العنف الرمزي وآليات إنتاجه داخل بنية المجال العام

 

تمركزت جملة من المقاربات حول فكرة المجال العام، بوصفه يمثل تلك الساحة التشاركية التي يلتقي فيها الجميع، بغض النظر عن الخلفيات الدينية والعرقية والثقافية؛ من أجل تبادل الآراء في الشأن العام؛ الأمر الذي يتشكل عبره ومن خلاله، رأي عام، يمثل قيمة معيارية في نهاية المطاف.

والمجال العام هو مصطلح اعتباري لا تؤطره حدود بعينها، وتعبر عنه ساحات النقاش المختلفة، ووسائل التواصل المباشر في الواقع المعاش، أو الافتراضي عبر المحتوى الرقمي؛ لتتجلى في نهاية الأمر فكرة معيارية أو مجموعة أفكار؛ تصلح أن تكون نموذجًا للحكم الرشيد الخاضع للمساءلة وآلياتها.

ويضمن المجال العام التدفق الحر للمعلومات، بفضل حرية التعبير والنقاش الحر؛ بوصفه أحد أبرز أدوات التشاركية الاجتماعية، القادرة على مواجهة أيّ إساءة لاستخدام السلطة، ما يعني أنّه يضع مجموعة من المعايير التي يمكن القياس عليها أو الإحالة في حالات الضرورة.

التنافسية الإيجابية

بحسب يورغن هابرماس، في كتابه: اﻟﺘحول اﻟﺒﻨيوي ﻟﻠﻤﺠﺎل اﻟﻌﺎم، يتميز المفهوم بوجود “أصوات تنافسية، ورؤى كونية متضاربة، وأشكال من الحياة، قد تشكل إرباكًا لبعضها البعض”. لكنّه يفضي في النهاية إلى تعدد الأصوات في المجتمع، ودعم الصراع الإيجابي البناء القائم على اشتباك الأفكار، وهو الاشتباك القادر بدوره على تخليق المعنى، وتكريس الحرية المسؤولة، وفق شروط الدخول إليه، أي المجال العام، وأبرزها الإقرار بحق الجميع في التواجد في هذا الفضاء المشترك دون إقصاء.

وارتبطت فكرة المجال العام دائمًا بالظرف التاريخي وتطور الاجتماع الإنساني، ففي بداية الأمر، ظهر المجال العام على شكل ساحة حوار، يلتقي فيها المواطنون للنقاش حول القرارات السياسية، وكانت ساحة أغورا في بلاد اليونان القديمة، نموذجًا لهذا النوع.

وفي ممالك العصور الوسطى، كان البلاط الملكي شكلا من أشكال المجال العام، حيث يلتقي الأمراء ورجال النخبة والشعراء والعلماء، للنقاش حول أمور يحددها الملك، ويطلب منهم فيها المشورة، وبالطبع فإنّ السلطة الملكية هي التي كانت تحدد طبيعة هذا الفضاء وحدوده، وآليات النقاش الدائر فيه.

وفي أواخر القرن السابع عشر، وأوائل القرن الثامن عشر، بالتزامن مع عصر الأنوار، لعبت المقاهي في إنجلترا، والصالونات الثقافية في فرنسا، وجمعيات المائدة في ألمانيا، دورًا في تحرير المجال العام من السلطة، حيث التقى أبناء الطبقة الأرستقراطية، مع البرجوازية الصاعدة، في مرحلة انتقالية مهدت لعصر الديموقراطية الغربية.

وتمثل التجمعات القبلية في المجتمعات الأفريقية، أو في المناطق ذات التقاليد القبلية القوية، ملحمًا آخر للمجال العام، كما خلقت الكنيسة في فترات الصراع السياسي، مساحة لأفراد الجماعات المضطهدة أو المهمشة لطرح أفكارهم والتعبير عن أهدافهم.

وكان ظهور الصحافة فارقًا في تطور فكرة المجال العام، حيث جعلت الصحف تلك النقاشات علنية، وفي متناول جميع أفراد المجتمع، وعبر هذا الفضاء الممتد، اكتسبت البرجوازية وعيًا إضافيًا. وبحسب هابرماس، شرعت في تبنّي مشروعها الذاتي، حيث أصبحت أكثر قدرة على الانخراط في قضايا المجتمع، ونجحت في تأسيس قواعد عامة لآليات تخلّق فضاء عام دينامي وفاعل، ومتحرر من كافة القيود.

واليوم، أصبح المجال العام أكثر ارتباطًا بوسائل الإعلام، ومع انتشار تكنولوجيا الاتصال في التسعينييات، توسع المفهوم، بحيث بات الجميع قادرًا على الدخول إلى الفضاء العام الافتراضي[1].

وعليه، تم تداول مفهوم المجال العام بشكل شائع؛ للدلالة على ذلك الفضاء المفتوح أمام الجمهور العقلاني، وهو فضاء يرتبط من الناحية المفاهيمية بالعملية الديموقراطية، من خلال مناقشة القضايا اليومية ذات الاهتمام المشترك بحرية كاملة، ضمن آلية نقاش مفتوح مستمرة، وغير مقيدة بشروط مسبقة، ومتحررة تمامًا من أي نوع من أنواع الهيمنة.

وبحسب هابرماس، أدّى الانتشار التدريجي للرأسمالية إلى “برجزة” المجال العام، والذي أصبح على نحو متزايد، جزءً مهمًا من الحياة الاجتماعية، التي تتكون من أفراد عاديين، تجمعوا معًا في الأماكن العامة، وتبادلوا وجهات النظر والآراء، حول مسائل ترتبط بالشأن العام. كما لعبت المناظرات العقلانية النقدية، دورًا مركزيًا في تمدّد مساحات هذا الفضاء وتعدد عناصره، حيث اكتسب كل عنصر هويته الخاصة من خلال الهوية العامة التي تؤطره مع غيره من العناصر الأخرى، ضمن ما يعرف بهوية البناء أو النسق الموحد، ويمكن القول إنّ البنيوية تجلّت هنا، وكأنّها الإطار الضامن لحضور المعطيات الكافية لتشكل المجال العام في الاجتماع.

الفردانية وتسلل العنف الرمزي

يؤكد هابرماس أنّ الرأي الفردي للشخص، عند طلبه، كما هو الحال في استطلاعات الرأي العام على سبيل المثال، لا يشكل رأيًا عامًا؛ لأنّه لا يشمل عملية تكوين الرأي. الأمر الذي يحيل مرة أخرى على السياق البنيوي لمفهوم المجال العام.

ووفقًا لهابرماس أيضًا، يشير مصطلح الرأي العام، إلى المهام الأخلاقية الفاعلة ضمن عملية النقد والسيطرة، وهو مصطلح اعتباري يتخلّق بشكل غير رسمي؛ ليحدد المفهوم المعياري للمجال العام، من خلال التعبير ضمن جملة من المفاهيم التصورية التي يتم إنتاجها، عن عملية التفاعل بين كل العناصر التي تشتبك فيما بينها؛ لتطرح مسارات ومنطلقات وأولويات الاجتماع البشري كحاضنة معرفية.

وبطريقة تخطيطية إلى حد ما، ينظر هابرماس بعناية إلى المجال العام البرجوازي، باعتباره يمثل حالة من التمركز الوظيفي بين “المجتمع المدني” كمجال للفرد الخاص، و”السلطة العامة” التي تعبر عن الروابط الاجتماعية والاقتصادية للطبقة البرجوازية، ومع الوقت أصبحت هذه “السلطة العامة”، بالمعنى الضيق، تشير بشكل متزايد إلى الأنشطة المرتبطة بالدولة.

والدولة هنا كأداة وظيفية لتنظيم الاجتماع، تحتكر وحدها استخدام العنف، لكنّ ذلك يبدو أنّه اقتصر على العنف المادي دون غيره، فمسألة حماية الفضاء العام من الإرهاب المادي، لم يواكبها تحصينه من العنف الرمزي، حيث يمارس البعض هذا النمط من أنماط العنف دون وعي، ليقود الرأي العام، دون وعي أيضاً، إلى قبول جملة من الممارسات، التي تتناقض من الأساس وفكرة المجال العام.

ولعل العنف الرمزي، هو أخطر ما يواجه المجال العام، ويحدّ من فعاليته، ذلك أنّ مبدأ تحرير المساحات الجماعية من الإقصاء والهيمنة والعنف بكافة أشكاله، هو الضامن الرئيس لإنتاج رأي عام حقيقي متحرر من الضغوطات؛ في حاضنة محايدة، تضمن وجود كافة الأصوات وتضمن كذلك تفاعلها بحرية تامة.

وكانت نانسي شيبر هيوز، أول من أشار إلى فعالية ومكر هذا النوع من العنف، وقدرته على التسلل إلى كافة أشكال السلوك الاجتماعي، وكذا تسببه في انتشار المستويات المروعة من المعاناة الناجمة عن التواطؤ معه.

العنف الرمزي كأداة للإخضاع

بحسب بيير بورديو، فإنّ التسلسلات الهرمية الاجتماعية المعاصرة، تسببت في إنتاج نوع من المعاناة، وعدم المساواة الاجتماعية، فضلا عن العنف الرمزي،، الذي يتم إنتاجه والحفاظ عليه، ضمن جملة من أدوات الإخضاع التي يتم إفرازها عن طريق أشكال الهيمنة الرمزية، التي تقتحم الفضاء العام بقوة، وتتوطن فيه.

وفكرة العنف الرمزي عن بورديو، تبدأ من اللغة، كأداة للقوة والفعل، وتنتهي بكافة أنماط الهيمنة الرمزية الموجودة في جميع التشكيلات الاجتماعية، حيث تلعب الرموز الموجودة ضمن النظم الثابتة الكامنة في بنية المجتمع، دورًا في فرض رؤى وتمثلات بعينها، وقمع وتشويه أخرى، وغالبًا ما يكون العنف الرمزي أكثر تدميرًا من العنف المادي؛ لما يؤدي إليه من تقوية الحواجز الاجتماعية، وتعزيز آليات الهيمنة الثقافية والدينية؛ من خلال فرض مجموعة من الأفكار، بشكل غير واضح، على فئة اجتماعية مهمشة، وبالتالي تبدأ هذه الفئة، بطريقة غير واعية، في تكريس النظام الاجتماعي الذي يخدم الفئة السائدة، والعمل على تبيئته ضمن السياق الثقافي. على سبيل المثال: يعتبر الأسلوب المتبع في فرض الطقس الديني للأغلبية، والتمييز على أساسه، بشكل خفي، أحد أبرز أمثلة العنف الرمزي.

وبحسب أميرباير وجونسون، فإنّ بورديو أراد تقويض هذه الممارسات التعسفية؛ عبر إحداث تغيير تنظيمي، لا يقتصر على مجرد استبدال طريقة واحدة من أشكال الهيمنة بأخرى (كاستبدال الجزية، مثلا، بضريبة مشابهة)؛ ذلك أنّ التغيير هو جوهر فلسفة بورديو، فهو يتبنى وجهات نظر راديكالية وحادة، يرى أنّها لابد أن تقود المجتمعات تجاه التغيير الشامل، كما يرى أنّه من الضروري إعادة صياغة مفهوم المجتمع، من أجل كشف علاقات القوة والظلم وجعلها مرئية. مؤكدًا أنّ العنف الرمزي يكمن أيضا داخل عقولنا، ويمنعنا من التفكير النقدي.

ربما أمسك بورديو طرف الخيط الممتد من عند جيمس فريزر وفرويد وأرنست كاسير، حيث تلعب العناصر الرمزية دورًا مركزيًا في تكوين التشكيلات الذهنية لدى أفراد المجتمع، وربما تتجلى تلك التشكيلات في ضوء الاتجاه الرمزي؛ كشيئ في ذاته، خارج سياق الاجتماع البشري، الذي تنبثق منه، لكنّها سرعان ما تهيمن على تصورات أفراده.

والتصور العاطفي للعنف الرمزي، ربما يقود إلى مقاربة مع مفهوم الوعي الزائف في الماركسية، حيث يخضع الناس لخطاب الهيمنة بشكل آلي، وكأنّه قانون طبيعي، فنظريات مثل: الحكم الوراثي بالحق الإلهي، ومنع النساء من الصلاة في الكنائس، مرورًا بقصر التصويت الانتخابي على الرجال، وصولًا إلى كل أشكال التمييز الديني وقطع الطرق للصلاة، ورفع الآذان أو أجراس الكنائس بأصوات مرتفعة، واستخدام الرموز الطبقية والألقاب في المجتمع، كل هذه أشكال من العنف الرمزي، تواطأت معها الضحية وسايرتها، فتسللت إلى المجال العام لتحد من فعاليته.

وتتجلى إدامة الظلم الخفي من حولنا باستمرار؛ لتكريس منطلقات العنف الرمزي في ميادين الفضاء العام المختلفة، ذلك أنّ العنف الرمزي يكمن في المبادئ الدائمة للحكم والممارسة، حيث يمتص الأفراد قيم الهياكل والتسلسلات الهرمية داخل الحقول الاجتماعية التي يتواجدون فيها، في بنيتهم العقلية، فتتحول إلى عادة؛ ليصبح من الطبيعي لدى غير المسلم، عدم تناول الطعام في نهار رمضان، ويتجلى ذلك في المجال العام بوصفه قانون إلزامي لا يجوز الاشتباك معه بالنقاش، وينسحب ذلك على المظهر والملبس وسائر الأمور المشابهة.

هذا القبول من قبل النظام الاجتماعي للعنف الرمزي، بحسب بورديو، يتسبب في صراعات مخفية تحت سطح مفاهيم المنطق الذي يحكم واقعنا الاجتماعي، وغالبًا ما يؤدي العنف الرمزي بالناس إلى إلقاء اللوم على أنفسهم، فيسارعون إلى الاعتذار طوعاً أز كرهاً، بينما يظل دور المجتمع مخفيًا، وبالتالي يجب علينا أن نحرر عقولنا؛ كخطوة أولى نحو تحرير أنفسنا من الوضع الراهن الذي تؤطره وتتحكم فيه الإشارات الرمزية بعنف يمكن تتبعه منذ القدم.

ويرصد الجبرتي في مؤلفاته حول مصر في زمن الحملة الفرنسية، مجموعة من أشكال وصور الهيمنة، التي يظهر فيها العنف الرمزي كعادة اجتماعية، حيث احتج علماء الأزهر لدى نابليون، على قيام أقباط مصر بمخالفة القواعد الاجتماعية، والسير على يمين الطريق، أو الركوب عند مرور مسلم بجوارهم، وهي عادات تواطأت معها الضحية، عبر الالتزام المطلق بها، ولوم الذات لو حدث تجرأ على مخالفتها.

إنّ تقويض التطبيع مع علاقات الهيمنة الاجتماعية، هو أول خطوة للفكاك من براثن العنف الرمزي، وتحرير المجال العام من البنى الذهنية الخاضعة والمستسلمة، فاحترام عقيدة الآخر، يأتي في صلب أولويات المجال العام، لكنّ فرض أنماط هذا المعتقد أو ذاك، بنوع من التعالي والموافقة، أو الاستبدال، يؤدي إلى إعادة إنتاج الهيمنة والعنف، ضمن التفاعلات والممارسات الاجتماعية اليومية، ما يتنافى وفكرة المجال العام من الأساس.

أدى العنف الرمزي إلى تأطير المجال التداولي للأفكار داخل الفضاء العام، والتطويع القسري للهيمنة الدينية والثقافية، داخل الأطر القانونية والدستورية، بحيث تمّ وضع مواد فوق دستورية، تتنافى ومفهوم دولة المواطنة الحديثة، القائمة على العقد الاجتماعي، ما أحدث ارتباكًا في البنى القانونية للمجتمعات، التي باتت ملزمة بتشريعات دينية، دخلت على بنية القانون الوضعي، فأخضعت الكثير من نصوصه لآلياتها التاريخانية القائمة على مفاهيم انتهت تاريخيًا.

كما فشلت المزايحات التوفيقية، التي شابها التلفيق والمناورة في علاج أوجه القصور، فأصبحنا بصدد مجال عام مغلق، تحددت شروطه مسبقًا، وتمّ إخضاع بنيته لأشكال مختلفة من العنف الرمزي، في سياق حالة عبثية من الخلط المفاهيمي.

[1] Towards New Agora, The public Sphere, Communication For Governance & Accountability Program, pp.1-2.

    اقرأ ايضا

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete