تكوين
الإسلام، شأنه شأن الديانات الأخرى، يتداخل فيه الجانب العقدي النظري، والجانب العملي الحياتي، والأخلاقي في المعاملات، مع تَقَدُم الجانب الأول على الثاني وضبطه معياريًا، وتحديد أطره وتقدير نتائجه دنيويًا وأخرويًا. وأما العلوم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأخلاق الحديثة فهي تنظر إلى العمل بوصفه نشاطًا إنسانيًا حُرًا، واعيًا ومُرادًا، في مادة طبيعية أو اصطناعية بهدف الاستفادة منها لتلبية حاجات بيولوجية أو نفسية أو فكرية، ولمصلحة فردية خاصة أو اجتماعية عامة. وقد طرأ على مفهوم العمل تحولاتٌ وأبعادٌ نبعت من تبدُلِ الظروف الحضارية المستجدَةِ وقضاياها المميزة(1).
وتعريفات العمل الجديدة لا يُمكنها إغفال التحولات الراهنة في مجالات التَقْنية والتصنيع والعلوم وتَغَير البينة المهنية لسوق العمل وَفْق المعايير التي نصت عليها التشريعات الحقوقية المدنية الدولية. وهي تعريفاتٌ تُحيط بالعمل بوصفه نشاطًا يُؤدَّى مُقابل أجرٍ أو عوضٍ نقدي ومعنوي، وتستبعد النشاطات الإنسانية الأخرى التي لا تتصل بقيم السوق. إلا أن التقيَدَ بقيم السوق لا يعني بحال من الأحوال استبعاد الموجِهات السلوكية للعمل من مُعتقدات دينية أو حزبية أو حقوقية مدنية أولية، للأفراد والجماعات، والأشكال المحددة الموجبة للعمل في مهنة أو حرفة معينة.
وهدفُ البحثِ هو الكشفُ عن تجليات المفهوم والقيم السلوكية الإسلامية للعمل بوصفها طريقةً لابتغاء الرزق تعتمد على القوى الفكرية واليدوية المادية التي خُصَّ بها الإنسان. وذلك من خلال الكشف عن الإشكالية التي شغلت الفلاسفة والمتكلمين بخصوص نسبة العمل، بوصفه فعلًا، إلى الإنسانِ. والإلماع إلى المفهوم من العمل في المعاجم العربية القديمة والتعليمية ونماذجَ من أراء بعض أعلام الفكر العربي في العمل. والإشارة تاليًا إلى ما ورد في الآيات القرآنية والسنًة النبوية من إشارات إلى العمل والألفاظ المرادفة له، مثل: الفعل والصنعة والحرفة والأجر، وأصنافها وغاياتها، مع الاعتماد المحدود على بعض التفاسير من دون الدخول في قضايا التأويل ومذاهبه لخروجها عن هدف هذا البحث.
أولًا: إشكالية مفهوم العمل في الإسلام
إن مفهوم “العمل” في الإسلام يصطدم بقضية أصولية مثَّلت سببًا جوهريًّا في اختلاف الفرق الكلامية والفلسفية. وقد عبَّر القاضي عبد الجبار(ت415هـ) عن هذه الإشكالية في قوله: “إن العمل إنما يكون عملًا للعامل بأن يوجده ويُحدِثه، ومتى وجب ذلك استحال أن يكون تعالى خالقًا له، لأنَ خلقه لا يُفيد إلا إخراجه من العدم إلى الوجود، فإذا حصل كذلك بمن عمله فما الفائدة من كونه خلقًا له تعالى”(2). وارتبط النظرُ في العمل بمفهوم الفعل في مناخه العقدي الرسمي العام، الذي جاء على خلاف المعهود في الديانات الوضعية التي انطوت كُتبها المقدسة على نصائحَ تتعلق بالعمل اليدوي وطرائقِ التعاملِ مع الأرض في الفلاحة، والحيوان في الرعاية.
وقضية العمل في الإسلام، مرتبطة بفكرة الحرية الإنسانية. فقد نفت الجبريةُ (ومنهم الجهمية أصحاب جهم بن صفوان) الفعلَ الحقيقي عن الإنسان، وقالت بأنه لا يقدر على شيء ولا يوصف بالاستطاعة، ولا إرادة له ولا اختيار. والله هو الذي يخلق الأفعال فيه كما يخلقها في الجمادات وتُنسب إليه مجازًا. وقالت المعتزلةُ إنَّ الإنسانَ خالقٌ لأفعاله خيرها وشرها، وهو لذلك يستحق على ما يفعله الثواب والعقاب في الدار الآخرة. ومنح اللهُ الإنسانَ العقل والإرادة، وجعله قادرًا على الفعل. وليست التكاليف الواردة في الشرع سوى ألطافٍ إلهية، أرسلها الله إلى عباده بواسطة الأنبياء، ليهلك من هَلك على بينة، ويحي من حيَّ عن بينة. وهكذا يكون الإحداثُ عند المعتزلة وقوعَ الفعل من الفاعل تحقيقًا عينيًا مُستندًا إلى قدرة فاعله. ثم إن تعلق الفعل بالفاعل، على المستوى الإنساني هو حدوثُ الفعلِ ووقوعِه منه وتحققه وجوديًا، لكون الفاعلُ قادرًا عليه. هذا ويُميز المعتزلة بين الفعل الإنساني وإحداث الله الذي يُسمى “خلقًا لأنه لا يُحدث شيئًا لحكمته إلا على وجه التقدير من غير تفاوت، فإذا قِيل خلقُ الله كذا فهو بمنزلة قولِكَ أحدث وأوجد من غير نظر إلى وجه الاشتقاق…”(3).
وقالت الأشعريةُ، من باب التوفيق بين الاتجاهين السابقين، أن الفعلَ يُطلق على ثلاثة وجوه: الفعل الضروري (كغرق الإنسان في الماء عند وقوفه عليه)، والفعل الإرادي (كالتنفس بالرئة)، والفعل الاختياري (كالكتابة باليد). فالجبر ظاهرٌ في الفعلين الأولين، والالتباس في الفعل الاختياري. ويرى الغزالي –موضحًا رأي الأشعرية- أن الإنسانَ محلَّ ومجرى للأفعال لا خالقَ لها بحرية مطلقة. ومعنى كون الإنسان مُجبرًا، أن جميع أفعاله حاصلة له من غيره لا مِنه، وكونه مُختارًا أنه محل لإرادة حدثت فيه جبرًا. فالإنسان في الحقيقة مُجبر على الاختيار. والفرق بين فعل الجماد وفعل الإنسان وفعل الله، أن فعلَ الجماد جبرٌ مُطلق وفعل الله اختيارٌ محض، وفعل الإنسان على منزلة بين المنزلتين: إنه جُبِرَ على الاختيار وهو ما يُسميه الأشعري كَسْبًا، وهو ليس مُناقضًا للجبر ولا للاختيار. ومعنى ذلك أن الغزالي لم يجعل إرادة الإنسان حُرة في اختيار الفعل، بل جعلها مُقيدة بالعلم. وهذا العلم لطف من الألطاف الإلهية، أو نور يقذفه الله في الصدر.
والسائد في أدبيات الإسلام الرسمي الأشعري، أن اللهَ هو الفاعلُ الحر الخالق الموجد لكل ما في العالم، ولا فاعل سواه. فالله {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَا بِمَا شَاءَ} [البقرة255]، { وَإِلَى اللَهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} [البقرة 210] (4). فالعمل المنسوبُ إلى الإنسان هو في الحقيقة فعل للخالق. ثم إن الآياتِ الواردةَ في العمل تُشعر بأن العملَ بحسب وروده فيها غير مقصود بذاته ولذاته وإنما من ناحية نتائجه وحاصله في اكتساب الأجر في الحياة الأخرى، ولم يُنظر إليه لجهة متعلقاته المادية وقيمته الحياتية، وإنما من جهة كونه نمطًا سلوكيًا متعلقًا بالمعاملات الخاضعة لسُنة ومعيار شرعي موحى به. لذا كان البحث في العمل اليدوي والفكري وقيمته المادية في الحياة الدنيا، ومستوى الحضور الإنساني والقيمي فيه، محفوفًا بخطر الانزلاق إلى الفصل أو الوصل بين العالمين العقديين: الإلهي والطبيعي.
وطرح الفلاسفةُ العرب الحلولَ للخروج من دوائر الجدل الكلامي بشأن أصل العمل، من جهة ما هو فعل، وطبيعته وغاياته. وذلك من خلال تمييزهم بين صنفين من الفعل: الفعل البعيد ويعني الخلق من لا شيء، ويختص به واجب الوجود (الله)، وفعل قريب من شيء تختص به الموجودات الطبيعية، والإنسان من ضمنها، وإليه يُنسب العمل، فيؤكد ابن رشد أن “الفعل والعمل هو الغاية والمقصود من الموجودات”(5). ولا تجوز المقايسة بين الفعل الإنساني والفعل الإلهي لأنهما ليسا من جنس واحد. والعمل، كما يُحدده الكندي: “فعلٌ بفكرٍ”(6)، و”الفعل مُتناهُ بتناهي القوة”(7). وهذا لا يُقال على الله تعالى، لأن الفكرَ أو النظرَ أو الاعتبارَ (ولها معنى واحد) يكون بالتدريج وله مُقدمات والله مُنزهٌ عنها، وغيرُ مُحتاجٍ إليها أصلًا. فالفكر -وقد يرادف العلم- “هو انتقالُ الرُوحِ من التصديقات الحاضرة إلى التصديقات المُستحضرة”(8). والدراية وهي “المعرفةُ الحاصلةُ بضرب من ضروب الحيل، وهو تقديمُ المُقدمات واستعمال الروية” وهي “لا يصح إطلاقها على الله تعالى لامتناع الفكر والحيل عليه”(9). ولسنا نجد في القرآن آيةً يرد فيها نسبة العمل إلى الله*. وحصر العمل فقط في صنفي الإنسان والملائكة من دون سائر المخلوقات لأنهما القابلين للتعلم، ولحاجة العمل إلى التعلم. وأما الخلق في المقابل فلم ترد في القرآن إلا وكانت منسوبة إلا إلى الله فقط، والصنع قيل في الإنسان وقيلت مرة واحدة في حق الله في الآية: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُ مَرَ السَحَابِ صُنْعَ اللَهِ الَذِي أَتْقَنَ كُلَ شَيْءٍ إِنَهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} [النمل 88]، وأما الفعل فقد نُسب إلى الإنسان ونُسب أيضًا إلى الله.
الإسلامُ هو التسليمُ، والتسليمُ هو اليقينُ، واليقينُ هو التصديقُ، والتصديقُ هو الإقرارُ، والإقرارُ هو العملُ، والعملُ هو الأداءُ(10).
ثانيًا: العمل في معاجم اللغة
إن تقصِّي معنى العمل في معاجم اللغة العربية، لكونها تُظهر ما في الأذهان، يسهل أخذ المعاني الواردة في الكتاب الموحى، فالقرآن –دون سائر الكتب السماوية– نزل باللسان العربي، ومن الطبيعي أن يتفق مع ما في ذِهن القارئ والسامع العربي من معانٍ ودلالات للألفاظ. والآيات صريحة في ذلك ومنها: {إِنَا أَنْـزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًا لَعَلَكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف2]. و{وَكَذَلِكَ أَنْـزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًا}[الرعد37]. و{وَكَذَلِكَ أَنْـزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًا وَصَرَفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ} [طه113]. و{قرآنًا عَرَبِيًا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَهُمْ يَتَقُونَ} [الزمر28]. و{ وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِقٌ لِسَانًا عَرَبِيًا لِيُنْذِرَ الَذِينَ ظَلَمُوا} [الأحقاف12].
وتتوضح دلالةُ لفظة “العمل” ومرادفها وتوابعها على نحو أفضل عند بيانِ مقابلها في اللغات الأخرى، لأن المعاني عامة شاملة عند الشعوب جميعها، ولا تختلف باختلاف الأجيال والنواحي. فالذي ورد في القرآن عن العمل وتقليب المعاني المتعلقة به في المعاجم القديمة، والمعاجم التعليمية الحديثة، وفي اللغات الأخرى، يكشف عن مدى تطابق الأفهام بشأن المقصود من العمل، إما لجهة أصوله وغاياته، أو لحال المباشر له في أثناء القيام به.
فالعمل (Le travail ـ في أصله اللاتيني tripaliumـ آلة للتعذيب) يعني الجُهد والمثابرة لإنجاز شيء ما. ويعني أيضًا نتيجة هذا الجهد. وفي الإيطالية لفظ (lavoro (labeur) الجد والعناء والكد) وتتعلق باللفظ اللاتيني labor التي تعني التعب والألم. ومن هنا التصقت المجاهدة والمثابرة والشاق والمتعب والمكرب بالفلاحة أو حراثة الأرض. وأما اللفظ الإنكليزي work فهو من أصل هندو ـ أوروبي ويقابله باليونانية ἔργον, المرادفة للعمل لإنجاز شيء ما.
والعملُ في معاجم اللغة العربية القديمة، هو “المهنةُ والفعلُ، والجمع أعمال… واستعمله: طلب إليه العمل… واستعمل فلان إذا طلب منه العمل… واستُعمل فلان: إذا وُلِّيَ عملًا من أعمال السلطان… الاعتمال: افتعال من العمل أي أنهم يقومون بما يحتاج إليه من عمارة وزراعة وتلقيح وحراثة ونحو ذلك… ورجلُ عَمِل: ذو عمل… والعامل في العربية: ما عمل عملًا ما فرفع أو نصَبَ أو جرَّ… (11). وفي الكُليات، “العمل، لا يُقال إلا فيما كان عن فكرٍ ورويةٍ، ولهذا قُرن بالعلم حتى قال بعض الأدباء: قلب لفظ العمل عن لفظ العلم، تنبيهًا على أنه من مقتضاه… والعمل أصل في الأفعال، وفرع في الأسماء والحروف، فما وجد من الأسماء والحروف عاملًا ينبغي أن يسأل عن الموجب لعمله. والعمل مع العامل بمنزلة الحكم من العلة(12).
وجاء في معاجم اللغة التعليمية أن العملَ، لغةً: “المِهنة، والفعل عن قصد. واصطلاحًا: هو ما يقوم به الإنسان من نشاط إنتاجي في وظيفة أو مهنة أو حرفة”. والتعريف هذا يكشف عن رُكني العمل وهما: النشاط والإنتاج. فالنشاط، وهو الركنُ الأول، هو لبُّ العمل، سواء كان نشاطًا جسديًّا أو ذهنيًّا. ولذا لا يكون الكسبُ دون نشاط عملًا، كالقمار (الميسر) والربى (التسليف المالي بفائدة معلومة)، فالمباشرُ لهما يبذل المال ليُبذل له أكثر منه، وربما كان واقعهما هذا علة تحريمهما إسلاميًا. والرُكن الثاني للعمل هو هدفه، وهو الإنتاجُ، سواء كان إنتاجًا ماديًا، كصناعة شيء ما، أو استخراجه من باطن الأرض [واقتناصه وصيده]، أو معنويًا كالكتابة والإدارة(13). ويعرف العمل أيضًا بأنه “مجموعة محددة من الواجبات والمسؤوليات يلزم للقيام بها توافر اشتراطات معينة في شاغلها تتفق مع نوعها وأهميتها، وتسمح بتحقيق الهدف من إيجادها”(14).
وفي تفسير الآية: (قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ) قال الرماني: الفرق بين العامل والفاعل أن العامل للشيء قد يكون المُتغير له، والفاعل لا يكون إلا المُوجد له، والفرق بين العامل والفاعل أن العامل لا يكون إلا مغيرًا له، لأنه يجعله على صفة بحكمه فيه كالذي يجعله كافرًا بحكمه أنه كافر(15). ويحد الرماني المعيشة في تفسير الآية: { وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ ۗ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ} “بأنها وصلة من جهة مكسب المطعم والمشرب والملبس، إلى ما فيه الحياة”(16).
ويختلف العمل والفعل الإنساني في تحصيل المكاسب والمطاعم والمشارب عن تلك التي اختصت بها سائر الموجودات، وإن شاركها في بعضها، بقيامه عند الإنسان على العقل والفكر. ويحدد أبو حيَان التوحيدي أصناف الفعل بالتالي: “إن الإنسان تصدرُ عنه حركات وأفعال كثيرة لا تشبه بعضها بعضًا، فيظهر منه فعل بوصفه جسمًا طبيعيًّا، يُناسب به الجماد، وبعض الأفعال تتناسب بفعل البهائم، ويظهر من فعل إذ يكون ناطقًا فيناسب بذلك الفعل الملائكة، ولكل فعل له دواعٍ وله أسباب، وتعرض لها عوائق كثيرة، وموانع مختلفة، بعضها طبيعية، وبعضها اتفاقية، وبعضها قهرية”. وههنا إشارة إلى أن الفعلَ الإنسانيَّ الناتجُ عن قوته الناطقة (العقل) يرفع الإنسان إلى مرتبة الملائكة. والفعل -مع اختلاف أنواعه وتباين جهاته- يحتاج إلى أربعة أشياءٍ: الفاعل الذي يظهر منه، والمادة التي يحصل فيها، والغرض الذي ينساق إليه، وأخيرًا الصورة التي تتقدم عند الفاعل ويروم بالفعل اتخاذها في المادة، وربما تكون الصورةُ هي الفعلُ بعينه، والتي تحتاج إلى الآلة والزمان والبنية الصحيحة(17).
والعمل “الصالح” يدرج ضمن الكمالات النفسانية التي حصرها الفخر الرازي في نوعين: “العلم اليقيني والعمل الصالح، فإن أهلَ التحقيقِ قالوا كمال الإنسان في أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به، ورأس المعارف اليقينية ورئيسها معرفة الله… ورئيس الأعمال الصالحة ورئيسها أن يكون الإنسان مُستقيمًا في الوسط غير مائل إلى طرفي الإفراط والتفريط…”(18) فهو هنا يجعل العمل الصالح صنوًا للمعرفة اليقينية وفي منزلتها وأهميتها. ويقول في مكان آخرَ: “اعلم أن العملَ الصالحَ إما أن يكون عمل القلوب وهو المعرفة، أو عمل الجوارح وهو سائر الطاعات”(19). وهذا الرأي وهذه القسمة للعمل يتفقان ورُوحية الفهم الإسلامي، الذي لم يُسجل أي خلاف حوله، للعمل الصالح على الصعيدين: العقدي والعملي.
وتقييم العمل يرجع إلى الله، “فإذا لم يقبل الله العمل لا يكون له وجودٌ، لأن العملَ لا بقاء له في نفسه، بل هو يُعدمُ مباشرة بعد وجوده في الحقيقة، غير أن الله تعالى يكتب عنده بفضله أن فلانًا عمل صالحًا وعندي جزاؤه فيبقى حكمًا. وهذا البقاء حكمًا خيرٌ من البقاء الذي للأجسام التي هي محلُّ الأعمال حقيقة، فإن الأجسامَ وإن بقيت غير أن مآلها إلى الفناء، والعمل الصالح من الباقيات عند الله أبدًا”(20). والمهم هنا الفصل بين العمل عند حصوله عن صاحبه العامل له أي أنه يتمتع بقيمة وجودية، رُوحية معنوية أو مادية عينية (هذه لم يُشر إليها النص) يقابلها ثواب أو عقاب، وبديمومة مستقلة عن جسمية عامله والأعضاء التي أنجزته في مقابل حساب وكسب أخروي بعيد وآخر دنيوي قريب.
وفي باب المقارنة بين الصُنع والعمل يرى الفخر الرازي “أن الصُنعَ أقوى من العمل لأن العملَ إنما يُسمى صناعة إذا صارَ مُستقرًا راسخًا متمكنًا”(21). وحول ارتباط العمل باليد يقول الرازي: “اعلم أن اليدَ آلةٌ لأكثر الأعمال والبصر آلة لأقوى الإدراكات، فحسن التعبير عن العمل باليد، وعن الإدراك بالبصر”(22)، وإشارة الرازي هذه تتفق مع ما يُقال عن الأيدي العاملة الماهرة أو الحاذقة أو المتخصصة. والصنائعي تُقال لصاحب حرفة أو لمتقن لمهنة أو عمل محدد.
والحرفةُ لغةً: من الاحتراف، وهو الكسبُ. واصطلاحًا: عمل يُمارسه الإنسان يحتاج إلى تدريب قصير. والمِهنة يُمكن تعريفها “بأنها الحرفة التي بواسطتها تُعرف إمكان تطبيق المعرفة والخبرة المُثبتة في بعض حقول المعرفة أو العلوم على مجالات أخرى أمكن استخدامها في ممارسة فن مستند على تلك الخبرة.” وهي أيضًا: “مَيزة امتلاك أسلوب فكري معين مكتسب والذي بالإمكان تطبيقه في كل ناحية من نواحي الحياة المختلفة.” والمِهنة بصفة عامة، هي حرفةٌ تشتمل على مجموعة من المعارف العقلية ومجموعة ممارسات وخبرات مكتسبة.
ويرتبط العملُ بالأجر إذا كانت المنفعة المتأتية عنه لغير مُباشره. والأجرُ هو: الجزاءُ على العمل، والجمعُ أجور. والإجارة… هو ما أعطيت من أجر في عمل. والأجر: الثواب… أجره يؤجره: إذا أثابه وأعطاه الأجر والجزاء، وفي ذلك قوله تعالى:{وآتَينَهُ أَجَرَهُ فِي الدُنيَا} [العنكبوت 29/27]. والأجرة والإجارة والأجارة: ما أَعطيتَ من أجرٍ…”(23).
والإجِارةُ بحركة الهمزة وبالجيم… بَيْعُ المنافعِ… والإجارة اسم الأجرة، يُقال: أجَرَه المملوك أجرًا.. أي أكراه، أي أعطاه ذلك بأجرة، وهي كالأجر أي ما يعود إليه من الثواب. وشرعًا: بيع نفع معلوم بعوض معلوم دَين أو عين(24).
والإجارةُ عند الغزالي، لها ركنان: الأجرة، والمنفعة. وعند محمد بن أحمد القرشي، لها ثلاثة أركان: الأجرة والمنفعة والعمل. والأجرة، كما يراها الغزالي، تَعدل الثمن، فينبغي أن يكون معلومًا وموصوفًا ومراعيًا لشروط المبيع إن كان عينًا، وإن كان دينًا فينبغي أن يكون معلوم الصفة والقدر، ويحترز فيه عن أمور جرت العادة بها، مثل كراء الدار بعمارتها، لأن مصيرَ الدارِ مجهولٌ، أو استئجار الطحان بالنخالة أو ببعض الطحين. فينبغي أن تكون المنفعة المقصودة بالإجارة، هي العملُ وَحْده. وأركان العمل عند القرشي: أولًا أن يكون متقومًا، بأن يكون فيه كُلفة وتَعب، وثانيًا ألا يكون مما جرَّمهُ الشرع، كالاستئجار لقلع سن سليمة أو قطع عضو لا يرخص الشرع قطعه، أو استئجار الحائض على كنس المسجد… وألا يكون، ثالثًا، العملُ واجبًا على الأجير. ويجوز الاستئجار على الحج وغسل الميت، وحفر القبور… وفي أخذ الأجرة على إمامة صلاة التراويح، وعلى الآذان، وعلى التصدي للتدريس، وعلى تعليم مسألة بعينها(25).
أما الإعلانُ العالميُّ لحقوق الإنسان (1948) فقد حدَّدَ العملَ بأنه “وسيلةٌ للعيش وتلبية الاحتياجات الأساسية. لكن هو أيضًا وسيلةٌ من خلالها يؤكد الأشخاص هُويتهم الخاصة إما أمام أنفسهم أو أمام من يحيطون بهم. والعمل ضروري لممارسة الخيارات الشخصية، لراحة العائلة ولاستقرار المجتمع”. والعمل الشريف هو أحد مبادئ العدالة الاجتماعية لكونه يسمح للأشخاص بكسب معيشتهم. والعمل هو حقٌّ إنساني أساسي معترف به(26). ولكل شخصٍ الحقَّ في الشغل، وله حريةُ اختيار عمله، بشروط عمل متساوية ومرضية، والحماية ضد البطالة. ولكل شخص الحق، دون أي تمييز، لنفس العمل نفس الأجر. ولكل شخص يعمل الحق في تعويض متساوٍ ومرضٍ، يضمن له ولعائلته العيشَ بكرامة إنسانية، ويتم تكملة هذا بوسائل التغطية الاجتماعية.
فمعنى العملُ الواردُ في التفاسير والمعاجم، القديمة والحديثة السابق ذكرها، مُقترن بالعلم وهو من مقتضاه، وبه يعمر العالم، وهو المِهنةُ وما تعنيه من كَدٍّ ونشاطٍ، وتعبٍ، ومهانةٍ، وخبرةٍ مُكتسبةٍ، وتعبٍ للفكرِ واليد لتحصيل الحاجات اللازمة من عمارةٍ وزراعةٍ ونحوهما للبقاء الفردي بكرامة، وحفظ النوع ورفاهيته، وبلوغَ أفضلِ الكمالاتِ الإنسانيةِ.
ثالثًا: نماذج من آراء عربية عن العمل
درس ابن خلدون العمل وبيَّن أن المفاداةَ والمكتسباتِ “كلها أو أكثرها إنما هي قيمُ الأعمال الإنسانية”(27). وفصل القول في العمل لجهة “أن ما يُفيده الإنسان ويقتنيه من المتمولات إن كان من الصنائع فالمفاد المقتني منه قيمة عمله وهو القصدُ بالقِنية، إذ ليس هناك إلا العملُ وليس بمقصود بنفسه للقنية. وقد يكون مع الصنائع في بعضها غيرها مثل: النجارة والحياكة معهما الخشب والغزل، إلا أن العملَ فيهما أكثر فقيمته أكثر”(28). ثم إن العملَ قد يكون ظاهرًا أو خافيًا كما في أسعار الأقوات وفي أسعار الحبوب في البلدان العظيمة العمران وكثرة المشتغلين في أعمال الفلاحة. ويربط ابن خلدون بين قيمة العمل ومسألة العرض والطلب وكثرة السكان وقلته، ففي الأمصار القليلة السكان يقل الكسب والرزق أو يُفقد لقلة الأعمال الإنسانية. وفي الأمصار التي يكون عمرانها أكثر يكون أهلها أوسع أحوالًا ورفاهية.(29). والواضح من كلام ابن خلدون أن العملَ الإنسانيَّ يُضاف إلى المواد أو الموارد الطبيعية، وأن قيمته العينية خاضعة لقانون العرض والطلب، وأنها غيرُ ثابتةٍ وتختلف باختلاف الأمصار وعديد سكانها ومنزلتهم من السعة (الغنى) والرفاهية.
وتأثرت دراسات أعلام عصر النهضة للعمل، مثل: الطهطاوي وابن مراش، بآراء ابن خلدون. فلم يُميز الطهطاوي بين العمل والشغل، لأن المقصودَ منهما واحدٌ عند أهل الصناعة، مع إقراره بأن الأفعالَ كلها لله سبحانه وتعالى، “وإنما أحوج عباده إلى تحصيل أسباب الحاجة المتكاثرة، ليظهر للخلق أنه أراد استجلابها بوجه حلال، وجعل الإنسان أكثر أصناف الحيوان احتياجًا”(30). ويعرف ابن باديس الأعمال بأنها “هي الأفعالُ التي تَصْدُرُ عن الجوارح”. وعن علاقة العلم بالعمل يرى مراش “إن العلمَ وَحْده لا يُفيد إذا لم يكن مقرونًا بالعمل. لأنه يكون عقيمًا كالشجر العديم الثمر… ولا ريب أن العملَ هو زينةُ العلمِ وكمالِه” ويقسم العمل لجهة مردوده وتوجهه إلى ثلاثة أقسام: الأول عمل الإنسان لأجل شخصه، والثاني عمله لأجل الناس، والثالث عمله لأجل الخالق(31).
تجاوزت النظرةُ الإسلامية الحديثة خلافات المتكلمين وأكدت قيمة العمل في الدين الحنيف، إذ “بالعمل يُحقق الإنسان أصلح ما في إنسانيته. وبالعمل يُحقق أصلح ما في الكون. الحياة الدنيا محكمته الأولى على ما قدَّم من خير ومن شرَ. وحياة الآخرة محكمته الثانية. ومعيار الحكم في المحكمتين العمل والعمل وَحْدهُ، فبالعمل يتحرر الإنسان، وبالعمل يُحرر الإنسان. ولو جاز أن يوصف هذا الدين الحنيف بغير دين الإسلام، لوصف بأنه دين العمل”(32).
ويرى السيد محمد حسين فضل الله، في خطبةٍ له بمناسبة عيد العمال 2009، أن العمل أمانة ومسؤولية دينية ودنيوية. ويؤكد قيمة العامل في بناء الحياة وإعمارها وتطويرها، سواء كان هذا العمل مما يتعلق بخدمة الإنسان أو بخدمة الحضارة أو الكون في حركته النظامية. ويقسم العمال، انطلاقًا من الظروف الحاضرة، إلى عمال يقومون بأعمال حياتية يومية دنيوية في الإعمار والإنتاج، والعمال السياسيين، والعمال الإداريين، والعمال الدينيين. أما العمل الأعلى، في نظرهِ، الذي ينفتح فيه الإنسان على الآخرة، فهو العملُ في سبيل الله وطاعته وعبادته، وهذا ما عبَّر عنه القرآن الكريم بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ} [الانشقاق،6].
فالمؤمنون يكدحون إلى الله، لأنهم يعملون على القيام بمسؤولياتهم تجاه ما أمرهم الله به أو نهاهم عنه. ويستعرض فضل الله بعض “كلمات رسول الله (ص) وأئمة أهل البيت (ع) في العمل بحسب طبيعته وتنوعاته ومسؤولياته. فقد ورد عن رسول الله (ص) في وصيته لابن مسعود: “يا ابن مسعود، إذا عملت عملًا فاعمل بعلم وعقل، وإياك وأن تعمل عملًا بغير تدبر وعلم، فإنه جل جلاله يقول: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا}” [النحل:92]. وحديث رسول الله (ص): “إن الله تعالى يُحب إذا عَمِلَ أحدُكم عملًا أن يُتقنه”؛ وعنه (ص): “إن الله تعالى يُحب من العامل إذا عمل أن يحسن”. وعن الإمام الصادق(ع): “لما مات إبراهيم ابن رسول الله (ص)، رأى النبيُ في قبره خللًا، فسواه بيده، ثم قال: إذا عمل أحدكم عملًا فليتقن”. ومن وحي المناسبة يُذَكِّرُ “بقول الرسول (ص): “من ظلمَ أجيرًا أجره أحبط الله عمله وحرَم عليه ريح الجنة، وإن ريحها لتوجد من مسيرة خمسمائة عام”. وعنه (ص): “إن الله عز وجل غافرُ كل ذنب، إلا رجلًا اغتصبَ أجيرًا أجره، أو مهر امرأة”، و”أعطوا الأجير أجره قبل أن يجفَّ عرقه، وأَعلِمه أجرَه وهو في عمله”.
ويؤكد السيد فضل الله “أن العملَ إما طريق إلى الجنة أو إلى النار ويرى أن العملَ المتقن الذي يعمله الإنسان بإخلاص من أجل أن يؤدي أمانته، هو أمرٌ يُحبه الله ورسوله، ويؤجره الله على ذلك إضافةً إلى الأجر المادي الذي يحصل عليه. ولذلك على الإنسان أن يتدبر أمره، وأن يرى أن العملَ قد يرفعه إلى الله ليدخل به الجنة، وقد يحط من درجته عند الله ليدخل به النار”.
ويكشف سيد قطب (صاحبُ في ظلال القرآن) عن منهج التعادل والتناسق في حياة الإنسان، ويمكنه من الارتقاء الرُوحي الدائم من خلال حياته الطبيعية المتعادلة، التي لا حرمان فيها، ولا إهدار لمقومات الحياة. ويستند في حُكمه هذا على الآية: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَهُ الدَارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُنْيَا} [القصص، 177]. ويقول في هذه الآية: “في هذا يتمثل اعتدال المنهج الإلهي القويم المنهج الذي يُوجِّهُ قلبَ المُتعلق بالدنيا إلى الآخرة، ولا يحرمه أن يأخذ بقسط من المتاع في هذه الحياة، بل يحضُّهُ على هذا، ويُكلفه إياه تكليفًا، كي لا يتزهد الزهد الذي يُهمل الحياة ويضعفها. وهكذا يكون الله قد خلق طيباتِ الحياة ليستمتع بها الناس، وليعملوا في الأرض وقد صرَّح القرآنُ الكريم بإباحة التمتع بطيبات الحياة في غير حرجٍ ولا تثريبٍ قال تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} [البقرة 168].
وعن واقعية الإسلام في نظرته للحياة والتعامل معها يقول سيد قطب: “إن الإسلامَ دينٌ للواقع، دينٌ للحياة، دينٌ للحركة، دينٌ للعملِ والنتاج والنماء، دينٌ تُطابق تكاليفه فِطرة هذا الإنسان، تعملُ فيه جميع الطاقات الإنسانية عملها الذي خُلقت من أجله، وفي الوقت ذاته يبلغ الإنسانُ أقصى كماله البشري المُقدر له عن طريق العمل والحركة وتلبية الطاقات والأشواق، لا كبتها أو كفها عن العمل. فالدنيا مزرعةٌ للآخرة؛ لذلك لا ينبغي إهمالها، ولا يجوز الافتتان بها، ولا يجوز -في نظر الإسلام- أن نترك الدنيا للآخرة، أو نترك الآخرة للدنيا، ولكن ينبغي أن نأخذ من هذه لتلك لتوفيرها وتحصيلها، فتنمو الحياة وتتجدد، وتتحقق خلافة الإنسان في هذه الأرض، ذلك على أن تكون وجهتهم في هذا المتاع هي الآخرةُ، فلا ينحرفون عن طريقها، ولا يُشغلون بالمتاع عن تكاليفها. كما نعى القرآن الكريم على من يُشددون على أنفسهم في الحياة الدنيا فقال سبحانه :{قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَيِبَاتِ مِنَ الرِزْقِ قُلْ هِي لِلَذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [ الأعراف 32].
رابعًا: العمل والألفاظ المرادفة له في القرآن الكريم
وردت لفظة “عملٍ”، والصيغ الأخرى المُشتقة منها، في القرآن الكريم 530 مرَة. واقترنت “عمل” (19مرة) و”يَعمَلُ” (14مرَة) و”عملًا” (8مرات) بـ “صالحًا”. ووردت “عَمِلُوا” (73 مرَة) مُقترنة بـ “الصالحات”. وأما في الصيغ الأخرى كـ “تعملون” (83 مرًة) و”يعملون (56مرة) فقد اقترنت بخبير وبصير وعليم وسواها مما يحمل معناها. وفي الصيغ الأخرى اختلفت ملحقاتها بحسب الموضوعات وتركزت في مجملها حول الجانب السلوكي والأخلاقي للعمل لجهة مقصده الأسمى وهو مراعاة أحكام الشريعة للنجاة في الحياتين: الدنيا والآخرة.
آما لفظةُ “فعل” المرادفة لـ “عمل” والصيغ المختلفة المشتقة منها، فكان ورودها في القرآن الكريم (108مرات)، وجاءت لفظتي: “شغل” و”شغلتنا” بمعنى اللهو والتسلية.
وذكرت الصنعة والأفعال والصفات المشتقة منها(23مرَة)، مع الإشارة إلى أن الله تعالى هو الصانعُ المُتْقِنُ لكل الصنائع: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [النمل،27). وجاءت -أيضًا- في عدةِ معانٍ منها الحرفة التي تحتاج إلى الخبرة لصناعة الفلك: {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ} [هود،33]، والحياكة: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ ۖ } (الأنبياء،21)، والبناء: {ودَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ} [37الأعراف137]، والسحر: {إنما صنعوا كيدَ ساحرٍ} [طه69]، ومنها ما ورد للإشارة إلى الأعمال السيئة كما في قوله تعالى: {وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ} [الرعد31]. فمن الواضح أن الله هو الصانع المتقن لكل الصنائع، وهو في ذلك يمتاز عما سواه من الكائنات الحية، وبخاصة الإنسان الذي يحصل الخبرة ويحقق درجة من الإتقان لاختصاصه بالعقل أداة العلم اللازم للعمل.
وأما الآيات التي تضمَّنت أسماء بعض الصنائع أو الأعمال المعروفة في عهد الأنبياء والرسل مثل “الرعي” (10 مرات) والفلح (40 مرة) والصيد وأدوات القتال والبناء والأواني والكتابة والكهانة والسحر والفرعنة (الملك). فهناك حثٌّ على عمل رعاية الماشية، كما في الآية “{كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُولِي النُّهَىٰ} [طه54]، فها هنا حثٌّ على رعاية الأنعام والاهتمام بها ومراقبتها، هذا من جهة، والسعي في تحصيل الطعام من جهة أخرى. والآية {فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ۖ فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ ۖ } [الحديد27]. وأما الصيغُ الأخرى مثل “راعون” فأتت بمعنى الرعاية والعناية والحفظ، كقوله تعالى: {والذين هم لأمانتهم راعون} (المؤمنون8) أو { وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} (المعارج22)، و”راعنا” بمعنى أخافنا {…لا تقولوا راعنا وقولوا…} [البقرة104].
ونظرًا لعدد المرات التي ورود فيها مصطلح العمل ومرادفاته من الألفاظ، يُمكن القولُ بأن الإسلامَ دينُ عملٍ في وقت كان فيه الفِكر الفلسفي اليوناني المتنامي في المنطقة المحيطة بشبهِ الجزيرة العربية مُغرق في البحث عن الكينونة وتمظهرها في الوجود. ولعل التركيزَ على الجانب العملي في الكتاب والسنة يعود إلى اعتبار الدار الدنيا الفانية بوابة عبور إلى الدار الآخرة الخالدة. والعمل في هذه الدنيا يَهْدِفُ إلى أمرين ومن طبيعتين متلازمتين ومتناغمتين: فالعمل ضرورة لتحصيل حاجات جسمية ونفسية أصيلة في حفظ الوجود الشخصي واستمرار الجنس البشري. والتقصير في تأمين متطلبات الحياة، إزهاق لها وهو مخافة صريحة للإرادة الإلهية: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَ اللَهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء،29]. وبالعمل الصالح، المبني على الإيمان الحق بالكتاب الموحى تطمئن القلوب وتعمر بمحبة الإيمان وتتخلص من الزيغ والغِل. ويتدعَّمُ الإيمان بالتفكر في الخيرات والنظر في المخلوقات والاعتبار من قصص الأنبياء والصالحين وما آلت إليه قلوبهم من سكينة. وهذه المعاني صريحة في قوله تعالى: {هُوَ الَذِي أَنْزَلَ السَكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَهِ جُنُودُ السَمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [الفتح4]. فالسكينة هي الطمأنينةُ النفسية. والعمل ثانيًا، القيام بما أمر الله به من العبادات والشعائر، مثل: الصلاة والصوم والحج والجهاد وتوابعها من استعدادات قربة إلى الله، والتحلِّي بمكارم الأخلاق اقتداءً بُسنة الرسول وسيرته الشريفة في التعامل الإنساني: كاحترام الوالدين ووصل الأرحام وكفالةُ اليتيم والحرص على الجار والمساواة بين الأقربين والأبعدين بغض النظر عن اللون والجنس، إذ لا فرق بين عربي وأعجمي (غير العرب) إلا بالتقوى. والأسس التي تقوم عليها المعاملات بنوعيها: الصالح والفاسد يُحصيها الغزالي في “الإحياء” في كلامه عن علم المعاملة وهو “علمُ أحوال القلب، أما ما يحمد منها فكالصبر، والشكر… والزهد والتقوى، والقناعة، والسخاء… والإحسان، وحسن الظن، وحسن الخلق، وحسن المعاشرة، والصدق، والإخلاص. وأما ما يُذم… الحقد، الحسد، الغش… طلب الثناء… وتعظيم الأغنياء والاستهانة بالفقراء… الصلف… المداهنة… والخيانة والمخادعة… والطيش… وقلة الحياء، وقلة الرحمة فهذه وأمثالها من صفات القلب مغارس الفواحش ومنابت الأعمال المحظورة، وأضدادها هي الأخلاقُ المحمودةُ منبع الطاعات والقربات (من الله)… فالعلم (علم المكاشفة) يُحدد هذه الأمور وحقائقها، وأسبابها، وثمراتها، وعلاجها هو علم الآخرة” (علم الآخرة قسمان: علم مكاشفة، وهو علمُ الباطن، وعلم معاملة).
والدعوة صريحة إلى بذل ما وهب الله الإنسان من رزق في طلب الآخرة من غير أن ينسى نصيبه من هذه الحياة الدنيا وألا يستفاد من هذا النصيب في العلو والتكبر، أو الفساد. والآية في ذلك: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَهُ الدَارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَ اللَهَ لَا يُحِبُ الْمُفْسِدِينَ} [القصص،77]، و{تِلْكَ الدَارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَقِينَ) [القصص،83]. أي أن يستعمل الإنسان ما أتاه الله من مال ونعم في طاعة ربه والتقرب إليه بأنواع القرابات التي يحصل له بها الثواب في الدنيا الآخرة، وأن يهتم أيضًا بما أُبيح له في الحياة الدنيا من المأكل والمشارب والملابس والمساكن والمناكح.
فلله على الإنسان حق وللنفس والأهل والمحيطين أيضًا لهم عليه حقوق، على ألا يسعى في أعماله إلى أي نوع من أنواع الفساد، لأن الله “لا يحب المفسدين”. ورأس الفساد هو العلو في الأرض والعاقبة للمتقين المتواضعين. فالعلو هو الترفُّع والبغي على خلق الله وتعاظمًا عليهم وتجبُّرًا بهم وتكبُّرًا عليهم بغير حق، وهذه جميعها، كما الفخر والتطاول، من المعاصي التي تبعد عن السبيل السوي والصراط المستقيم.
وتأدية الفرائض الدينية، في وقتها المحدد، مقدمة على كل سعي في سبيل الرزق، واحترام المواقيت لتأديتها واجب على كل مسلم. وفي ذلك وردت الآية: { ي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} [النور27]. وقوله: {يَا أَيُهَا الَذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَهِ وَاذْكُرُوا اللَهَ كَثِيرًا لَعَلَكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة9-10]. وَقَوْله تَعَالَى ” فَإِذَا قُضِيَتْ الصَلَاة ” أَيْ فُرِغَ مِنْهَا” فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْض وَابْتَغُوا مِنْ فَضْل اللَه “ لَمَا حَجَرَ عَلَيْهِمْ فِي التَصَرُف بَعْد النِدَاء وَأَمَرَهُمْ بِالِاجْتِمَاعِ أَذِنَ لَهُمْ، بَعْد الْفَرَاغ من تأدية فريضة الصلاة، فِي الِانْتِشَار فِي الْأَرْض وَابْتِغَاء الرزق.
أن يكون العملُ من أجل المعيشة فهذا أمر لا بُدَّ منه، وإذا ما تعداها يكون حافزًا للتعالي والفساد بكل ما فيهما من مضرة شخصية واجتماعية. فكل نفع حاصل يوزع على نحو لا يُباعد بين الناس ويقسمهم إلى أغنياء مستكبرين مسيطرين وفقراء خاضعين مستعبدين، وهذا ما شدَّدَت عليه سورة الحشر في ذكرها كيفية توزيع المغانم التي حصلت للمسلمين، من قتالهم الكفار من أهل القرى، على نحو لا يسمح بقيام دولة أغنياء بينهم، فأمر أن توزع على الرسول وذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل:{كيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ۚ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الحشر 7].
فالأرزاق تكون بمقدار، لأن انبساطها يُفضي إلى البغي والعتو والطغيان في الأرض، كما ورد في الآية: {وَلَوْ بَسَطَ اللَهُ الرِزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ} [الشورى27]. ويوضح ابن كثير مضمون الآية: أي لو أعطاهم فوق حاجتهم من الرزق لحملهم ذلك على البغي والطغيان من بعضهم على بعض أشرًا وبطرًا. ويسند قوله هذا بما كان يُقال: خير العيش ما لا يُلهيك ولا يُطغيك.
وقد وردت آيات صريحة عن العمل وغاياته المادية لتحصيل القوت والمأوى وغيرهما من متطلبات الحياة الدنيا. من هذه الآيات قوله: {وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ. وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ. لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ. سُبْحَانَ الَذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَهَا مِمَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَا لَا يَعْلَمُونَ} [يس، الآيات33-36]. ففي هذه الآيات تنبيهٌ للمُشركين على قُدرةِ الله على فعل كل شيء، وعلى إحيائه من مات من الخلق كهيئته قبل فنائه كما يُحيي الأرضَ الميتةَ بالغيث الذي ينزله من السماء حتى يَخرج زرعها. والعمل الإنساني يأتي تاليًا على ما وهبه الله للخليقة من استعدادات طبيعية خاضعة لقوانين جعلها الله في الطبيعة. فبالعمل يتحققُ المصدر الثاني لما يحتاجه الإنسان من مقومات حياتية مُتمثلة هنا بالمأكل… هذا وقد اختلفوا في “ما” السابقة لـ “عملته أيديهم”، فذهب ابن عباس وقتادة إلى القول بأن ما يحصله الخلق في مأكلهم يعود إلى الله تعالى، وليس بسعيهم ولا كدهم ولا بحولهم وقوتهم. وجزم ابن جرير الطبري بأن قولَه تعالى “وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهمْ” بِمَعْنَى الَذِي تَقْدِيره لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَره وَمِمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهمْ أَيْ غَرَسُوهُ وَنَصَبُوهُ قَالَ وَهِيَ كَذَلِكَ فِي قِرَاءَة اِبْن مَسْعُود رَضِيَ اللَه تَعَالَى عَنْهُ “لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَره وَمِمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ”(33) .
وبهداية إلهية تعلَّمَ النبيُ داوود صَنْعَةَ الحِدادة وتليين المعادن، فجمع بين النبوة والملك المتمكن، والجنود ذوي العَدَد والعُدَد. وفي ذلك قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِبِي مَعَهُ وَالطَيْرَ وَأَلَنَا لَهُ الْحَدِيدَ} [سبأ10]. وأمره الله بعمل الدروع على نحو لم يكن معروفًا. الآية: {أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِرْ فِي السَرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [سبأ11]. فالسابغات هي الدروع، وجاء في التفاسير أنَّ داوودَ أول من عملها من الحلق، وكانت قبل ذلك من صفائح، و”قدِر في السرد” أي لا تدق المِسمار فيقلق في الحلقة ولا تغلظه فيقصمها واجعله بقدَر، والسرد هو حلق الحديد ويُقال درع مَسرودة إذا كانت مَسْمُورةَ الحلقِ. وذكر في ترجمة النبي داوود أنه كان يبيع هذه الدروع ويُنفق ثلث ما يحصل عليه على إطعام بني إسرائيل، فكان من الصالحين (انظر تفسير ابن كثير لهذه الآية).
وتضمنت الآيات إشاراتٍ إلى استخراج النحاس والآَنية والمواعين والتحف التي تُصنع منه كما في الآيات: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِيحَ غُدُوُهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَعِيرِ. يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَكُورُ} [سبأ 12- 13]. فالقطر هو النحاسُ، وكان يُستخرج من جبال اليمن، ومنه كانت الصناعات المتعددة. وأما عمل الجن فهو عمل بالسُخرة، أي دون عِوَضٍ مادي. والصناعات المذكورة في هاتين الآيتين الْمَحَارِيب وهِيَ الْبِنَاءُ الْحَسَن وَهُوَ أَشْرَف شَيْء فِي الْمَسْكَن وَصَدْره، و”الجواب” جمع جابية، وهي الحوضُ الذي يُجبى فيه الماء، والقدور الراسيات أي الثابتات في أماكنها لا تتحرك لعِظَمِها. وفي الآية أمرٌ إلهي لآل داوود للعمل بحسب مشيئة النبي سليمان.
وذُكِرَت الكتابةُ بوصفها وسيلةً للتكَسُّبِ، وذلك عند الكلام عن الذين يكتبون الكتب بأيديهم ثم يقولون إنها من عند الله، للترويج وإعطائها قيمةً خاصة من طريق الخداع، ليشتروا به ثمنًا قليلًا: {فَوَيْلٌ لِلَذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُم مِمَا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَا يَكْسِبُونَ} [البقرة 79]. وقوله تعالى “بأيديهم” إشارة إلى الناسخين أو الكتابين الذين يزورون الكتب لأجل مكاسبَ زهيدة.
وورد في أكثر من آية ضرورةَ البدل والعوض المادي على العمل عند بني البشر. فالنبي موسى عَمِلَ بعد فِراره من مصر، إلى مدين، من ظلم فرعون، راعيًا للغنم عند النبي شعيب بالإجارة، ولمدة معلومة ومحددة، كما في الآيات25 -28 من سورة القصص: {فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَا جَاءَهُ وَقَصَ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَالِمِينَ* قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُ الْأَمِينُ* قَالَ إِنِي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَهُ مِنَ الصَالِحِينَ* قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَ وَاللَهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ}. ومؤهلات النبي موسى، التي أعجبت شعيبَ وبناتَه، لهذا العمل القوة والأمانة والنخوة والحرص على الوفاء بالعهد. و”الأمين” كما يحددها الرسول في حديث له عن “الخازن الأمين”: “الذي يؤدي ما أمر به طيبة نفسه…”.
والعمل مقترن، في الآيات، بالكسب والأجر في الدارين: الدنيا والآخرة. والله لا يُضيع ولا يُهمل أجرَ من عمل صالحًا وهذا واضح في الآية: {وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَهَادَةِ فَيُنَبِئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [التوبة، 105]، والآية:{إِنَا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلا} [18الكهف30]. والآيات: {يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَهِ وَفَضْلٍ وَأَنَ اللَهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ* الَذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَهِ وَالرَسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ} [آل عمران171-172]. فالذين استجابوا المشار إليهم هم الذين لبوا الدعوةَ من الصحابة للقتال مع الرسول في موقعة أُحُد، على الرغم من القروح التي أصابتهم في موقعة بَدْر. والحق في الإسلام مُقترن بالعدل والإحسان والنهي عن الفحشاء والبغي كما جاء في قوله تعالى: {إِنَ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَكُمْ تَذَكَرُونَ} [النحل، 90].
ولا سُخرة في الإسلام، ولا نَقص في الحقوق، فلكل ذي حقٍّ حقه، إلا إذا تخلى الأجير الفاعل طوعًا عن تقاضي أجره الذي هو حقه الطبيعي. ويُخبر تعالى في واحدةٍ من قصص الأنبياء: عن التلازم بين العمل والأجر. ذلك أن النبي موسى في أثناء ملازمته لواحد من الصالحين وجدا جدارًا يكاد أن يسقط فعالجا وضعه دون مقابل في الآية: (فَانْطَلَقَا حَتَى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا} [الكهف77]. فالآية تُظْهِرُ تعجُّبَ النبيَ موسى من فعلة الصالح في ردِّ الحائطِ إلى حال الاستقامة دون أن يأخذ عليه أجرًا، مع أن أهل هذه القرية كانوا قد رفضوا تقديم الطعام لهما.
وعن المبارزة التي وقعت بين النبي موسى والسحرة بين يدي فرعون، يطلب السحرة من هذا الأخير الأجر إذا كانت لهم الغَلَبَةُ على موسى، ووافقهم على ذلك ومناهم بأن يجعلهم من جلسائه والمقربين كما جاء في الآيتين: وَجَاءَ السَحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَا نَحْنُ الْغَالِبِينَ* قَالَ نَعَمْ وَإِنَكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَبِينَ} [الأعراف 113-114].
وللرجال كما النساء نصيبٌ مما اكتسبوا من أعمالهم. وإذا كان هناك من أعمال يُباشرها الرجال وبالعكس فهذا لا يقتضي التمني (الحسد)، والكسب واقع للجنسين كما في الآية: {وَلَا تَتَمَنَوْا مَا فَضَلَ اللَهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِجَالِ نَصِيبٌ مِمَا اكْتَسَبُوا وَلِلنِسَاءِ نَصِيبٌ مِمَا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَ اللَهَ كَانَ بِكُلِ شَيْءٍ عَلِيمًا} [النساء32]. أَيْ كُل لَهُ جَزَاء عَلَى عَمَله بِحَسَبِهِ إِنْ خَيْرًا فَخَيْر وَإِنْ شَرًا فَشَر، ويذكر ابن كثير أسبابَ نزولِ هذه الآية وظروفِها ومفادها أن أم سلمة قالت يا رسول الله: لِلذَكَرِ مِثْل حَظ الْأُنْثَيَيْنِ وَشَهَادَة اِمْرَأَتَيْنِ بِرَجُلٍ، أَفَنَحْنُ فِي الْعَمَل هَكَذَا إِنْ فَعَلَتْ اِمْرَأَة حَسَنَة كُتِبَتْ لَهَا نِصْف حَسَنَة فَأَنْزَلَ اللَه هَذِهِ الْآيَة. ثم أن أم سلمة قالت: يا رسول الله لا نسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء، فنزلت الآية: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبهمْ أَنِي لَا أُضِيع عَمَلَ عَامِل مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِرَنَ عَنْهُمْ سَيِئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَهُمْ جَنَاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَهِ وَاللَهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَوَابِ } [آل عمران195]. وفي تَفْسِير ذلك يقول ابن كثير إن الله تعالى استجابَ لهم، مُخبرًا أنه لا يُضيع عمل عاملٍ بقسط عمله من ذكر أو أنثى وقوله {بَعْضكُمْ مِنْ بَعْض} أي جميعكم في ثوابي سواء.
والرضاعة أيضًا تكون بأجر، سواء كانت المرضعة الأم الطليقة أم امرأة أخرى، بالإضافة إلى تأمين المسكن الملائم وعدم التضييق عليها وإلحاق الضرر بها. أما الأجرُ فهو نسبيٌّ وبحسب حال الأب. فلينفق ذو سعة من سعته، ومما يتفق مع رزقه لأن الله لا يكلف النفس إلا ما أتاها. وهذا ما أشارت إليه الآيتين: {أَسْكِنُوهُنَ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُوهُنَ لِتُضَيِقُوا عَلَيْهِنَ وَإِنْ كُنَ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَ حَتَى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَ أُجُورَهُنَ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى * لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَا آتَاهُ اللَهُ لَا يُكَلِفُ اللَهُ نَفْسًا إِلَا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} [الطلاق6-7].
وتبقى الأعمال في دائرة الوُسع والطاقة والإمكان، سواء كانت شعائر تعبدية فرضها الله على عباده، أو أعمالًا مطلوبة من العامل الفاعل من رب العمل. فالمطلوب والمفروض يبقى ضمن حدود القدرة والطاقة ولا يضيق على الناس، ولا يُرهقهم أو يحرجهم، قال تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة286] وقال: {وما جعل عليكم في الدين من حرج) (الحج78).
وقضت الحكمة الإلهية بأن لا يكون النهار سرمدًا (دائمًا مستمرًا) لما في ذلك من مضرة وتعب من كثرة الحركات والأشغال، فجعل الليل، لتسكن فيه الأبدان وترتاح وجعل النهار للسعي في سبيل الرزق. ومن الآيات في ذلك قوله: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَهُ عَلَيْكُمُ النَهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ* وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَيْلَ وَالنَهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَكُمْ تَشْكُرُونَ} (القصص72- 73). وقوله تعالى: {أَلَمْ يَرَوْا أَنَا جَعَلْنَا اللَيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَهَارَ مُبْصِرًا إِنَ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [النمل 86]. ويُشير ابن كثير في تفسيره، إلى أنه في ظلام الليل تسكن حركات الناس بسببه، وتهدأ أنفاسهم ويسترحون من نصب التعب في نهارهم، و “وَالنَهَار مُبْصِرًا” أي مُنيرًا مُشرقًا وبسبب ذلك يتصرفون في المعايش والمكاسب والأسفار والتجارات وغير ذلك في شؤونهم التي يحتاجون إليها. فللعمل والسعي مواقيت وللراحة أيضًا مواقيتها المسطورة ضمن السنن الطبيعية المُقدرة لحكمة إلهية اقتضت أن يكون الإنسان مُستخلف من الله تعالى في الأرض.
خامسًا: العمل في الحديث النبوي الشريف
والأنبياء أيضًا يعملون، ويأكلون من عمل أيديهم، والأعمال إما تأتي بمنافعَ لصاحبها أو للآخرين، وهذه الأخيرةُ تكون بموجب عقد بين صاحب المنفعة والأجير. والأجير سُمي كذلك لتقاضيه الأجر مقابل العمل.
أما أن الأنبياءَ يعملون، فهو ما أخبر عنه الكتاب -كما مرَّ معنا- ورُوي عن النبي قال: “ما بعث الله نبيًا إلا رعى الغنمَ” فقال أصحابه: وأنت، فقال: “نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة”.
وجاء في قصص الأنبياء كما ورد في القرآن والحديث أن النبيَ داوود كان “لا يأكل إلا من عمل يده” وفي الحديث إشارة إلى فضل العمل باليد. وأن سعي الشخص في تأمين حاجاته بنفسه، خيرٌ من الاتكال فيها على غيره. وتخصيص داوود بذكر اقتصاره في مأكله على ما يعمله بيده، مع عدم الحاجة إلى ذلك، يدرج في مقام الاحتجاج على ما قدَّمه، من أن خير الكسب عمل اليد، وفي الحديث: “أن التكسبَ لا يقدح في التوكل”. وجاء في حديثٍ آخرَ: “ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وأن نبيَ الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده” (أخرجه البخاري).
وقد عُرِفَ عن الأنبياء أنهم باشروا بأنفسهم جملة من الأعمال والمهن التي كانت معروفة في عهدهم يعتاشون منها؛ فكان داوود زرادًا (حدادًا، وأول من استخدم الزرد في صناعة الدروع وكانت قبله صفائح)، وكان آدم حرَّاثًا (فلَّاحًا)، ونوح نجَّارًا، وإبراهيم بزَّازًا (تاجر أقمشة)، وإدريس خيَّاطًا، وإلياس نسَّاجًا، وإسماعيل قنَّاصًا، وعيسى نجَّارًا، وموسى وإسحق وشعيب ويعقوب كانوا يعملون في الرعي.
واقتدى الصحابة برسولهم، فلم يركنوا إلى الكسل أو يقعدوا عن طلب الرزق والسعي في تحصيل قوت عيالهم، بل كانوا جميعًا يعملون، وكانوا يتباهون بالأعمال التي يرتزقون منها. فأبو بكر كان تاجرَ أقمشة، وعمر دلَّالًا، وعلي عاملًا، وكان يقول مُفتخرًا: لحملي الصخر من قمم الجبال أحبُّ إليَّ من مِنَنِ الرجال، يقول الناس في الكسب عار، فقلت العار في ذلِّ السؤال، وكان الزبير بن العوام خيَّاطًا، وسعد بن وقاص نبَّالًا (يصنع النبال)، وعمرو بن العاص جزَّارًا، ومسعود والحسن وأبي هريرة كانت لهم مزارع يزرعونها ويعيشون من غلالها.
ولا عمل دون أجرٍ مهما كان الموقع سواء كان في الخلافة أو الولاية والإمارة وسائر أعمال الإدارة والشأن العام، أو الغزو والمقاتلة والجهاد، والزراعة وسائر المهن والحرف: كالنجارة والحدادة والحياكة والسقاية وسواها. من ذلك أنه لما استُخلف أبو بكر الصديق قال: ”لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مئونة أهلي وشُغلت بأمر المسلمين فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال ويحترف للمسلمين فيه”. ففي هذا القولِ إشارةٌ صريحة إلى أنه كَان كسوبا لمؤَنته ومؤونة عياله من طريق حرفة التجارة، (والحرفة جهة الاكتساب والتصرف في المعاش) وأن انشغاله بالخلافة، التي هي حرفة النظر في أمور المسلمين وتنظيم مكاسبهم وأرزاقهم، قد منعه من متابعة أعماله وأنه مُضطر إلى اقتطاع ما يحتاج إليه من مال المسلمين. وذكر الأكل دون سائر الاحتياجات لكونه أهمها وأعظمها.
فالخليفة مؤتمنٌ على أموال المسلمين وليس مالكًا لها. والرواية السابقة تدل على أن للعامل أن يقتطع لنفسه من المال الذي يعمل فيه قدر حاجته إذا لم يكن فوقه من يقطع له أجرة معلومة المقدار. والمقدار الذي خص به أبو بكر كان باتفاق الصحابة وذلك في حديث رواه ابن سعد، قال: “لَمَا اُسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْر أَصْبَحَ غَادِيًا إِلَى السُوق عَلَى رَأْسه أَثْوَابٌ يَتَجِرُ بِهَا، فَلَقِيَهُ عُمَر بْن الْخَطَاب وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْن الْجَرَاحِ فَقَالَ: كَيْفَ تَصْنَعُ هَذَا وَقَدْ وُلِيت أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ؟ قَالَ: فَمِنْ أَيْنَ أُطْعِمُ عِيَالِي؟ قَالُوا: نَفْرِض لَك، فَفَرَضُوا لَهُ كُلَ يَوْمٍ شَطْرَ شَاةٍ”. والمعروف أن الصحابة لم يتركوا أعمالهم وحرفهم التي كانوا يحترفونها زمن الرسول.
ومن غير المقبول، إسلاميًا، زيادة أموال وأملاك الخليفة في فترة توليه الخلافة. وقد رُوي عن عائشة أنها قالت: “لَمَا مَرِضَ أَبُو بَكْرٍ مَرَضَهُ الَذِي مَاتَ فِيهِ قَالَ: اُنْظُرُوا مَاذَا فِي مَالِي مُنْذُ دَخَلَتْ الْإِمَارَةُ فَابْعَثُوا بِهِ إِلَى الْخَلِيفَةِ بَعْدِي. قالت: فَلَمَا مَاتَ نَظَرْنَا فَإِذَا عَبْدٌ نُوبِي كَانَ يَحْمِل صِبْيَانه، وَنَاضِحٌ كَانَ يَسْقِي بُسْتَانًا لَهُ، فَبَعَثْنَا بِهِمَا إِلَى عُمَر فَقَالَ: رَحْمَةُ اللَهِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، لَقَدْ أَتْعَبَ مَنْ بَعْدَهُ”. ويُضيف أنس إلى هذا قوله: “وَمَا كَانَ عِنْدَهُ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، مَا كَانَ إِلَا خَادِمٌ وَلِقْحَة وَمِحْلَبٌ”.
والهدف الأوَّليُّ من العمل، الذي هو نشاطٌ يُضاف إلى المادة والطبيعة، هو تحصيلُ القوت وسائر الحاجات الضرورية، وتاليًا تحصينُ الكرامة الإنسانية وعزتها. والعمل مهما كان وضيعًا في مردوده المادي ومستلزماته الجسدانية، والفكرية النفسانية، يبقى الطريقة الفضلى المضمونة في بلوغ المآرب الحميدة من غير تفريط بالذات والخيرات المطلوبة لها التي هي هبة إلهية خُصَّ بها الإنسانُ دون سائر المخلوقات. والأجر حق للعامل لا تفريط فيه، وواجب لازم على رب العمل. وجاء في الحديث: “أعطوا الأجير حقه قبل أن يجفَّ عرقه”(35).
فالعمل يُحرر الإنسان ويَقيه مهانة السؤال. وقد حذَّر الرسول من التسول أو أن يعيش عاطلًا عن العمل، ومن أقواله: “لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره، خيرٌ له من أن يسأل أحدًا فيعطيه أو يمنعه”. فالتسول مَدعاة للفقر، وهذا ما لا يرضاهُ الرسول لأمته، ويقول في هذا المعنى: “من فتح على نفسه بابًا من السؤال فتح الله عليه سبعين بابًا من الفقر”.
ومن أراد العمل لتحصيل قوته وقوت عياله لن يعدم طريقة شرعية. ومن الحلول الواقعية في العثور على عمل وتجنب مذلة السؤال، ما رُوي عن رجل من الأنصار أتى رسول الله يسأله عطاء فقال الرسول: “أمَا في بيتك شيء؟” قال بلى، حلس نلبس بعضه ونبسط بعضه، وقعب نشرب فيه فقال: “ائتني بهما”، فأخذهما رسول الله بيده وقال: “من يشتري مني هذين؟” قال رجل: أنا آخذهما بدرهم. قال الرسول :”من يزيد على درهم؟” مرتين أو ثلاثًا، فقال رجلٌ: أنا آخذهما بدرهمين. فأخذ الدرهمين وأعطاهما الأنصاري، وقال له: “اشترِ بأحدهما طعامًا فانبذه إلى أهلك، واشترِ بالآخرِ قدومًا فائتني به” فأتاه به، فشدَّ فيه رسول الله عودًا بيده ثم قال: “اذهب فاحتطب وبع، ولا أرينك خمسة عشر يومًا”، فجاء وقد أصاب عشرة دراهم، فاشترى ببعضها ثوبًا، وببعضها طعامًا، فقال له الرسولُ: “هذا خيرٌ لك من أن تجيء المسألة نكتة سوداء في وجهك يوم القيامة، إن المسألةَ لا تصلح إلا لثلاثة: لذي فقر مدقع، أو لذي غرم مفظع، أو لذي دم موجع”.
هذه الروايةُ على بساطتها تُقَدِّمُ جملةً من العِبَرِ، لعل أبرزها: أن الرسول قَدَّمَ حلًا واقعيًا دائمًا وفي متناول يد السائل، ويتوافقُ مع بيئته، يسد من خلاله رمقه ورمق عياله، ويوفر له وسيلة إنتاج تحسن وضعه المالي. ولم يلجأ الرسول في حل مشكلة السائل إلى المواعظ أو تقديم عونٍ آني، أو معونة ناجزة منقطعة وإنما طريقة منتجة مستمرة دائمة لا تضر بالدين والنفس والمجتمع. ومن هنا القول: “إن تعطي صنارة لجائع أفضل من أن تعطه سمكة”.
فالعمل لازمٌ من لوازمِ العيش الكريم، ما لم يكن هناك عائق مانع من تلك التي ذكرت، مأمون النتائج لا مكان فيه للخيبة. وأجر العمل مقدس ديني، وبيَن الرسول، حقوق العمال، وحقوق أرباب العمل، فنقل أبو هريرة عن الرسول أنه قال: ”قَالَ اللَهُ تَعَالَى ثَلاَثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ”.
وقيمةُ الأجر على العمل رهن الاتفاق بين العامل ورب العمل بالتراضي. وَقَالَ النَبِيُ “الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ” وهذا يتفق مع مضمون الآية: {يا أَيُهَا الَذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ} [المائدة1].
ورُوي أَنَ رَسُولَ اللَهِ قَالَ: ”إِنَمَا مَثَلُكُمْ وَالْيَهُودُ وَالنَصَارَى كَرَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَالًا فَقَالَ مَنْ يَعْمَلُ لِي إِلَى نِصْفِ النَهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ فَعَمِلَتِ الْيَهُودُ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ، ثُمَ عَمِلَتِ النَصَارَى عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ، ثُمَ أَنْتُمُ الَذِينَ تَعْمَلُونَ مِنْ صَلاَةِ الْعَصْرِ إِلَى مَغَارِبِ الشَمْسِ عَلَى قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، فَغَضِبَتِ الْيَهُودُ وَالنَصَارَى وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلًا وَأَقَلُ عَطَاءً، قَالَ هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِكُمْ شَيْئًا قَالُوا لاَ. فَقَالَ فَذَلِكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ”.
ولا عمل في الإسلام، بلا أجر بما في ذلك الغزو والجهاد في سبيل الله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما من غازية أو سرية تغزو فتغنم وتسلم إلا كانوا قد تعجلوا ثلثي أجورهم. وما من غازية أو سرية تخفق وتصاب إلا تم أجورهم”. ومعنى الحديث، أن الغزاةَ، إذا سلموا، أو غنموا، يكون أجرهم أقل من أجر من لم يسلم، أو سلم ولم يغنم. وأن الغنيمةَ، هي في مقابل جزء من أجر غزوهم. فإذا حصلت لهم فقد تعجلوا ثلثي أجرهم المترتب على الغزو، وتكون هذه الغنيمةُ من جُملة الأجر. وتجدر الإشارة هنا إلى أن العملَ القسري (السُخْرة) كان ممقوتًا في الإسلام وقليلًا ما يلجأ إليه، إن حضارةً كالحضارة الإسلامية نشأت حول التجارة والحياة المدنية لم يكن يُمكن المساسُ بها بالتوازن الاقتصادي، وكان أمرٌ كهذا يؤدي إلى عواقبَ وخيمة، وهي لم توجد في أي سندٍ فقهي أو قانوني. فقد رأى ابن خلدون، من خلال تجربته ومشاهداته في شمال إفريقيا، أن السخرةَ تُعيق الاقتصادَ أولًا ثم تُدمره ومعه المجتمع السياسي.
ومن شروط الإجارة أن يتحلى العامل بالقوة الجسدية والفكرية، والأمانة، والسنُّ التي تؤهله للقيام بالعمل المطلوب، إذ لا يُكلف الله النفسَ إلا وُسعها. أما القوة والأمانة فقد مرَّ ذكرهما في استخدام شعيب للنبي موسى لرعاية غنمه لمدة ثمان سنوات على أن يزوجه واحدة من بناته وإطعامه. وجاء في الحديث: “إن الله يُحبُّ إذا عمل أحدكم عملًا أن يُتقنه”(36). وفي حديثٍ آخرَ: “أدِ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك” (أخرجه أبو داود).
وأما مُراعاة السنِّ، وعدم تكليف الأولاد (العيال) بأعمال الرجال، فقد ورد في رواية عن ابن عمر. قال: عرضني رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحُد في القتال. وأنا ابن أربع عشرة سنة. فلم يُجزني. وعرضني يوم الخندق، وأنا ابن خمس عشرة سنة. فأجازني (أي جعله رجلًا وأُلحِقَ بالمقاتلين). وقد اعتمد الخليفة عمر بن عبد العزيز على هذه الرواية، لوضع الحد بين الصغير والكبير. فكتب إلى عُماله أن يفرضوا لمن كان ابن خمس عشرة سنة (أي أن يصرفوا لهم راتبًا من بيت المال). ومن كان دون ذلك، فاجعلوه في العيال، ويُمنع المشاركةَ في القتال.
ويحقُّ للمسلمِ أن يستأجر المشرك (الكافر)، لتنفيذ أعماله، لأن العملَ المُتقن مقصودٌ لذاته بغض النظر عن مُباشره، إذا كان مشاركًا في المِلَّةِ أو خارجًا عنها. وهناك رواية عن عائشة مفادها أن النبي وَأَبُو بَكْرٍ اسْتَأْجَرا رَجُلًا من بني الدِيل ثُمَ من بَني عَبْدِ بْنِ عَدِيٍ.
وكان رسول الله يؤثر منح الأرض على الإجارة انطلاقًا من مبدأ “من أحيا أرضًا ميتة فهي له”، فالأرض لمن يستصلحها ويزرعها، فلا أجارة (ضمان) ولا حصة من المحصول (المحاصصة) ومن ثمَّ لا إقطاعية في الإسلام. فـ {إِنَ الْأَرْض لِلَهِ يُورِثهَا مَنْ يَشَاء مِنْ عِبَاده وَالْعَاقِبَة لِلْمُتَقِينَ} [الأعراف128]. وقد {وَعَدَ اللَه الَذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَالِحَات لَيَسْتَخْلِفَنهم فِي الْأَرْض كَمَا اِسْتَخْلَفَ الَذِينَ مِنْ قَبْلهمْ وَلَيُمَكِنَنَ لَهُمْ دِينهمْ الَذِي اِرْتَضَى لَهُمْ} (الكهف55). وكتب تعالى في الزبور من بعد الذكر { أَنَ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَالِحُونَ} [الأنبياء105 ].
والملكية تكون بمقدار العمل. ونُقل عن الرسول: ”من كانت له أرض فليزرعها. فإن لم يستطع أن يزرعها، وعجز عنها، فليمنحها أخاه المسلم. ولا يؤجرها إياه” وفي حديث آخرَ يُضاف: “ولا يكرها” (يؤجرها). فها هنا، نهى رسول الله أن يؤخذ للأرض أجر أو حظ ونسبة من المحصول. ورُوي الحديثُ نفسه بصيغة أخرى: ”من كانت له أرض فليزرعها، أو ليزرعها أخاه، ولا يُكرِها”. ومَنع الكراء خشية ألا تعطي الأرض ما يفي عوض الكراء، وهو ما عَبَّرَ عنه الحديث المروي عن رافع بن خديج: كنا نحاقل الأرض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فنكريها بالربع والثلث والطعام المسمى. فجائنا ذات بوم رجل من عمومتي. فقال: نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمرٍ كان لنا نافعًا. ورُوي عن ابن عباس، عن النبي أنه قال: ”من كانت له أرضٌ فإنه يمنحها أخاه خير”. فالإجارة هي أن تشتغل بالزرع أرضًا غير مستصلحة مقابل مبلغ معين لمدة معينة. ويفترض في المبلغ أن يكون محدودًا وموصوفًا، أي معروف القدر والنوع. أما وجه المنفعة المرجوة من الإجارة، فهي العملُ المُباح. وما يعارضه الشرع يمنع القيام به. ومن شروط الإجارة أخذ عوض عن منفعة أرض وإن منع العوض عنها.
الخلاصات
فالعمل في الإسلام، كما يبدو من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، واجبٌ وفريضةٌ من الله على عباده، ومرقاة، لتحقيق كمالات الوجود الفردي والاجتماعي، والموقع المستحق في الدارين: الدنيا والآخرة. والعبادة في معناها الحقيقي هي العملُ، ويُقال: عَبَّدَ الطريقَ، أي عمله وسواه ليسهل قطعه ودرء العثرات في الحركات المكانية. والناس يشتركون في العبادة لمعبود واحد، هو الله أي لرب عمل واحد لا يبخسهم حقهم في الأجر على ما يعملون بحسب طاقاتهم المُتمثل بالرزق والطيبات في هذه الدنيا وبالوعد والوعيد في الآخرة. وهذا المعنى يتعارض مع المفهوم المعاصر لمعنى العبودية بوصفها طريقةً من طُرق استغلال العامل وسلبه حاصل أو ناتج عمله وحرمانه من حقه في الأجر الملائم المفترض أن يكون متفقًا عليه سلفًا بالتراضي بين شخصين متمتعين بالقدر عينه من الحرية والكرامة الإنسانية.
فلا سُخْرة في الإسلام، وما من عمل دون أجر. والسُخْرة سُخرية، وهي حطٌ من قَدِر الإنسان وقيمته. وفي كل مرة ذكر فيه لفظ العمل أو مرادفاته في القرآن والحديث استتبع بذكر الأجر وأوصاف قيمته ومراتبها، {فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره}. فالسُخْرة مرفوضة وممقوتة، لأنها تحطُّ من قدر المستخدَمين وتغري المستخدِمين بالعتو والبغي والتجبر، وهي تهدِّدُ الاستقرار النفسي الفردي والاقتصاد الاجتماعي، لكونها تنمي الأحقاد والتفاوت في مستوى المعيشة وفي قوة السلطة السياسية والحقوق المدنية.
ولا تسوُّلَ في الإسلام إلا في حالات قاهرةٍ نتيجةَ عاهة مانعة عن العمل أو فقر مدقع. وحتى في الحالات القاهرة يُحافظ الإسلام على كرامة المتسول الإنسانية، فلا ينهر السائل ولا يُذَل. وحل التخلص من الفقر وآفاته لا يكون بالعطاء الآني، وإنما بتوفير العمل الدائم بوصفه حقًّا شرعيًّا للكسب والمعاش. فالبطالة أو القعود عن السعي في العمل مرفوضين في الإسلام. فالبطالة تعني مساحة ملائمة لنمو الفساد ومدعاة للفقر، وكلاهما يُقزِّمُ المخلوق ويقوده إلى المعاصي.
والخلافة، أو المُلك، عمل كسائر الأعمال ويستحق القائم بها أجرًا معلومًا يُصرف من بيت المال، لجهة أنها تدبير لشؤون الناس وحفظ لأموالهم. فالخلافة أمانة وائتمان، وليس تملكًا وتصرفًا ومدعاة للغنى المغري للعتو والتكبر وغيرها من المفاسد الدينية والأخلاقية المدنية. فالعمل عقيب تحققه واحد بذاته، ويتساوى فيه العمل السياسي والإداري والفكري واليدوي على أنواعه.
والإقطاعية ممقوتة في الإسلام لأن الأرضَ، وهي إرثٌ إلهيٌّ لعباده الصالحين، لمن يعملها ولا مزارعة أو كراء. ومتى تعذر على المالك الاهتمام بها فخير له أن يعطها لأخيه. والأجر حق للعامل قبل أن يجف عرقه. وللعامل نصيب من فائض العمل يضاف إلى أجره، الأمر الذي يحد من نمو الغنى في مقابل نمو الفقر. فالعمل باب إلى الحرية والتطور وتحقيق ضرورات العيش والكمالات الفكرية والمادية وبهما معًا تنفرج أبواب النجاة والارتقاء في مدارج السعادة التي هي الغاية القصوى للوجود الإنساني.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هامش
- حول التغيرات التي أصابت بيئة العمل أنظر: Globization and laour. Landon. Zed books.2002
- عبد الجبار، متشابه القرآن، تحقيق، عدنان محمد زرزور …،2|585
- الزمخشري، الكشاف، مطبعة الاستقامة بمصر 1946م ،3| 83
- نذكر اسم السورة ورقم الآية في سياق النص وتطبع الآية بالحرف الأسود
- ابن رشد، تفسير ما بعد الطبيعة، طبعة بويج، المطبعة الكاثوليكية، بيروت 1948، 72
- الكندي، الرسائل الفلسفية، تحقيق محمد عبد الهادي ابو ريده، القاهرة، دار الفكر العربي، 1950/1953، 166
- ن،م- 196
- الفخر الرازي، مفاتيح الغيب، طبعة عبد الرحمن محمد، القاهرة 1938م، 2| 206
- ن م، ن ص
- الكليني، الكافي، 2| 46
- ابن منظور، لسان العرب، دار المعارف، عمل، 11\475-476
- أبو البقاء الكفوي معجم في المصطلحات والفروق اللغوية (الكليات)، تحقيق : عدنان درويش – محمد المصري مؤسسة الرسالة – بيروت – 1419هـ – 1998م.، فصل العين، العمل، 3\213 ـ214
- المعجم الوسيط، اصدار مجمع اللغة العربية، 2 / 628
- د. بكر القباني، الخدمة المدنية فـي المملكة العربية السعودية، ص91
- الطوسي: التبيان جـ6، 161-162 / تفسير أبي الحسن الرماني، تحقيق خضر نبها – دار الكتب العلمية2009 ،ص130.
- الطوسي التبيان، ج4 ص354/ تفسير الرماني ص99
- عن كتاب: مفهوم الحرية في الإسلام “دراسات في مشكلات المصطلح وأبعاده في التراث العربي الإسلامي للمؤلف: فرانز روزنتال، ترجمة: رضوان السيد، معن زيادة؛ دار المدار الإسلامي، بيروت ؛ط1، 2007).
- الفخر الرازي، مفاتيح الغيب، 12\27
- م ن، 27|126
- م ن، 12\39
- م ن، 12\39
- م ن،26\219
- لسان العرب، أجر، 4\10-11
- كشاف الاصطلاحات، الإجارة، 1\99
- أنظر الغزالي، إحياء علوم الدين، طبعة دار المعرفة، بيروت، بدون تاريخ 2\29،79 وابن أحمد القرشي، معالم القربة في أحكام الحسبة، 131- 132
- الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، بند 23
- ابن خلدون، المقدمة، طبعة دار البيان، بيروت، بدون تاريخ، 2\908
- م ن، ن ص
- م ن، 2\910
- طهطاوي، الأعمال الكاملة صدر عن هيئة الكتاب بالتعاون مع دار الشروق ضمن إصدارات سلسلة التراث في خمسة أجزاء قدم لها بالدراسة والتحقيق د. محمد عمارة. 1\323
- فرنسيس بن مراش، غاية الحق، المطبعة ألمارونية حلب (سوريا)، 1865، ص 91
- حسن صعب، الإسلام والإنسان، دار العلم للملايين، ص89
- أُعتمد تفسير ابن كثير في الحدود الضرورية لمعظم الآيات المذكورة
- الأحاديث النبوية التي اعتمدت من تخريج البخاري ومسلم
- ذكره السيوطي في الجامع الصغير، 1\46
- م ن، 1\75