وظروف سياسية واجتماعية عديدة، راحت تلوذ بالماضي الذي يمثل ضمانة دينية وتجريبية بالنسبة لها، وهو المتاح في ظل تخوم مفهوم البدعة الذي يحرم كل ما هو جديد. ومن ثم تبلور مفهوم الشريعة بوصفها حلًا لكافة الأزمات التي تعانيها المجتمعات العربية. فبالرغم من الاختلاف على طبيعة الشريعة ومكوناتها، بيد أن كافة الاتجاهات تتفق على أنها تمثل الحل لكافة الأزمات التي تعانيها المجتمعات العربية/ الإسلامية، وثمة اتفاق ضمني على مبدأ المرجعية، حيث لا يمكن العقل أن يستقل بأفكاره دون مرجعية يستقي منها.
ويعد مفهوم التقدم في الذهن العربي الإسلامي استقالة للعقل؛ الذي يرى في الماضي النسخة الطوباوية الأكمل من نسخ الاجتماع الإنساني، ويسعى إلى تطبيقها على الراهن وصناعة المستقبل على غرارها، وسخر جهوده لإثبات صلاحية هذا الماضي وأضحى يدور في حلقة مفرغة تبدأ حيث تنتهي. وعلى الجانب الآخر ثمة من يرى في القيم والمنجزات الحداثية صورة مجربة عن التقدم أثبتت فاعليتها، ويسعى لفرضها على أنماط الاجتماع العربي. وكلا الموقفين لا ينبئان عن موقف فعلي تجاه الحاضر ساعيًا إلى تقديم مقومات للحاضر تمكنه من تجاوز أزماته، وصياغة ممكنات المستقبل الذي يهدف عادة إلى التطور والانتقال من الراهن وتكويناته.
مقدمة
يقول الفيلسوف الفرنسي هنري بيرجسون Henri Bergson (1859-1941) في كتابه ((التطور المبدع)) حين كان يسعى لتحديد معنى الحياة:
“إن الحقيقة الواقعية نمو مستمر، وإبداع لا نهاية له”([1])
بهذا المعنى يصبح الوجود رهن الإبداع والتجديد والنمو المستمر. وتعمل الذات الإسلامية من خلال مفهوم البدعة الذي يرى في كل ما هو جديد شر؛ ومن ثم يدفع إلى الركود والاطمئنان إلى ما هو كائن وتبريره في أغلب الأحيان، ومن ثم الغياب عن الوجود بطبيعة الحال. وفي حال تنبه الذات الإسلامية لغيابها عن الوجود والسعي لتحديد أزماتها؛ ومن ثم الانبثاق للوجود المبدع الخلاق من جديد، فإنها تعمل من خلال مفهوم البدعة المترسخ فيها وتلوذ بماضٍ يبيحه مفهوم البدعة، وتراهن على صلاحيته لحل أزماتها ومن ثم تسخر جهودها في الدفاع عن هذا الماضي وإثبات صلاحيته، ويتغذى مفهوم البدعة تلقائيا من هذه العمليات التي لا تفعل شيئًا غير تكرار نفسها.
وحسب ما تُقدم لنا الفلسفات ويصرح به الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط، فإن النقد هو أعظم أداة بناء عرفها العقل البشري، حيث يمكنه من اكتشاف مناطق العجز والوهن فيه؛ ومن ثم العمل على ترميمها، من هذا المنطلق تعمل هذه الدراسة على تقديم رؤية نقدية لمفهوم التقدم في العقل الإسلامي حسب التيارات الموجودة على الساحة الفكرية الإسلامية، لتساهم في توضيح عدم عمل هذا المفهوم بشكل واقعي؛ يكون له ترجمة ملموسة تثبت صلاحيته في الواقع القائم الذي يحمل الأولوية دائمًا. وتحاول بشيء من تحري الموضوعية أن تقف على مسافة محايدة من كافة التيارات محللة رؤيتها دون تحيز. وتحديد طبيعة المستقبل الذي يجب أن يكون مختلفًا عن الماضي وعن الراهن.
وتبدأ الدراسة في تحديد طبيعة المستقبل، وكمونه في الراهن الذي يحدد مستطاع الذات/ النحن وما يمكن أن تكون عليه، وتنتقل بعد ذلك إلى تحديد مفهوم البدعة ومراحل بلورته التاريخية التي جعلته ضمن أصول الاعتقاد، بل ضمن عقيدة التوحيد حسب ما انتهى إليه محمد بن عبد الوهاب. ومن خلال مفهوم البدعة الذي يسلب الذات حق التجريب والخطأ وتحريم كل ما هو جديد، وأضحى ضمن عقيدة التوحيد، تعمل الدراسة على نقد مفهوم التقدم الذي يظهر في السؤال عن المستقبل وطبيعته، حيث يجيء في صورة الشريعة المضمونة عقائديا وتاريخيا، بوصفها شريعة ربانية مفارقة، وتجربة تاريخية لها آثارها الموجودة التي تثبت صلاحها. وتنتقل الدراسة نحو تحديد مفهوم الشريعة الذي يتم الرهان عليه من الاتجاهات المعاصرة في السياق العربي الإسلامي، بوصفه حلًا لكافة المشكلات المعاصرة في النطاق العربي الإسلامي، عبر التيارات الثلاثة الرئيسية الموجودة على الساحة العربية الإسلامية؛
- التيار السلفي
- التيار الأصولي/ المدرسي
- التيار الحداثي/ التجديدي
وتوضيح انطلاق كل منهما من رؤية مسبقة يعمل على فرضها على المجتمع، دون النظر في طبيعة المجتمع وحاجاته، والانطلاق من رؤية للمجتمع تحدد طبيعته وحاجاته ومن ثم مستقبله.
ويعد مفهوم التقدم في الذهن العربي الإسلامي استقالة للعقل الإسلامي؛ الذي يرى في الماضي النسخة الطوباوية الأكمل من نسخ الاجتماع الإنساني، ويسعى إلى تطبيقها على الراهن وصناعة المستقبل على غرارها، وسخر جهوده لإثبات صلاحية هذا الماضي وأضحى يدور في حلقة مفرغة تبدأ حيث تنتهي. وعلى الجانب الآخر ثمة من يرى في القيم والمنجزات الحداثية صورة مجربة عن التقدم أثبتت فاعليتها، ويسعى لفرضها على أنماط الاجتماع العربي. وكلا الموقفين لا ينبئان عن موقف فعلي تجاه الحاضر ساعيًا إلى تقديم مقومات للحاضر تمكنه من تجاوز أزماته، وصياغة ممكنات المستقبل الذي يهدف عادة إلى التطور والانتقال من الراهن وتكويناته.
أولاً: في طبيعة المستقبل.
“إن الفهم، من حيث هو انفتاح الهناك، إنما يمس دوما جملة الكينونة -في- العالم”
هيدجر([2])
مجمل الأحاديث والأدبيات المقدمة عن المستقبل تقدم نفسها في صورة توقع أو تخطيط للراهن يتفادى ما يحمله المستقبل؛ فالمجهول أحد اهم مكونات المستقبل، ويعد تناول الإنسان للمستقبل بالدراسة أحد أوجه مواجهة المجهول، من حيث التنبؤ به من معطيات الراهن ليبدو معروفًا، ومن ثم التخطيط لمواجهته وتجاوزه. فالمستقبل هو ممكن الراهن ولعل هذا ما نفهمه من عبارة الفيلسوف الألماني هيجل Georg Wilhelm Friedrich Hegel (1770-1831):
“إن مبدأ التطور يتضمن كذلك وجود بذرة كامنة – أي قدرة أو وجود بالقوة يكافح لكي يتحقق”([3])
لذا فإن السؤال عن طبيعة المستقبل هو سؤال عن الذات (النحن) ونمط الوجود القائم وما سيكون عليه تبعا لمعطيات الراهن، أو ما هو قادر عليه، أو موجود فيه بالقوة([4]). ويعبر عن هذا الباحث والمفكر المصري زكريا إبراهيم (1924-1976) في كتابه (مشكلة الحياة) قائلا:
“وليست الشجاعة في الحقيقة سوى تلك الإرادة الحرة التي تأخذ على عاتقها مواجهة ((الحاضر))، واثقة من أن ((المستقبل)) سوف يكون -في جانب منه- امتدادٍ لهذا الحاضر”([5]).
يمكن القول أن المستقبل هو امتداد للراهن، أو بالأحرى هو نمط من تجاوز أزمات الراهن يفرز نوعًا آخرًا من الأزمات يسعى إلى تجاوزها، ويذكر الباحث والمفكر المصري زكي نجيب محمود (1905-1993) في كتابه ((مجتمع جديد أو الكارثة)): أن
“المستقبل المدروس المحسوب، يصبح مثل الحاضر مرئيًا للعين، فيخطوا السائرون وهم على علم بمواضع أقدامهم”([6])
ودراسة المستقبل وحسابه عند نجيب محمود تنبني على مدى إدراك النحن وعلمه بالواقع الذي يعيش فيه، واعتماده على الاستدلال العلمي الصحيح الذي تحكمه المناهج والعلوم المعاصرة([7])، وما يقدمه نجيب محمود في جانب منه ملموس في الواقع، من حيث قدرة الإنسان على التخطيط لمستقبله من خلال معطيات الراهن والقدرة على مواجهة ما ينتظره من تحديات، ولكنه في الوقت عينه لا يكون مرئيًا رؤيا العين حسب ما يقول نجيب محمود، ويخالفه كارل بوبر Karl Raimund Popper (1902-1994) في هذا ويرى أن
“التنبؤ الاجتماعي لابد وأن يكون أمرًا عسيرًا جدًا”([8])
فإذا كان المستقبل هو امتداد للراهن فإنه في جانب منه مجهول رغم قدرة العلم المعاصر وأدواته، وهذا ما اثبتته أزمة كوفيد 19 (كورونا) التي فاجأت العالم ووضعته في وضع متأهب لا زال يعاني من أثاره إلى اليوم.
وحسب هيدجر فإن حضور المستقبل في الراهن هي سمة الذات الواقعية التي تفهم كينونتها وقدراتها، ويتبين هذا في قول هيدجر في مؤلفه الأشهر ((الكينونة والزمان)):
“إن الدازاين الواقعاني هو بذلك متوقع لمستطاع – كينونته انطلاقا مما يشغله، هو يستطيع أن ينتظر وأن يتطلع لأمر ما”([9]).
فضمن شروط الكينونة عند هيدجر التزمن (الشعور بالزمن) وهو يعني وعي الذات/ النحن بالراهن وموقعه من الماضي والمستقبل، وتحديد ممكن الذات (المستقبل) من خلال الراهن القائم. وهذا ما يعرضه هيدجر بدقة قائلًا:
“يعني الفهم: كينونة- مستشرفة نحو مستطاع كينونة، من أجله يوجد الدازاين في كل مرة. فشأن الفهم أن يفتح مستطاع الكينونة الخاص على نحو بحيث أن الدازاين، بفهمه، هو يعرف في كل مرة، بوجه ما، أين هو من ذاته”([10]).
فالفهم كما يقدمه هيدجر في مقولته هذه يعني معرفة الذات لنفسها من خلال الراهن الذي تشكله وتحدد من خلالها أين هي من ذاتها المستقبلية وملامح ذاتها المستقبلية. فيمكن القول إن مشروع هيدجر الذي يقدمه في الكينونة والزمان يفضي إلى أن الذات حين تعي أنها تشكل الراهن ولا تعيش فيه فحسب، تحدد كينونتها وممكناتها وما يمكن أن تكون عليه.
وانطلاقا من طرح هيدجر في الكينونة والزمان الذي يعد المستقبل هو ممكن الراهن، تسعى الدراسة إلى تقديم رؤية للمفاهيم المساهمة في تكوين العقلية العربية الإسلامية؛ ومن ثم رؤيتها للمستقبل وأليات تقدمها، وطبيعة التقدم الذي تنشده، وما إذا كانت أدواتها المفاهيمية ورؤيتها التقدمية تعمل على تجاوز أزمات الراهن والانتقال من موضعها المهزوم حيال الآخر المتقدم، أم إلى تكريس هذا الوضع.
ثانياً: مفهوم البدعة وتبلوره في العقل الإسلامي
“إن الأرثوذكسية بنسختيها السنية والشيعية ليست شيئًا آخر غير الدين الرسمي الناتج عن التعاضد والتضامن بين أغلبية من يُدْعَوْن بالعلماء (أي رجال الدين) وبين الدولة”.
محمد أركون ([11])
إن الحديث عن البدعة عادة ما يستند إلى الحديث النبوي الذي قال فيه النبي (ص):
“فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ “([12])
والبدعة كما يقدمها الحديث المذكور عن النبي (ص) يتفق في المعنى اللغوي المطروح في ابن منظور: البِدْعةُ: الحَدَث وما ابْتُدِعَ من الدِّينِ بعد الإِكمال. ابن السكيت: البِدْعةُ كلُّ مُحْدَثةٍ([13]). فالبدعة حسب الحديث والمعنى المطروح في ابن منظور تمثل كل ما هو محدث وجديد، وإذا كان كذلك فمضمون الحديث يرفض كل ما هو محدث وجديد وهو أمر ينافيه العقل الإنساني لأنه ليس بمقدوره فعل ذلك. ومن خلال الحديث النبوي (أنتم أعلم بشئون دنياكم) يمكن القول إن التشديد كان على الأمر العقائدي، وهو أمر مفهوم في المرحلة التأسيسية للدين الإسلامي. بيد أنه تم توسيع مفهوم البدعة إلى ذلك الحد الذي جعله يشمل كل شيء ويعمل على قلب الأساس الديني القائل: أصل الأشياء الإباحة إلا ما حرم الذي جاء مضمونا في النص القرآني بتحريم بعض الأفعال وإلا جاء ليحل ويبيح بدلاً من التحريم([14])، فيُقَدَم مفهوم البدعة عادة داخل البناء العقائدي ويعد طريقا للعقيدة النقية الخالية من أي تشويه أو تشويش وحارسًا عليها، ويماثل مفهوم الهرطقة في المسيحية، فهو يعني القول غير المقبول من الأطر الاجتماعية والدينية، وهو ما يعني أصل الأشياء التحريم إلا ما أبيح، وهو ما سيتم توضيحه في السطور التالية.
-
تأسيس السيادة العليا في الفكر الإسلامي
تحت عنوان تأسيس السيادة العليا في الفكر الإسلامي يقدم المفكر الجزائري الفرنسي محمد أركون (1928-2010) العمليات التأسيسية لصياغة ما يسميه السياجات الدوغمائية (سجن العقل الإسلامي)؛ وهي النمط العام الذي وضعه رجال الدين والسياسية ليفكر من خلاله العقل الإسلامي حتى لا يقع في خطأ الزلل والابتداع. وحسب أركون فإن الشافعي “قد ساهم في سجن العقل الإسلامي داخل منهجية ضيقة سوف تمارس عملها كاستراتيجية لإلغاء التاريخية“([15])، فقد قدم الشافعي منهجه لأصول الفقه في حلقات تراتبية واحدة تنتقل للأخرى، فكما يرى أركون لم يكن في القرن الأول الهجري دستور أو نص ملزم غير القرآن –وإن كان هناك تداخل مع العرف من خلال السنن العملية، التي سنها الصحابة والخلفاء السابقون، وأعمال الرسول المنقولة بطبيعة الحال، ولكن لم يكن هناك نص يتمتع بالقوة الإلزامية التي يتمتع بها القرآن- فكان المصدر الأساسي لكافة أوجه التشريع([16])، وكذا كان مصدرًا لتقنين السنة كمصدرٍ ثانٍ للتشريع لدى الشافعي.
وعمل الشافعي على أن تكون السنة مصدر تشريع ثان بشكلٍ مقننٍ وملزمٍ مثل الذي يتمتع به القرآن، وقد ربط السنة بالنص القرآني في منهجه من ثلاث جهات،
- أولها تكرار السنة للوحي القرآني وتبنيه، وما ينتج عنه من تشابه دلالي بينهما.
- وثانيها: تبني السنة تفسير ما غمض من الآيات القرآنية([17]).
- ثالثها: وضع السنة بوصفها مكملًا للنص القرآني فيما سكت عنه الوحي القرآني([18])، ويضرب الصلاة مثال على ذلك، حيث فرضها القرآن وبينت السنة أعدادها وكيفية أدائها([19]).
يذكر الشافعي في رسالته، أنه كان ثمة اتفاق على الوجهين الأولين، بيد أن الوجه الثالث اختلف عليه البعض، باعتبار القرآن النص الموحى به إلى النبي، وهو وثيقة التشريع الأم([20]). ويلجأ الشافعي إلى اعتبار السنة وحياً على نمط مغاير للوحي القرآني، وهو الإلقاء في الروع، أي ما يمثل الإلهام([21]) للرد على المختلفين حول اعتبار السنة مكملة للنص القرآني؛ وذلك من خلال تأويله للفظة “الحكمة” الواردة في النص القرآني، على أنها السنة النبوية،
“ما مَنَّ الله به على العباد من تعلم الكتاب والحكمة : دليل على أن الحكمة سنة رسول الله ﷺ”([22]).
كما أنه يقدم فرض الله لطاعة النبي دليلًا على أن السنة بها ما بينه الله على لسان نبيه بلا نص أو كتاب([23])،
“فاعلم أن معصيته في ترك أمره وأمر رسوله، ولم يجعل لهم إلا اتباعه”([24]).
ويوحد بين مصدر القرآن والسنة في الرسالة بقوله “من قبل عن رسول الله فعن الله قد قبل“([25]). هكذا عمل الشافعي على التنظير لسلطة الحديث([26])، واعتبار السنة المصدر الثاني للتشريع، وتأصيل السنة لتصبح جزءً من الوحي يتضمن تفسيره وتوضيحه، وإكمال ما سكت عنه.
-
تقنين الاجتهاد
بعد أن أنهي الشافعي مهمة وضع السنة ضمن النص الإلزامي داخل الإسلام سعى إلى تقنين الاجتهاد وعمل على الحد من مساحة الاجتهاد، وأغلق باب الاجتهاد عما ورد فيه نص، ولا يمكننا الجزم بأن إغلاق الاجتهاد فيما ورد فيه نص كان معروفاً لدى الصحابة ([27])، وبالرغم من وضوح التجربة العمرية (نسبة لعمر بن الخطاب) وانتشار سيرتها في السنة، فإن الشافعي تغافل عنها وأقصاها، ليحكم غلق باب الاجتهاد فيما ورد فيه نص([28]).
وإن كان الشافعي قد نجح في إغلاق الاجتهاد فيما فيه نص فإنه عجز عن إغلاق باب الاجتهاد فيما لم يرد فيه نص، لذا فتحه فتحاً مضبوطاً ومؤطراً، فوضع القياس إطاراً للاجتهاد، ويقول في رسالته بوضوح:
“إذا أمر النبي بالاجتهاد، فالاجتهاد لا يكون أبداً إلا على طلب شيء، وطلب الشيء لا يكون إلا بدلائل والدلائل هي القياس”([29])
وتظل المماهاة بين الاجتهاد والقياس للحد من الإحداث والابتداع، حتى أنه يوحد بين المفهومين في رسالته قائلا:
” قال: فما القياس؟ أهو الاجتهاد؟ أم هما مفترقان؟
قلت: هما اسمان لمعنى واحد.
قال: فما جمعهما؟
قلت: كل ما نزل بمسلم ففيه حكم لازم، أو على سبيل الحق فيه دلالة موجودة، وعليه إذا كان فيه بعينه حكم: اتباعه. وإذا لم يكن فيه بعينه طلب الدلالة على سبيل الحق فيه بالاجتهاد. والاجتهاد القياس”([30]).
فقد وحد الشافعي بين المفهومين ليحصر الاجتهاد في القياس على النص، دون أي جهد عقلي من الفرد أو مراعاة للمصلحة، فهو يمثل بيانًا لحكم الشرع. فالقياس يتم على مثال من النص القرآني أو النص السني، وبغير ذلك يكون حكم الهوى والتضليل وليس حكم الشرع([31]). يمثل الاجتهاد على حد قول الشاعر السوري أدونيس “وسيلة للكشف عما أراده الشارع القديم في الحادثة الجديدة، وليس للكشف عما يريده الإنسان الذي يواجه هذه الحادثة“([32]). فكان مشروع الشافعي وجهوده تهدف للوقوف ضد الإحداث، وتكريس سلطة القديم. فنظام البيان الشافعي –الذي لم يكن معروفا بصورته التنظيرية قبله- لا يعدو كونه حلقة مفرغة أو عجلة تنتهي حيث تبدأ، فهي تبدأ من النص وتنتهي إلى أحكام تشريعية يتم استنباطها من النص عن طريق القياس على النص.
فقد حد الشافعي الاجتهاد في موضع أقرب للمحظورات التي تبيحها الضرورات، ثم أفرغه من معناه وجعله قياسا على السابق؛ لذا اعتبر العديد من الباحثين منهج الأصول الذي وضعه الشافعي يهدف إلى القطع مع الاختلاف والرأي وإقصائهما من الحقل الفقهي([33]). فيرى أركون أن الشافعي جعل أي تفكير أو فتوى عليها أن تمر عبر سبع مراتب، وهي حسب ما يذكرها أركون:
“كتاب الله، سنة رسوله، قول عامة من سلفنا، قياس على كتاب الله، قياس على الحديث أو السنة النبوية، قياس على قول عامة من سلفنا، الإجماع“([34])
وهو ما يعني ضبط الحركات الاجتماعية حسب ما قُدم سلفا في سياقات اجتماعية وتاريخية مختلفة، وهو أمر ينفي الواقع قبوله، لذا أفضى الأمر حسب ما يذكر أركون إلى أن:
“بقيت أصول الفقه عبارة عن علم نظري تأملي ولم تمنع تشكل القانون ونموه على هيئة تركيبات وممارسات وضعية واقعية طيلة الفترة الكلاسيكية على الأقل”([35]).
- الأشعري وتأطير العقل الإسلامي.
ونستكمل الرؤية التي قدمها محمد أركون عن تأسيس السيادة العليا في الإسلام مما يقدمه الباحث والمفكر المصري علي مبروك (1958-2016) في مشروعه وتركيزه على دور المدرسة الأشعرية في صياغة العقل الإسلامي وفرض نفسها بوصفها ممثلة للكتاب والسنة. فيرى مبروك أن مثلما رفع الشافعي أصوله الكبرى في الفقه مقام الوحي الذي لا ينفك عن الإسلام، فإن الأشعري وضع نمطه العقائدي ضمن المتعالي والمقدس في مقابل الآخر المدنس على النحو الذي يقتضي إقصاؤه والقضاء عليه([36])، وكما أفضى منهج الشافعي للأصول إلى غياب الاجتهاد فيما فيه نص وحضوره حضورًا يشبه الغياب في مضمونه فيما لم يرد فيه نص، وتحديد نمط محدد ومعين لعمل الفقه، فإن الأشعري كذلك قد أنهى الاختلاف الكلامي ومنطق التعدد لحسابه، وذلك لنسبة نفسه إلى أهل السنة والجماعة والقرآن، والحديث باسمهم وتأييد السلطة السياسية لما يقول وتماهيها معه ومع القرآن والسنة.
ويمكن القول إن نظرية الكسب الأشعري تمثل جوهر الفكر الأشعري؛ وهي نظرية تذكر باسم المدرسة الأشعرية ومؤداها أن الأفعال كلها خلق لله كسب للإنسان([37]) وكانت هذه النظرية استجابة للسؤال عن قدرة الإنسان على الفعل وحسابه عليه في الأخرة، وأعلن الأشعرية غياب أي مسؤولية للإنسان حيال الفعل وأنها كلها خلق لله. وتقع الأشعرية هنا في موضع يجبرها على الإجابة عن أسباب حساب الإنسان في الأخرة وعقابه، وفي هذا الأمر نجد إجابات مشوشة تفضي في نهاية الأمر إلى قولهم بأن الحكمة هي وضع الشيء في موضعه، والإنسان مِلك لله عز وجل، فعدل أن يفعل الله ما يشاء في مُلكه فكل تصرف فيه عدل لأنه مُلكه([38]).
وسعت الأشعرية بذلك إلى نسب القدرة كلها لله، ومن ثم تتماهي مع التعاليم الإلهية وتصبح هي والدين في حالة من التماهي، لتعد هي الدين. فوضعت الأشعرية خطابها ضمن أهل السنة والجماعة مقابل أهل الأهواء والجهالة([39])، ويعبر عن هذا ما قدمه الإمام الطيب شيخ الأزهر في دراسة له تحت عنوان (أهل السنة والجماعة) بأن أهل السنة والجماعة من خلال منهج الأزهر منذ المرحلة الابتدائية حتى الماجستير والدكتوراه هم أتباع أبي الحسن الأشعري وأبي ناصر الماتريدي، ويسوق الكثير من الشواهد التاريخية وآراء الرموز التي يعتد بها العقل الإسلامي([40])، ويرى الطيب أن إحياء هذا المذهب يمثل طوق النجاة للأمة([41])، ويتمتع الأزهر بشكل أو بأخر بموثوقية تجعله يعبر عن العقل الإسلامي العام، ولا يعني هذا أن ثمة استثناءات بطبيعة الحال، ولكن يمكن أن يقال إنه المُعَبِر الرئيسي عن العقل الإسلامي.
وقد أنكرت الأشعرية أي دور للعقل في الواجبات، وجعلوها كلها سمعية جاء بها النص، فالفعل المأمور به في النص حسن، حتى وان لم يتبين للعقل أنه كذلك([42])، وسعت إلى نفي النظريات المقابلة بدعوى أنها تمثل العودة إلى صحيح الإسلام (أهل السنة والجماعة)، لذا تعد أول ظهور للماضي بوصفه نسقًا مكتملًا إلهيًا مفارقًا عن الذات الإسلامية القائمة، وكان هذا مع أبي الحسن الأشعري حين خلع ردائه على المنبر وأعلن عودته للسنة والجماعة، وبلورة هذا نظريا في كتبه وتكملة أعضاء المدرسة بلورة لنظريته([43]). فقدمت الأشعرية مذهبها على أنه يمثل الوحدة والائتلاف في مقابل التفرق والاختلاف اللذان يمثلان مقدمة لسقوط الأمم، لذا أعلن الأشعري سعيه إلى الأصل الذي لا يعرف الاختلاف([44])، ونفي كل ما عداه باعتباره انحرافا عن الأصل.
ويرى أركون أن انكار الأشعرية للعقل واستخدامها للهيبة الدينية والنبوية التي لا تناقش وضع المحاجات العقلية في موضع مشبوه([45])، حيث مثلت الهوى والجهالة وعمل النفس في مقابل الإلهي المقدس والأبدي النافع، ومن خلال هذا يرى أركون أن الخطاب الأشعري قد فرض نفسه على أنه “الأكثر صحة: أي ذلك الذي يعبر بشكل مطابق وأمين عن التعاليم الموجود في المدونة الأرثوذكسية للاعتقاد والملخصة في الشهادة الإيمانية“([46])، وحسب مبروك لم يكن الانتصار الشعبي الذي حققه الفكر الأشعري نابعًا من دعواه بالتفوق والتماهي مع الله والتعاليم الدينية الصحيحة بقدر ما كان لفرضه سياسيًا، حيث عمل الخطاب الأشعري على تحويل الدين قناعا للسلطة السياسية، فأضحى كما يقول مبروك “الديني يحضر، ظاهرًا، على صعيد اللغة والشكل، وبين السياسي يحضر، كامنًا، على مستوى الجوهر والبنية الأعمق“([47])، لذا تمثل انتصارها انتصارًا للسلطة السياسية، وتم فرضها بآليات السطوة السياسية.
كذا يمكن القول مع مبروك وأركون أن الشافعي وأبا الحسن الأشعري قدما الأسس العليا في الإسلام التي قدمت نفسها في صورة تتماهي مع الإسلام في شقيه الفقهي والعقائدي، وهذا يعني تحديد طريق ما، يتم تقديم الإسلام فيه على كلا الاتجاهين، ومن ثم عدم الالتزام بهما يعد بدعة في الدين غير مقبولة، حيث تم تحديده سلفًا من قبل هذين العالِمين. وتعد هذه أولى مراحل تكوين مفهوم البدعة في العقل الإسلامي، حيث جاءت البدعة تشكل عدم الالتزام بالمنهج الفقهي الذي وضعه الشافعي، أو النسق العقائدي الذي قدمته المدرسة الأشعرية ارتكازًا على ما قدمه أبو الحسن الأشعري، اللذان تماها مع الدين الإسلامي وأعادا صياغته بشكلٍ أكثر انغلاقًا بمباركة السلطة السياسية المعتاد حيال هذه الأمور.
-
ابن تيمية واتساع مفهوم البدعة.
يضع ابن تيمية مفهوم البدعة في تطور ملحوظ حيث يمثل الخروج عن الكتاب والسنة، فكما قدمه الشافعي والأشعري هو عدم الالتزام بأنساقهم، بيد أن ابن تيمية يضع مقترحه لا نقول في موضع متماه مع القرآن والسنة، بل يتكلم باسمهم، أي أن ما يقوله هو الكتاب والسنة، ويقول في هذا الأمر:
“الْبِدْعَةُ: مَا خَالَفَتْ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ أَوْ إجْمَاعَ سَلَفِ الْأُمَّةِ مِنْ الِاعْتِقَادَاتِ وَالْعِبَادَاتِ. كَأَقْوَالِ الْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَالْجَهْمِيَّة وَكَاَلَّذِينَ يَتَعَبَّدُونَ بِالرَّقْصِ وَالْغِنَاءِ فِي الْمَسَاجِدِ وَاَلَّذِينَ يَتَعَبَّدُونَ بِحَلْقِ اللِّحَى وَأَكْلِ الْحَشِيشَةِ وَأَنْوَاعِ ذَلِكَ مِنْ الْبِدَعِ الَّتِي يَتَعَبَّدُ بِهَا طَوَائِفُ مِنْ الْمُخَالِفِينَ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ”([48]).
ويتسع هنا مفهوم البدعة مع ابن تيمية ويرفض كافة الاجتهادات الفقهية والكلامية التي قدمت في التاريخ الإسلامي ويرى أن كل ما يخرج عن إطار القرآن والسنة النبوية وما يمسهم بالسلف الصالح فهو بدعة، فعندما سألوه عما قدمه بأنه موافق ومطابق لما قدمه الإمام أحمد بن حنبل قال:
“مَا جَمَعْت إلَّا عَقِيدَةَ السَّلَفِ الصَّالِحِ جَمِيعِهِمْ لَيْسَ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ اخْتِصَاصٌ بِهَذَا، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ إنَّمَا هُوَ مُبَلِّغُ الْعِلْمِ الَّذِي جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَوْ قَالَ أَحْمَدُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ مَا لَمْ يَجِئْ بِهِ الرَّسُولُ لَمْ نَقْبَلْهُ وَهَذِهِ عَقِيدَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ”(([49].
والتطور الذي يقدمه ابن تيمية لمفهوم البدعة يجعله أكثر حضورًا في الذهن الإسلامي، كما أنه يقترب أكثر من موضع المحافظ والحارس على الدين، حيث يكون التهديد هنا للقرآن والسنة وهما العنصران التأسيسيان للديانة الإسلامية؛ لذا ليس من الغريب أن يفضي إلى مزيد من التشدد والإصرار على عدم المساس بما هو بدعة، والتشدد هنا يعد تشددًا محمودا من حيث هو للحق وللدين وهذا ما يعطي المفهوم تغلغلًا أكبر في الذهن الإسلامي والأطر الاجتماعية. خاصة حين يوضع مقرونا بالفرقة ومضادًا للسنة والجماعة كما يقول هو:
“والبدعة مقرونة بالفرقة كَمَا ان السّنة مقرونة بِالْجَمَاعَة فَيُقَال أهل السّنة وَالْجَمَاعَة كَمَا يُقَال أهل الْبِدْعَة والفرقة”([50])
وللفرقة طابع هدمي لدى العرب نظرا للطابع القبلي، لذا تعد البدعة هنا هدما للأمة وللدين.
ويميز ابن تيمية بين البدعة في معناها اللغوي والبدعة الشرعية، ويرى أن التقسيم المعروض للبدعة؛ الحسن وغير حسن يقع في البدعة اللغوية، بيد أن ما تم الاتفاق عليه من أمور محدثة في الشريعة فليس ببدعة، مثل صلاة التراويح التي أضحت بمقام الفرض، وجمع القرآن في المصحف، كل هذه الأمور لا يراها ابن تيمية بدعة من حيث الشرع ولكنها بدعة من جهة التصنيف اللغوي([51]). وفي ظني أن ابن تيمية بهذا التقسيم يضع ما يقره هو ضمن الشرع ويضع ما يقر بأنه ليس كذلك ضمن البدعة، مما يجعل المفهوم أكثر اتساعًا ومرونة بين يديه. فكما ذكر يضع صلاة التراويح وخلافها ضمن موجب الشريعة، ويضع بيع مستلزمات الأعياد غير الإسلامية ضمن البدع([52])، رغم ما هو معروف من حق العيش المشترك الذي قدمته وثيقة المدينة التي عقدها رسول الله ﷺ.
وللفيلسوف الفرنسي فرانسوا ريكاناتي Francois Recanati (1952) رؤية يطرحها في كتاب عنونه ب (Literal Meaning المعنى الحرفي) مفادها أن “المكان ولزمان مكونان لمضمون القول“([53])، وهذه الرؤية تفيدنا هنا من حيث أنها توضح مضمون سعي ابن تيمية لتوسيع الدائرة المفاهيمية للبدعة، حيث أنه وجد في ظل غزو التتار للدول الإسلامية حالة من الضعف والوهن، وما يعنيه الغزو والاستعمار من محاولة فرض ثقافة الغير الذي يفتح الباب للوذ بالقديم على مصراعيه، خاصة أن ثمة تعدٍ قد تم على الشريعة الإسلامية التي كانت تحكم حينها من قبل جنكيز خان قائد المغول، حين وضع دستورًا يحكم به المسلمين اقتبس فيه العديد من شرائع اليهودية والمسيحية([54])، وهو ما يعني هزيمة للدين وللشريعة خاصة في حال تفوقه العسكري.
ومن زاوية أخرى في ظل هذا الضعف السياسي والعسكري الذي عادة ما يترجم إلى ضعف ديني داخل التاريخ الإسلامي، يعلو صوت الطائفية والمذهبية، وهو الأمر الذي دفع ابن تيمية إلى رد الأمر إلى بواكير الإسلام وسلك مذهبية اللاتمذهب، ومحاربة كافة التيارات ورفضها، وتوسيع دائرة مفهوم البدعة والتشديد عليه، خاصة مع شيوع الفرق الصوفية حينها ومعروف عنه عداؤه لها([55])، فضلا عن ما يعنيه دور النضالي وقائد الجيش، من القيادة وعدم الفرقة وتجميع الصفوف وابن تيمية عمل قائدًا ومحاربًا في فترة من حياته، وحسب ابن كثير جاء بالنصر في حين كانت الرجال والنساء العجائز والأطفال يعانون الويل ويرفعون أكفهم تضرعًا إلى الله([56]). ومن المعروف في الفكر الإسلامي أن حالات الانهزام مردها إلى التقصير في العبادة وكثرة البدع لتكون حالات الانهزام هذه تعبيرا عن غضب الله وعدم رضاه([57])، ويعد هذا تفسيرا كافيا لحالة اللوذ بالدين والالتزام بتعاليمه ومحاربة البدع.
3-محمد بن عبد الوهاب وبلورة مفهوم البدعة المعاصر.
لا يعد ما قدمه محمد بن عبد الوهاب (1703-1792) حيال مفهوم البدعة أكثر مما قدمه ابن تيمية؛ من التشديد على الاتفاق مع معتقد أهل السنة والجماعة والسير عليه، وتكريس الجزء الأكبر من جهوده لتبديع عقائد الصوفية وطرق عباداتهم([58]). فتعريف البدعة عنده لا يختلف عن تعريف البدعة عند ابن تيمية فيعرفها بأنها: “كل شيء أحدث على غير مثال يسمى بدعة سواء كان محمودًا أو مذمومًا وكذا القول في المحدث“([59])، لهذا يعد الباحث والمؤرخ المصري محمود إسماعيل (1940) محقًا في جانب من رؤيته أن ابن عبد الوهاب نقل عن ابن تيمية ولم يعط تجديدًا ذا بال، “بحيث يستحيل الحكم بخصوصية تميز الوهابية“([60]). فما فعله محمد بن عبد الوهاب في معظمه احياء لما قدمه ابن تيمية وعرضه بوصفه منهجًا لإحياء الدين، وذلك لاعتباره إحياء الدين وسنة القدماء يحمل الحل السحري لكافة مشكلات عصره.
واستدعاء ابن عبد الوهاب مقترحات ابن تيمية كان في جانب منه شكلًا من أشكال المقاومة ضد الأتراك، ومشروع لإقامة سلطنة إسلامية بديلة([61])، وفي جانب آخرًا كان ردًا على المتصوفة في عصره، وكان التدين الصوفي شائع حينها في نجد([62]). ويبدو هذا واضحًا في تحالفه مع آل سعود، حيث يكون لآل سعود شئون الحكم والسياسة ويكون لابن عبد الوهاب وابناؤه الشئون الدينية([63])، وفي تناول تعليماته التشديد على عدم الابتداع والتزام ما تركه السلف، أو حسب ما يقول اتباع السنة والجماعة وانكار كل ما هو محدث.
ويضع ابن عيد الوهاب الإيمان بالبدعة ضمن عقيدة التوحيد، فعند تحديده لمعنى التوحيد يقول “المسألة الكبيرة: أن عبادة الله لا تحصل إلا بالكفر بالطاغوت“([64]) ويحدد الطاغوت قائلًا: “هو ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع”([65])، وإذا كان اتباع المتبوع والمطاع حسب ما يقدمه ابن عبد الوهاب هو ضمن عقيدة التوحيد، فإن الخروج عن المتبوع الذي يحدده بالسنة والجماعة يعد شركًا لله عز وجل، ويجعل البدعة مقام الشرك ويقول هذا صراحةً: “والشرك بدعة، والمبتدع يؤول إلى الشرك، ولهذا لم يوجد مبتدع إلا وفيه نوع من الشرك“([66])، ومن ثم تأخذ البدعة بعدًا أكثر عمقا داخل الوجدان والعقل الإسلاميين، حيث يرتبط معتقد المرء بالتزامه بما سبق وإلا كان غير موحد، ومن ثم غير مسلم.
من خلال توضيح مراحل تبلور مفهوم البدعة التي بدا فيها دور الاستعمار والانهزام واضحًا، وتنامي مراحل التبلور إلى عده ضمن عقيدة التوحيد، يمكن القول إن مفهوم البدعة ضمن ما تم تقديمه يعد أحد المفاهيم المكونة للعقل الإسلامي، والذي كان حاضرًا في تاريخه ويخرج من واقعه في العديد من الأحيان ومن بنيته الفكرية. ويساهم مفهوم البدعة في طريقة تعاطي العقل الإسلامي مع الأفكار والواقع، ويشكل جزء غير قليل في طريقة تفكيره خاصة إذا كان ضمن عقيدة التوحيد. وهذا ما يجعله يظهر في أفق التساؤل عن المستقبل ليعبر عن المحاذير التي يجب عدم الوقوع فيها، والالتزام بما تركه السابقون، وهذا ما يعني صياغة نمط التقدم (تجاوز الراهن) حسب ما يرى السابقون، أو على غرارهم وهذا ما يتم معالجته في العنصر التالي.
ثالثاً: دور البدعة في بناء مفهوم التقدم في العقل الإسلامي
إن الطموح نحو المستقبل عادة هو طموح نحو راهن أفضل يخلو من الأزمات التي تعيشها الذات/ النحن الراهنة، ومن ثم يكون التخطيط له عبر تشخيص أزمات الراهن ووجود حلولٍ لها، وإذا كانت الذات مسلوبة حق التجريب والخطأ من خلال مفهوم البدعة؛ الذي يضع كل ما هو جديد وغير معهود ضمن الضلال والبعد عن الدين الصحيح، فإنها تعمل على تشخيص أزماتها وإيجاد حلول لها من الماضي؛ الذي يمثل لها فترة اكتمال النحن الإسلامية وتمثلها، وتعد مشكلة الواقع هي خروجه عما قدمه الماضي الذي يعد حلولًا إلهية مفارقة مجاوزة للحلول الإنسانية الناقصة، وتضمن لهم الدنيا والأخرة وليس الدنيا فقط كما في الواقع الغربي. فمفهوم البدعة يتضمن الانحراف عن الصراط المستقيم المحدد من قبل السلطة الإلهية التي لا تعرف النقصان البشري، وكما تم تقديمه فإنه أضحى بمثابة عقيدة تشكل دين الفرد. بهذا النمط يسحب مفهوم البدعة حق الخطأ من الذات البشرية بموجب حقٍ إلهي يرى مجموعة من البشر أنهم موكلين به، لذا حين كانت تصطدم الذات العربية بالراهن العاجز عن انتاج احتياجاته ومواجهة مطامع الغير كانت تلوذ بالشريعة والقديم، لأنه المخرج المسموح دينيًا بالنسبة لها، خاصة إذا كان يُقَدَم على أنه مستقبلٍ مضمون، وتجربة مسبقة أثبتت نجاحها. فتحت ضغط أعباء وأزمات الراهن المهزوم امام الآخر الغربي، ومفهوم البدعة الذي يقدم ضمن عقيدة التوحيد، يتولد مفهوم التقدم الذي يرى في الشريعة حل لكافة الأزمات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والعسكرية، والمعرفية، التي يعانيها الراهن، والرهان عليه بوصفه حلًا سحريًا وفوريًا، ومن ثم يصبح التقدم معني بوجود الشريعة في المجتمع الإسلامي.
-
حقيقة الإسلام وراهن المسلمين
عادة ما كان الاستعمار ينطلق من التسليم بالتفوق العسكري أو الحضاري، وقد جاء الاستعمار الأوروبي للعالم الإسلامي في القرن التاسع عشر والقرن العشرين، يزعم قدرته على الحكم الذاتي، وعجز البلدان الإسلامية عن ذلك، ومن ثم فقد جاء لإصلاحها بوصفه الاكثر قدرة على حكمها وفهمًا لأزماتها وإدارة أمورها([67]). لذا لم يكن خطر التوغل الإمبريالي الأوروبي هو الخطر المحيق بالإسلام في نظر المسلمين حينها، بل كان التفوق الحضاري هو العنصر الأهم، فكان التوغل الأوروبي لبلاد الإسلام يحمل في معناه تفوقًا حضاريًا للغرب المُستعمِر على الحضارة الإسلامية، فالإسلام لم ينتشر على أنه دين فقط، بل انتشر بوصفه دينًا ونظامًا للحياة في حالة من التماهي والتداخل([68])، وقد أكد الإسلام لنفسه صلاحية مطلقة على من يدينون به، في كافة المناحي الحياتية. فكان تفوق الغرب الإمبريالي كاشفًا عن التفوق الحضاري للغرب وصلاحيته، ومن ثم عجز الإسلام –المتمثل حينها– باعتباره منهجًا لمواجهته([69]).
ويأتي هذا متناقضًا مع الوعد الإلهي لهذه الأمة بالتفوق، فيتساءل الأفغاني: هل نرتاب في وعده بنصرنا بعد أن أكده لنا؟ ويجيب حاشا لله([70])، فالله لم يخلف وعده ولكن الأمة تخلفت عن الإسلام الصحيح، ومن ثم ظهر على الساحة مرة أخرى الإسلام الصوري الجوهري، المختلف جذريا عن حال المسلمين القائم بالفعل، وسعى التيار السلفي الإصلاحي إلى سد الفجوة القائمة بين ما سماه بالإسلام، وما سماهم بالمسلمين، وذلك من خلال عودة المسلمين إلى منهج الإسلام وجوهره. وتمثل الجوهر الإسلامي داخل الذهن الإصلاحي في التقدم الغربي، فاتخذ الغرب ذاته نموذجًا يحل به أزمته، ويسعى إلى تحققه([71])، بوصفه المسيطر حضاريًا، ومن ثم فارضًا للمعايير الإنسانية من خلال تفوقه.
منذ ذلك الحين وأضحى العقل الإسلامي المعاصر يفسر أزمة المجتمعات الإسلامية في غياب الدين عنها، وأضحى كل فريق يرى حضور نمط يتبناه من التدين في المجتمع هو الذي سيفضي إلى واقع أفضل يتجاوز أزماته، وسعى كل فرد إلى تطبيق الشريعة الإسلامية كلٌ حسب رؤيته للشريعة، فمنهم من رأى في الشريعة الإسلامية الواردة في القرآن، والالتزام بحرفيتها دون أي وسيط معرفي وتطبيق ما جاءت به تطبيقا صارمًا وهم التيار السلفي Formal Islamic،ومنهم من رأى أن الالتزام بالتفاسير والاجتهادات القديمة ومنهج أصول الفقه يمثل صونًا لذات الأمة وعونًا على أزماتها ويمثلون الاتجاه الأصولي. على جانب أخر رأى المناصرين للحداثة فيها نموذجا جاهزًا ومجربًا للتقدم وتطالب المجتمعات الإسلامية من الالتزام به وتضعه في موضع مقاصد الشريعة، دون الانتباه إلى أن الاتجاهين الأخرين يرون في التاريخ الإسلامي نسخة مجربة أيضًا من التقدم. فعلى اختلاف مشاربهم جميعًا إلا أنهم سعوا إلى ما هو مضمون ومجرب، وكأنهم عاجزين عن التجريب بأنفسهم، ولعل لمفهوم البدعة الذي يفضي إلى الارتكان إلى المرجعية دور في تبني النموذج المضمون والمجرب المتغافل عن حال الراهن واحتياجاته.
-
الخلافة ورهان التقدم
كانت الثورة الفرنسية في تقديمها لنفسها ذات طابع عالمي، مستندة إلى المنطق الإنساني وسيادة كل فرد([72])، وكانت تقدم نفسها باعتبارها ممثلة الإنسانية، وخضعت الدولة العثمانية للعديد مما تطرحه وتفرضه، بيد أن تدخلها وسعيها لبلورة التقدم في صورتها ساعد السلطات العثمانية على صياغة نمط الخلافة كنمط حكم إسلامي يحافظ على الهوية العرقية الإسلامية، وسبيل التقدم الحضاري للمجتمعات الإسلامية([73])، لذا يمكن القول مع أندرو مارتش* Androw F.March أن الحدث الأعظم في الفكر الإسلامي الحديث هو إلغاء الخلافة باسم السيادة الوطنية([74])، حيث مثلت هزيمة للدين الإسلامي وهوية الأمة، وتراجعًا تجاه الحضارة المنشودة للأمة، وجاء مردود ذلك نشأة أكثر الجماعات السياسية الإسلامية تأثيرا في الحقبة المعاصرة وهي جماعة الاخوان المسلمين؛ التي عرضت مشروع سياسي موازي لسقوط الخلافة يسعى للحفاظ على العقيدة الإسلامية وإحياء نمط الخلافة الإسلامية، وظهر في هذه الأثناء أيضًا كتاب الإسلام وأصول الحكم للشيخ علي عبد الرازق؛ الذي يعلن فيه عدم ورود الخلافة كنمط للحكم الإسلامي في الإسلام.
ورأى محمد رشيد رضا (1865-1935) في تحويل الخلافة السياسية إلى خلافة روحية وإعطاء كل دولة سيادتها الوطنية بدعة يمكن أن تؤدي للفتنة، واثناء بحث رشيد رضا عن مخرج للأمة الإسلامية من أزمة سقوط الخلافة، وقد تزامن مع سقوط الخلافة التحالف بين شيوخ الوهابية وآل سعود، تبلور في ذهنه التجربة الوهابية كتجربة ناجحة في مواجهة بدعة السيادة الوطنية التي ستشتت الأمة([75]). ورأى رضا في الخلافة صون للهوية والحياة الإسلامية ويقول:
“إن السبب الأول لكون الدولة البريطانية هو الخصم الأكبر الأشد الأقوى من خصوم الخلافة الإسلامية، هو أنها تخشى أن تتجدد بها حياة الإسلام”([76])
من هنا صيغت أنماط الحكم التي تعمل بمبدأ السيادة الوطنية بوصفها أنماطًا تبلورت للتآمر على الإسلام والحياة الإسلامية والنيل منهما، لذا جعل رضا نواة مشروعه الأساسية تأسيس حكومة إسلامية خالية من كل التقاليد والقوانين الافرنجية التي ما أنزل الله ها من سلطان([77]).
وفي هذه الأثناء كتب رجل الفقه والقانون المصري عبد الرازق السنهوري (1895-1971) مؤلفه الأشهر ((فقه الخلافة وتطورها لتصبح عصبة أمم شرقية)) ويميز فيه الخلافة عن الدولة الحديثة، بأن الخلافة لا تزعم أهليتها للتشريع وتحتفظ بمبدأ سيادة الشريعة واستقلالها، الذي يراه أكثر تقدما من مبدأ الفصل بين السلطات الذي تقدمه دولة القانون الوضعي، التي تزعم خضوعها للقانون وهي التي تصنعه([78]). ما يقدمه السنهوري باعتباره رجل قانون يعبر عن حالة الانهزام التي تمثلها سقوط الخلافة، حيث إنها تمثل تفريغ الشريعة الإسلامية من دورها ومضمونها، وإعطاء حق التشريع الإلهي لمجموعة من البشر واستبدال القانون الإلهي المؤبد اللانهائي، بالقانون الوضعي المؤقت النسبي.
في هذه الفترة تبلور مفهوم الخلافة كرؤية نهضوية للأمة فيها صلاح الأمة السياسي والعسكري والاجتماعي..، وانتصار للشريعة الربانية التي يتم الاعتداء عليها من خلال نمط دولة القانون الحديثة التي تبيح للإنسان التشريع، وهو أمر غير مسبوق في الفكر الإسلامي في صراحته ووضوحه، ربما اعتاد عليه الفكر الإسلامي متخفيا خلف الستار الديني، بيد أن نمط الدولة الحديث قد عراها من هذه الغطاء. والانتصار للخلافة في جزء منه انتصارًا للشريعة، أو بالأحرى في الذهن الإسلامي العام المفهومين متداخلانِ إلى حد يشبه التماهي والتوحيد بينهما، حيث تمثل الخلافة أمرًا ربانيا ومن ثم ركن من الشريعة، ومن خلالها يتم تطبيق الشريعة الربانية، حيث تكون هي السلطة الموكلة في الأرض، ومن ثم عبرها تتقدم الأمة الإسلامية امام الأمم الأخرى التي ترغب في النيل منها.
-
الراهن والتراث والحداثة
يرى الباحث والمفكر المغربي المعاصر عبد الإله بلقزيز ان الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر كانت ظروفه الفكرية والاجتماعية والاقتصادية مختلفة اختلافًا نوعيا، حيث لم يعد أمام مستجدات تطرحها المجتمعات الإسلامية عليه ويبحث عنها مستعينا بالثقافات الأخرى، بل أضحى “أمام حقائق تفرضها عليه مجتمعات وحضارات أخرى ألحقت به الهزيمة”([79])، وهي رؤية يقرها الواقع الإسلامي المعاش والروايات التاريخية. ومن ثم اخذ مفهوم البدعة أبعادا أكثر تغلغلا واتساعًا، وأخذت بعدًا أخرًا، حيث لم يعد الاجتهاد هنا ضد الثقافة المحافظة فحسب، بل نصرة للثقافات الدخيلة المتأمرة على الإسلام ومساعدتها في هدم الحياة الإسلامية، خاصة إذا كانت تستعين بما تفرضه هذه الثقافات لإنتاج أفكارها ومقترحاتها.
إن وقوع الاجتهاد في منطقة التآمر يجعل للمسألة أبعادا قومية أخرى بجوار الدينية، وهذا ما جعل كلا الطرفين المجتهد والمحافظ يبحث عن مرجعية تشرع لما يقوله، وعزل القدرة التشريعية عن القول نفسه وقوته أمام العقل والواقع الإنساني. وأضحى كل منهما يسعى إلى ما هو مضمون ومجرب، التيارات المحافظة (السلفية، والأصولية) ترى الأولى في القرآن والسنة وسيرة الصحابة صلاح للأمة في كافة مناحيها وصون للدين، وتضيف عليهم الثانية المذاهب الفقهية. في حين يركن التيار التجديدي إلى الحداثة كنظام مجرب وأثبت صلاحيته في المجتمعات غير الإسلامية، ومن ثم يحاول فرضها بشكل يفقدها حيويتها، حيث إنها لم تكن مفروضة على هذه المجتمعات التي نجحت فيها بيد أنها خرجت من هذه المجتمعات ومن احتياجاتها.
وعبر عن هذا الباحث والمفكر اللبناني علي حرب في كتابه ((الأختام الأصولية والشعائر التقدمية)) بقوله أن المأزق العربي الإسلامي يقع بين موقفين:
“الموقف الأصولي الذي يبحث عن حلول لمشكلات الحاضر في الماضي الإسلامي، عبر نفي الحداثة وإنجازاتها أو رجم العولمة وفتوحاتها، ثم الموقف التقدمي أو الجبري، الذي يبحث عن حلٍ لمشكلات الواقع في حداثةٍ غربيةٍ آفلةٍ، عبر نفي الموروث من المآثر والمنجزات”([80])
ومن ثم استدعي التراث والحداثة في الراهن الإسلامي، كل حسب اتجاهه؛ تبحث التيارات المحافظة في التراث لإثبات صلاحيته لقيادة الراهن وحل أزماته وطريق للمستقبل، وتبحث في الحداثة لإثبات عدم صلاحيتها* أو سلبها أصالتها ونسبتها للإسلام. والتيار التجديدي يبحث في التراث لإثبات عدم صلاحيته ونفي أي منجزٍ عنه، وفي الحداثة لتعظيمها وعرضها على انها النمط الأوحد للعقل الإنساني وللتقدم. دون الانتباه لقدرة كل من التراث والحداثة؛ فالتراث لا يمكنه إلا أن يكون تراثا، والحداثة ليست منتجا أداتيا قابل للاستيراد بقدر ما هي إفراز انساني واجتماعي يمكن التعلم منه كتجربة وليس عرضه كنموذج. وأتفق مع أبو يعرب المرزوقي في ان موقف الاستعارة يعبر عن الاستقالة الروحية والفكرية([81]) للطرفين، فكلا الموقفين يتغافل عن الراهن المنتج لاحتياجاته الدافع لتجاوزها والعبور للمستقبل، وهو ما عبر عنه زكريا إبراهيم بالشجاع كمدا ذكر في العنصر الأول.
رابعًا: مفهوم الشريعة في العقل الإسلامي المعاصر
أذنت انتفاضات الربيع العربي بوجود مساحة من الفراغ السياسي مكن تيارات الإسلام السياسي من إعلان مشاريعهم السياسية المعنية بتطبيق الشريعة الإسلامية، وتقديمها بوصفها المخرج الإلهي والوحيد من المأزق التي تقع فيه المجتمعات العربية الإسلامية، وتم ترجمة هذه الأصوات في علو تيارات الإسلام السياسي منصات الحكم في مصر وتونس، وحضورهم داخل دائرة النزاع السياسي في السياق العالمي. بيد أن الفكر الإسلامي المعاصر لا يملك مفهومًا واضحًا حول الشريعة، وهذا ما ذكره الباحث والمفكر الفلسطيني/ الأميركي وائل حلاق في كتابه ((ما هي الشريعة)) قائلا:
“لا يوجد اليوم رواية/ سردية كاملة واحدة تصف ماهية هذه الشريعة”([82])
وفي ظل هذا الإبهام وغياب التحديد لم هو مقصود بالشريعة ثمة رهان على أنها الحل السحري والفوري لكافة الأزمات التي تعانيها المجتمعات الإسلامية.
في ظل عدم التحديد والإبهام اللذان يعانيهما مفهوم الشريعة في السياق الإسلامي، واستناد تيارات الإسلام السياسي إليه لوجودها (أي الشريعة) في ساحات النزاع السياسي حتى وصولها للحكم، كان تحديد مفهوم الشريعة وآليات عمله داخل الأطر الاجتماعية أمر مطلوب وملح، بيد أن تيارات الإسلام السياسي أثبتت فراغ مقترحها من تحديد هذا المفهوم ومن أي آليات عمل واقعية، فهي لا تبرع إلا في المقاومة وتكفير الحكومات غير المطبقة للشريعة. في ظل هذه الأجواء كتب علي مبروك مؤلفه ((مفهوم الشريعة بين تسييس الإسلام وتحريره))، ليقدم فيه رؤية تاريخية لمفهوم الشريعة وكيفية تسييس الإسلام، وتقديم رؤيته لمفهوم الشريعة التي يرى فيها مراعاة للمصالح الاجتماعية، ومن ثم صلاحًا للمجتمعات الإسلامية.
وحسب ما يرى مبروك وتقره الروايات التاريخية كانت السلطة تعمل على تسييس الإسلام والحكم باسمه، وهذا هو دأب السلطة السياسية عادة، فالمقدس كثيرا ما كان أحد أبعاد الحقل السياسي؛ فبإمكان الدين أن يكون أداة للسلطة وضامن لشرعيتها، وتستعمله في إطار المنافسات السياسية ([83])، على هذا المنوال بلورت تيارات الإسلام السياسي نمط تدينها ومفهومها للشريعة في الحاكمية وتختزل الإسلام فيه، فحينما تعرض تيارات الإسلام السياسي مشروعها في السجال السياسي تزعم أنها تسعى إلى حكم الله وشريعته، وترى أن هذا تحقق في النسخة الأقدم من الإسلام، قبل التأويل وظهور الاجتهادات المقدمة، وهي مُمثلة هذا الإسلام في العصر الراهن وهي مستقبله([84]). والشريعة هنا تعبر عن خليط من الخلافة والاحتكام للنص القرآني واتخاذه دستورا والاحتذاء بتجربة الصحابة والتابعين، خليط تبرره الحاجة والعقل الانتقائي، ولكنه يلتزم بعدم الابتداع، حيث يعد كل ما هو قديم حسن، ويعتبر الماضي نمط لحل أزمات الحاضر، بل يسعى إلى أن يكون المستقبل على غرار الماضي.
وبطبيعة الواقع المعقدة والمتشابكة فليس ثمة مفهوم موحد للشريعة؛ فكل تيار أو فصيل يقدم مفهومه المتسق مع منطلقاته، وعلى اختلاف مشاربهم ثمة اتفاق على طوباوية الشريعة وتمثلها كحل لكافة الأزمات المعاصرة كل حسب بلورته، فالتيار السلفي يراهن على القرآن والسنة ونسخة متخيلة من عصر الصحابة تنفي عنهم النزاعات البشرية الطبيعية أحيانًا، والتيار الأصولي يضع إلى جوار ما يضعه التيار السلفي الفقه والفترات التالية لعصر الصحابة بصورة متخيلة أيضا ينفي عنها أحداث العنف والدم، وبصورة انتقائية يعمل على تقديم الأحداث التاريخية التي تتفق مع العقل الذي صاغته الحداثة والمعاصرة، دون الانتباه للسياق التاريخي. وتحت ضغط الحداثة التي تقدم نفسها باعتبارها العقل الإنساني المتقدم ومنجزاتها المبهرة، وبلورة الشريعة بوصفها حلًا لكل أزمات المجتمع الإسلامي وتشكل الحركات الإسلامية الساعية لذلك، يأتي المفهوم المطروح من قبل التيار التجديدي للشريعة، حيث يعمل بأدوات التأويل المعاصرة على استنطاق القرآن والتاريخ الإسلامي بالحداثة وقيمها.
-
المفهوم السلفي للشريعة
يعد هنري لوزير (السلفية) المصطلح الذي استخدمه الإصلاحيون المسلمون في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين للإشارة إلى حركة الحداثة الإسلامية لديهم([85]). ويتضح من خلال تسمية أنفسهم يهذا الاسم أنهم يطمحون إلى إعادة أمجاد أسلافهم وأجدادهم، لكن المقصود هنا (بالسلفية) التيار المشابه عمليا –إلى حد التطابق- بالوهابية، ولكنها ترفض أن يطلق عليها (الوهابية)، وتفضل أن تطلق على نفسها اسم (السلفية)، وهي -كما تعلن عن نفسها- تمثل الإسلام الخالص النقي الخالي من كل بدعة أو شائبة، بلا انحراف او زيادة، إنها تمثل الإسلام الصافي الذي أجمع عليه السلف الصالح، ولعل هذا ما دفع ((هنري لوزير)) إلى تسميتهم (بالسلفية النقاوية)([86]). وتمثل السلفية النقاوية أحد مردودات الحداثة، حيث إنها تستدعي منهج السلف الصالح لمواجهة أزمات العصر، التي ظهرت إبان احتكاك العقل العربي بمنجزات الحداثة، وتقدم نفسها بوصفها حاملةً لحقيقة الدين النهائية والفهم السلفي الصحيح.
ويتبلور المفهوم السلفي للشريعة في أنها تعبر عن الإسلام الذي نزل به الوحي أول مرة، بلا شائبة من بدعة أو انحراف([87])، الإسلام الصافي النقي الذي لم يدخله العلوم اليونانية التي دفعت إلى وجود علم الكلام وغيره من المنجزات المعرفية حول الخطاب القرآني، ويقدم التيار السلفي مفهومه للشريعة في صورة دينية لا تحتاج إلى تبرير واقعي أو منطقي، فهو يقدمه بوصفه صلاح الأمة الإسلامية لأن الله أمر به، ولا دخل للعقل الإنساني في ذلك، حيث المعرفة الإلهية أزلية مؤبدة غير نهائية ونحن مطالبين بالانصياع لها، فالشريعة صالحة لأنها من الله وهذا أمر ليس في حاجة لتبرير في ظنهم. وترفض أن توضع المذاهب الفقهية ضمن الشريعة لأنها لم تكن موجودة في زمن السلف الصالح([88])، فليس لدور السلطة السياسية المحتمل في صياغتها أو التقصير الإنساني المعتاد ربما، ولكن لأنها لم توجد في زمن السلف الصالح. لهذا يمكن القول إن مفهوم الشريعة السلفي الذي يضفي على الأمور شرعيتها ويحمل صلاح الأمة هو زمن السلف الصالح.
-
المفهوم الأصولي/ المدرسي للشريعة
ثمة استقرار داخل الذهن الإسلامي على أن حال المسلمين اليوم لا يمثل جوهر الإسلام لنفي العجز عنه ووضعه بوصفه نمط الحضارة والتقدم، ومن هذه الفكرة ينطلق الرهان على صحيح الإسلام المرادف للشريعة عادة على أنه حل للراهن المأزوم. وانطلاقا من هذه الرؤية يأتي المفهوم الأصولي للشريعة التي تعبر عن جوهر الإسلام وحقيقته، ويرى أن الشريعة تمثل ما جاء في التفسيرات القديمة والمذاهب الفقهية، معتبرا إياها هبات إلهية مخصوصة، وهبها الله لمن قدموها لتفانيهم في عبادته وليست مكتسبة، ويفضي هذا إلى أن هذه الاجتهادات المتوارثة تكون مبرأة من الأهواء والتحيزات الإنسانية الطبيعية بوصفها هبات إلهية وليست اكتساباً انسانياً([89])، وعليه تحمل هذه الاجتهادات قدسية تتماهى مع قدسية النص، لذا يصم التيار الأصولي التفسيرات المخالفة لمنهجه وتوجهه بأنها فاسدة ومستكرهة ومدسوسة من قبل جهات لا تفعل شيئًا سوى صناعة المؤامرات ضدها([90]). وحسب رؤيته بأن الاعتصام داخل هذه التفاسير المتوارثة لمفاهيم النص، ضمانة لوحدة المجتمع الإسلامي، ودفاع عن الهوية الإسلامية وحفظ لها ([91])، ترى أن العمل بهذه المدونات التراثية يمثل حالًا لأزمات المجتمعات الإسلامية، وهي لا تختلف عن التيار السلفي في تقديم مقترحها؛ إذ أنها تقدمه باعتباره الشريعة الربانية مقابل الإنسانية وتدخل الفقه والاجتهادات القديمة ضمن هذه الشريعة، ولكنها تحاول عقلنتها بعض الشيء تحت ضغط من الواقع المنتصر للحداثة.
ويحمل الاتجاه الأصولي نظرة محددة للتاريخ باعتباره يصير للأسوأ، فمنذ عصر الخلفاء الراشدين هو يتدهور لا يتقدم، ومن ثم على المجتمعات الإسلامية العودة إلى هذا العصر([92])، وتفكر من خلال هذا العصر كي تمتثل للشريعة الربانية. لذا يستمد الخلفية المرجعية للراهن من المنظومة التفسيرية والفقهية والفكرية التي قدمها العقل الإسلامي في العصر العباسي لمواجهة أزماته ومشكلاته، ويرى أنها تحد وترسم الشريعة التي على المجتمع اتباعها وتحمل صلاحه؛ لذا يمكن تسميته بالتيار المدرسي ويطلق على نفسه الاتجاه الوسطي، ويرفض المقترح السلفي والمقترح الحداثي بشيء من التعاطف والتآزر مع التيار السلفي وتيارات الإسلام السياسي.
-
مفهوم التيارات الحداثية للشريعة
بشكل دفاعي اضطر إليه الاتجاه التجديدي/ الحداثي أمام الاتجاه السلفي والأصولي يتجاوز عن تحديد طبيعة الشريعة، ويرفض صيغ الجمود المقدمة من الاتجاهين ويرى أن مثول الشريعة وحضورها في مقاصدها التي تلبي حاجة المجتمعات الإسلامية، لا في حرفيتها أو الالتزام بالقديم الذي ملك مقاصدها. وتحت سطوة الحداثة المبهرة التي تقدم نفسها في شكل مرادف للتقدم يرى مقاصد الشريعة في منجزات الحداثة ومبادئها، فيحد علي مبروك الشريعة بـ”أنها ليست أحكامًا نهائية ومطلقة أراد لها القرآن أن تدوم وتستمر؛ بل إنها مشروطة، ليس فقط بوقتها؛ بل بقدرتها على المبدأ الكلي التأسيسي الأسمى؛ الذي هو المساواة بين البشر جميعا”([93])، فحسب مبروك الشريعة هي الطريق لتحقيق المبدأ الكلي الذي حدده في المساواة بين البشر جميعا، غير منتبه إلى أن المبادئ الكلية أيضا تخضع للمتغيرات التاريخية، فكم من مطلقات كانت بالأمس أضحت اليوم غير موجودة أو نسبية، بيد أن المبدأ الكلي الذي يراه هو ما ارتضته الحداثة على أنه مبدأ كلي.
وبالرغم من سعي هذا الاتجاه نحو التحديث إلا أنه يحاول أن يدعم موقفه بمواقف مشابهة من التراث، أو في الأقل حدة أن يثبت عدم تعارض طرحه مع التراث الإسلامي([94])، وإن كان لهذا الأمر من دلالة فإنما يدل على مدى عمل العقل المعاصر بالتراث وإيمانه بحمل أدوات ومبادئ إصلاح الراهن، بل والمستقبل أيضًا. ويأخذ التيار التجديدي الموقف النضالي عينه الذي يأخذه التياران الأصولي والسلفي، حيث يعد مقترحه يمثل مخرجًا للمجتمعات الإسلامية مما هي فيه، وهو المناضل لأجلها، والموقف النضالي كما يذكر علي حرب: يقف “عائقًا دون إرادة الخلق والفتح … لأن مهمة المناضل هي الوعظ والتبشير أو الحراسة والمدافعة”([95])، واشتراك التيار الحداثي في الموقف النضالي يعني تماثل أدوات تفكيره مع كلا التيارين الأخرين، ولكن في طريق مختلف.
دفع الامتثال للحداثة كمقاصدٍ للشريعة محمد أركون إلى طرح مشروع قرائي للقرآن يخرج به من كل القولبة المنهجية المسبقة مثل؛ الالتزام بالتفسيرات السابقة أو تعين منجزات الحداثة كمقاصد، وذلك عبر طرحه بأن القرآن يمثل النسخة الأرضية لكلام الله (المشروطة لقوانين التصور والفهم الإنساني)، وهو ما يعني أن الوصول للمعنى مقيد بالمعرفة البشرية، ويتوقف على صلاحية تقنيات التفسير ومتانتها([96])، ومن ثم يعطي للقرآن صلاحية دائمة وعدم ربطه بمنجزات مسبقة. ومن ثم تصبح الشريعة المنصوصة في القرآن مفهومة في إطارها ومتحدثة من هذا الأفق، ويعني أن لها مقاصد مجاوزة حرفيتها، وهذه المقصد يحددها الأفق التاريخي حسب المنجزات المعرفية والابستمية التي يعمل داخلها.
الخاتمة
من خلال ما تم تقديمه يمكن القول إن مفهوم الشريعة بوصفه حلًا لكافة الأزمات التي تعانيها المجتمعات العربية تبلور من خلال اصطدام المجتمعات العربية بقيم ومنجزاتها الحداثة والعجز امامها، ومن ثم البحث عن مخرج لها والسعي نحو المستقبل، وفي ظل وجود مفهوم البدعة الذي يقر في إحدى زواياه امتلاك الدين صلاح الفرد والأمة على الدوام، تم تشخيص أزمة المجتمعات الإسلامية في ابتعاده عن صحيح الدين، وعلى هذا ارتأت أن الشريعة تمثل نمط التقدم واختلفت فيما بينها في تحديد ماهية الشريعة كما تم تقديمه. وحسب السرديات التاريخية فإن مفهوم البدعة عادة ما أُستدعي في أفق البحث عن المستقبل، ليعبر عن المحاذير التي لا يجب أن يقع المسلمين فيها، وهو بهذا يسحب حق الخطأ من الذات، وعليه تحبذ أن تلجأ للمضمون والمجرب ويمثل الماضي بالنسبة للتيارين السلفي والأصولي، والحداثة بالنسبة للتيار الحداثي، فضلا عن أنه في ظل وجود الاحتلال المتضمن محاولة الدمج الثقافي وفرض ثقافته، يكون اللوذ بالماضي والتاريخ القديم أمر نضالي محمود من قبل الأطر الاجتماعية التي تحب أن يكون لها سماتها المميزة، مما ساعد على ترسيخ مفهوم البدعة بوصفه أمرُ نضالي، والرهان على الشريعة بوصفها حلًا أصيلًا مقابل الحلول الدخيلة التي تهدف إلى هدم الأمة أكثر من صلاحها.
في ظل هذا الزخم وصراع الأفكار والاتجاهات، الراهن شبه متجاهل بالرغم من أن هذه الاجتهادات والتساؤلات تخرج منه، ولكنها أضحت كما يقول علي حرب تنظر لنفسها في دور نضالي، إما أن تناضل دفاعًا عن الدين والتراث وتعمل على قيادة المجتمع به. أو تسعى لاستيراد الحداثة بدعوى إنقاذ الأمة من غياهب الجهل الذي تقع فيه، فيقع الفكر الإسلامي المعاصر بين آخرين يعيش أزماتهم الآخر ثقافيًا وزمنيًا وهو التاريخ الذي يحاول استعادته، والآخر ثقافيًا وجغرافيًا وهو الحداثة الغربية. بيد أن مبدأ تحديد الكينونة والانطلاق نحو تجاوز الأزمات يلح على أن يوضع كل شيء في موضعه ليكون الماضي ماضيًا، حيث إن التراث لا يمكن بكل الأحوال إلا أن يكون تراثًا، وأن يكون الآخر آخرًا لأنه لن يكون الذات، وتحفظ الذات مساحتها من الآخر وتعترف له بما هو لها، وأن يكون الراهن هو ما تنطلق منه وتشتغل عليه، من كافة المناحي المعرفية، والسياسية، والاقتصادية، والاجتماعية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قائمة المصادر والمراجع.
- THEARCHITECTS OF ISLAMIC CIVILISATION, Editor by ALEXANDER WAIN MOHAMMAD HASHIM KAMALI, Pelanduk, iais Malaysia, 2017.
- إبراهيم (زكريا)، مشكلة الحياة، مكتبة مصر، القاهرة، د.ت.
- أبو زيد (نصر حامد)، الإمام الشافعي وتأسيس الأيديولوجية الوسطية، ط1، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2014.
- أبوزيد، مفهوم النص (دراسة في علوم القرآن)، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2014.
- أبوزيد، نقد الخطاب الديني، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط3، 2007.
- أدونيس الثابت والمتحول، ثلاثة أجزاء، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، 2017.
- أركون (محمد)، الفكر الإسلامي قراءة علمية، ترجمة هشام صالح، ط2، مركز الإنماء القومي، بيروت/ المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 1996.
- أركون (محمد)، نحو نقد العقل الإسلامي، ترجمة هشام صالح، ط1، دار الطليعة، بيروت، 2009.
- أركون، الهوامل والشوامل حول الإسلام المعاصر، ، ترجمة هشام صالح، دار الطليعة، بيروت، 2010.
- إسماعيل (محمود)، الفكر الإسلامي الحديث بين السلفيين والمجددين، ط1، رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة، 2006.
- الأفغاني (جمال الدين)، خاطرات الأفغاني، تقرير محمد باشا المخزومي، مكتبة الشروق الدولية، القاهرة، 2002.
- الآلوسي (محمود شكري)، تاريخ نجد، تحقيق محمد بهجة، ط1، الفرات للنشر والتوزيع، بيروت، 2007،
- أيدين (جميل)، ظهور الفكر الإسلامي العالمي، دراسة منشورة ضمن كتاب؛ الفكر العربي بعد العصر الليبرالي.
- البغدادي (احمد مبارك)، دراسات في السياسة الشرعية عند فقهاء أهل السنة، مكتبة الفلاح، الكويت، 1987.
- بلانديه (جورج)، الأنثروبولوجيا السياسية، ت، علي المصري، ط2 المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، 2007.
- بلقزيز (عبد الإله)، الإسلام والسياسة دور الحركات الإسلامية في صوغ المجال السياسي، المركز الثافي العربي، الدار البيضاء، بيروت، 2001.
- بوبر (كارل)، بؤس الأيديولوجيا (نقد مبدأ الأنماط في التطور التاريخي)، ترجمة عبد الحميد صبره، دار الساقي، بيروت، 1992.
- بيرجسون (هنري)، التطور المبدع، ترجمة جميل صليبا، اللجنة اللبنانية لترجمة الروائع، بيروت، 1981.
- التفتازاني (أبو الوفا)، أبو الوفا الغنيمي التفتازاني، علم الكلام وبعض مشكلاته، دار الثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة، د.ت .
- ابن تيمية (أحمد بن عبد العليم بن عبد السلام، تحقيق)، علي بن محمد العمران، دار عطاء العلم الرياض، دار ابن حزم، بيروت، 2019.
- ابن تيمية، اقتضاء السراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجيم، ج2، دار عالم الكتاب بيروت، 1999.
- ابن تيمية، الاستقامة، تحقيق محمد رشاد سالم، جزئين، جامعة الامام محمد بن سعود، الدينة المنورة، 1403 هـ1982 م.
- ابن تيمية، مجموع الرسائل الكبرى، 5 مجلدات، دار احياء التراث، بروت، د.ت، صـ 133.
- ابن تيمية، مجموع الفتاوى، 37 مجد، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة المنورة، 2004.
- حرب (علي)، الأختام الأصولية والشعائر التقدمية: مصائر المشروع الثقافي العربي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، بيروت.
- حلاق (وائل)، ما هي الشريعة، ترجمة، طاهرة عامر -طارق عثمان، مركز نماء للبحوث والدراسات، بيروت، الرياض، 2016.
- حنبل (احمد)، مسند الإمام أحمد بن حنبل، ج28، ط1، مؤسسة الرسالة، 2001.
- دياب (محمد حافظ)، نقد الخطاب السلفي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2017.
- رضا (محمد رشيد)، الخلافة، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، د.ط، د.ت.
- ريكاناتي (فرانسوا)، المعنى الحرفي، ترجمة أحمد كروم، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، 2018، صـ 22.
- سعيد (إدوارد)، الاستشراق (المفاهيم الغربية للشرق) ت محمد عناني، دار رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة، 2006.
- السنهوري (عبد الرازق)، فقه الخلافة وتطورها لتصبح عصبة أمم شرقية، تحقيق توفيق محمد الشاوي ونادية عبد الرازق السنهوري، ط4، مؤسسة الرسالة ناشرون، د.ت.
- الشافعي، الرسالة، تحقيق أحمد محمد شاكر، مصطفى البابي الحلبي وأولاده، القاهرة، 1938.
- الشافعي (محمد بن إدريس)، الأم، تحقيق، رفعت فوزي عبد المطلب، ج9، كتاب إبطال الإحسان، دار الوفاء، المنصورة، 2001.
- الطيب (أحمد)، أهل السنة والجماعة، الحكماء للنشر، أبو ظبي 2019.
- ابن عبد الوهاب (محمد)، التوحيد، تحقيق أبو مالك الرياشي أحمد بن مثنى القفيلي، مكتبة عباد الرحمن، مصر، مكتبة العوم، مصر، 2008.
- ابن عبد الوهاب، أصول الدين الإسلامي مع قواعده الأربع، رتبها محمد الطيب بن إسحاق الأنصاري، دار الحديث الحيرية بمكة المكرمة.
- ابن عبد الوهاب، أصول الإيمان، تحقيق باسم فيصل الجوابرة، ط5، وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، المملكة العربية السعودية، 1420 هـ 1999.
- ابن عبد اوهاب، مسائل لخصها الشيخ محمد بن عبد الوهاب من كلام ابن تيمية، نشر وتحقيق، جامعة الإمام محمد بن سعود، الرياض، 1206 هـ، 1791.
- فيليب (توماس)، من حكم القانون إلى دستورية السياق العثماني للفكر السياسي العربي، دراسة منشورة ضمن كتاب الفكر العربي بعد العصر الليبرالي.
- ابن كثير، البداية والنهاية، 21 مجلد، ط7، مكتبة المعارف، بيروت، 1988.
- لوزير (هنري)، صناعة السلفية الإصلاح الإسلامي في القرن العشرين، ترجمة أسامة عباس عمرو بسيوني، ابن النديم للنشر والتوزيع، ، 2018.
- مارتش (أندرو)، خلافة الإنسان: السيادة الشعبية في الفكر الإسلامي الحديث، ترجمة أسامة عباس، مركز نهوض للدراسات والبحوث، بيروت، 2021.
- مبروك (علي)، ما وراء تأسيس الأصول (مساهمة في نزع أقنعة التقديس)، دار رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة، 2007..
- مبروك، أفكار مؤثمة (من اللاهوتي إلى الإنساني)، ط1، مصر العربية للدراسات والنشر، 2015.
- مبروك، الإمامة والسياسة (الخطاب التاريخي في علم العقائد)، ط1، المركز الثافي العربي، الدار البيضاء، مؤمنون بلا حدود بيروت، 2015.
- مبروك، الخطاب السياسي الأشعري من إمام الحرمين إلى إمام العنف، ط1، المصرية العربية للنشر والتوزيع، القاهرة، 205.
- مبروك، مفهوم الشريعة بين تسييس الإسلام وتحريره، مؤمنون بلا حدود للنشر والتوزيع، بيروت، 2007.
- محمود (زكي نجيب)، مجتمع جديد أو الكارثة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 2007.
- محيي الدين (شريف)، الإسلاميون ولآليات التغيير في الدولة، سلسلة الندوات 4-5 يناير 2013، بعنوان، الخطاب الإسلامي وإعادة تأسيس المجال العام، مركز دال للأبحاث والإنتاج الإعلامي، القاهرة، 2014، صـ 127.
- المرزوقي (أبو يعرب)، أزمة الحضارة العربية المترددة، الدار العربية للعلوم ناشرون، الدوحة، 2009.
- المسكيني (فتحي)، الهوية والزمان: تأويلات فينيمينولوجية لمسألة ((النحن))، ط1، دار الطليعة بيروت، 2001.
- المغربي (عبد القادر)، جمال الدين الأفغاني: ذكريات وأحاديث، ط3، دار المعارف، القاهرة، 1987.
- الملا (أحمد صلاح)، جذور الأصولية الإسلامية في مصر المعاصرة (رشيد رضا ومجلة المنار) مصر العربية للنشر والتوزيع، القاهرة، 2013.
- النيفر (أحمد)، الإنسان والقرآن وجها لوجه (التفسيرات القرآنية المعاصرة) قراءة في المنهج، دار الفكر المعاصر، دمشق، 2000.
- هيجل (فريدريك)، العقل في التاريخ (المجلد الأول من محاضرات في فلسفة التاريخ)، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام، ط3، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، 2007.
- هيدجر (مارتن) الكينونة والزمان، ترجمة فتحي المسكيني، ط1، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، 2012.
- الوريمي (ناجية)، في الإتلاف و الاختلاف (ثنائية السائد والمهمش في الفكر الإسلامي القديم)، دار المدى للثقافة والنشر، دمشق، 2004.
- ياسين (عبد الجواد)، الدين والتدين، التنوير للطباعة والنشر، بيروت، 2012.
- ياسين (عبد الجواد)، اللاهوت، مؤمنون بلا حدود للدراسات والنشر، بيروت، 2019.
[1] (بيرجيون) هنري، التطور المبدع، ترجمة جميل صليبا، اللجنة اللبنانية لترجمة الروائع، بيروت، 1981، ص 216.
[2] – هيدجر (مارتن) الكينونة والزمان، ترجمة فتحي المسكيني،ط1، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، 2012، صـ 298.
[3] – هيجل (فريدريك)، العقل في التاريخ (المجلد الأول من محاضرات في فلسفة التاريخ)، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام، ط3، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، 2007، صـ 127.
[4] – راجع، المسكيني (فتحي)، الهوية والزمان: تأويلات فينيمينولوجية لمسألة ((النحن))، ط1، دار الطليعة بيروت، 2001، صـ 36.
[5] – إبراهيم (زكريا)، مشكلة الحياة، مكتبة مصر، القاهرة، د.ت، 138.
[6] – محمود (زكي نجيب)، مجتمع جديد أو الكارثة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 2007، صـ 51.
[7] – راجع، محمود، المرجع السابق، صـ 50-51.
[8] – بوبر (كارل)، بؤس الأيديولوجيا (نقد مبدأ الأنماط في التطور التاريخي)، ترجمة عبد الحميد صبره، دار الساقي، بيروت، 1992، صـ 24.
[9] – هيدجر، الكينونة والزمان، صـ 586.
[10] – هيدجر، الكينونة والزمان، صـ 584. راجع أيضا صـ 584.
[11] – أركون (محمد)، الفكر الإسلامي قراءة علمية، ترجمة هشام صالح، ط2، مركز الإنماء القومي، بيروت/ المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 1996، صـ 168.
[12] – بن حنبل (احمد)، مسند الإمام أحمد بن حنبل، ج28، ط1، مؤسسة الرسالة، 2001، صـ375. حديث رقم 7145.
عن الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قال حَدَّثَنَا ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو السُّلَمِيُّ، وَحُجْرُ بْنُ حُجْرٍ، ورواه مسلم، في الجزء الثاني، صـ 592، حديث رقم 867، مطبعة عيسى الحلبي وشركاه، القاهرة، 1955.
[13] – لسان العرب لابن منظور.
[14] – يمكن في ذلك مراجعة ما كتبه عبد الجواد ياسن في كتابه السلطة في الإسلام، حول سكوت النص القرآني كتشريع نصي، في الجزء الأول، ط4، التنوير للشر والتوزيع، بيرت، 2012،صـ 126-141.
[15] – أركون (محمد)، نحو نقد العقل الإسلامي، ترجمة هشام صالح، ط1، دار الطليعة، بيروت، 2009، صـ 100.
[16] – راجع، محمد أركون، نحو نقد العقل الإسلامي،ط1، ترجمة، هشام صالح، دار الطليعة، بيروت 2009، صـ102-103.
راجع أيضا، عبد الجواد ياسين، الدين والتدين التشريع والنص والاجتماع، ط1، دار التنوير، بيروت، 2012، صـ 396- 397.
[17] – THEARCHITECTS OF ISLAMIC CIVILISATION, Editor by ALEXANDER WAIN MOHAMMAD HASHIM KAMALI, Pelanduk, iais Malaysia, 2017, pp54.
[18] – راجع، أبو زيد (نصر حامد)، الإمام الشافعي وتأسيس الأيديولوجية الوسطية، ط1، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2014، صـ 118.
[19] – راجع، رسالة الشافعي، صـ 92.
[20] – راجع المصدر السابق الموضع نفسه.
[21] – راجع، أبو زيد، الإمام الشافعي، صـ 119.
[22] – رسالة الشافعي، صـ 32.
[23] – راجع المصدر السابق، صـ 32-33.
[24] – الشافعي (محمد بن إدريس)، الأم، تحقيق، رفعت فوزي عبد المطلب، ج9، كتاب إبطال الإحسان، دار الوفاء، المنصورة، 2001، صـ 57.
[25] – الشافعي، الرسالة، صـ 33.
[26] – راجع، ياسين (عبد الجواد)، اللاهوت، مؤمنون بلا حدود للدراسات والنشر، بيروت، 2019، صـ 400.
[27] – راجع، ياسين (عبد الجواد)، الدين والتدين، التنوير للطباعة والنشر، بيروت، 2012، صـ 394.
[28] – راجع، الوريمي (ناجية)، في الإتلاف والاختلاف (ثنائية السائد والمهمش في الفكر الإسلامي القديم)، دار المدى للثقافة والنشر، دمشق، 2004، صـ 141.
[29] – الشافعي، الرسالة، صـ 505.
[30] – المصدر السابق، صـ 477.
[31] – راجع، أدونيس الثابت والمتحول، ج2، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، 2017صـ 11.
[32] – المرجع السابق، صـ 13.
[33] – راجع، مبروك (علي)، ما وراء تأسيس الأصول (مساهمة في نزع أقنعة التقديس)، دار رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة، 2007، صـ 72.
[34] – أركون، نحو نقد العقل الإسلامي، صـ 109.
[35] – أركون المرجع السابق، صـ 111.
[36] – راجع، مبروك، أفكار مؤثمة (من اللاهوتي إلى الإنساني)، ط1، مصر العربية للدراسات والنشر، 2015، صـ 149، 153.
[37] – راجع، الطيب (أحمد)، أهل السنة والجماعة،، الحكماء للنشر، أبو ظبي 2019،، صـ 314.
انظر أيضا، التفتازاني (أبو الوفا)، أبو الوفا الغنيمي التفتازاني، علم الكلام وبعض مشكلاته، دار الثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة، د.ت صـ 150.
[38] – راجع، أبو الوفا التفتازاني، علم والكلام وبعض مشكلاته، صـ 149.
[39] – راجع، مبروك أفكار مؤثمة، صـ 155.
[40] – راجع، الطيب، أهل السنة والجماعة،، الحكماء للنشر، أبو ظبي 2019، صـ 16- 59..
[41] – راجع، المرجع السابق، صـ 15.
[42] – التفتازاني، علم الكلام وبعض مشكلاته، صـ 159-160.
[43] – راجع، مبروك، الإمامة والسياسة (الخطاب التاريخي في علم العقائد)، ط1، المركز الثافي العربي، الدار البيضاء، مؤمنون بلا حدود بيروت، 2015، صـ 189.
[44] – راجع، مبروك، الخطاب السياسي الأشعري من إمام الحرمين إلى إمام العنف، ط1، المصرية العربية للنشر والتوزيع، القاهرة، 205، صـ 125.
[45] – راجع ، أركون، نحو نقد العقل الإسلامي، صـ 136.
[46] – أركون، المرجع السابق، صـ 135.
[47] – علي مبروك، الخطاب السياسي الأشعري، صـ 57.
[48] – ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج18، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة المنورة، 2004، صـ346. العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط ٣، ١٤٢٦ هـ – ٢٠٠٥ م
[49] – ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج3، وزارة الشؤون الإسلامية السعودية، 2004، صـ 169.
[50] – ابن تيمية، الاستقامة، تحقيق محمد رشاد سالم، ج1، جامعة الامام محمد بن سعود، الدينة المنورة، 1403 هـ1982 م، صـ 42.
[51] – راجع، (ابن تيمية) أحمد بن عبد العليم بن عبد السلام، تحقيق، علي بن محمد العمران، دار عطاء العلم الرياض، دار ابن حزم، بيروت، 2019، صـ 14. راجع أيضا، (ابن تيمية)، اقتضاء السراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجيم، ج2، دار عالم الكتاب بيروت، 1999، صـ 93.
[52] – راجع ابن تيمية، اقتضاء السراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجيم، ج2، دار عالم الكتاب بيروت، 1999، صـ 12-13.
[53] – ريكاناتي (فرانسوا)، المعنى الحرفي، ط1، ترجمة أحمد كروم، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، 2018، صـ 22.
[54] – راجع، البغدادي (احمد مبارك)، دراسات في السياسة الشرعية عند فقهاء أهل السنة، مكتبة الفلاح، الكويت، ذ987، صـ 224-225. نقلا عن محمد حافظ دياب، نقد الخطاب السلفي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2017، صـ 125.
[55] – راجع ابن كثير، البداية والنهاية، ج14، ط7، مكتبة المعارف، بيروت، 1988، صـ 36.
[56]– راجع، ابن كثير، البداية والنهاية، ج14، صـ 25-26.
[57] – راجع ابن تيمية، مجموع الرسائل الكبرى، ج1، دار احياء التراث، بروت، د.ت، صـ 133.
[58] – راجع، بن عبد الوهاب (محمد)، التوحيد، تحقيق أبو مالك الرياشي أحمد بن مثنى القفيلي، ط1، مكتبة عباد الرحمن، مصر، مكتبة العوم، مصر، 2008، صـ 58-62.
[59] – محمد ن عبد الوهاب، أصول الإيمان، تحقيق باسم فيصل الجوابرة، ط5، وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، المملكة العربية السعودية، 1420 هـ 1999، صـ 126.
[60] – إسماعيل (محمود)، الفكر الإسلامي الحديث بين السلفيين والمجددين، ط1، رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة، 2006، صـ 31. راجع أيضا، محمد حافظ دياب، نقد الخطاب السلفي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2017، صـ 174.
[61] – راجع، دياب (محمد حافظ)، نقد الخطاب السلفي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2017، صـ178. راجع أيضا ، دينا رزق، المجتمع السياسي في عصر الإصلاح والتمرد والإمبراطورية (1780-1820)، دراسة منشورة ضمن كتاب، الفكر العربي بعد العصر الليبرالي، تحرير، دجنس هانسن -ماكس واسي، ترجمة فؤاد عبد المطلب، ط1، مؤمنون بلا حدود للنشر والتوزيع، بيروت، 2019، صـ 213.
[62] – راجع، الآلوسي (محمود شكري)، تاريخ نجد، تحقيق محمد بهجة، ط1، الفرات للنشر والتوزيع، بيروت، 2007، 101-105.
[63] – راجع، دياب، نقد الخطاب السلفي، صـ 182.
[64] – بن عبد الوهاب، التوحيد، صـ 11.
[65] – بن عبد الوهاب (محمد)، أصول الدين الإسلامي مع قواعده الأربع، رتبها محمد الطيب بن إسحاق الأنصاري، دار الحديث الحيرية بمكة المكرمة، صـ 24.
[66] – بن عبد اوهاب (محمد)، مسائل لخصها الشيخ محمد بن عبد الوهاب من كلام ابن تيمية، نشر وتحقيق، جامعة الإمام محمد بن سعود، الرياض، 1206 هـ، 1791، صـ 83. (طبع الكتاب ضمن مؤلفات محمد بن عبد الوهاب الجزء الثاني عشر)
[67] – راجع، سعيد (إدوارد)، الاستشراق(المفاهيم الغربية للشرق) ت محمد عناني، دار رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة، 2006، صـ 86-87، 94.
[68] – راجع، محيي الدين (شريف)، الإسلاميون وآليات التغيير في الدولة، سلسلة الندوات 4-5 يناير 2013، بعنوان، الخطاب الإسلامي وإعادة تأسيس المجال العام، مركز دال للأبحاث والإنتاج الإعلامي، القاهرة، 2014، صـ 127.
[69] – راجع، الملا (أحمد صلاح)، جذور الأصولية الإسلامية في مصر المعاصرة (رشيد رضا ومجلة المنار) مصر العربية للنشر والتوزيع، القاهرة، 2013، صـ 14. راجع أيضا، غالي شكري النهضة والسقوط في الفكر المصري الحديث، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1992، صـ 133-134.
[70] – الأفغاني (جمال الدين)، خاطرات الأفغاني، تقرير محمد باشا المخزومي، مكتبة الشروق الدولية، القاهرة، 2002، صـ 240.
[71] – راجع، المغربي (عبد القادر)، جمال الدين الأفغاني: ذكريات وأحاديث، ط3،دار المعارف، القاهرة، 1987، ص89. نقلا عن جذور الأصولية الإسلامية في مصر المعاصرة، صـ 17.
[72] – (فيليب) توماس، من حكم القانون إلى دستورية السياق العثماني للفكر السياسي العربي، دراسة منشورة ضمن كتاب الفكر العربي بعد العصر الليبرالي، سبق ذكره، صـ 274.
[73] – راجع، (أيدين) جميل، ظهور الفكر الإسلامي العالمي، دراسة منشورة ضمن كتاب؛ الفكر العربي بعد العصر الليبرالي، سبق ذكره، ص.ص 256-264.
* – أستاذ مساعد في قسم العلوم السياسية بجامعة ماساشوستس، وتتركز دراساته على النظرية السياسية المعاصرة والفكر القانوني الإسلامي.
[74] – راجع،(مارتش) أندرو، خلافة الإنسان: السيادة الشعبية في الفكر الإسلامي الحديث، ترجمة أسامة عباس، مركز نهوض للدراسات والبحوث، بيروت، 2021، ص111.
[75] – راجع، مبروك، مفهوم الشريعة بين تسييس الإسلام وتحريره، مؤمنون بلا حدود للنشر والتوزيع، بيروت، 207، صـ 276.
[76] – (رضا) محمد رشيد، الخلافة، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، د.ط، د.ت، ص110.
[77] – راجع، المرجع السابق، صـ 113.
[78] – (السنهوري) عبد الراوق، فقه الخلافة وتطورها لتصبح عصبة أمم شرقية، تحقيق توفيق محمد الشاوي ونادية عبد الرازق السنهوري، ط4، مؤسسة الرسالة ناشرون، د.ت، ص.ص 308-311.
[79] – بلقزيز (عبد الإله)، الإسلام والسياسة دور الحركات الإسلامية في صوغ المجال السياسي، المركز الثافي العربي، الدار البيضاء، بيروت، 2001 ،ص 66.
[80] – حرب (علي)، الأختام الأصولية والشعائر التقدمية: مصائر المشروع الثقافي العربي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، بيروت، صـ 130.
* – أنظر مشروع المفكر المغربي طه عبد الرحمن، ووائل حلاق.
[81] – المرزوقي (أبو يعرب)، أزمة الحضارة العربية المترددة، الدار العربية للعلوم ناشرون، الدوحة، 2009، ص 40.
[82] – حلاق (وائل)، ما هي الشريعة، ترجمة، طاهرة عامر -طارق عثمان، مركز نماء للبحوث والدراسات، بيروت، الرياض، 2016، ص23.
[83] – راجع، بلانديه (جورج)، الأنثروبولوجيا السياسية، ت، علي المصري، ط2 المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، 2007، صـ146.
[84] – راجع، مبروك، مفهوم الشريعة، صـ 311.
[85] – لوزير (هنري)، صناعة السلفية الإصلاح الإسلامي في القرن العشرين، ترجمة أسامة عباس عمرو بسيوني، ابن النديم للنشر والتوزيع، ط1، 2018، ص 103.
[86] – راجع، المرجع السابق، ص 109.
[87] – راجع، المرجع السابق، ص.ص -109-110.
[88] – المرجع السابق، ص 111.
[89] – راجع، أبوزيد، نقد الخطاب الديني، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط3، 2007، صـ 31.
[90] – راجع، أبوزيد، مفهوم النص (دراسة في علوم القرآن)، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2014، صـ 220.
[91] – راجع، النيفر، الإنسان والقرآن وجها لوجه (التفسيرات القرآنية المعاصرة) قراءة في المنهج، صـ 32. راجع أيضا، على حرب، الأختام الأصولية والشعائر التقدمية (مصائر المشروع الثقافي العربي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2001، صـ 116.
[92] – أبو زيد، مفهوم النص، ص 223.
[93] – مبروك، مفهوم الشريعة، ص 88. راجع في ذلك أيضًا ما كتبه نصر أبو زيد في كتابه التجديد والتكريم والتأويل (بين المعرفة العلمية والخوف من لتكفير)، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، بيروت، 2014، ص.ص 219-222.
[94] – راجع، النيفر، القرآن والإنسان، ص.ص 135-136.
[95] -حرب، الأختام الأصولية، ص 137.
[96] – راجع، أركون، الهوامل والشوامل حول الإسلام المعاصر، ، ترجمة هشام صالح، دار الطليعة، بيروت، 2010، صـ 154-155.