العلمانية في السياقين العربي والغربي: بين نزهة بو عزة وكارل لوفيت

 تكوين

ثمة إفراط في انشغال المفكرين والباحثين العرب في نصوصهم وأبحاثهم المنشورة، بمسألة العلمانية في العقدين الأخيرين. هذا ما قاله لي أحد الباحثين المغاربة، في حواري معه، في معرض الرباط الدولي للكتاب 2025. وقد برر انتقاده لكثرة الكتب المهتمة بهذه المسألة في السياق المغربي بالقول: إن الدين حاضرٌ في الدولة والمجتمع حضورًا كبيرًا وصحيًّا، ولا حاجة إلى تحويل هذا الحضور إلى إشكاليةٍ نظريةٍ معرفيةٍ أو الزعم إنها مشكلةٌ واقعيةٌ. وقد ذكَّرني قوله هذا بالجابري، الذي رأى في مسألة العلمانية أنها “مسألةٌ مزيفةٌ” و”شعارٌ مُلتبسٌ”، وعدَّ -من جهةٍ أولى- أنه “ما من شعارٍ من شعارات الفكر العربي الحديث كان –وما يزال– مدعاةً للبس وسوء التفاهم مثل شعار العلمانية“[1] ودعا -من جهةٍ ثانيةٍ- إلى “استبعاد هذا الشعار من قاموس الفكر القومي العربي“[2]، وشَدَّدَ من جهةٍ ثالثةٍ، على ضرورة “فصل الدين عن السياسة، بمعنى تجنُّب توظيف الدين لأغراضٍ سياسيةٍ […]“[3].

بغض النظر عن وجود أو عدم وجود كنيسة تُمثل دولة داخل الدولة، أو طوائف ومذاهب دينية مختلفة، فإن حضور الدين (بقوةٍ) في الدولة والمجتمع والمجال (السياسي) العام يجعل طرح مسألة العلمانية -في المبدأ على الأقل- ضروريًّا ومفيدًا. وتقل فائدة هذا الطرح أو تكون له كثيرًا من السلبيات والمساوئ، بقدر ما يكون هناك التباسٌ في معنى المصطلح أو المفهوم واستقطابٌ أيديولوجيٌّ في تناوله. ويُمكن القول إن هذا هو حال النقاشات بشأن العلمانية غالبًا أو في كثيرٍ من الأحيان في الثقافة العربية، ومن ضمنها “الثقافة النخبوية العالمة“. ففي تلك الثقافة، ثمة تخمةٌ في المواقف المؤيدة أو المعارضة والمعادية للعلمانية أو للدين. وفي كثيرٍ من المقابل وجود فقرٍ وشُّحٍّ شديدٍ في التناول المعرفي الذي يروم الفهم والوصف والتحليل (النقدي)، ونقاش المسألة من منظوراتٍ متعددةٍ ومتنوعةٍ، تتخذ مسافةً نقديةً من المواقف المعيارية المختلفة، وتبني موقفها المعياري على هذا الأساس المعرفي النقدي. ويُمكن القول إن كتاب الصديقة العزيزة والباحثة الدكتورة نزهة بو عزة، “كارل لوفيت: فلسفة التاريخ علمنة ثيولوجية مع إضاءات سياقية ومفهومية“[4]، ينتمي إلى التناول المعرفي المذكور. وينبغي التشديد على أن التمييز بين الرصانة المعرفية والحماسة الأيديولوجية، لا ينفي إمكان الجمع الجزئي والنسبي بين الطرفين. وربما كان كتاب عزيز العظمة “العلمانية من منظورٍ مختلفٍ“[5]، (من) أبرز الأمثلة وأكثرها نموذجيةً في تجسيد الجمع المذكور.

إقرأ أيضًا: العلمانية ضرورة حضارية عند فؤاد زكريا

من زاويةٍ معرفيةٍ يُمكن الحديث عن العلمانية من أكثر من منظورٍ أو مجالٍ معرفيٍ. فيمكن الحديث عن العلمانية بوصفها فلسفةً أو رؤيةً فلسفيةً للعالم أو أيدولوجيا أو رؤية أيديولوجيا للعالم ولما يجب أن يكون عليه، أو سمةً من سمات الدولة و/أو نظامها السياسي أو نظرية وأطروحات في العلوم الاجتماعية عمومًا، وعلم اجتماع الدين خصوصًا. وتُبَيِّنْ نزهة بو عزة في كتابها المذكور، كيف ركَّز كارل لوفيت على تناول مفهوم العلمنة في إطار فلسفة التاريخ الحداثية، وشدَّد على أن هذه الفلسفة “تعكس استمرارية ثيولوجيا التاريخ اليهودي المسيحي الذي يسير وفق غاية محددة على مقياس التصور الديني القائم على غاية نهائية تتوج الوجود البشري فوق الأرض“؛ ورأى -مع نيتشه– أن فلسفة التاريخ الحديثة انتقلت من ثيولوجيا التاريخ ذات الإشكالية الترنسندنتالية، كما هو الحال عند القديس أوغسطين، إلى إشكالية محايثة المعنى في قلب التاريخ. ووفقًا لهذه الفلسفة التي عَبَّرَ عنها فولتير: “لم تعد الإرادة الإلهية هي المحرك الرئيس للأمم، بل الإرادة الإنسانية وتطلعاتها العقلانية“.

لكن هل إنزال فلسفة التاريخ من السماء إلى الأرض أمرٌ هينٌ أو ثانويٌّ ولا يُمثل تحولًا أو قطيعةً؟ لقد سبق للفلسفة بأسرها أن تعرضت إلى هذا الإنزال أو التغيير الجذري، على يد السفسطائيين ومن بينهم أو بعدهم سقراط، حين تحول البحث الفلسفي من التفكير في الكون و”أصله وفصله”، إلى الإنسان ومشاغله الاجتماعية والأخلاقية والسياسية … وقد حَصَلَ تحولٌ مماثلٌ مع الكوجيتو الديكارتي، إذ أصبح الإنسان – وليس الله أو أي طرف ميتافيزيقيٍّ مفارقٍ– نقطة الانطلاق والأساس الأول الذي يُستند إليه. وبهذا التحول الديكارتي تُؤرخ بداية الفلسفة الحديثة. قد يُقال إن الفلسفة -في الحالتين- قبل هذا الإنزال أو ذلك التحول الجذري وبعده، قد بقيت فلسفة، في حين أن فلسفة التاريخ الحداثية هي محض لاهوت مُقَنَّعْ. لكن كيف تكون تلك الفلسفة محض لاهوتٍ مُقَنَّعٍ، وتكون المفاهيم المؤسسة لها ترجمة أمينة للتصور الثيولوجي فحسب، مع التحول الجذري الذي حصل في فلسفة التاريخ الحداثية مقارنة مع التصور اللاهوتي السابق؟ يُمكن القول بحضور الديني المُعلمنْ في فلسفة التاريخ الحداثية وحتى بأنها “الابنة الشرعية للإرث المسيحي”، لكن لا يُمكن نفي الجدة التي تتضمنها تلك الفلسفة، ويتضمنها الواقع الذي تُعبر عنه، والتي تتضمن قطيعة ما مع ما سبقها.

بالتأكيد يُمكن الحديث -دائمًا- عن استمرارية ما تجمع مختلف مراحل التاريخ الإنساني، لكن ينبغي في المقابل، عدم نفي الجدة التي تتضمنها الصيرورة التاريخية. وتنصف نزهة بو عزة رؤية لوفيت القائلة بالاستمرارية وتعرضها بتوسعٍ وتفصيلٍ، مع كل أسسها والمحاجات التي قدمها لوفيت، وغيره، مثل: كارل شميت، لدعمها وتسويغها، لكنها لا تكتفي بذلك العرض الضروري والمفيد، في هذا السياق، وإنما تُقدم قراءةً نقديةً لها، لا تقل فائدة وضرورةً عن العرض المذكور. وفي تلك القراءة أو ذلك النقد، لا تذهب بو عزة إلى الطَّرْف أو التطرف المقابل، رافضةً أطروحة الاستمرارية، ومتبنية أطروحة القطيعة المطلقة بين الأزمنة الحديثة والأزمنة التي سبقتها، بل تؤكد وجود “إمكان للقول بالاستمرارية والقطيعة في الوقت نفسه“. وإذا كانت الاستمرارية التي يتحدث عنها لوفيت تتبنى -صراحةً أو ضمنًا- رؤية جوهرانية للتاريخ الإنساني، فإن الاستمرارية التي تتبناها بو عزة في نقدها، “ليست استمرارية بالجوهر المضموني الثاوي بطريق خفيٍّ تحت أشكال مغايرة، ولكنها استمرارية تسمح بفهم واقع القطائع والاضطرابات المرتبطة بسياقات تاريخية”. وإذا كان الفهم الحديث للتاريخ يقوم على الاعتقاد بفكرة التقدم التي يُمكن، في المضمون و/أو الوظيفة، بفكرة العناية الإلهية، فإن “فكرة الحداثة عن التقدم هي فكرة مزدوجة، إنها مسيحية في أصلها، وعدوة للمسيحية، في الآن نفسه”.

إقرأ أيضًا: مفهوم العلمانية في المقاربة الثقافوية العربية الاسلامية

القول بالعلمنة لم يعد، وليس أصلًا رؤيةً فلسفيةً فحسب، يُمكن نفيه ونفي ما يُحيل إليه في الواقع، فور إثبات عدم جدة مضامينه أو إثبات ضعفه، أو حتى تهافته النظري. فهذا القول يُحيل إلى واقعٍ لا تحتكر فلسفة التاريخ ميدان البحث فيه، بل كان مجالًا لأبحاثٍ ودراساتٍ نظريةٍ وإحصائيةٍ واستقصائيةٍ متعددةٍ. ولا يُمكن اختزال العلمانية برؤيةً فلسفيةً أو أيديولوجيةً ترى أن هذا هو ما كان و/أو هذا ما يجب أن يكون أيضًا. فثمة تعلمنٍ في الصيرورة التاريخية من دون أن يكون هناك بالضرورة طرفٍ يتحكم بهذا التعلمن ويقوده برؤيةٍ نظريةٍ وممارساتٍ عملية تهدف إلى حصول التعلمن المذكور. وحصل ويحصل هذا التعلمن -في العالم العربي الإسلامي- من دون أن يعي كثيرون –حتى ممن يتبنون موقفًا أيديولوجيًّا معاديًّا للعلمانية– حصوله لهم ولحياتهم.

لعقودٍ طويلة، بدأت منذ القرن التاسع عشر على الأقل، ولم تتضعضع وتخفت قوتها إلا منذ ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، سادت نظريةٌ للعلمنة تتضمن ثلاث أطروحات أساسية: أفول الدين أو المعتقدات والممارسات الدينية، غياب أو تغييب الدين عن المجال العام وخصخصته، التمايز بين المجالين، الديني وغير الديني (العلماني). ووفقًا لهذه الأطروحة ترتبط العلمانية بالحداثة ارتباطًا وثيقًا، إذ يترافق التحديث مع أفولٍ تدريجي للدين، بوصفه إيمانًا أو اعتقادًا، وبوصفه ممارسةً، وبوصفه حاضرًا وفاعلًا في المجال العام. وقد اختلط -في تلك النظرية- التوجه المعرفي الذي يصف ما حدث في أوروبا عمومًا، والكاثوليكية خصوصًا، مع التوجه المعياري الذي يرى أن هذا ما يجب أن يحدث بالضرورة من أجل الدخول في عصر الحداثة.

لكن هذه الرؤية تعرضت لهزاتٍ كبيرة، وتعرضت لنقدٍ شديدٍ ولم تعد مهيمنةً في العلوم الاجتماعية المعاصرة عمومًا، وعلم اجتماع الدين خصوصًا، بعد أن تَبَيَّنَ أن بلادًا ومجتمعاتٍ كثيرةً حصل فيها تحديثٌ كبيرٌ، وبقي الدين حاضرًا فيها حضورًا قويًّا، كاعتقادٍ وممارسةٍ وحضورٍ فاعلٍ في المجال العام. وبعد أن كان هناك حديثٌ عن “استثناءٍ أمريكيٍّ”، بسبب الحضور القوي للدين في المجتمع الأمريكي الحديث، أصبح هناك حديثٌ عن “استثناءٍ أوروبي”، إذ ترافق التحديث مع تراجعٍ كبيرٍ في مكانة الدين وحضوره عمومًا.

الحصن الأخير والأقوى لنظرية العلمنة هو القول بالتمايز الكبير في العصور الحديثة بين الديني والعلماني أو غير الديني. فعلى الرغم من وجود مثل هذا التمايز في عصورٍ سابقة، فإن وجوده -في العصور الحديثة- كان له قوةً وتأثيرًا جذريًّا وهائلًا، بما سمح بالحدث عن قطيعة بين العصور الحديثة العلمانية والعصور السابقة الدينية. ومع هذا التمايز الوظيفي والمؤسسي لبِنى الدولة الحديثة، يضعف -غالبًا وعمومًا- حضور الدين وتقل مكانته، مقارنةً بحضوره ومكانته في العصور السابقة، من دون أن يَعني ذلك أنه آفلٌ لا محالة، كما ظن ويظن كثيرون من متبني نظرية العلمنة المذكورة.

إقرأ أيضًا: ملامح المشروع النهضوي العلماني عند فرح أنطون

وانطلاقًا من ذلك، لا ينفي القول بعلمانية العصور الحديثة، وبدينية العصور الوسطى، وجود علمانية أو علمنة وتعلمن في العصور الوسطى، ولا إمكان وواقع استمرار حضور الدين وتأثيره في العصور الحديثة. والعصر العلماني الذي يتحدث عنه تايلور، في كتابه الموسوم بذلك الاسم[6]، هو عصر يبقى فيه الدين/الإيمان أحد الخيارات، بدلَ أن يكون الخيار (المشروع) الوحيد. والمجتمع ما بعد العلماني الذي تحدث عنه هابرماس[7] هو مجتمع علماني يكون للديني حق الحضور فيه إلى جانب غير الديني.

على الرغم من رؤيتها النقدية لبعض أطروحات لوفيت، لا سيما حين تتخذ صيغةً أو مضامين عدميةً وجوهرانيةً، فتنزع الجدة عن الأزمنة الحديثة، تثمِّن بو عزة القراءة النقدية التي قدمها كارل لوفيت لفلسفة التاريخ، لكونها “أسهمت -بمعنى ما- في خلق سجال فكري جاد في منتصف القرن العشرين، مَسَّ مجموعة من المباحث المعرفية، كما خَلَّفَ قراءات متعددة عملت على مراجعة الأزمنة الحديثة والعُدة المفهومية المؤسسة لها”. وبعرضها المعرفي الرصين، وقراءتها النقدية المنصفة، تسهم بو عزة نفسها، في النقاش الفكري الجاد الذي ما نزال في حاجةٍ ماسةٍ إليه، في عالمنا العربي، بعيدًا عن مانوية التمجيد والتحقير، والاصطفافات الأيديولوجية المهيمنة، في هذا الخصوص.

وإذا كانت صفة الديني أو العلماني تحمل دلالةً معياريةً إيجابيةً أو سلبيةً بالضرورة عند كثيرين، فإن مقاربة بو عزة تساعد في إظهار إمكان وضرورة تناولهما باستقلالٍ، نسبيٍّ على الأقل، عن تلك الحمولة المعيارية، وأن كليهما لا يتضمن قيمةً، إيجابيةً أو سلبيةً، محايثةً له بالضرورة. وبهذا تُسهم تلك المقاربة في تفكيك ثنائية الديني والعلماني وتنويع منظورات مناقشة مضامينهما وعلاقاتهما المتبادلة، من دون الزعم بتقديم القول الأول الرائد، أو الأخير الحاسم، في هذا الخصوص. فتلك المقاربة تستند إلى بعض مما ينبغي لها أن تستند إليه مما سبقه، وتفسح مجالًا كبيرًا لإضافاتٍ كثيرةٍ وكبيرةٍ يُمكن وينبغي أن تتبعها. وبمثل ذلك الدأب والتراكم المعرفيين، يُمكن للنتاج المعرفي العربي في موضوع العلمانية، أن يُصبح أكثر غنىً ورصانةً.

 

_______________________________________

المراجع:

[1] محمد عابد الجابري، وجهة نظر: نحو إعادة بناء قضايا الفكر العربي المعاصر (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1992)، ص 102. وقد أعاد الجابري نشر النصوص المتعلقة بالعلمانية والدين والدولة، التي يتضمنها الكتاب السابق، في كتابٍ لاحقٍ: الدين والدولة وتطبيق الشريعة (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1996).

[2] المصدر نفسه، ص 102.

[3] المصدر نفسه، ص 106.

[4] نزهة بوعزة، كارل لوفيث: فلسفة التاريخ علمنة ثيولوجية مع اضاءات سياقية ومفهومية (الرباط: مركز المغرب الأقصى للأبحاث والدراسات، 2025).

[5] عزيز العظمة، العلمانية من منظور مختلف (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1992).

[6] تشارلز تايلور، عصر علماني، ترجمة نوفل الحاج لطيف (بيروت: دار جداول، 2020).

[7] انظر: يورغين هابرماس، “الإيمان والمعرفة” في مستقبل الطبيعة الإنسانية: نحو نسالة ليبرالية، ترجمة جورج كتّورة، مراجعة أنطوان الهاشم، (بيروت: المكتبة الشرقية، 2006)، ص 123-139.

    اقرأ ايضا

    المزيد من المقالات

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete