العنف: إشكالية التعريف الفلسفى

 تكوين  أرشيف

مقدمة:

هل ثمة أهمية فلسفية للبحث في ظاهرة العنف؟

ربما تكون الإجابة كامنة في طرح السؤال ذاته، أي أن نسائل فلسفيا ظاهرة ما من خلال البحث في طبيعتها، أو محتواها الإنساني، وكيفية التعامل معها علي نحو فلسفي معين.

وعند البحث في طبيعة الظاهرة من زاوية فلسفية، فإن الأمر مرهون بكيفية التناول الفلسفي بالنظر في تشكلها من خلال فحص ومعاينة وتحليل محتواها، ومن ثم يكون المنظور الفلسفي لتلك الظاهرة مدخلاً لمحاولة التعريف وصياغة المفاهيم من خلال تأصيل فلسفي للأفكار والرؤي والنظريات التي تناولت هذه الظاهرة من جوانب متعددة، وبالنسبة للعنف فإن التصور الأخلاقي، أو الحديث في مشروعية العنف، أو عدم مشروعيته، يعد جانباً أساسياً من إشكالية التعريف. كما يمثل المفهوم السياسي للعنف الجانب الآخر للإشكالية. وللوصول إلي إمكانية التعامل مع الجانبين الأساسيين يجب أن نفحص تلك الارتباطات، أو العلاقات الملتبسة أو المتداخلة بين تعريف العنف وتعريف القوة، بين العنف الشخصي أو الفردي وبين العنف المجتمعي أو المؤسساتي .

ومن خلال رؤية نقدية يمكن الكشف عن طبيعة الإشكالية عبر قراءة متعمقة للظاهرة في جانبيها الأخلاقي والسياسي من خلال سياقات فلسفية متعددة ، وعبر العلاقات التي تشكلها الظاهرة (العنف) مع البيئة الخارجية ، والتي تفرض بدورها تشويشا بشأن التعريف الذي يبدو متداخلاً مع تعريفات أخرى يزيد من غموضها عملية التفاعل علي أرض الواقع ، حيث يطرح  الفعل الإنساني ممارساته العنيفة التي تلحق الأذى أو الضرر بالآخرين وعلي مستويات معنوية ومادية متباينة ومختلفة لكنها في الآن نفسه تبدو مشروعيتها أو مبرراتها مثار نقاش محتدم ومستمر طالما وجدت حياة إنسانية .

العنـــف لغــــةً واصطلاحــــاً:

أول ما يواجهنا من صعاب عند تحليل مفهوم العنف أو عند البحث  في إشكالية التعريف الفلسفي هو دلالة المصطلح لغوياً وإمكانية التعامل مع هذه الدلالة كمدخل  للتحليل الفلسفي يعود جذر مصطلح العنف Violence  إلي المصطلح اللاتيني Violentia  بمعنى عنيف أو حاد ، ويمثل القوة الانفعالية التي لا يمكن كبح جماحها في مقابل ممارسة القوة بصورة محسوبة ، وفي الإنجليزية تحمل كلمة عنفviolence  المشتقة من كلمة Violent  . “عنيف” معني السلوك ، أو التعامل العنيف ، أو الاستخدام غير المشروع للقوة المادية.([1])

وفي اللغة العربية يأتى العنف بمعنى الخرق بالأمر وقلة  الرفق به ، وهو ضد  الرفق وأعنف بالشيء أي أخذه بشدة ، والتعنيف هو التقريع واللوم.([2])

وفي التعريف الاصطلاحي الفلسفي عند ” أندريه لالاند ” فإن العنف  خاصية ظاهرة أو فعل عنيف ويتعلق الأمر ، باستخدام غير مشروع أو علي الأقل غير قانوني للقوة ، بالنسبة إلينا نحن الذين نعيش تحت نير قوانين مدنية ، فنحن مجبرون علي وضع تعاقد ، إذ بواسطة القانون يمكننا أن نكون ضد العنف (مونتسكيو) . ([3])

ومن بين إشكاليات التعريف التي تطفو علي السطح عند تعريف العنف : المقابلة بين مفهوم العنف اللامركزي أو حالة الفوضي والتي عبرها تطور  العنف  أو مفهوم العنف المنظم، أو العنف المؤسساتي . وهذا ما يشير إليه من وجهة نظر بنيوية ” روبرت ما كافي براون R.M.Brown  ” عندما يقول : إن هناك العنف الشخصي الخفى ، الذي يؤذى الآخر نفسياً وهناك العنف المؤسساتي الخفي حيث تنتهك البنى الاجتماعية هوية مجموعة أشخاص ، كما يحدث علي سبيل المثال ، عند المستوي المتدني من الحياة في الأحياء المغلقة . ([4])

ويثير مصطلح القوة التباسا مع مصطلح العنف ، وهذا ما حاول الفيلسوف الأمريكي “جون ديوي” أن يجد له مخرجا فيري أن ” العنف ليس استخداما للقوة بل يعد هدرا للقوة a waste of force  ، إنه استخدام للقوة بعنف وعلي نحو هدام Destructively  وأن ما يطلق عليه دائما القانون هو في اعتقادي ما ينظر إليه باعتباره الوسيلة اللازمة لتشغيل القوة اقتصاديا علي نحو فعال من أجل الوصول إلي النتائج المرجوة دون هدر للقوة . ([5])

أولاً : العنف بوصفة ممارسة للقوة:

من فكرة التعرض للظلم في مقابل فكرة ممارسة القوة power  بمعني ارتكاب الظلم ، وما يطرحه ” ثيراسيماخوس” Thrasymachus  من تصور مفاده أن العدالة هي مصلحة الأقوى ، فهؤلاء الذين يرتكبون أعمالا  غير عادلة هم ” ماهرون وأخيار ..” وبالنسبة ” لثيراسيماخوس” .

فإن أولئك الذين يمكن وصفهم بأنهم ” غير عادلين علي نحو تام ” قد استطاعوا أن يحكموا قبضتهم علي مدن ومجتمعات بأسرها . ([6])

جاء التناول اليوناني ممثلا في “ثيراسيماخوس” في محاورة أفلاطون تضميناً للعنف في إطار ممارسة القوة، من ناحية، وإيجاد رابط أساسي بين القوة كممارسة وصياغة القوانين التي يضعها الأقوى، من ناحية أخرى: إن فكرة تمجيد القوة عند “ثيراسيماخوس” لا تخلط بين القوة والعنف فحسب، ومن ثم يصبح الظلم أو غياب العدالة كدال علي العنف أمرا له جاذبيته الخاصة، لكن مع اعتبار أن فكرة ممارسة القوة بوصفها تعبيراً عن عدالة الأقوى أو مصلحته ليست أمرا عنيفا في حد ذاته بل يبدو كما أبان ” ثيراسيماخوس” أن العدالة هي مصلحة الأقوى، تعد أمراً طبيعيا أي تحكمه الخبرة الإنسانية، فالحاكم يعد الأقوى كما هو الحال مع صاحب خبرة أخرى كالطبيب، ولذا فإنه علي الأرجح بحكم الخبرة لن يرتكب الخطأ. ([7])

قياساً إلي هذا التصور يعالج “كاليكليس” في محاورة “جورجياس” عند أفلاطون المسألة برؤيته ” إن الطبيعة ذاتها في نظري تبرهن لنا أن العدالة تقتضى انتصار من له أكبر قيمة علي من له أدني قيمة، انتصار القادر علي العاجز ، وتبين لنا في كل مكان ، لدي الحيوان ، ولدي الإنسان، في المدن – الدول، وفي العائلات صحة هذا الأمر، وأن علاقة ما هو عادل هي سيطرة شديد القوة علي الضعيف وتفوقه المسلم به. ([8])

ربما كان المغزى الذي تشير إليه رؤية “ثيراسيماخوس وكاليكليس” يُكمن في أن العدالة هي مصلحة الأقوى، ومن ثم فإن للظلم مشروعيته ، بالإضافة إلي كون العنف أو ممارسة القوة غير المشروعة أو غير القانونية مبررة طبيعياً ، حيث يكون العدل هو سيطرة  الأقوى الجائزة والمسلم بها علي نحو طبيعي، مع الوعي بأن كلمة ” طبيعي ” هنا بالمعني الذي قصده فلاسفة اليونان ما هو إنساني. ويأخذنا الحديث عن صورة العنف المشروع المصاحب لطبيعة الأقوى إلي ما تمارسه الدولة أو المدينة – والدولة City – state  ذلك الكيان الأقوى في مواجهة الكيان الفردي ، على ذلك يمكن إيجاد صلة بين العنف المؤسساتي لدي  مؤسسات الدولة السياسية القائمة علي تنظيم القوة في ظل تدابير قانونية ومبادئ دستورية وحماية قضائية – تمثلها قوة الحكم الديمقراطي التي رأى أفلاطون  إنها توجه نحو الاستبداد ، فمن الديمقراطية ينشأ حكم الطاغية Tyranny  ، والذي يفضى إلي الرغبة المستبدة اللاعقلانية الرافضة لنظام العقل ” وهذا النظام الذي يبلغ مداه في حكم الشهوة غير الخاضعة لنظام العقل يتسم برغبة نهمة في الحرية . ([9])

وعلي الموازاة -بنهج مختلف- يري “نيتشه” في الديمقراطية صياغة جديدة للطغيان فيقول “إن التحول الديمقراطيdemocratization  في أوروبا يفضي إلي إنتاج نمط مستعد للعبودية بتعبير مهذب للكلمة . ففي الحالات الفردية والاستثنائية يصير الإنسان القوي أكثر قوة ، وأكثر ثراءً ، مما كان عليه في أي وقت مضي … أريد أن أقول : إن التحول الديمقراطي في أوروبا هو في الوقت نفسه ودون قصد مشروع لتوليد الطغاة بكل ما في الكلمة من معني أكثر روحانية.([10])

إن التصور النيتشوي لإرادة القوةWill of power  تقمعه  التجربة  الديمقراطية ، فالفرد  لا الجماعة ، التفرد لا المساواة هو ما يرسخ قيمه أصيلة في الفهم والتعامل مع الحياة ، فالواقع المجتمعي قمعي بطبيعته إذ يساعد علي الشعور بالذنب وسيادة الضمير الفاسد .

نعود فنقول ربما ارتبط في ذهن الفلاسفة اليونانيين خاصة أفلاطون ، فكرة أشبه ما تكون بثالوث مقدس متلازم :

  • أ- نظام عقلاني يؤسس للدولة
  • ب- لدي الدولة سلطة شرعية
  • جـ- بوسعها أن تمارس القوة علي نحو مشروع، أي نظام  عقلاني، دولة ممارسة للقوة، ويخول لهذه الممارسات شرعيتها مهما بلغت ممارساتها العنيفة، لكن ثمة فارقا بين القوة والعنف.

وهذا ما يجب الإشارة إليه، علي الدوام ونحن نبحث في العلاقة بين القوة والعنف ، فعلي الرغم من تشاركيهما في سمات شائعة ، فالعنف يستلزم استعمال القوة لتحقيق أهداف غير مرغوبة بصورة إنسانية ، أو علي نحو طوعي مع إدراكنا الفارق بين استعمال مفرط للقوة أو ذلك القدر من العنف الزائد عن الحاجة ، وبين ذلك العنف الناجم عن استعمال للقوة في ظل ممارسة السلطة لتعزيز القانون أو لتنفيذ الأوامر ، ويمكن أن نضيف القول “إن القوة والعنف يمكنها أن يكونا تقنيات ناجحة للضغط والمطالب الاجتماعية ، في جميع  الحالات التي تتمتع فيها تلك المطالب بدعم شعبي عريض . ([11])

في إطار التمييز بين القوة والعنف يعالج الفيلسوف الأمريكي “جون ديوي” المسألة من خلال التمييز بين القوة أو الطاقة power or energy  ، والقوة القسرية coercive force والعنف violence فيري “إن القوة أو الطاقة إما أن تكون حيادية ، أو صالحة للإطراء ، أو المديح ، إذ إنها تدل علي وسيلة  فعالة للعملية التي تمثل الطاقة والقدرة علي تنفيذ وتحقيق الأهداف …. قد تصبح الطاقة عنفاً عندما تهزم أو تحبط الغرض بدلا من تنفيذه وتحقيقه . فعندما يقوم الديناميت بتدمير البشر ، بدلاً من الصخور ، وعندما تكون نتائجها هي الضياع بدلا من الإنتاج ، والدمار ، بدلاً من الإعمار ، فلا نطلق عليها طاقة أو قوة بل عنف ، ويمكننا القول أن القوة  القيسرية تشغل مكانا وسطا بين القوة كطاقة والقوة كعنف . ([12])

يشرح “ديوي ” الغرض من القانون : فيري أن القانون هو بيان لشروط تنظيم الطاقات (أو القوى) ولذلك ففي حالة عدم تنظيمه ، وفي حالة الصراع أو العنف ، فإن هذا يعد دماراً وضياعاً كما إنه يشير إلي افتراض عام في علم السياسة  ضد فعل أي شيء إلي أن يتبين أنه ضروري وأن دلالة القوة الممكنة تعمل كإشارة للضرورة … إن الاتهام الحاد ضد الدولة ليس لاستخدامها القوة – لم يكن ينجز أي شيء بدون استخدام القوة – ولكـن إنها لا تستخدمها بحكمة ، أو بفاعلية.([13])

في مقابل رؤية العنف في سياق المصطلح الفيزيائي من خلال الطاقة والقوة ، فإن ثمة وجهة نظر مختلفة تري استقلال فكرة العنف عن عملية  الإسقاط الخاصة بالمصطلحات الفيزيائية علي المواضيع البيولوجية ومواضيع علم الحيوان “حيث لا يكون لهذه المصطلحات أي معني طالما أن ليس بالإمكان قياسها كمياً . إن استخدام العقل هو الذي يجعلنا لا عقلانيين بصورة خطيرة لأن هذا العقل هو خاصة من خصائص ” كائن يخضع في الأصل لهيمنة غرائزه . ([14])

إن أساس هذه الوجهة هو إنكار كون العنف حيوانياً أولا عقلانياً ، ففي ظل شروط اجتماعية تكرس الظلم يمكن أن يكون الدافع للتحرك صوب العنف بوصفه قوة تفجيرية للأوضاع الظالمة من ناحية ، ومن ناحية أخرى ، كونه عملاً فورياً يتيح  الفرصة للتغيير ، وهنا لا يكون العنف غير عقلاني ، بل يمثل علاجاً ناجعاً لإحداث توازن في مجريات العدالة ويمكن إيجاز المسألة وكما تري ” حنا أرندت  ” حيث يتولي البشر بأنفسهم  تفسير القانون كما يشاءون ، خدمة للعدالة ، تتناقض مع دساتير الجماعات المتمدنة” … فمن المؤكد أن غياب  العواطف لا يتسبب في بروز اللاعقلانية ولا يعزز من شأنها ” والنزاهة والرزانة قد تبدوان أمرين مرعبين، في مواجهة فاجعة لا يمكن احتمالها” . ([15])

من منطلق التوازي يطرح سؤال العنف نفسه مع سؤال آخر عن إمكانية وضع ، أو حال، أو ظرف معين بوسعه أن يجرد الإنسان من إنسانيته . ومن هذه الزاوية يتداخل ما هو عقلاني أو مخطط له سلفا في ضوء متغيرات ظرفية أو أوضاع اجتماعية معينة مع رد الفعل العنيف الذي يمكن وسمه بالعنف  وهذا ما يتخلل حالة الفوضى والاحتراب ، أو الاقتتال العرقي  أو الطائفي  أو ما تفجره الثورات من مذابح / أو دمار  لكن تبقي  الإشكالية هنا أن ما يبدو غير عقلاني في العنف ليس نتاج خروج علي المألوف ، أو المعتاد ، أو يعد خروجاً علي الشرعية أو القانون بل يمثل إطلاقاً واعياً لقوة تفجيرية من أجل تغيير الوضع ، أو الظرف ، أو الحال ، مهما بلغت نتائجه .

ثانياً : التناول الفلسفي للعنف السلطوى:

إذا كان لدينا طرائق مختلفة لتعريف العنف ، أو تفسير معناه ، فإن الطريق المباشر أو المتداول لممارسة العنف يأتي من قبل سلطة ما أيا كان نوعها أو شكلها . فالعنف من خلال معني موسع يقوم على فكرة : انتهاك الأفراد violating persons  ([16]) . وتتجه هذه الفكرة إلي تفسير العنف بوصفة انتهاكاً للأفراد ، ومن ثم تجعلنا نمعن النظر في تأثير قوة العنف علي من تمارس عليه لا من خلال طبيعة القوة ، ولا الفاعل الذي يقوم بالممارسة ، ومن هنا فإن ممارسات السلطة التي تتسم بالعنف تحيلنا إلي الفاعل أو المعتدي ، بينما تأخذنا فكرة الانتهاك إلي التفكير  الجلي في الضحية ، لا المعتدي .

إن ما يعنينا في مناقشة الفكرة السابقة هو البحث في مدى الارتباط بين ممارسة القوة وفعل العنف ويجب التمييز ها هنا بين الانتهاك البدني والانتهاك النفسي علي المستوي الشخصي والمؤسساتي ويمكن اختصارهما في انتهاك لحق واحد علي الأقل من بين حقين إنسانيين أساسيين هما :

  1. الحق في تقرير ما يفعله جسده ويُفعل بجسده.
  2. الحق في اتخاذ  القرار ومواجهة تبعات السلوك . توضح الفكرة التي  تم طرحها سلفا كيف أن سلطتنا كأفراد تتحدد في صورتين تمثل كل منهما سلطة في حد ذاتها : الأولي : السلطة أو القدرة البدنية ، الثانية : القدرة علي اتخاذ القرار . ولا يمكن خارج نطاق هاتين السلطتين أن يتم التفاعل بين الفرد ، وحياته ، وثقافته .

وفي تحليله للطبيعة البشرية أبان “توماس هوبز” عن الاستعداد الطبيعي للبشر لانتهاك بعضهم بعضاً ، هذا الانتهاك ما كان ليحدث لولا أن سلطة ما قادرة علي الفعل . والقدرة هنا تعني القوة ، فالقوة أو السلطة التي تتيح للناس تحقيق رغباتهم تكتسب عند ” هوبز” وجها جديداً يبرر العنف .. كيف ؟ لكي يحقق المرء رغباته فإنه يجب أن يملك قدراً كافياً من القوةpower  أو من  الوسائل اللازمة مما يتيح له إشباع هواه . وبناءً علي استمرارية هذا الدافع لدي المرء لبلوغ رغباته ، فإن البحث عن القوة يعد مشروعاً متواصلاً ، لا يتوقف إلا عند الموت . ([17])

إننا أمام أمرين متلازمين لا فكاك منهما:

  • الأول: سلطة أو قوة قادرة علي الفعل أياً كان نوع العنف الذي تمارسه، فالتركيز هنا يكون علي القدرة أو الفعل فحسب دون النظر إلي كونه يمثل عنفا أم لا
  • الثاني : سلطة أو قوة قادرة علي نزع  القدرة الجسدية ، أو القدرة علي اتخاذ القرار ، فهل يمكن القول أن ثمة قوة موجبة ، أو قدرة علي الفعل ، وفي المقابل قوة سلبية قائمة علي نزع أو سلب القدرة ماديا أو معنويا ، ويمكن أن تضاف وجهة نظر تمثل نوعية أخرى من السلطة إلي النوعين السابقين ، وتتعلق بالنظر إلي السلطة بوصفها هيمنة as domination  أي السلطة بوصفها القدرة علي التحكم والقيادة .Ability to control and command  ويمكن قراءة ما كتبه س . ب. ماكفرسون C.B.Macpherson

للتدليل علي هذه الوجهة : إن  معظم أدبيات العلم السياسي الحديث ، منذ بداياته عند مكيافيللى وهوبز ، وحتى الشراح التجريبيين في القرن العشرين تتعلق بالسلطة ، التي يمكن فهمها علي نحو موسع بوصفها قدرة البشر علي تحصيل ما يريدونه من خلال السيطرة علي الآخرين وقد صاغها هوبز في عبارة بارعة الإيجاز عام 1640م. إن تقليص السلطة (القوة) power إلي سلطة علي الآخرين قد أصبح أمراً شديد الوضوح. وقد وصل في القرن التاسع عشر إلي نقطة الذروة في افتراضات جيمس مل التي صرح بها في عام 1820م. وعندما تنتقل إلي المنظرين السياسيين التجريبيين (الواقعيين) في القرن العشرين ، نجد نفس الافتراض بأن السلطة ذات مغزى وأهمية في أية رؤية سياسية ، فهي سلطة فرد أو جماعة معينة علي الآخرين.([18])

إن الرابط الأساسي بين حضور السلطة وتفشي العنف هو القوة التي تمارس السلطة فتطبعها بطابع العنف ، والذي يدعو إلي الاهتمام بهذا الرابط هو اللجوء إلي الوسائل التي تمكن سلطة ما من اكتساب المزيد والمزيد من القوة بغض النظر عن الغايات أو الأغراض ، فثمة حاجة ملحة ليس فحسب للحصول علي القوة لكن تأمينها، وهذا يستدعى البحث عن المزيد من السلطة بحيث يحول ذلك دون حصول ضرر أو أذى من الآخرين ، فالإنسان حسبما يرى “هوبز” ليس بوسعه الاطمئنان إلي ما لديه من قوة ووسائل تمكنه عن حياة طيبة دون أن ينال المزيد منها ([19]) وبينما يحاول الإنسان أن ينال المزيد من القوة أو السلطة يتعرض لمحاولة سلب هذه السلطة أو القوة منه ، ومن ثم يحدث عنف متبادل بين طرفين : الأول : يحاول أن يكتسب المزيد، والآخر : يحول دون هذا الاكتساب أو يحاول استلابه ، وقد تختلف أساليب العنف الممارس ، أو العنف المضاد من قهر وقتل ، ودمار للآخرين . في حالة الطبيعة state of nature تفضى المنافسة بين البشر إلي الحاجة  لتحقيق الكسب علي حساب الآخرين ، وإعمال العنف ضدهم بل كذلك إلي جعل أنفسهم سادة علي ما يملكه الآخرون مـن نساء وأطفال وماشية . ([20])

ويجب ملاحظة أن حالة الطبيعة عند “هوبز” هي الطبيعة الإنسانية ، أي الإنسان الطبيعي في مقابل الإنسان الاجتماعي أو المدني ، إنها ليست الحالة التي عاشها الإنسان في عصره الأول كما عند: “لوك” بل هي الحالة الكامنة في أعماق النفس البشرية والأصيلة ، وهي حالة تصاحبها الشرور ، فهي تعبير عن البؤس والفقر والوحشية .

إن تصور “هوبز” لحالة الطبيعة هو أشبه ما يكون بتصور عقلي لمجتمع السوق بالنسبة للمجتمع المدنى قياساً إلي حالة الصراع والتنافس علي السلطة أو القوة التي من خلالها تأتي الهيمنة أو السيطرة ” فالسلطة هي تعبير عما يؤسس ويخطط سيطرة الإنسان علي الإنسان وهي تغطى كافة العلاقات الاجتماعية التي تخدم هذه الغاية ، بداية من العنف البدني وصولا إلي حيث الروابط النفسية التي يتحكم من خلالها عقل في عقل آخر ، وتغطي السلطة هيمنة الإنسان علي الإنسان. سواء عند التزامها بغايات أخلاقية ويسيطر عليها ضمانات دستورية كما في الديمقراطية الغربية ، وعندما يتخذ شكل القوة الهمجية غير المروضة التي لا تجد قوانينها إلا في قوتها ولا تجد تدبيراتها إلا في تعظيمها لتلك القوة .([21])

لقد صارت السلطة محور الارتكاز في الحياة السياسية في العصر الحديث ، وتري النظرة الواقعية في المجال السياسي أن  الصراع السياسي هو انعكاس إنساني للصراع الكوني واللانهائي حول سيطرة إنسان علي آخر وفي مقابل فرض الآخرين سيطرتهم عليه . ومن حيث أن السلطة هيمنة أو سيطرة فإنها تفرض ممارسة للعنف ، ومن ثم فإنه لا مفر منه في ظل وجود السلطة ، ويمكن ملاحظة أن المهمشين سياسياً أو الجماعات التي تعيش علي هامش النظام الاجتماعي – السياسي هي الأكثر تورطاً في ممارسة العنف ، وهذا ما يراه “هربرت ماركيوز” حينما يقول : إن الفئات التي تنخرط في العنف هي تلك الجماعات التى تعيش علي هامش النظام ، أي التي تخضع بصورة كاملة لآلياته وهي تلك الجماعات التي سوف تمتلك القدرة علي المواجهة  للإطاحة بآليات القهر والسيطرة . ([22])

وما بين امتلاك السلطة واستلابها يظل العنف هو العنصر الفاعل في الامتلاك والإستلاب ، وما بين هذا وذاك يظل التفاعل الاجتماعي الذي يدعم استقرار السلطة مرهونا  بسلوكيات البشر ورغباتهم ، ففكرة السيطرة علي الآخرين التي تهدف إلي إشباع رغباتنا تنحي جانبا مدى الآثار السيئة التي تحدث لدي المسيطر عليهم ، والتي لا تؤثر علي الاستقرار المجتمعي فحسب بل في ظل رغبة الآخر في الخلاص من السيطرة ، تصبح تطلعاتنا في إشباع رغباتنا بالاستحواذ علي السلطة معرضة علي الدوام لعواقب وخيمة .

لذا فإن الفكرة الرئيسة للتناول الفلسفي للعنف السلطوي يتم التعبير عنها من خلال الانتهاك الإنساني المتبادل بين البشر بشقيه البدني والمعنوي متى سيطرت علي البشر الرغبة النهمة في الاستحواذ أو التسلط .

وحيث إنه لا مفر من السلطة فهي حاضره ومنتشرة ودائمة في السياق الإنساني ، فإنه لا يمكن تجنب العنف السلطوي ، ولذا فإن السلطة المهيمنة أو المسيطرة في نظر “هوبز” يجب أن تكون مقيدة ، وربما كان الحل في التقييد أن تقيد السلطات بعضها بعضا بحيث يكون هناك توازن مع فهم البشر ومنافستهم علي السيطرة . وربما يجئ هذا التوازن من إيجاد انسجام أو توافق بين رغبتنا الطبيعية  في السيطرة مع رغبتين طبيعيتين مساويتين لها وهما :

  1. الرغبة في تنمية قدراتنا البشرية من خلال  تفاعل ومشاركة إنسانية .
  2. الرغبة في العمل الجماعي الذي لا يهمش قدرات بعضنا بعضاً وينحى جانباً الرغبة في الإقصاء أو التهميش الذي يدفع في نهاية الأمر إلي العنف بكافة أنواعه وأشكاله.

ثالثاً: التصـــور الأخلاقـــــــي  للعنـــف: هـــل ثمـــة مشروعيـــة للعنف؟

تطرح ” حنا أرندت ” كيف أن ” سارتر” في تقديمه لكتاب ” فرانز فانون ” معذبو الأرض، يذهب في تمجيده للعنف ، أبعد مما ذهب إليه ” سوريل” في كتابه : تأملات حول العنف ، بل وأبعد مما ذهب إليه ” فرانز فانون” نفسه .. ويكشف  لنا هذا الأمر عن درجة  عدم إدراك “سارتر ” لخلافة الأساسي مع ” ماركس” حول مسألة العنف ولا سيما حيث يعلن أن هذا ” العنف الذي لا يمكن قهره إنما هو جوهر الإنسان إذ يعيد خلق نفسه بنفسه . ([23])

إذا أمكن فهم أهمية العنف بالنسبة للإنسان فإن السؤال المطروح هو كيف يمكن إضفاء الشرعية أو المشروعية علي هذا العنف من قبل القيم الإنسانية أو الاجتماعية ؟ربما يكون الخوف من حالة الطبيعة كما قدمها ” هوبز” مسوغا لاعتماد العنف والعنف المضاد ، أي حالة حرب الجميع ضد الجميع ، من أجل إيقاف العنف أو بتعبير آخر ، إن أفضل وسيلة لتجنب العنف ، التهديد باستخدامه ، ولذا فإن الدولة من خلال  القوانين والشرطة والسجون تقوم باستخدامه علي هذا النحو أو التهديد باستخدامه محليا كما تقوم الجيوش بعمل ذلك علي نطاق عالمي ، فهل صار العنف مرتكزا من مرتكزات الحضارة المعاصرة ؟

يلاحظ “سيرجيوكوتّا” Sergio Cotta  حقيقية انتشار  العنف ، وقد استنتج أن العنف أصبح مسيطرا علي عصرنا وقد أدت نظم  الاتصالات الحديثة إلي ظهور ما أسماه “كوتّا ” باسم الانتشار المكانيspatial diffusion  للعنف ، فهو مدرك بوصفة كلي الوجود omnipesent  إنه يهيمن علي الأخبار (ويمكننا أن نضيف إليها التلفاز والسينما) إلي درجة أن العنف أصبح هو القاعدة وليس الاستثناء ، وقد أصبح الاستثناء الآن  وفقط هو العنف المفرط في وحشيته . ([24])

ليس بوسعنا القول أن الحضارة المعاصرة تختص وحدها بهذا العنف واسع الانتشار ، بل إنه وعلي حد قول ” حنا أرندت” لا يمكن لأي شخص  أعمل فكره في شئون التاريخ والسياسة أن يبقي  غافلا عن الدور العظيم الذي لعبه العنف دائما في شئون البشر ([25]) وحيث أن العنف يلعب دوراً تاريخياً في حياة البشرية منذ الماضي إلي اليوم ، فإن السؤال المهم بهذا الصدد هو ما هو الفارق في الدلالة بين عنف الماضي وعنف الحاضر ؟ .

يوجد اتجاهان سائدان في إيضاح  هذا الفارق ، الأول : يري عنف اليوم  مختلفا قليلا عن عنف الماضي ، بينما يري الآخر : أنه جديد تماماً في معناه ودلالته التاريخية . ومن الناحية السياسية فإن السياسة الواقعية تمثل الاتجاه الأول ، بينما يمثل التيار الثوري الاتجاه الثاني . إذا كان لدينا عنف في كل شيء وكل مكان ، فإننا لا نملك إلا خياراً واحداً فقط إما أن نعانيه بالاستسلام له ( وفي هذه الحالة يبدو العنف كالقانون الأعلى للحياة وهو قدر الإنسان أو نحاول إزالته ولكن إن اخترنا الحل الثاني ” فإننا سنتحول إلي سجناء لمقدمة منطقية تحيط بنا من كل جانب : لكي نزيل العنف فإنه من اللازم أن نستخدمه حيث لا توجد أي وسائل أخرى للأفعال المضادة للعنف ، ومثل هذا الفعل لن يتبرأ بالتالي من مادية العنف لكنه فقط سيعكس اتجاهه : شىء مدمر سيتحول إلي شيء مفيد علي أمل أنه  من خلال عكس الاتجاه سيتم تحييده وسيختفى . ([26])

وعندما نمعن النظر من خلال تاريخ الأفكار إلي فكرة العنف من منظور فلسفي ، فإن الحيرة التي لازمتنا منذ طرح إشكالية التعريف بالعنف والتباسه مع تعريف القوة ، تظل علي حالتها مهما اختلفت وجهات النظر .

يتحدث “جون لوك ” عن حالة الطبيعة أو الطبيعة البشرية علي نحو مغاير لـ “هوبز” فهي حالة من السلام والمدنية ، يتعامل فيها البشر بطريقة مدنية وفق معايير مقبولة من الجميع  يقول ” لوك” : إن ثمة قانوناً ملزماً يحكم حالة الطبيعة ، قانوناً ملزماً للجميع لأنه يحكم البشر الذين يراعونه بما أن الجميع متساوون ومستقلون ، فلا يجب لأحد أن يؤذى حياة شخص آخر ، أو صحته أو حريته أو ممتلكاته لذا لا نفترض أن يكون بيننا نوع من الخضوع والذي من شأنه أن يسوغ لنا تدمير الآخر … لابد وبالمنطق نفسه ، وبكل ما يستطيع المرء ألا يجعل حفظه لذاته مع حفظ بقية بنى جنسه ولا أن يسلب أو يفسد حياة الآخر أو ما يمكن أن يكون بمكانة حفظ لحياته ، لحريته أو صحته أو جوارحه أو متاعه “. ([27])

يغير لوك من وصفه لحالة الطبيعة مبدياً قلقه من تلك الخلافات والصراعات المثارة بين الناس ولذلك فإنه في الجزء الثاني من ” رسالته الثانية” يشير إلي انصراف الناس عن حالة الطبيعة المأمونة والمسالمة ، فيقول :” إن التمتع بها ، أي الحرية freedom  يعد أمراً غير مؤكداً علي الإطلاق وهي معرضة علي نحو دائم لانتهاك الآخرين . ([28])

ووفقاً لما ذكره ” لوك” فإنه يعود إلي حالة الطبيعة القائمة علي الصراع والمنافسة بالمعني الذي طرحه ” هوبز” وما دام أن العنف قادم لا محالة  في ظل عدم اطمئنان ” لوك” للحالة التي وجدت عليها الطبيعة الإنسانية ، فإنه يلجأ إلي النموذج ” الهوبزي” للدولة ذات السلطة المطلقة . ومن ثم فإن السلطات المخولة للدولة لا تضفي شرعية علي كل رد فعل ضد كل من تسول له نفسه . الاعتداء علي قانون الطبيعة ، بل يشرع لممارسة القوة أو العنف تحت غطاء أخلاقي أو حماية الملكية الخاصة من الاعتداء مع إدراك أن سلطة ممارسة العنف بصورة شرعية عند لوك ليست مطلقة ، وإنما يجب أن تظل السلطة التنفيذية القائمة بهذه الممارسة موضع مسألة متى أساءت استخدام هذه السلطة ، بينما يبقي الأمر في صورته السلطوية المطلقة عند “هوبز” ممثلة في الحاكم أو الدولة ، مسالة أخرى يجب الوعي بها عند “لوك” إن هذه الشرعية أو مشروعية الفعل العنيف يمكن للسلطة أن تنالها عبر المشرعين الذين يعطون السلطة حق التصرف وإضفاء طابع القبول  الشعبي ما دام الأمر يتعلق بأحكام أو قرارات واجبة التنفيذ .

ومن زاوية فلسفية مفعمة بالبلاغة والمشاعر المتدفقة يقدم ” جان جاك روسو” تصوره لكيفية انبثاق العنف من خلال عقد اجتماعي أكد انعدام العدالة عبر مؤسسات آمن بعملها الضعفاء أو الفقراء ، واستغلها الأقوياء أو الأغنياء لممارسة القوة أو العنف لتدبير سلطاتهم . ويطرح “روسو” تصوره : هكذا كان … أصل المجتمع والقوانين التي أضافت للمستضعفين أغلالاً جديدة وللأغنياء قوى جديدة … وأسست إلي الأبد قانون الملكية الخاصة وانعدام  المساواة وأحالت الانتهاك البارع  للحق إلي حق نهائي متعذر تغييره ، ومن أجل منفعة قلة طموحة وجشعة أصبح البشر بأسرهم خاضعين للعمل والعبودية والبؤس . ([29])

في المقابل يطرح “روسو” عقده الاجتماعي الجديد الذي من خلاله يمكن تحديد القيم العامة المشتركة التي تؤسس للشعور المجتمعي والترابط بين أعضاء المجتمع لكن ” روسو” المفتون بالإرادة العامة ، والباحث عن الصالح العام وفق معايير يحددها المجتمع ككل ، يري أن من ينتهك تلك المعتقدات المشتركة التي توجد وحدة اجتماعية يجب أن يتم إقصاؤه ، وفي سعيه لتكريس الدين المدني civil religion (*) يمكن طرد أو نفي كل من ينتهك معايير المواطنين، ليس بوصفه فاسقا impious  ، بل لأنه غير اجتماعي unsociable ([30]) . وهكذا في ظل سيادة الإرادة  العامة general will  تعد ممارسة عنف الإقصاء أو النفي أمراً مقبولاً دون أن يسمح لأولئك المختلفين في الرأي والمعتقد بمساحة من حرية من أجل مساءلة مهمة للسياسة المجتمعية. إنهم في حالة الخروج عن “نص الإرادة العامة”  أو معايير المواطنة يجب إزالتهم من هذا المجتمع وفقا لرؤية “روسو”.

من مفهوم الإرادة العامة عند ” روسو” الذي يبدو قالبا لوحدة  المجتمع من خلال قيم ومعايير أخلاقية محددة إلا أن هدا القالب لا يستمر بأي تشكل إنساني جديد للتفكير خارجه ، بل يمارس عنف الإقصاء ضد كل من تسول له نفسه مناقشة هذا المفهوم أو مساءلته  ، إذ إنه قالب اجتماعي وأخلاقي نهائي. وعلي نفس الدرب – لكن بصورة فكرية مختلفة – يضعنا ” إمانويل كانط” أمام مبدأ أخلاقي أساسي ألا وهو الأمر المطلقcategorical imperative  ، هذا الأمر المطلق الذي يلزمنا بموجبه ألا نتصرف خارج نطاق تلك القاعدة التي يجب أن تكون في الوقت نفسه بمثابة ” قانون كلي urniversal law  عندما يقدم “كانط ” الأمر المطلق فإنه يعتقد أنه قدم للبشر طريقة واجبة للسلوك في تعاملهم بعضهم مع بعض ، لكن هذا الأمر الذي تعني إطلاقيته وجود معيار أخلاقي مطلق ووحيد لكيفية السلوك الإنساني في تعاملاتهم الحياتية ، ومن ثم فكونه مطلقاً لا يجوز معه التناقض ، ومن ثم فإن الحياة بمعاييرها الأخلاقية المتعارضة التي تحتمل النسبة لا يمكن أن تخضع لإكراه أو عنف ، هذا الأمر أو القانون الكلي ، إن المطلق الأخلاقي يمثل عنفاً في التعامل مع معطيات الحياة المتغيرة والنسبية لكن في ضوء انصياع الجميع وخضوعهم علي نحو متساو للواجبات الأخلاقية للبشر تتأكد فكرة ” الخوف من العقاب لتنتفي فكرة المنطلق أو الوازع الأخلاقي للبشر.

ويبدو “كانط “في الأمر المطلق مقاربا لفكرة الإرادة العامة في صورتها الأخلاقية أو تلك الإرادة الملائمة للعقلاء كما أنه يبدو متوافقا مع رؤية “هوبز” للإرادة المشتركة أو المتحدة للمواطنين ، لكن هذا المزيج من التقارب أو التوافق عند فحصه لا يعد سليما ، فثمة تأثير لكل من ” هوبز وروسو علي كانط ، فمثل “روسو” ذكر “كانط” أن ما اجتمع عليه الموطنون ومارسوه يعد أمراً عادلاً ، ومثلما عبر “هوبز” يفترض كانط أنه لكي يكون النظام السياسي شرعياً Lawful فإن من يقوم علي رأس هذا النظام يعبر بصورة جلية عن الإرادة  المشتركة (المتحدة) للمواطنين united will of citizens.([31])

يضع كانط إطاراً أخلاقياً موسعاً صارماً يمكن من خلاله أن يحصل الناس علي حقوقهم بالطريقة التي يتوافقون عليها أو إراداتهم الجمعية ، وعندما يمتثل الناس بإرادتهم لمعايير أخلاقية محددة ، فإنه لا يمكن السماح بالخروج من تلك المعايير من جهة ، ومن جهة أخرى ، توجد ثمة آليات قسرية تضمن امتثالهم ومن هنا فإن ممارسة القسر بدافع الامتثال للأمر الأخلاقي المطلق تشكل قيداً علي حرية التعبير عن الرأي تجاه تلك المعايير أو إمكانية  تغييرها متى ثبت فشل معيار معين أو إعاقته لمبدأ حقوقي آخر كالحرية أو العدل ومن ثم أهمية تغييره دون أن يعد ذلك خروجا علي المبادئ الأخلاقية المتعارف عليها من قبل البشر .

وفي ظل الدولة التي تعلو فوق المصالح الخاصة عند “هيجل” حتى يصل بها الأمر أن تكون حقيقة مطلقة ومن ثم فإنها تبدو منفصلة عن المجتمع ، ولذا فإن ثمة تقارباً بين رؤية “هيجل” “وهوبز” فكلاهما أوجد للدولة حيزها المستقل بعيدا عن المجتمع ، في الوقت نفسه يبدو ثمة اختلاف واضح بين رؤية ” هيجل ورؤي “لوك وكانط” وروسو وعبر هذا الاختلاف يمكن طرح السؤال الذي يرتبط إلي حد ما بحرية الأفراد بقدر ما يرتبط بدولة شمولية قادرة علي ممارسة القسر كتلك التي يسعي “هيجل” لتأسيسها ، هذا السؤال يتلخص في هل يمكن أن تسمح الدولة الهيجيلية بوجود حيز مستقل للأفراد في صورة جماعات طوعية أو المجتمع المدني ، يمكن من خلاله كبح جماح الممارسة الاستبدادية للدولة من جهة ، ولتطوير الممارسات المدنية الدالة علي الاحترام المتبادل أو بتعبير ” هيجل” الاعتراف المتبادل mutual respect  من جهة أخرى والذي يبحث عنه ” هيجل” إذ يراه مفتقداً عند الإنسان الأول first man  في صورته  السابقة علي قيام الدولة. ([32])

رأي هيجل أنه حينما يسعي كل شخص  ليتم الاعتراف به من قبل الآخرين ، فإنه من الطبيعي أن يسعي في الحصول عليه دون رده إلي الآخرين ويخلق هذا الوضع صراعاً يعيد إلي الأذهان حالة الطبيعة عند ” هوبز” حيث يسعي كل امرئ إلي إجبار الآخرين  علي منحهم  إياه القيمة التي يريدها (*) في حين لا يرد إليهم الاعتبار لقيمتهم : إن رؤية ” هيجل” علي هذا النحو تؤكد علي ضرورة الصراع ، ومن ثم استمرارية  الحرب بين المجتمعات وتظل فكرة الاعتراف المتبادل مرهونة بقناعة الأفراد ، حيث قد لا يري بعضهم أنفسهم مكافئين أو مساوين للآخرين ، ومن ثم يطالبون بامتيازات خاصة ، وهذه المطالبة بالتمييز تفتح الباب علي مصراعيه لممارسة العنف من أجل نيل تلك الامتيازات ، لكنها علي الجانب الآخر تعبر عن إمكانية الخلق والإبداع ، فالعلماء والفنانون والأدباء هم صنف يتميز أو يتفوق علي غيرهم من البشر .

من وجهتي نظر الإيجاب والسلب يمكن فهم التصور الماركسي للعنف فالوجهة الإيجابية تعنى ممارسة العنف أو إلحاق الأذى أو الضرر بينما تعني الثانية السلبية أن عدم منع هذا الأذى أو الضرر هو عنف بأسلوب سلبي وتؤيد وجهة النظر هذه ما كتبه ” بارنجتون مور” Barrington Moore  في صيغة تحذير ” إن الوفيات الناجمة عن الإرهاب المصاحب للثورة الفرنسية يجب النظر إليها كرد فعل علي النظام الاجتماعي السائد الذي يتجاهل تلك الخسائر البشرية الناجمة عن أسباب كان من الممكن تجنبها .. ويستطرد بارنجتون قائلاً : ” إن حساب معدل الوفيات الناتج عن عوامل مثل المجاعة من الممكن تجنبه ، ليلقي الضوء علي هذه الفكرة … إن الإسهاب في التركيز علي فظاعات العنف الثورى revolutionary  مع التغاضي عن فظاعات العنف في الأحوال العادية لهو بمثابة مشايعة للنفاق hypocrisy  . ([33])

ويؤكد “ماركس” علي أن العمل الإجباري في ظروف غير ملائمة من حيث ساعات العمل والبيئة غير الصالحة وانتشار المرض والقذارة في الأوساط العمالية مما يفضي إلي المعاناة ، وإلي الموت في أحيان كثيرة . ومن وجهة نظر تحليلية يري ” ماركس” نمطاً اجتماعياً واقتصادياً من العنف تتم ممارسته علي نحو إيجابي ، فعندما يصبح العامل في المجتمع الرأسمالي مجرد أجير يقاضى عمله بلقمة العيش أو الحد الأدنى من الحياة . ” إن الهدف الرئيسي لدي الرأسمالية من تنظيم علاقات الإنتاج هو إيجاد وسيلة لكبح جماح طاقة العامل والسيطرة عليه ، بحيث لا ينتج ما يؤمن عيشه فحسب ، بل لينتج كما من الثروة يتجاوز ما يحتاجه في مقابل استغلال ذلك من قبل الرأسمالي لتدعيم ملكيته علي قوى الإنتاج من قبل الماكينات الجديدة . ([34])

إن العنف الماثل عند ” ماركس “في المجتمع الرأسمالي يبدوا إيجابيا في تحقيق معدلات أعلي من فائض القيمة (*)  Surplus value حيث تزيد ساعات العمل اليومي في مقابل انتزاع فائض القيمة من العمل بإحلال الماكينات محل العامل لا لتحقيق معدل إنتاج أكبر فحسب ، بل لتحقيق السيطرة علي العامل من خلال جعل حياته أكثر بؤسا وشقاء ([35]) ، وعندما يعاني  العامل هذا البؤس والشقاء فإنه يفقد الشعور بالأمن الإنساني ومن ثم الشعور بالاغتراب alienation الذي يقضي علي بارقة الأمل التي عبر عنها ” كانط”  في معاملة الآخرين كغايات لا كوسائل ، إن مسألة الاغتراب أو الاستلاب التي تؤصلها طبيعة الجشع الإنساني تجرد الإنسان من معرفة قدراته أو إمكانياته .واختيار سبل الحياة التي تمكنه من الإبداع والازدهار الإنساني ، هذا ما تؤكده الرؤية الماركسية في تصورها للعنف في جانبه السلبي الذي يحول دون أي يحقق الإنسان ذاته وأن يمنع إلحاق الأذى بالآخرين .

ينطلق ” هربرت ماركيوز” فى تحليله للمجتمع الصناعي إلي القول ” إن ما يميز المجتمع الصناعي المتقدم الطريقة  التي تخنق بها تلك الحاجات التي تتطلب التحرر بما فيها حاجة التحرر مما هو محتمل ، مريح ، مفيد ، وتأييده في الوقت نفسه وتبريره قوة التدمير والوظيفة الاضطهادية لمجتمع الوفرة … ، إن الحرية المنظمة من قبل مجموع اضطهادي ، يمكن أن يصبح أداة سيطرة قوية ، فالحرية الإنسانية لا تقاس تبعا للاختيار المتاح للفرد ، وإنما العامل الحاسم الوحيد في تحديدها هو ما يستطيع الفرد اختياره . ([36])

إن قيمة ما صنعته الرؤية أو التصور الماركسي للعنف يتمثل فى ما أحدثه من نقلة أخلاقية في تصور العنف ، من المسئولية المباشرة في وقوع أو حدوث العنف إلي مسئولية غير مباشرة في تجنبه أو الحيلولة دون وقوعه ، إن انتقال إمكانية حدوث العنف من مرحلة التأثير في وقوعه إلي واقعية الإهمال الذي تفضى إلي حدوثه بمعني أن الفشل في إحداث فعل معين قد يكون وسيلة فعالة لحدوث فعل آخر ، فالفشل فى منع العنف يؤدي إلى تبعات فى تحقق العنف بصورة أخرى .

هل يقدم التعريف الفلسفي للعنف جديداً؟

دون النظر إلى العلوم الإنسانية والاجتماعية التي تعاملت مع ظاهرة العنف تبدو للفلسفة مكانتها الخاصة والأصيلة في مجال دراسة العنف ، فالأسئلة الأساسية هي في جوهرها فلسفية فعندما تطرح سؤالاً أساسياً من عينه ما هو العنف؟ فنحن بإزاء تناول فلسفي لا مفر منه يبحث في طبيعة هذه الظاهرة (العنف) ويسبر غور الوضع الإنساني تجاه ممارسة العنف أو ما يراه الإنسان فعلاً أو سلوكاً عنيفاً وعندما نسأل هل يمكن أن يكون العنف مبرراً ، فنحن بصدد قراءة قيمية من منطلقات أخلاقية تضع إطاراً إنسانياً كليا للإجابة على السؤال ، ولعل المحاولة الفلسفية في تفسير ظاهرة العنف ، وبالتالي البحث عن تعريف يكشف جوانب الغموض ويزيل آثار الالتباس الحاصل بشأن هذا الأمر ، هذه المحاولة تمارس فاعليتها في ضوء الكشف عن جوهر فعل العنف نفسه من منطلق أساسي تتحدد توجهاته في مقولتي : الغاية والوسيلة اللتين تسيطران على الشأن الإنساني بأثره ” إن الغاية محاطة بخطر أن تتجاوزها الوسيلة التي تبررها والتي لا يمكن الوصول إليها من دونها وبما أنه من المستحيل التنبؤ بشكل يحمل مصداقيته ، بالغاية المتوخاة من أي عمل بشري ، ككيان مستقل عن وسائل تحقيقه ، من الواضح أن الوسائل المستخدمة للوصول إلى غايات سياسية ترتدي في أغلب الأحيان أهمية بالنسبة إلى بناء عالم المستقبل فوق الأهمية التي ترتديها الغايات المنشودة . ([37])

يميز التناول الفلسفي بين الغايات السياسية “المتعمدة” والغايات المنشودة “التلقائية” التي لا يمكن التخطيط لها سلفاً أو توقع صورتها عبر الجهود الإنسانية المبذولة ، لكن يجب الوعي بان الغايات المتعمدة تحددها كم الوسائل المتاحة التي قد تتجاوز فكرة “الغاية” إلى فكرة “التحقيق” وفقاً لواقع يفرض نفسه إنه لمن شأن أولئك الذين بذلوا الجهود من أجل تطوير وسائل الدمار قد توصل في نهاية الأمر إلى تحقيق مستوى من التطور التقني بات معه من المؤكد أن غايتهم نفسها أي الحرب باتت على وشك أن تزول بفعل الوسائل المتوفرة نفسها ، من شأن هذا الواقع أن يذكرنا ، ويا لسخرية القدر، بعنصر اللا متوقع الشامل الذي نلتقيه في اللحظة التي نقترب منها من ميدان العنف…. من واقع أن ليس ثمة حتى الآن بديل عن هذا الحكم الحاسم في الشئون الداخلية ظهر على مسرح العمل السياسي، ترى أفلم يكن ” هوبز” على حق حين قال : إن المواثيق في غياب السيف ليست أكثر من كلمات . ([38])

في محاولة لإدراك أبعاد العنف من خلال تناول فلسفي يمكن أن يوصلنا إلى تحديد أوجه العنف كسبيل إلى التعريف  حاول ” سوريل ” أن يمزج بين الماركسية وفلسفة برجسون ذات الرؤية الحياتية أو المذهب الحيوي ” فتوصل إلى اقتراح الإضراب العام كأقصى حد للعنف ، إنه لم يكن ساعياً إلى تقديم نظرية في العنف ، لكنه اكتفى بتقديم خواطر عن قوة الدفع وراء العدالة ، وقوة الدفع عند ” سوريل ” هي الحركة العمالية النقابية ، قوة الدفع عند ” سوريل ” تتجنب صيغ إكليشهات المنظرين والفلاسفة ، بل إنها تؤكد على الحركة وحدها ، فالحركة هي كل شيء وموت الحرية يعني موت العدالة والحياة ، بقاء الحركة يعني استمرارية المواجهة والصمود . ([39])

لم يسع ” سوريل ” ومن بعده ” أرندت ” إلى تعريف العنف تعريفا قاطعا فهذا ليس الشأن الفلسفي إذ إنه لا يعتمد على إيراد حل حاسم أو قاطع لقضية أو مسألة إنسانية ، ومن ثم يصبح التعريف مسألة نسبية تقوم على أدلة وحجج وبراهين عقلانية يوردها الفيلسوف من خلال وجهة نظر تفحص وتعاين وتكشف وتحلل ثم تضع النتائج بين يدي القارئ الذي يمارس بدوره تفكيراً نقدياً يقدم من خلاله تعليقه الإنساني على معالجة القضية أو المسألة من زاوية إنسانية كلية أو شاملة لدي فيلسوف معين ، وقد يكون هذا التعليق إيجابياً أو سلبياً تجاه هذا الفيلسوف أو ذلك وتتحقق القيمة الإنسانية في ممارسة التفلسف كفعل إنساني يبحث عن الحقيقة لا أن يملكها بصورة نهائية .

ما هو العنف ؟ يعد هذا السؤال أحد الأسئلة الفلسفية النمطية حيث يهتم علماء النفس وعلماء الاجتماع بالأسئلة التي تهتم بــ : لماذا يوجد العنف ؟ وما الذي يسبب العنف ؟ إلا أن ذلك ليس محل اهتمامي العملي هنا حيث أن محل اهتمامي يكمن في السؤال الفلسفي القديم : ما هي طبيعة العنف أو ماهيته. ([40])

إن طرح السؤال الفلسفي ما هو العنف ؟ لا يعد بحثا عن تعريف جامع مانع ، بل هو بحث في طبيعة العنف ، أو بالأخرى ما نوعية أو درجة العنف في عمل ما سواء على المستوى الفردي أو المؤسساتي ، فليس لدينا معيار لتقدير مستوى أو درجة العنف الذي يبدو ظاهرة معقدة ، إنها محاولة لعقد مقارنات للوصول إلى توافق تفاعلي يثري معرفتنا بالعنف الذي ينضاف إليه أعمال وأشكال مستحدثة على نحو مستمر.

هل يمكن تبرير العنف؟ تعود أهمية هذا السؤال الأساسي من زاوية فلسفية إلى ان العنف يعد نموذجا معرفيا للإساءة الإنسانية بين الأفراد في تعاملاتهم الحياتية . إنه يحوي كافة أنواع الإيذاء والتدمير والقتل ، ومن ثم فإن قيمة القواعد القانونية هي تقييد تلك الأنواع من العنف ” إن المرء لا يسعه إلا اللعب وفق القواعد المقررة ، وبالتالي فأي مطالبة بالمبادئ الخلقية هنا (بالنسبة للعنف) يجب إسقاطها لصالح التفكير الواضح والموضوعية والفعل الحاسم وجميعها صفات تعوقها ما يزعمون أنها النزعة العاطفية والذاتية للمبادئ الخلقية. ([41])

خاتمــة :

– إن التعامل الفلسفي مع تعريف العنف تصادفه عقبة أساسية تتمثل في الطرح الفلسفي لتلك الاستنتاجات دون التأكد من صحة الفروض التي يمكن الانطلاق منها، إذ أنها برغم عدم صحتها تجريبيا إلا أنها قد تتحول إلى واقع ينتج عنها سلسلة من الوقائع لا تمت إلى الحقيقة بصلة.

– إن فكرة وجود مفهوم فلسفي للعنف قد تعني نوعا من الإدراك لأحداث أو أعمال عنف يمكن وضعها محل النظر ، لكن هذا الإدراك ” المفترض “قد لا يكون في وسع أحد امتلاكه بإزاء ظاهرة متعددة الأبعاد ومختلفة السياقات في ظل كم لا حصر له من الممارسات العلنية المستترة الفردية أو الشخصية ، المؤسساتية أو البنيوية ، المادية والمعنوية ….إلخ.

– حدث تطور على نحو مختلف، ينفي عدم قدرة الإنسان على المعرفة والإدراك على نحو كلي فبداية  بمكيافيللى وهوبز ولوك وروسو وهيجل وماركس وسوريل وأرندت وعلى نحو أكبر رسوخاً من الثورة الفرنسية والحركة الثورية في القرنين التاسع عشر والعشرين ، لقد تطور ذلك الإيمان الراسخ بأن المجتمع صنيعة الإنسان ، وأنه ليس هناك ما يمنع التوجه الإنساني لممارسة ما يرغبه البشر.

– عندما يتجاوز الإنسان التفكير في طبيعة المجتمع إلى صنعه ، فإنه بوسعه أن يتم تبرير استخدام العنف أشبه باستبدال طريقة بأخرى، أي أن يصبح العنف وسيلة معترف بها هذا ما تحقق ، وما يتحقق على أرض الواقع .

– من منطلق الاعتراف الواقعي بالعنف ، يكون السؤال الواجب طرحه ، متى يكون من المسموح به اللجوء إلى العنف . وهنا تكمن الإجابة في التفرقة على نحو أخلاقي بين الاستخدامات الصحيحة والخاطئة ، المبررة وغير المبررة للقوة.

– يلزم وجود معيار يحدد هذه التفرقة ، ومن ثم فإن القيمة – بمعنى الالتزام – هي المعيار الذي يفترض استخدامه بهذا الصدد.

– يحيلنا المفهوم السياسي للعنف السلطوي إلى معيار النفوذ السياسي الشرعي ، لكن متى تم التمييز بين النفوذ السياسي الشرعي وغير الشرعي فإنه يعني تلاشي السؤال حول شرعية العنف ، حيث أنه لا يوجد ما يمكن تسميته بالنفوذ الشرعي في حالة الاستخدام غير المشروع للقوة ، من قبل مؤسسات الدولة أو أي حركات أو تنظيمات خاصة .

– ثمة فارق بين معنى مصطلح العنف لدى البشر ودلالته، إذ إن ثمة عجزاً إنسانياً عن التعريف ، طالما يتم استخدام ما هو مألوف لديهم من تعريف اصطلاحي ، ويمكن إيجاز هذا من خلال التفرقة بين محاولة التعريف القائم على تحليل فلسفي ، وما يتم تداوله بين البشر في الحياة اليومية.

– إن تحديد المفاهيم أو التعريفات  من قبل الفيلسوف والباحث المهتم بظاهرة العنف لا يعني مصادره أي محاولة للتعريف بالإبقاء على استخدام ثابت وراسخ كما هو شائع أو متداول بشأن التعريف ، بل تمثل محاولة التعريف مخاطرة ، لكنها في الآن نفسه قد تكون بمثابة انفتاح أفق جديد للتعريف  يدفعنا إلى إثارة جدل ونقاش يزيد من معرفتنا بالظاهرة أو المصطلح.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

(*) يرتبط الدين المدنى بالبلاد الصناعية المتقدمة ، التى تتجه نحو العلمانية بصورة متزايدة من ناحية الدين الرسمى ، والديانات المدنية ( مثل الاحتفال بالدولة ، أو المجتمع المدنى ) يمارس نفس الوظائف المتعلقة برسم وتحديد القيم الكلية للمجتمع ، وتحقيق التماسك الاجتماعى ، وتنظيم التعبير العاطفى .

– ينظر ، جوردون مارشال ، موسوعة علم الاجتماع ، المجلد الثانى ، ترجمة : أحمد زايد وآخرون ، المشروع القومى للترجمة (251) الطبعة الأولى 2000 ، ص 752 .

(*) إن كل شخص بالنسبة لهيجل يمتلك مسوغاً للحقوق ، ويعد ملزماً باحترام هذه الحقوق ويعيش وفقاً للأمر القائل ” لابد أن أكون شخصاً واحترام الآخرين بوصفهم أشخاصاً “.

-Hegel , Hegel’s philosophy of right, New Haven : Yale univ. Press, 1988, p.37.

(*) فائض القيمة Surplus value قيمة مقدار العمل الذى يستخلصه الرأسمالى من العامل ، وهو جزء من نظرية “ماركس” فى الاستغلال . فإذا كان العامل يشتغل لمدة عشر ساعات يومياً فإن قيمة السلع التى ينتجها فى الساعات الست الأولى كافية لإعالته هو وأسرته ، كذا فإن قيمة انتاجه فى الساعات الأربع الأخيرة – الفائض سيذهب إلى صاحب العمل .

– Frank Bealey, The Blackwell Dic of political Science, Blackwell publishing, 2004, p.315.

(1) Oxford Dictionary of Current English ed. By f .G. and Fowler A.W.   Clarendon press, Oxford , 1991, p.843

([2]) ينظر : ابن منظور ، لسان العرب ( ع ن ف)  ، بيروت ، 1956 .

([3]) العنف ، إعداد وترجمة محمد الهلالى وعزيز لرزق ، دفاتر فلسفية ، (17) دار توبقال للنشر ، الدار البيضاء .

Brown , R, M, Religion and violence, the westminister, philoadelphia, p. 66. (4)

Dewey, john : The Middle works, 1899-1924 vol.16. 1916-1917 ed.jo., Ann (5) Boydston, southern lllionis univ. press. p, 212.

Grube,G,M,.A.plato, s Republic, 2nd edition, revised by Hackett publishing(6) co. 1992, p.24.

Ibid, pp. 16-17 , 340 e, 341 a.                                                                                (7)

([8]) جورجياس ، ترجمة كروازيت – بودان ، الآداب الجميلة – ص 182-183 فى دفاتر فلسفية (17).

Plato’s Republic, pp . 232-33.                                                                               (9)

Nietzsche , Beyond Good and Evil. N.Y, penguin Books, 1973, p 173, sec(10)      242.

([11]) حنا أرندت ، فى العنف ، ترجمة إبراهيم العريس ، دار الساقي ، بيروت 1992 ، ص 19.

Dewey , j.op. cit , pp, 212-213 .                                                                           (12)

Ibid., p.214.                                                                                                           (13)

([14]) حنا أرندت ، فى العنف ، ص 55 .

([15]) المرجع نفسه ، ص 57 .

Garver Newton, what violence is ? from Bierman , A. k and Gould , j. eds,(16) philosophy for a New generation, 2 nd edition , N.Y , Macmillan, 1973, p.23.

Hobbes, Leviathan, ed. By c.b.Macpherson N.Y. penguin Books,1981 p161.     (17)

Macpherson C. B. Democratic theory, Oxford: oxford univ press, 1975,  (18) pp. 42-3.

Hobbes, leviathan , p.161.                                                                                   (19)

Ibid , p. 185.                                                                                                          (20)

Morgenthau, H, j., politics Among Nations , N.Y. Alfred A. Knopf , 1973, (21) p,9.

([22]) قيس هادي أحمد ، الإنسان المعاصر عند هربرت ماركوز ، دار المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت 1989 ، ص 145 .

([23]) حنا أرندت ، فى العنف ، ص 140.

Cotta, sergio, why violence?A philosophical interpretation, univ. of florida(24) press, 1985. P.13.

([25]) حنا أرندت ، ص 10 .

Cotta, op, cit .,p.16.                                                                                              (26)

Locke, j., The second treatise of Gorerment ed. By. Thomas , p, peardon,(27)  N.Y. Bobbs-Merill., 1952 , pp. 5-6.

Ibid., p 70.                                                                                                             (28)

Rousseau “Discourse on the origin and foundations of inequality Among (29)   Men, on the social contract, trans by ponold , A.,cress, Indianapolis, Hackett publishing co., 1983, p. 150.

Ibid ., p, 102.                                                                                                         (30)

Hill, T.E., A kantion perspective of political violence in the journal of (31) Ethics, vol 1 , No. 2 1997. P114.

Fukuyamam f., the End of history and Last Man, N.Y The free press ,(32) 1992 p.147.

Moore, B J r. the social origins of Dictatorship and Democracy, Boston (33) 1969, p.103.

Marx , wage labour and capital in works of Marx R. V. tucker . editor (34)   the Marx, Engel’s Reader N.Y . W.W Norton and Company, 1978, p.210.

Marx, Grundrisse, trans by M. Nicolans, N. Y vintage Book, 1973, p.474.   (35)

([36]) هربرت ماركوز ، الإنسان ذو البعد الواحد ، ترجمة جورج طرابيشى ، دار الآداب ، بيروت 1988 ص 43.

([37]) حنا أرندت ، فى العنف ، ص 6.

([38]) المرجع نفسه ، ص 7.

([39]) د. محمد مجدى الجزيرى ، العنف والتاريخ عند سوريل ، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر الطبعة الأولى 2002 ، ص 71 ، 72.

Garver, N.,op. cit p,267.                                                                                      (40)

Holmes , R., Violence and perspective of morality, in Holmes, on war (41)    and morality, Princeton univ. press, 1989 p, 35.

المزيد من المقالات

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete