العلم ومطلب التركيب بين منهجية الخلق ومنهجية التشيؤ…الجزء الثالث

 تكوين

مقدمة

لا شك أن مأزقَ الحضارة المعاصرة يفرض علينا ضرورة الشروع في عملية تركيبية حضارية تجمع بين كلتا المنهجيتين؛ فلا يمكننا إنكار “منهجية التشيؤ” بما تمنحه من انضباط في رصد القوانين المادية والتحققات الفيزيائية التي لا غنى عنها لعمارة الأرض، ولكنْ يجب ألا يظل هذا التشيؤ غاية في ذاته أو أداة للاستلاب ونفي الغايات. إن التركيبَ المنشود يقتضي وعي “منهجية التشيؤ” بإطار “منهجية الخلق”؛ وعيًا تُفهم فيه القوانين المادية لا بوصفها آلياتٍ ميكانيكية صماء ومكتفية بذاتها، بل بوصفها “تجلّياتٍ” لحكمةٍ عُليا وقيم أخلاقية كامنة في الوجود. بهذه الوَحْدة التركيبية، ننتقل من رؤية الطبيعة ـمخزنًا للأشياء إلى رؤيتها فعلَ خلقٍ متجدد، ونعيد الإنسانَ من وضعية “الأداة المستلبة” إلى وضعية “الفاعل المبدع” الذي يقرأ في المادة قوانينها، وفي القوانين حكمتها، مُحققًا بذلك تآلفًا بين العلم والقيمة، وبين المادة والرُوح.

إنَّ المتمعنَ في صيرورة الحضارة الحديثة، سيدرك أنها حضارةٌ غلَّبت التفكيك دون التفكير في نماذج تركيبية؛ ونحن هنا لا نُقلل من قيمة التفكيك في بُعده التحليلي، الذي ينتج عنه الفهم والإدراك والاقتراب من مختلف أدوار الأجزاء في علاقة بعضها ببعض، خاصة في عالم الطبيعة والمادة. لكنَّ الإعراضَ عن التركيب قد يحول عملية التحليل إلى حالة من “التفكيك” أو “التفتيت” وإلى مأزق حضاري حين يرتدُّ الإنسانُ بذاته نحو العلم الجزئي في مجاله الوضعي؛ وهي حالةٌ تجعل الإنسانَ يكتفي بالمعلومة المختبرية دون غيرها، مما يؤدي بالضرورة إلى طمس الأبعاد التركيبية الكونية وفقدان القدرة على رؤية الترابط العميق في الوجود.

لقد “ضيّق الإنسانُ حدودَ الوعي على نفسه حين عَمِدَ إلى حصر ذاته بعلمه، فجعل ظواهر ما يعلم في الحركة قيدًا علميًا على وعيه تبطل خارجه كل أنواع المعلومات والمدركات. وكما يحاول الإنسان سبر أغواره الذاتية بفكر محدود، فإنه يحاولُ كذلك سبر الغور الكوني بفكرٍ محدود فلا يخرج إلا بفهم جزئي موضوعي لا تستقيم معه الحقائق في كُليتها. وهكذا نجد أن ارتدادَ الإنسان الذاتي إلى فكر المعلومة الموضوعية في المكان الجزئي (الظاهرة) لا ينتج عنه إلا طمسٌ لأبعاد الكونية في التجرِبة الإنسانية وتقييد لفعالية الإنسان بتقييد فعالية الوجود نفسها في البدء”.[2]

فالدعوةُ إلى مطلب التركيب ليست محض ترفٍ نظري، إنّها ضرورةٌ وجودية تُخفي في طياتها مسعى الخروج من مأزق “التفكيك” الذي ارتهنت له الحضارة الحديثة وتوقفت عند حدوده؛ فالمشكلة لا تكمن في التفكيك في بعده التحليلي بوصفه “آليةً للبحث العلمي”، بقدر ما تكمن في تحويله إلى قاعدة لـلفهم المفكك والمتناثر. وهنا يبرز الفارق الجوهري بين “التفكيك المنهجي” في جانبه التحليلي الذي يُشيّد صرحَ العلم عبر تحليل الأجزاء لفهم القوانين وبين “الرؤية التفكيكية للعالم” التي قد تُفضي إلى ضياع المعنى الكُلي للوجود. إن هذا الانتقالَ بالتبسيط من محض “آلية إجرائية” إلى “أيديولوجيا شاملة” هو حجرُ الزاوية في نقد الحداثة الغربية. ولكنْ كيف يُحولُ التحليلُ إلى حالةٍ من التفكيك بمعزل عن التركيب؟

 تحويل التحليل إلى تفكيك

يتجلى “منهجُ التحليل” في مسيرة الفكر العلمي بوصفه محاولةً حثيثةً لتفسير الظواهر الكونية المعقدة عبر استراتيجية “الاختزال المنهجي”؛ تُحلل فيها الكليّات المركبة وتُردُّ إلى عناصرها الأولية وجزيئاتها الدقيقة لغرض الضبط والقياس. إنّ تاريخَ العلم الطبيعي في جوهره، ليس إلا تاريخًا طويلًا من هذه المُساءلة المستمرة لمكونات المادة، سعيًا في فهم العلاقات البينية التي تحكم أجزاءها، والوصول إلى القوانين الصارمة التي تُدبِّر حركتها. وهذه الممارسةُ المنهجية ليست مُنجزًا حديثًا فحسب، وإنما هي ركيزةٌ بدهيةٌ ضاربةٌ في القِدَمِ؛ إذ نجد القدماء قد اتخذوا من “التحليل” أداةً مركزية للفهم والاستقراء. فـابن الهيثم، مثلا في سعيه في فك شفرات الضوء، وابن سينا، في تشريحه الدقيق للبِنية الطبيعية والطبية، خلصوا إلى نتائج باهرة لم تكنْ لتتحققَ لولا قدرتهم الفائقة على عزل الأجزاء وفهم وظائفها الجزئية.

وينتقل منهجُ التحليل من كونه تصورًا ذهنيًا إلى واقعٍ تطبيقي ملموس داخل المختبرات العلمية عن طريق عملية التحلل الكيميائي؛ وهي العمليةُ التي يحدثُ فيها كسر الأواصر المعقدة للمركبات وتقسيمها إلى مواد أبسط أو أيونات أولية. إن استخدامَ المحفزات المادية مثل: الحرارة، أو الكهرباء (كما في التحليل الكهربائي للماء)، أو المُذيبات الكيميائية، يَهْدِفُ في المقام الأول إلى تعرية بِنية المادة والوصول إلى وحداتها الأساسية؛ لأغراض التحليل الدقيق، أو التثبيت، أو التخلص الآمن من السموم.

أحدث العلم الحديث ثورةً مفصليةً في فهمنا للمادة عبر تحليلها من الأجسام المرئية إلى الذرات، وصولًا إلى الجسيمات دون الذرية؛ كاشفًا بذلك أن الكونَ يتكون من لبنات مادية أساسية تتفاعل وَفْق قوانينَ فيزيائيةٍ دقيقة. هذا التوجه المدفوع بالمنهج التجريبي منذ القرن السابع عشر، حوّل النظرةَ إلى المادة إلى مكونات أولية قابلةً للقياس والتحليل، متجاوزًا التفسيرات الفلسفية القديمة التي كانت تقف عند حدود الظواهر الكلية.

والحقيقة أن المنهجيةَ التحليلية حاضرةٌ بقوة في مختلف التخصصات العلمية ففي مجال الفيزياء والكمياء لعب العلماء في الحضارة المعاصرة دورًا محوريًا في ترسيخ هذا المسار التحليلي؛ عندما وضع “جون دالتون” (1766م/1844م) وهو كيميائيٌ بريطاني، النَّظريَّة الذَّريَّة الحديثة، ثم تلاه البريطاني “جوزيف طومسون” (1856م/1940) الذي فككَ الذرةَ بكشفه للإلكترون، وصولًا إلى “إرنست رذرفورد” (1871م/1937م) وهو عالمُ فيزياءٍ بريطاني مولود في نيوزيلندا ويُعرف باسم «أبو الفيزياء النووية». الذي نَفَذَ إلى قَلْب المادة بكشفه عن النُواة. ولم يتوقف قطارُ التحليل عند هذا الحد، بل تجاوزه إذ توصل العلماء إلى المكونات الأعمق (البروتونات والنيوترونات)، وصولًا إلى النموذج القياسي للجسيمات الأولية الذي يحلل المادة إلى مكوناتها الأكثر دقة مثل “الكواركات” و”اللبتونات”.

وتعد علاقةُ التحليلِ بتطور الطب علاقةً جوهرية، إذ تُمثل الانتقال من النظرة الشمولية الغامضة إلى التحليل الدقيق لمكونات الجسم واختلالاته. ويشير “التحليل” في السياق الطبي إلى تبِني منهجيات علمية تعمل على تبسيط الأنظمة المعقدة في الكائن البشري وفهمها بعمق، سواء على المستوى البيولوجي، أو السلوكي، أو حتى على مستوى بِنية الخطاب الطبي نفسه. وقد تجلى هذا المنهجُ بوضوحٍ في دراسة الأعضاء الحيوية؛ فعن طريق تحليل آلية عمل القلب على سبيل المثال، استطاع العلماءُ فهمَ طبيعة اشتغاله اشتغالَ “مضخةٍ” دقيقة ومحرك ميكانيكي وكهربائي، مما أدى إلى ابتكار حلول جذرية لمشاكله الصحية، وصولًا إلى الإنجاز الطبي الهائل المتمثل في القدرة على زراعة قلب جديد للمريض.

ويُمثل التحليلُ المخبري الذُروةَ الإجرائية في فهم “منهجية التشيؤ“؛ الذي تُعامل المادة فيه بوصفها كِيانًا قابلًا للتجزئة والاختزال لغرض فهم خصائصها الوظيفية. فعندما نُحلل جزيء الماء إلى هيدروجين وأكسجين، أو نحلل الأحماض المعقدة إلى عناصرها الأولية، فنحن لا نكشف فقط عن القوانين الكيميائية التي تحكم تركيب المادة، بل نمارسُ نوعًا من الإخضاع المعرفي للمادة بغرض تسخيرها. باختصار يُمكن القول إنّ جزءًا كبيرًا من تاريخ العلم ليس إلا قصة تحليل للكليّات؛ سعى فيها العقل البشري دومًا في الولوج إلى دقائق الأجزاء لاستنطاق علاقاتها البينية والقوانين الناظمة لها. إن العلمَ في جوهره، يُحلل بُغية الفهم والاستيعاب، ويسعى في الإحاطة بعالم الأشياء عبر سبر أغوار طريقة تشيؤها وكيفية تحولها من حالة إلى أخرى. هذا التحليلُ المنهجي هو الذي حوّل الطبيعة من لغزٍ عصيٍّ على التفسير إلى منظومة من القوانين القابلة للإدراك؛ إذ بات الاقترابُ من جوهر المادة رهينًا بالقدرة على تحليل عناصرها الأولية، وتتبع مسارات تكونها وانتقالاتها.

لكن كيف يتحول التحليل إلى تفكيك؟  مع العلم أن “التحليلَ والتركيبَ عمليتان عقليتان تقوم عليهما معظم المناهج، والمراد منهما [التحليل العقلي والعملي] لكلٍّ ما؛ إلى أجزائه المكونة أو عناصره أو أسبابه وشروطه، وإعادة تكوين الكل من أجزائه. فالتحليل عكس التركيب. وللتحليل والتركيب أثر مهم في عملية المعرفة، فيَتِمُّ كل منهما بوصفهما منهجين للتفكير، يَستخدمان التصورات المجردة، ويرتبطان ارتباطا وثيقًا بالعمليات الذهنية الأخرى التجريد والتعميم وغيرهما، حسب اختلاف الموضوع والمذهب الفلسفي. وكل تحليل يفترض مقدمًا تركيبًا، لأنه إذا لم يكنْ أمام الذهن شيء مترابط، فإنه لا يستطيع أن يحلل”.[3] وعليه فإنَّ التعاطي مع المادة والظواهر والأشياء بنَفَسٍ تحليليٍّ لا يولي اعتبارًا للحكمة الكامنة من وراء بُعدها التركيبي المسبق في الوجود، قد يجعل العملية التحليلية تسقط في فخ “التفكيك”؛ فالتحليل الذي لا يتبعه وعيٌ تركيبيٌّ في بعديه: الحسي والمعنوي، يتحول بالضرورة إلى حالة من التجزئة المشتتة. إنَّ مختلفَ العلوم عندما تُحلل الظواهر والأشياء مختبريًا، مستنبطةً بذلك شتى المعلومات والمعطيات وقوانين المادة، دون أنْ تصحبَ ذلك بنماذج تركيبية كلية، فإنها تؤسس لـمعرفة مفككة ومقطعة ومبعثرة في الوقت ذاته. صحيحٌ أنَّ هذه المعرفةَ قد تأتي بنتائج نفعية آنية أحيانا، لكنها تظل مرشحةً لأن تترتب عليها نتائج سلبية –حضارية ومعرفية– نتيجة فقدان الوعي بالوَحْدة الغائية للوجود.

ومِن هنا تبرز الحاجةُ الملحّة إلى تجاوز مآزق العقلانية الأداتية والعبور نحو أفق “الفكر المركب” الذي يُعيد نسج الروابط المنقطعة بين الجزء والكل؛ إذ يضعنا هذا المنظور وجهًا لوجه أمام حقيقة أنَّ أي فصلٍ تعسفيٍّ بين أبعاد الوجود الإنساني والكوني لا يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة الحضارية، كما يصف ذلك إدغار موران بقوله: “تقوم الرؤية المقطعة والمبعثرة والآلية والاختزالية والعازلة بتشتيت مركب العالم إلى قطع مفصولة عن بعضها البعض وبتجزيء المشاكل وبفصل ما هو مرتبطٌ وبإضفاء الطابع الأحادي على المتعدد الأبعاد. إنها رؤية قصيرة النظر غالبًا ما تتحول إلى رؤية عمياء. فهي تقتل في المهد إمكانات الفهم والتأمل وتقلل من فرص بناء الأحكام السديدة أو الرؤى البعيدة النظر. لذلك، فبقدر ما تُصبح المشاكل متعددة الأبعاد بقدر ما يتعذر تمثلها في تعدد أبعادها، وبقدر ما تستفحل الأزمة بقدر ما تكبر صعوبة التفكير في الأزمة، وبقدر ما تكون المشاكل كوكبية بقدر ما يُغضُّ الطرف عنها نهائيًا. إن عجزَ الرؤية العمياء عن تمثل السياق والمركب الكوكبيين هو الذي يجعل كل واحد غيرِ واعٍ وغير مسؤول تمامًا”.[4]

إنَّ هذه “الرؤيةَ العمياء” ليست محض قصورٍ تِقْني في أدوات الرصد، وإنما هي “انفصامٌ كينونيٌّ” يقطع الأوصال بين حقيقة الخَلق وغائية الوجود؛ فعندما يقف العقلُ عند حدود “التفكيك”، فإنه يختزل الإنسان في “مادته” والكون في “آليته”، محوّلًا إياهما إلى جزيئاتٍ صماء تفتقر إلى النبض الكلي. ومن هنا، يبرز “الفكر المركب” بروزَ ضرورةٍ وجودية وبوصفه “سيمفونيةً نسقيةً” يُمنح فيها الكلُّ للجزء معناه، ويستمد فيها الجزءُ من الكل مشروعيته. إن العبورَ من التفكيك إلى التركيب هو ارتقاءٌ بالوعي من مستوى رصد “الآلة” إلى مستوى إدراك “الحياة” في أبهى تجلياتها المنظومية.

التركيب

أما “منهج التركيب فيقوم بتوحيد الأجزاء والخصائص والعلاقات التي يفصلها التحليل، في كل واحد، انتقالًا من المتوحد والجوهري إلى المختلف والمتنوع، فهو يضم العام والفردي، الوَحْدة والتنوع في كل حي متعين. وعليه فالتركيب يكمّل التحليل، وتضمهما معًا وَحْدة لا يمكن فصمها.”[5] يأتي التركيب هنا بمعنى العناصر والمركبات التي يتركب منها الشيء، ويتداخل بعضها ببعض؛ إذ نقول “التركيب” بمعناه الحسي حين نضع شيئًا فوق شيء، أو نضمُّ شيئًا إلى آخر حتى يتآلفا في الهيئة والمبنى. ومنه يُقال: “تركَّب الشيء من كذا وكذا” أي تألَّف منه، وركب الدواء ونحوه، أي ألَّفه من مواد مختلفة بنسبٍ ومقادير محددة. فالتركيب بهذا المعنى هو الجانب البنائي الذي يُعيد الوَحْدة والانسجام إلى الأجزاء المُبعثرة، محولًا إياها من عناصر أولية إلى كِيان ذي غاية ووظيفة.

إنَّ فكرةَ التركيب ساريةٌ في الوجود؛ فمختلف الكائنات تعود في أصلها إلى مركباتٍ معينة بتقديرات غائية محكمة. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (8)﴾ (اإنفطار:6-8) يظهرُ الإنسانُ في سياق سيرورة الخلق بوصفه بِنيةً “كليةً” لا يمكن فهمُ أجزائها إلا ضمن سياق تركيبها الشامل والمترابط ﴿رَكَّبَكَ﴾؛ إذ يتجاوز التعبير بـ “التركيب” هنا محض التجميع الآلي للمادة، ليحيل إلى نظامٍ مُركَّب تتداخل فيه الأبعاد الفيزيولوجية والرُوحية والجمالية تداخلًا عضويًا. وبذلك، تؤكد الآيةُ أن “الصورةَ” النهائية للإنسان هي ثمرةٌ لمشيئةٍ غائيةٍ صاغت هذا التعقيد في وَحْدة متناغمة، مما يجعل من جسد الإنسان وكينونته نموذجًا حيًا لـ “التركيب” الذي يجمع بين الوَحْدة والتنوع في آنٍ واحد.

يُمثل الغرورُ في الآية حالةً من “الاستلاب” ينسى فيها الإنسانُ أن نظامَه المُركَّبَ، بكل أبعاده المادية والرُوحية، إنما هو مَحضُ عطاءٍ من “الرب الكريم”. فالغرورُ حالةٌ من الجهل بمنظومة “التركيب الغائي” ذاتها؛ إذ إن كلَ خليةٍ مُسوّاة، وكل صفةٍ مُعدّلة، وكل صورةٍ مُركّبة، ما هي إلا شاهدٌ ناطقٌ يستنهضُ الحياءَ والاعترافَ بدلًا من التعالي والجحود. إنها دعوةٌ إلى استعادة الوعي -في بُعديْه المعرفي والمنهجي- بالكرم الإلهي الذي لولاه لظل الإنسانُ شتاتًا لا يجمعه نظام، وعدمًا لا تدركه صورة. وهذه مسألةٌ منهجية تُعلي من قيمة “التفكير التركيبي” بدلًا من الوقوف عند حدود التجزيء والتفكيك؛ فما ينطبق على الإنسان يصدقُ، بالضرورة، على الوجود بأكمله.

فعملية التركيب في عالم الأشياء ليست مسألة فوضوية، بل هي عمليةٌ ذات بُعدٍ غائي تحكمها مقاديرُ مضبوطة؛ وهذه الفكرة التي تلفتُ “منهجيةُ الخَلق” نظرنا إليها، فهي تؤكد أنَّ “منطقَ التشيؤ” خاضعٌ لنظامٍ مُقدّر قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (2)﴾(الفرقان:2) إنَّ التقديرَ والمِقدار في عالم الأشياء والتشيؤ يفتح أعيننا على أفقٍ مفاده بأنَّ قيمةَ القدر والمِقدار مسألةٌ تحيط بعالم المادة من كل جانب، وهي قانونٌ فاعلٌ فيه؛ فالاقتراب من فهم “فلسفة المِقدار” يجعلنا نراعي هذا التوازن لتسخير عملية التشيؤ في مختلف مجالات المعرفة دون إفراط أو تفريط.

إنَّ “فلسفةَ المِقدار والتقدير” في علاقة ذلك بالوجود، هي الحلقةُ شبه المفقودة في المناهج التحليلية الحديثة (كالوضعية المنطقية)؛ فبينما برع العلمُ في تفكيك “الشيء” إلى جزيئاته، فإنه لا يهتم عن “التقدير” الذي يربط تلك الجزيئات لتؤدي وظيفتها الكونية. لا شك أن إدراكَ القَدر والمِقدار، والمقادير الكلية الكامنة في تشيئ المادة، جعل العلمَ يقطعُ أشواطًا غير مسبوقة في مختلف مجالات المعرفة؛ مثل الفضاء والطيران والطب. لكن الغفلةَ عن الحكمة الغائية من وراء هذا النظام المُقدر، هي التي حولت العلمَ في كثير من الأحيان من أداة للبناء إلى وسيلة للهدم؛ إذ إن التعاملَ مع الأجزاء دون وعي بـالكل الغائي يفتح الباب أمام اختلال التوازن في النتيجة والعائد المعرفي. وعلى سبيل المثال، فإن الأسلحةَ النووية لم تكنْ إلا نتيجة لنوع من العلم الذي لم يحترز من التلاعب بمقادير المادة وموازين عيناتها؛ فجاءت النتيجة سلاحًا مدمرًا بسبب فقدان التوازن والغائية في مراعاة المقدار. إن السلاحَ النووي لم يُستخرج من الأرض بصورته تلك، بل هو نتاجُ عملية تفكيكية (انشطار النواة) أعيد تركيبها بمنطق يتعارض جذريًا مع فلسفة المقدار الغائية التي تحفظ الحياة وتصون الوجود؛ إذ كانت النتيجة الخراب والدمار، بدلًا من البناء والإعمار.

ومِن الأسباب المنهجية التي جعلت العلم -في علاقته بدراسة المادة ومكوناتها- يسقط في فخ الفراغ من جهة المعنى في بعض نتائجه؛ هي أنَّ أيَّ إبداع أو عملية تركيب لأجزاء المادة لا تجلب معها تطبيقات نفعية [قيميّة]، كان من الأولى تجاوزها والاحتراز من نتائجها. بيد أنَّ هذه الحالةَ من الوعي المعرفي تقتضي استحضار بُعد التركيب؛ إذ: “من اللازم للمعرفة الملائمة أن تواجه ما هو مركب. […] وبالفعل، يوجد ما هو مركب حيثما تم وصل مختلف العناصر المكونة للكل (كالاقتصادي والسياسي والسوسيولوجي والنفسي والوجداني والأسطوري)، وكلما أُخذ بعين الاعتبار علاقة الترابط والتفاعل والارتداد بين موضوع المعرفة وسياقه، بين الجزء والكل، بين الكل والأجزاء، والأجزاء فيما بينها. إن المركبَ هو إذن العلاقةُ بين الوَحْدة والتعدد. من المهم أن نضعَ جيدًا في الحسبان أن مستجداتِ وتطوراتِ عصرنا الكوكبي تضعنا أكثر فأكثر وبطريقة لا رجعة فيها أمام تحديات ما هو مركبٌ. لذلك يتوجب على التربية أنْ تُطورَ «مهارةً عامة» قادرةً على استثمار السياق بطريقة متعددة الأبعاد وعلى استثمار السياق والشمولي”.[6]

مأزق التفكيك

أشرنا سابقا أن تحليلَ المادة، إنْ لم يَصْحَبه بُعدٌ تركيبيٌّ جامع، سيسقط لا محالة في حالة تفكيكية حادة، تفصل المادة عن سياقها الغائي وتجردها من معناها الكلي. هذه الإشكالية المعرفية تتبدى اليوم بوصفها أزمةً بِنيوية ذات أبعاد خطيرة؛ فهي لا تكتفي بتجزئة المعرفة، ولكنْ تؤدي إلى “تفكيك المادة” وحصرها في أجزاء ميكانيكية صماء، مما يفقد الظاهرة رُوحها واتصالها بالهدف الأسمى الذي وجدت من أجله وبهذا تكون مرشحة للفساد، في هذا السياق سبق لـ “جان جاك روسو” قوله:

“كل شيء يخرج من يد خالق الأشياء صالحًا، وكل شيء يفسد في يد الإنسان”[7]

ويتحقق هذا الإفساد عبر “التدخل البشري المُشَوِّه”، الذي لا يقتصر على “الصناعة” بمعناها التِقْني البسيط، بل يمتدُ ليشمل الانحراف عن السنن الطبيعية والقيم الفطرية.

الاكتفاء بمنهجية التشيؤ لوحدها تبدوا ذات خطورة بالغة عندما يختزل الإنسان في “منهجية التشيؤ” إذ يُنزع عنه غطاؤه القيمي ليغدو محض “وَحْدة بيولوجية” في آلة التشيؤ. في هذا السياق، يتحول “الزواج” من ميثاق غليظ وسكن رُوحي إلى محض “وظيفة تناسلية” تهدف إلى الحفاظ على النوع. تكمن الخطورةُ هنا في أن أدواتِ القياس المختبرية، رغم دقتها في رصد “البصمة الوراثية” وتحليل “الكروموسومات”، تظل عمياء تمامًا أمام مفهوم “القيمة” و”المسؤولية الأخلاقية”. فالمختبر يستطيع فحص “النُطْفَةَ”، لكنَّهُ لا يستطيع قياس “المَوَدَّةِ”، ويستطيع إثبات “البُنَوَّةِ الجينية”، لكنَّهُ لا يدرك قدسية “الوَالِديَّةِ” قال تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ (البقرة:35) قال تعالى:﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21)﴾ (الروم:21) هذا التقابل بين “مختبر المادة” و”محراب القيم” يكشفُ عن الفجوة العميقة التي تُخلفها المنهجية التفكيكية، حين تتجاسر على توصيف الكينونة الإنسانية. فالمختبر بأدواته الصارمة، يقف عند حدود “الواقعة البيولوجية”؛ يحلل الخليةَ ويفحص الشفرة الوراثية، ويراقب انقسام البيضة، لكنَّهُ يظل عاجزًا عن رصد “السكينة” التي تنزل على النفس، أو قياس ثقل “الميثاق الغليظ” في الوجدان. إن الانتقالَ من ثنائية “الحيوان المنوي والبويضة” إلى مفهوم “الزوج والزوجة” هو ارتقاء جوهري من عالم “الجسد والحواس” إلى رحاب “النفس والرُوح”؛ الذي تتحول العلاقةُ من “وظيفة بيولوجية” فقط، إلى “سكن” وجداني، ومن “غريزة” عابرة إلى “مودة ورحمة” باقية. لذا، فإن الأمرَ ﴿يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ لا يتوقفُ عند آدم بوصفه فردًا، وإنما يمتدُّ امتداد الميثاقِ في نسله من بعده. إن هُويةَ الزواج في منهجية الخلق لا تنحصرُ في الإطار المادي الصرف، ولكنْ تجدُ أصلها في معطىً قيمي وأخلاقي متعالٍ، جوهره السكن والمودة والرحمة. فبينما يكتفي “التشيؤ” بإثبات “الانتساب الجيني” بوصفه معطًى ماديًا، تذهب “منهجيةُ الخلق” إلى أبعد من ذلك، لتؤسس لحقوق وواجبات، وقداسة والدية، وترابط رُوحي يتجاوز حدود الزمن والمادة، ليُحقق الغاية الأسمى من الوجود: العمارة القائمة على المودة، لا الاستهلاك القائم على الميكانيكا.

الاكتفاء بمختبر المادة “منهجية التشيؤ” بمعزل عن “محراب القيم” منهجية الخَلق”، يتضح معه أنَّ مأزقَ الفكر الحديث لا يكمنُ في الأدوات العلمية ذاتها، بل في “منظومة التبسيط” التي تحاول اختزال الكينونة الإنسانية في أبعادها المادية الصرفة، أو فصلها تمامًا عن جذورها الفطرية والكونية.  وهي حالةٌ ترى في الزواج وتحصره في وظيفة بيولوجية. فحالة التفكيك هذه هي التي تحكم علاقتنا بالطبيعة؛ التي تضيع فيها حقيقة (الإنسان المركب) إذ “هناك منظومتان اثنتان متعارضتان فيما يخص علاقة الإنسان ← الطبيعة. تدمج المنظومةُ الأولى الإنسانَ داخل الطبيعة، وكلُ خطاب يدخل في إطار هذه المنظومة إلا ويجعل من الإنسانِ كائنًا طبيعيًا يقول بفكرة «الطبيعة الإنسانية»، في حين تفصل المنظومةُ الثانية الإنسانَ عن الطبيعة وتعين ما يميز الإنسان عبر نفي فكرة الطبيعة. تتوحد هاتان المنظومتان المتعارضتان في منظومة أعمق، هي منظومةُ التبسيط التي تُفرض في مواجهة التعقيد المفاهيمي، إما الاختزال (اختزال الإنساني في الطبيعي)، أو الفصل (بين الإنساني والطبيعي). ولهذا السبب تمنع المنظومتان من رؤية وَحْدة الثنائيات الطبيعية ← الثقافية، الدماغية ← النفسية، في الواقع الإنساني، وكذا علاقة التداخل والاستقلال في آن بين الإنسان والطبيعة. وحدها منظومة مركبة تأخذ بعين الاعتبار جدلية التداخل/الفصل/الوصل تسمح بهذا التصور. ولكن مثل هذه المنظومة لا تزال غائبة عن الثقافة العلمية”.[8]

على الإنسانيةِ اليومَ أنْ تُعليَ من قيمة “العقلانية المنفتحة” بدلًا من العقلانية الأحادية التي تختزل الفهم في زاوية دون أخرى؛ فالعقلانيةُ المنفتحة تُمَثِّلُ مدخلًا لا غنًى عنه بالنظر إلى الإنسان في بُعده المركب، كونها الأداة المعرفية الوحيدة القادرة على استيعاب كينونته متعددة الأبعاد، وتخليصه من حصار “الإنسان المجزأ” الذي صنعته الرؤية التفكيكية. “إن العقلانيةَ الحقيقية، المفتوحة بطبيعتها، هي التي تحاورُ الواقع الذي يُعاندها. إنها ثمرةُ نقاشٍ حِجاجي بين الأفكار. وهي ليست حكرًا على أي نسق فكري. وكل نزعة عقلانية تتجاهل الكائنات والذاتية والوجدان والحياة هي نزعةٌ لا عقلانية. على العقلانية أنْ تعترف بأهمية الوجدان والحب والتوبة. العقلانية الحقيقية هي التي تعي جيدًا حدود المنطق والنزعة الحتمية والنزعة الآلية. إنها تعلم جيدًا أن العقلَ الإنساني لا يمكنه معرفة كل شيء، وأن الواقعَ يحبل بالألغاز. وهي تتفاوضُ وتتحدث إلى اللا مُعَقْلَن، والغامض، وغيرِ القابلِ للعقلنة. بذلك فهي ليست فقط نقدية، ولكنْ تنقدُ ذاتها. باختصار، إننا نتعرف على العقلانية الحقيقية في مدى قدرتها على الاعتراف بحدودها”.[9]

هذا العبورُ من “العقلانية الأحادية” إلى “العقلانية المنفتحة” يُمَثِّلُ في جوهره استعادةً للكرامة الوجودية للإنسان؛ فالعقل الذي يعترف بحدوده ليس عقلًا مستسلمًا، بل هو عقلٌ بلغ ذروة نضجه حين أدرك أن كينونةَ البشر لا تستقيم بالمنطق الرياضي وحده، بل تكتمل بحضور الوجدان والرُوح والسر الخفي الذي يسكن المعنى. إن العقلانيةَ الحقيقية هي تلك التي تمتلك الشجاعة لكسر حصار “الإنسان المجزأ”، لتُعيد بناءه ليكون ذاتًا مركبةً تعيش الحقيقة بوصفها أفقًا للتفاوض المستمر مع الغامض والمستعصي على الفهم، لا بوصفها مادةً صماء خاضعة للتشريح. وبذلك تصبح العقلانيةُ المنفتحة هي الضمانةُ الوحيدة ضد السقوط في “لا عقلانية” التفكيك العدمي من جهة، وضد “وثنية” اليقين الآلي من جهة أخرى، مُفسحةً المجالَ لإنسانٍ يعي أن ذروةَ تجليات العقل تكمن في قدرته على الحوار مع ما يفوق العقل.

لقد ارتبط مصطلح «التفكيك» في مجال الفلسفة والأدب بالفيلسوف الفرنسي جاك دريدا (1930م – 2004م)، فهو أولُ من نحت هذا المفهوم بمعناه الفلسفي الحديث، وأول من وظفه بوصفه أداةً نقدية ومنهجية متكاملة؛ مما بوّأه مكانة مرموقة بوصفه أحدَ أهم فلاسفة القرن العشرين. يتمثلُ هدفُ دريدا الجوهري في تقويض أسس الميتافيزيقا الغربية ونقد مناهج الفلسفة الأوروبية التقليدية، وذلك عبر آليات إجرائية تفكك النصوص؛ لتكشف عن تناقضاتها الداخلية وزعزعة استقرار معانيها.

وتتمحور فكرة «التفكيك» عند دريدا حول تقويض اليقينيات التي قامت عليها الميتافيزيقا الغربية منذ أفلاطون، وهي الميتافيزيقا التي ارتكزت على ما يُسميه «أوهام الحضور»؛ أي الاعتقاد بوجود حقيقة مطلقة، أو جوهر ثابت، أو مركز مرجعي: (الإله، أو العقل، أو الذات) يمنح النصوص والظواهر معناها النهائي والمستقل. فالحضورُ عمومًا يَتَكَوَّنُ داخلَ الميتافيزيقا، أي “وجود سلطة أو مركز خارجي يعطي الكلمات والكتابات والأفكار والأنساق معناها ويؤسس مصداقيتها، لأن اللغةَ خارج النص الأدبي أو داخله تكتسب مصداقيتها من إحالتها إلى المركز أو تلك السلطة الخارجية”.[10] ويرى دريدا أن هذا «المركزَ» ليس حقيقةً موضوعية متعالية تقبع خارج حدود اللغة، بل هو محض «بناء لُغوي» واصطلاح ثقافي مُنح الأولويةَ لتثبيت نظام الدلالة. ومن هنا يربط دريدا بين مركزية العقل و«مركزية الصوت»، بسبب أن الفكر الغربي فضَّلَ الكلام -بوصفه رمزًا للحضور المباشر للوعي- على الكتابة التي اعتُبرت أداة ثانوية أو علامة على الغياب. ليأتي التفكيكُ ويعيد القيمة لـ «الكتابة» بوصفها فضاءً للاختلاف والمراوغة، مؤكدًا أن المعنى ليس جوهرًا يُقبض عليه، بل هو «أثرٌ» دائمُ التولد والارتحال، مما يجعل كل نسقٍ فكري منفتحًا على احتمالات لا نهائية من القراءات التي ترفض الانغلاق داخل سلطة المركز الواحد.

إن التفكيكَ بهذا المعنى، يحمل في طياته أبعادًا نقدية مُثمرة؛ فهو يُحرر العقل من كل ما ينحو نحو الضيق والانسداد والانغلاق، ويخلصه من التمركز حول الذات باسم أوهام الأيديولوجيات المختلفة، سواء أكانت باسم الدين، أم العلم، أم العلمانية. ومن هذه الزاوية، يمنحنا التفكيكُ فرصة للانفلات من قبضة المعاني المختزلة والجاهزة؛ فعندما نفكك القناعات والمسلمات ونعيدها إلى جذورها الثقافية والمعرفية التي تكوَّنت ضمنها، تتجلى لنا النزعات والخلفيات التي أسهمت في بناء تلك الأفكار، سواء أكانت ظروفًا: ثقافية، أم اجتماعية، أم سياسية، أم اقتصادية. فمختلف الأفكار تَتَكَوَّنُ تبعًا لسياقاتها، ولفهمها ينبغي استحضار تلك السياقات التاريخية والظرفية؛ وهنا تبرز فاعلية التفكيك بوصفها أداةً جوهرية في هذه العملية النقدية.

القيمة المضافة للتفكيك، في هذا السياق، تكمن في كونه لا يكتفي بنقد “المحتوى” الفكري، ولكنه يغوص في “بِنية” التفكير ذاتها؛ فهو يكشفُ كيفية “صناعة” المقدس أو المطلق داخل الأيديولوجيا عبر آليات لُغوية وسياقية معينة. وبدلًا من الركون إلى المعنى الأحادي الذي تفرضه السلطة المعرفية —أيًا كان نوعها— يفتح التفكيك أفقًا لـ “تعددية المعنى” واستعادة المسكوت عنه في التاريخ. وبذلك يتحول التفكيك من محض ترف فكري إلى “فعل مقاومة” ضد التنميط والشمولية؛ إذ يُعيد الاعتبار إلى النسبي في مواجهة الادعاء المطلق، وللمتغير في مواجهة السكوني، مما يتيح للعقل المعاصر بناء رؤية أكثر تركيبًا وتواضعًا وانفتاحًا على الآخر المختلف.

ومن هذه الزاوية، ارتأى السعودي عبد الله الغذامي استعمال مصطلح “التشريحية” ليكون بديلًا إجرائيًا، رغبةً منه في تجنب الحمولة السلبية لمصطلح “التفكيكية”؛ فبينما قد يوحي التفكيك بالهدم المحض أو تقويض البِنيان، فإن “التشريحَ” يمنح الناقدَ أداةً فحص أكثر دقة وأصالة، تَهْدِفُ إلى سبر أغوار النص وكشف آلياته؛ ليس بغرض الهدم لذاته، بل لتكون خُطوة جوهرية تسبق عملية إعادة البناء والفهم العميق.[11]

والحقيقة أن النزعةَ التفكيكية في مساراتها الأكثر حدة، قد انزلقت بجعل التفكيك غايةً في ذاته ومنتهى لمطالب العقل؛ مما يطرح سؤالًا جوهريًا: هل قدّم دريدا نموذجًا معرفيًا يخدم الفكر والمنهج التركيبي؟ أم أن مشروعه ظل محبوسًا في استراتيجية “التقويض” المستمر دون أفق للبناء؟

التفكيكية حسب جاك دريدا ليست تحليلًا ولا نقدًا ولا منهجًا[12] إذ يهدفُ التفكيكُ وَفْق الرؤية الدريدية، إلى استنطاق النص واستغوار طبقاته العميقة؛ بغية الكشف عن “الحقائق المضمرة” التي غالبًا ما تتناقض مع المعنى الظاهر أو المركزية التي يحاول النص فرضها. إنه سعيٌ دؤوب في زعزعة التماسك الصوري للبِنية، وإظهار كيف أن النصَ ينطوي على ثغرات وتناقضات ذاتية تقوض ادعاءاته بالوَحْدة واليقين؛ وكأن النصَ ليس سوى مراوغةٍ لُغوية لا أقل ولا أكثر. بَيْدَ أن الإشكال الجوهري الذي يبرز هنا هو: هل تنطبق هذه المقاربة على النصوص كافّة؟ وهل يعني ذلك أن جميعَ النصوص بلا يقين يُرتجى من ورائها؟ فالاستنطاق الدؤوب الذي تمارسه التفكيكية كما يراها جاك د ريدا لا يقف عند حدود الكشف المنهجي، بل يتحول إلى نوع من “المراوغة المعرفية” التي ترفض الاستقرار على معنى نهائي أو بديل تركيبي؛ إذ يغدو التفكيكُ هنا عملية تقويض ذاتي لا تنتهي، تُحيل النصَ والواقع إلى فضاء من السيولة الدلالية واللعب الحر بالعلامات دون الاستناد إلى برهان، إذ يحضر التفكيكُ حضورَ الآلية دون غايةٍ أو هدف. وفي هذا الأفق الذي يغيب فيه المركز وتتلاشى فيه المرجعيات الصلبة، تبرز ملامح العدمية التي ترى في كل بناء فكري محض تكوينٍ لُغوي مؤقت، كأن “دريدا” يقول لجميع الأدباء والفلاسفة: إنكم تلعبون بطريقة عابثة ونحن نعبث بلعبكم، وكلانا لا يربح إلا عبثه.[13]

يرى الناقدُ عبد العزيز حمودة، أن التفكيكيةَ المعاصرة، بوصفها صيغة لنظرية النص والتحليل، تُخرب كل شيء في التقاليد تقريبًا؛ وتشكك في الأفكار الموروثة عن: العلامة، واللغة، والنص، والسياق، والمؤلف، والقارئ، ودور التاريخ، وعملية التفسير، وأساليب الكتابة النقدية. وفي هذا المشروع، فإن الماضيَ ينهارُ ليخرج… شيء فظيع.[14] وهذا كله من وراء تحويل التفكيك إلى غاية في ذاته دون هدف تركيبي. إذ تتجلى التفكيكية المعاصرة في المشهد النقدي تجليَ قوةٍ ثورية، شبهها البعض بالثور الهائج أطلقه عصر الشك الشامل من مربطـه، يحطم كل شيء فلا شيء معتمدًا ولا شيء موثـوقًا ولا شـيء مـقـدَّسًا. بينما يقتضي النظر السليم أنْ يكونَ التفكيكُ مَعْبَرًا إجرائيًا نحو “إعادة التركيب”؛ فنحن نفكك المعنى لا لنُبَدِّدَهُ، بل لنعيد لملمةَ شتاته وبنائه ضمن أفق رحب ينفتح على كينونة الإنسان وقيمه الجوهرية. إن الوقوفَ عند حدود الهدم المحض يوقع الفكر في حبائل “العدمية” التي تقوّض الثقة في كل المرجعيات، وبفقدان المعنى يفقد الإنسان بالضرورة جزءًا أصيلًا من وجوده وكِيانه؛ لذا بالضرورة أنْ تصبح العلاقة بين التفكيك والتركيب علاقة حيوية وتكاملية، يمثل فيها التفكيكُ شجاعةً النقد والمراجعة، في حين يمثل التركيبُ إرادةَ البناء والاستشراف، بتكوُّنِ الفعل الحضاري الذي يحمي المعنى من التحجر، ويصون الذات الإنسانية من التشييء والضياع.

القرآن جعل من التحليل بوابة للتركيب

يكتنز القرآن الكريم برؤية تركيبية للإنسان في أبعاده العميقة، لا ينظر بها إليه نظرةَ كِيانٍ مادي مسطح، بل نظرةَ بِنيةٍ مركبة تجمع بين البدن الذي يُمَثِّلُ قاعدة الوجود المادي، والحواس التي تعمل عملَ جسورٍ إدراكية، والنفس بوصفها مستودعًا للمشاعر والسكينة، والرُوح التي تُمَثِّلُ نفخة السمو والارتباط بالمطلق. إنَّ هذا “الإنسانَ الكلي” في المنظور القرآني هو النموذجُ الأسمى لما يسميه إدغار موران “الإنسان المركب“؛ فهو كائنٌ لا يقبل الاختزال في وحدات بيولوجية صماء، بل يتجاوز ميكانيكا المختبر ليعيش تجرِبة “المودة والرحمة” في أسمى تجلياتها. وبذلك، تلتقي العقلانية المنفتحة بآفاق الوحي لتخليص الكائن البشري من “الرؤية العمياء” التي تشتت أبعاده، ولتعيد نسج الروابط المنقطعة بين عالم الشهادة وعالم الغيب. إنَّ الارتقاءَ من الثنائيات الاختزالية إلى هذا الرحاب التركيبي هو الذي يحقق الغاية الأسمى من الوجود؛ إذ يتحول الإنسانُ من محض “وَحْدة استهلاكية” إلى “خليفة” واعٍ بمسؤوليته الكوكبية، ومستندٍ إلى ميثاق غليظ يجمع بين دقة العلم وقداسة القيم.

القارئ للقرآن الكريم قراءةً معرفية، سيدرك بجلاء أنَّ الوحيَ يتضمن هِداية منهجية في استحضار التحليل  ليكون مدخلًا أساسيًا لمعرفة الكون والكائنات؛ قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46)﴾ (الحج:46) فصيغة “سيروا في الأرض” التي وردت في مواطن متعددة من القرآن لا تتوقف بالضرورة عند حدود المشي أو الانتقال المادي من نقطة إلى أخرى، بل هي سيرٌ مقرون بالنظر العقلي، وتوظيفٌ لمختلف آليات المعرفة من سمع وبصر وبصيرة.

ويضعنا القرآن الكريم أمام مقدمات وكليات تتفرع عنها أجزاء شتى قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إلى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (99)﴾ (الأنعام:99) فالآية تُبرز “الماء النازل من السماء” بوصفه مقدمةً كلية لكل ما تُنبت الأرض، ومنه تتفرع مختلف الثمار. ولمعرفة علاقة هذه الثمار –بوصفها نتيجة أخيرة– بالمقدمة الأولى، فلا مفر من عملية تفكيك المكونات والكشف عن القوانين الناظمة فيما بينها، وهي العمليةُ التي يطرحها العلم الحديث اليوم تحت مُسمى “تفكير النظم” الذي تتجلى قيمته المعرفية في كونه يُعَدُّ انتقالًا حاسمًا من ضيق «الاختزال» إلى رحابة «الكلية والتركيب»، التي يُنظر فيها إلى الظواهر بوصفها بِنى متكاملة لا يُمكن سبر أغوارها عبر تجزئة مكوناتها، بل عن طريق فحص شبكة العلاقات التفاعلية والاعتماد المتبادل بين عناصرها. فبدلًا من الاستغراق في «السببية الخطية» البسيطة، يعتمد هذا المنهجُ «السببية الدائرية» التي ترصد أنماط التكرار السياق الحركي في الوجود الذي لا يعرف الجمود. إن هذا «التوجهَ النسقي» يحررُ القراءات المعرفية من التسطيح، ويسمح ببناء نماذج تفسيرية عابرة للتخصصات، تدمج بين العلوم الإنسانية والطبيعية في وَحْدة معرفية متناغمة؛ تُقرأ فيها النصوص والظواهر قراءةَ بِنيةٍ حية يُفسِّرُ بعضُها بعضًا، ويمنحها السياق الكلي وظيفتها ومعناها العميق.

إنَّ مفردةَ “السير” في القرآن تُعَدُّ مفتاحًا لعملية تحليلية عميقة للمكونات، واستجلاء للسنن التي تربط النتائج بمقدماتها، ودون هذا التحليل يظل الإدراكُ حبيسَ “رؤية الأبصار” التي تقف عند حدود الصور والألوان. بَيْدَ أن عمليةَ الهداية نحو التحليل المنهجي في القرآن لم تُفض إلى حالة “التفكيك” لذاته، بل ارتبطت بغاية أسمى، مفادها التجاوز الصارم لفكرة “الصدفة” نحو “القوانين الغائية”. فبينما يجهد العلم الحديث لاكتشاف آليات عمل النظام (كيف؟)، يأتي الوحي ليمنح العقلَ طمأنينة اليقين بخصوص علة الوجود ومصدر التدبير (لماذا؟ ومَنْ؟).

إن هذا الربطَ الغائي هو الذي يحول المعرفة العلمية من بيانات مادية باردة إلى “بصيرة قلبية” حية، تُخرج الإنسانَ من حالة الفوضى والتشتت الذهني إلى حالة “اليقين”: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. فجوهر التعقل يكمن في إدراك وَحْدة النظام وتدبير الخالق خلف هذا التنوع البديع؛ وبذلك يتحول السير في الطبيعة من محض نظرٍ وعلم عابرين إلى معرفة يقينية قائمة على استيعاب القوانين الغائية في الوجود.

فالقرآن الكريم قَعَّدَ لمبدأ مفاده أنَّ “التحليلَ هو بوابةُ التركيب“؛ إذ لا يُمكن استيعاب “الوَحْدة” الكامنة في الوجود إلا عبر تحليل “الكثرة”، ضمن منهجية تعمل على مستويين متكاملين: مستوى تحليلي يغوص في تفاصيل الجزئيات –مثل تأمل الثمار واليَنْع والحَبِّ المتراكب– لاستكشاف خصائصها وقوانينها، ومستوى توليفي يُعيد ربط هذه الأجزاء بمصدرها الأول وغايتها النهائية. وبمعنى أدق، فإنَّ القرآنَ يدفعنا إلى تفكيك الظاهرة، كي “نفهمها”، ثم إعادة تركيبها، كي “نعقلها”؛ فبينما يكشف التحليلُ عن “الآلية”، يكشف التركيبُ عن “الآية”. ودون هذه الجدليةُ المبدعة، يظل العقلُ إما تائهًا في جزئيات مبعثرة بلا رابط (تشتت علمي)، أو غارقًا في كُليات مجردة بلا تفاصيل (جمود فكري). ومن هنا، يصبح الفهمُ الكليُ للظواهر هو المحصلةُ النهائية لعملية سيرٍ ذهني تبدأ بتحليل “نبات كل شيء” وتنتهي بتركيب الصورة الكبرى التي تورث اليقين. والآيات القرآنية التي تنطوي على هذا البعد المعرفي آياتٌ متعددة. فآيات القرآن لا ينبغي حصرها في بعدها الفني أو التعاطي معها من زاوية ما هو عاطفيٌ ووجدانيٌ فقط، بل ينبغي ألا نغفل أنها تكتنز بُعدًا معرفيًا في نظرتها إلى العالم والوجود والإنسان.

خاتمة

الانتقال من مأزق التفكيك إلى أفق التركيب يستوجب مراجعة جذرية لعلاقتنا بالعلم؛ بحيث نتحول من “منهجية التشيؤ” التي تُجمد الواقع وتجزئ الإنسان، إلى “منهجية الخَلق” التي تحتفي بكينونته المركبة. فالعلمُ ليس بالضرورة خصمًا -في جميع الحالات- لكل ما هو غامضٌ ومستعصٍ على الفهم، كما أنه ليس بالضرورة أنْ يحصرَ آلياته وأفقه في “العلم المختبري” الصرف؛ إذ لا شك أن هناك عوالمَ أخرى غيرَ خاضعةٍ —في تركيبتها— للمختبر أو المجهر، ومع ذلك فلها وجودها المتعين والمختلف.

ومن هذه الزاوية، ينبغي التعويل على العبور مما يُرى إلى ما لا يُرى، ومن حدود ما يكشفه المختبر إلى عوالم أرحب؛ مع وعي العلم بضرورة التحرز من السقوط في الفراغ أو الخرافة. وبذلك يتحقق “التركيب المنشود” الذي يصون كرامة الإنسان، ويحرر عقلَهُ من حصار المعاني المختزلة والآلية.

وهي عمليةٌ تقتضي “قراءةً تركيبية” تنتظم في ثلاثة مستويات متداخلة: عالمُ “الأمر” الذي يُمَثِّلُ القوانينَ العُلوية والسنن الثابتة التي تضبط حركة الوجود، وعالمُ “الإرادة” الإنسانية الحرة التي تختار وتفعل وتبِني في إطار تلك السنن، وصولًا إلى عالم “المشيئة الموضوعية”؛ ذلك الفضاء الذي تتشيأ فيه الأشياء وتتجسد في صورها المادية التي ندركها بالبصر ونعاينها في الواقع المشهود. إن هذا “التركيبَ الثلاثي” هو المفتاحُ لتحرير العلم من حصار المختبر؛ إذ يجعل من البحث العلمي فعلًا عباديًا وحضاريًا يستنطق “الآفاق والأنفس” لا بوصفها موادًا صماءَ، بل آياتٌ ناطقةٌ تتجلى فيها وَحْدة الخلق وإبداع الخالق. وهو ما سنقف عليه بالتفصيل في الجزء القادم من هذه الدراسة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع

  • القرآن الكريم
  • أبو القاسم حاج حمد، العالمية الإسلامية الثانية، دار الهادي، بيروت لبنان، ط.1، 2004م،
  •  إدغار موران، تربية المستقبل (المعارف السبع الضرورية لتربية المستقبل)، عزيز لزرق ومنير الحجوجي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، بالتعاون مع منشورات اليونسكو، ط.1، 2002م
  • عبد العزيز حمودة، المرايا المحدبة من البِنيوية إلى التفكيك، سلسلة عالم المعرفة، عدد 232، الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1998
  • عبد الله الغذامي، الخطيئة والتكفير، من البِنيوية إلى التشريحية، قراءة نقدية لنموذج النادي الأدبي الثقافي، ط1، 1985م.
  • جاك دريدا، الكتابة والاختلاف، ترجمة كاظم جهاد، دار توبقال للنشر، ط.2، 2000م
  • حميد الحمداني، الفكر النقدي الأدبي المعاصر، مطبعة انفو، فاس، المغرب
  • سوسن البيطار، التحليل والتركيب، موقع: الموسوعة العر بية https://mail.arab-ency.com.sy/details/15338
  • سوسن البيطار، التحليل والتركيب، موقع: الموسوعة العر بية https://mail.arab-ency.com.sy/details/15338

[1]  كاتب وباحث مغربي مختص في قضايا الفكر والدراسات القرآنية.

[2]  أبو القاسم حاج حمد، العالمية الإسلامية الثانية، دار الهادي، بيروت لبنان، ط.1، 2004م، ص. 251

[3] سوسن البيطار، التحليل والتركيب، موقع: الموسوعة العر بية   https://mail.arab-ency.com.sy/details/15338

[4]  إدغار موران، تربية المستقبل (المعارف السبع الضرورية لتربية المستقبل)، عزيز لزرق ومنير الحجوجي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، بالتعاون مع منشورات اليونسكو، ط.1، 2002م، ص.41

[5]  سوسن البيطار، التحليل والتركيب، موقع: الموسوعة العر بية   https://mail.arab-ency.com.sy/details/15338

[6]  تربية المستقبل، م. س. ص.37-38

[7]  أنظر: جان جاك روسو، إميل أو التربية، (الكتاب صدر 1762م) ترجمة عادل زعيتر، مؤسسة هنداوي، المملكة المتحدة، ط.1، 2019م. (بتصرف)

[8]  نفسه، ص.27

[9]  نفسه، ص.25

[10]  عبد العزيز حمودة، المرايا المحدبة من البنيوية إلى التفكيك، سلسلة عالم المعرفة، عدد 232، الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1998، ص.330

[11]  أنظر: عبد الله الغذامي، الخطيئة والتكفير، من البنيوية إلى التشريحية، قراءة نقدية لنموذج النادي الأدبي الثقافي، ط1، 1985م.

[12]  جاك دريدا، الكتابة والاختلاف، ترجمة كاظم جهاد، دار توبقال للنشر، ط.2، ص.60-61

[13]  أنظر: حميد الحمداني، الفكر النقدي الأدبي المعاصر، مطبعة انفو، فاس، المغرب، ص.241

[14] المرايا المحدبة من البنيوية إلى التفكيك، م. س. ص. 254

اقرأ ايضا

المزيد من المقالات

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete