تكوين
لئن مثّلت العِصْمَة مفهومًا مركزيًا في الفكر الإسلامي، لما اتصل بها من مباحث النبوة والوحي والإمامة والاجتهاد والإجماع، فإن الأديان الكتابية الأخرى عرفت بدورها حضورًا لمقولات قريبة منها، وإن اختلفت في تسمياتها ومجالاتها وحواملها، فتجلّت في المسيحية في عِصْمَة التعليم الكنسي أو البابوي وفي عِصْمَة الكتاب المقدس من الخطأ، وارتبطت في اليهودية بموثوقية الوحي وسلطة النص والتأويل أكثر من ارتباطها بعصمة أشخاص بعينهم.
بِناءً على هذا، فإن دراسة العِصْمَة في سياق مقارن تكشف تنوع الآليات التي اعتمدتها التقاليد الدينية لضمان صدقية الوحي واستمرار سلطته في التاريخ. ولمّا كان هذا المنظور المقارني مُتّسع الأبعاد، تتقاطع فيه المستويات العَقَدِيَّةِ والنصية والمؤسسية والتأويلية، آثرنا تضييق مجال النظر والتركيز على حقل مخصوص تدور مادته أساسًا حول المُدوَّنة الأصولية الفقهية، فمن شأن هذا التمشّي أن يمكننا من تتبع حضور مفهوم العِصْمَة في صلته بمباحث الحُجيَّة والسُنة والإجماع والاجتهاد ومصادر التشريع، والكشف عن الكيفية التي انتقل بها المفهوم من دائرته العقديَّة العامة إلى وظائف أصولية أكثر تحديدًا.
مفهوم العِصْمَة لُغةً
تكشف المعاجم العربية القديمة عن قَدْرٍ بيّن من التقارب في تحديد الأصل الدلالي لمادة «عصم»، إذ تنتظم دلالاتها، على اختلاف صيغها واستعمالاتها، حول معاني المنع والحفظ والوقاية والالتجاء والاحتماء. فالخليل بن أحمد الفراهيدي (ت 170هـ، وقيل 175هـ) يربط العِصْمَة بدفع الشر والحيلولة دون وقوعه، فيقول: «العِصْمَة أن يعصمك الله من الشر، أي: يدفع عنك»، ثم يصل الاعتصام بالامتناع والالتجاء إلى ما يوفر الحماية (الخليل بن أحمد الفراهيدي، كتاب العين، تحقيق مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي، د.ت، ج1، ص313، مادة «عصم»). ويظهر المعنى نفسه عند ابن دريد (ت 321هـ)، وإن كان أكثر إبرازًا لدلالة اللجوء والاحتماء، إذ يقول: «واستعصم فلان بفلان، إذا لجأ إليه واعتصم به»، ثم يضيف: «وفلان عِصْمَة مَن لجأ إليه»، ما يجعل العِصْمَة دالة كذلك على الجهة التي يلجأ إليها طالب الحماية (ابن دريد، جمهرة اللُّغة، 1987، ج2، ص887، مادة «عَصِمَ»). ويخطو ابن فارس (ت 395هـ) خُطوة أبعد في التأصيل الدلالي، إذ يردّ مختلف استعمالات مادة «عَصِمَ» إلى أصل لُغوي جامع تنتظم تحته معانيها المتفرعة، فيقول: «العين والصاد والميم أصل واحد صحيح يدل على إمساك ومنع وملازمة»، ثم يفرّع عليه العِصْمَة بقوله: «من ذلك العِصْمَة: أن يعصم الله تعالى عبده من سوء يقع فيه»، وبذلك تصبح معاني المنع والامتناع والالتجاء فروعًا لنواة دلالية واحدة (ابن فارس، معجم مقاييس اللُّغة، 1979، ج4، ص331، مادة «عَصِمَ»). ويضيف الزمخشري (ت 538هـ) بُعْدًا لافتًا يتصل بطلب العِصْمَة وبالوسيلة التي يتحقق بها المنع، فيقول: «دُعي إلى مكروه فاستعصم، أي أبَى وطلب العِصْمَة منه»، ثم يقرر: «وكل ما عُصِمَ به الشيء فهو عِصام وعِصْمة» (الزمخشري، أساس البلاغة، 1998، ج1، ص657، مادة «عَصِمَ»)، فتتسع الدلالة عنده لتشمل المانع وفعل المنع وما يُعتصم به جميعًا. ويجمع ابن منظور (ت 711هـ) هذه الدلالات ويصوغها في عبارة جامعة حين يقول: «العِصْمَة في كلام العرب: المَنْعُ، وعصمةُ الله عَبده: أن يعصمه مما يوبقه»، ثم يفسر الفعل بقوله: «عصمه يعصمه عصمًا: منعه ووقاه» (ابن منظور، لسان العرب، 1994، ج12، ص403، مادة «عَصِمَ»). ويتبين من مجموع هذه الشواهد، أن الاختلاف بين المعجميين لا يمسُّ النواة الأصلية للمفهوم بقدر ما يكشف عن اتساع مجالها الدلالي؛ فالعِصْمَة قد تدل على المنع نفسه، وعلى الحفظ والوقاية، وعلى الالتجاء، وعلى الجهة أو الوسيلة التي يُتحصن بها. ومن ثم فإنها في أصلها اللُّغوي لا تعني مجرد انتفاء الخطأ أو الشر، بل تفترض فعلًا إيجابيًا يحُوْلُ دون وقوعه، وهي الدلالة التي ستغدو أساسًا لتطور المفهوم في الاستعمالين الكلامي والأصولي.
لا يبدو أن الأصوليين المتقدمين قد اعتنوا بتعريف العِصْمَة من الناحية اللُّغوية عنايةً مستقلة على نحو ما فعل أصحاب المعاجم وكتب اللُّغة، ولعلّ أحد أكثر الشواهد التي تُجْلي المعنى اللُّغوي للعِصْمَة، ما نقله ابن النجار الحنبلي عن القاضي أبي بكر الباقلاني، فقد قال: «لا تطلق العِصْمَة في غير الأنبياء والملائكة إلا بقرينة إرادة معناها اللُّغوي، وهو السلامة من الشيء». ثم استشهد بقول الشافعي السابق: «وأسأله العِصْمَة»، وأردف ذلك بنقل البرماوي: «والحاصل أن السلامة أعم من وجوب السلامة؛ فقد توجد السلامة في غير النبي والملك اتفاقًا لا وجوبًا» (ابن النجار، شرح الكوكب المنير، 1997، ج2، ص168). وهذا النص مُهم لأنه لا يكتفي بإعطاء مرادف لُغوي للعِصْمَة، وإنما يفصل بين مستويين دلاليين: العِصْمَة بمعنى السلامة من شيء، وهي دلالة لُغوية عامة يمكن وصف أي إنسان بها إذا سلم من آفة أو خطأ، والعِصْمَة بوصفها سلامة مضمونة أو واجبة، وهي الدلالة التي ستصبح أساس الاصطلاح الكلامي والأصولي في حق الأنبياء.
والملاحظ أن الزركشي لا يبدأ في “البحر المحيط في أصول الفقه” مبحث «معنى العِصْمَة» بتحديد لُغوي مستقل، وإنما يخوض مباشرة في الخلاف النظري في حقيقتها، هل المعصوم من لا يمكنه فعل المعصية، أم يمكنه فعلها، ولكنّ الله يمنعه منها بالألطاف، أم العِصْمَة تهيئة للموافقة وتوفيق عام؟ (الزركشي، البحر المحيط في أصول الفقه، 1994، ج6، ص17–18). وهذا نفسه ذو دلالة تاريخية، فقد أصبح المعنى اللُّغوي بحلول هذه المرحلة مفروغًا منه، وصار محلُّ النزاع هو كيفية تحول السلامة العامة إلى عِصْمَة خاصة لازمة للنبي.
تطور مفهوم العِصْمَة في المُدوَّنة الأصولية الفقهية
تكشف المادة الأصولية المبكرة أن العِصْمَة لم تظهر ضمن علم أصول الفقه في البداية في صورة مفهوم نظري محدّد له تعريف جامع، وإنما دخلت بوصفها ضمانة لوظيفة النبوة وحُجيَّة البيان، ثم بدأت تتحول بالتدريج إلى مسألة قائمة بذاتها تتعلق بمدرك العِصْمَة وحدودها وإمكان الخطأ النبوي، قبل أن تتجه كتب الأصول المتأخرة إلى السؤال عن حقيقتها وآليتها: أهي لطف، أم توفيق، أم سلب للقدرة، أم صرف للدواعي، أم ملكة راسخة؟
ويظهر لفظ العِصْمَة في رسالة الشافعي دون أن يتحول بعد إلى تعريف مستقل يخصه الشافعي بالعناية. ففي سياق تأسيسه لوجوب طاعة الرسول وربط حُكْمه بِحُكْم الله، يُعلل ذلك بما سبق في علم الله من «إسعاده بعصمته وتوفيقه»، ثم يجعل من هذا التسديد أحد الأسس التي تفسر إلزام المكلفين باتباع حكم الرسول. والعِصْمَة في هذا السياق وصف يؤدّي وظيفة أصولية تَتَمَثَّلُ في ضمان الثقة بالبيان النبوي الذي أوجب الله اتباعه. ويؤكد أن اللفظ لم يكنْ قد انغلق على دلالة كلامية تِقْنيَّة استعمال الشافعي له في موضع آخر استعمالًا عامًا حين يقول: «ونسأل الله العِصْمَة والتوفيق». فاللفظ يتحرك بين معنى الحفظ والتسديد العام وبين خصوصية الحفظ النبوي، دون أن يسأل الشافعي: ما العِصْمَة؟ وكيف تتحقق؟ وهل هي صفة في النفس أم فعل من الله أم قدرة مخصوصة؟ ومن ثم يصحُّ عدّ الرسالة مرحلة حضور المفهوم قبل تكوّن «نظرية» له داخل الأصول (الشافعي، الرسالة، 1940، ص84–85).
وقد شهد القرن الرابع الهجري انتقالًا مُهمًا مع أبي بكر الجصاص، ذلك أن وظيفة العِصْمَة اتّسعت لتدخل في بِناء نظرية المعرفة والخبر والاجتهاد. فالجصاص يَعْقِدُ في كتابه” الفصول في الأصول” فصلًا للرد على من يرى أن صحة الأخبار لا تعرف إلا «بقول المعصوم»، ويصف هذا المذهب بأنه «ظاهر الفساد»، محتجًا بأن العلم بالأخبار التاريخية والبلدان والأمم يتحقق من دون توسط شخص معصوم، وأن اشتراط المعصوم في كل معرفة خبرية يُفضي إلى تعطيل جانب واسع من المعرفة الدينية والإنسانية (الجصاص، الفصول في الأصول، 1994، ج3، ص58). ولا تكمن الأهمية المفهومية لهذا النص في تعريف العِصْمَة، إذ لا يقدم الجصاص تعريفًا لها، وإنما في أنه بدأ يُحدد موقعها داخل النظام المعرفي، فالعِصْمَة ليست شرطًا شخصيًا دائمًا لإنتاج اليقين بعد النبوة. وفي الوقت نفسه يعود إليها عند مناقشة اجتهاد الرسول، فيقرر أن «اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم لا يقع فيه خطأ»، رابطًا امتناع استقرار الخطأ بما تقتضيه وظيفة الاقتداء والثقة بما يصدر عن النبي (الجصاص، الفصول في الأصول، 1994، ج3، ص282). وهكذا تصبح العِصْمَة عند الجصاص مفهومًا ذا بُعْدٍ معرفي ووظيفي ينهض على تعيين الموضع الذي يمتنع فيه الخطأ ضمانًا للحُجية، مع رفض توسيع هذه الضمانة لتصير ضرورةَ وجود «معصوم» بشري بعد النبي.
ولا تَتَمَثَّلُ المسألة عند الباقلاني في محض إثبات العِصْمَة، بل في تحديد مدركها ومستندها، أيمتنع الخطأ والذنب على النبي بالعقل أم يعرف امتناعه بالسمع؟ وقد حفظ الجُويني موقفه، فنقل عن «القاضي» أن الكبائر ممتنعة عن الأنبياء، غير أن «مُدْرَك امتناعها السمع»، لأن المعجزة تدل عقلًا على صدق النبي في دعوى الرسالة، ولا تستلزم بذاتها امتناع كل كبيرة (الجُويني، البرهان في أصول الفقه، 1997، ج1، ص181). ومن ثم نقل الباقلاني البحث في العِصْمَة من مجرد إثباتها إلى السؤال عن دليلها وحدود دلالته، من غير أن يُقدم هنا تحديدًا لماهيتها في كونها «ملكة» أو «لطفًا» أو غيرَ ذلك.
ويقدم ابن حزم تصورًا آخر بالغ الخصوصية، إذ يدفع بالمعنى الوظيفي للعِصْمَة إلى أبعد مدى. فهو ينطلق في “الإحكام في أصول الأحكام” من اتفاق المسلمين، في نظره، على أن الرسول «معصوم من الله تعالى في البلاغ في الشريعة»، ويحدد هذه العِصْمَة بالحفظ من الكذب والوهم في تبليغ الدين. لكنه لا يَقْصُرُ أثرها على اللحظة النبوية، بل يستخرج منها مبدأً لاستمرار حفظ الشريعة، فيقرر أن «العِصْمَة واجبة في التبليغ للديانة، باقية مضمونة… إلى يوم القيامة» (ابن حزم، الإحكام في أصول الأحكام، 1983، ج1، ص117–118).
ويبدو من خلال هذا الموقف أنّ ابن حزم يوسّع مفهوم العِصْمَة وظيفيًا، ليصبح ضمانة إلهية لحفظ عملية التبليغ نفسها. ومن هنا تكمن خصوصيته في تاريخ المفهوم، فالعِصْمَة لم تَعُدْ صفة للشخص فحسب، بل صارت مبدأً لتفسير حفظ الرسالة في انتقالها التاريخي. ومع ذلك، يظل ابن حزم بعيدًا عن التعريف النظري الخالص؛ فهو يشرح وظيفة العِصْمَة وآثارها، ولا يحدد ماهيتها في نفس المعصوم.
أما الجويني فيمثل المحطة الأقرب مباشرة إلى مرحلة الغزالي، ذلك أنّ العِصْمَة عنده أصبحت مسألة تندرج داخل البحث في أفعال الرسول. فهو يميز بين الكبائر والصغائر، وبين ما يستحيل عقلًا وما يُعرف امتناعه سمعًا، ويستعرض المذاهب المختلفة بدل الاكتفاء بإثبات أصل العِصْمَة. وفي مسألة الكبائر ينقل موقف جمهور من جعل امتناعها عقليًا، ثم موقف الباقلاني السابق، وينتهي إلى قوله: «والمختار عندنا ما ذكره القاضي»، أي أن العقل في ذاته لا يُحيل تلك الأفعال، وإنما يثبت الامتناع بدليل سمعي وإجماعي (الجويني، البرهان في أصول الفقه، 1997، ج1، ص181). بِناءً على هذا لا يقدم الجويني مجرد حكم في عِصْمَة الأنبياء، لكنه يَشْرَعُ في تفكيك المفهوم وَفْق موضوعه ومدركه، ما الذي تقتضيه المعجزة؟ وما الذي لا تقتضيه؟ وما الذي يمنعه العقل؟ وما الذي يمنعه السمع؟ غير أنه لا يصل على غرار الباقلاني إلى تعريف ماهية العِصْمَة نفسها.
والمستخلص مما تقدم، أن الغزالي ليس نقطة البداية في تعريف العِصْمَة، وإن كان يُمَثِّلُ منعطفًا واضحًا في تاريخ إدماج العِصْمَة في بِنية كتب الأصول، ففي كتابه ” المُستصفى”، حين يصل إلى دلالة أفعال النبي، يقول: «ونقدّم عليه مُقدمة في عِصْمَة الأنبياء»، ثم يرتب عناصرها وَفْق ما يناقض مدلول المعجزة وما لا يناقضه؛ فيجعل الكفر والجهل بالله وكتمان الرسالة والكذب والخطأ والغلط في التبليغ والتقصير فيه مما يمتنع بدلالة المعجزة، ثم يُفصّل بعد ذلك فيما وراء مجال التبليغ (الغزالي، المُستصفى من علم الأصول، 1993، ج1، ص274). والطريف هنا أن العِصْمَة تحولت إلى «مقدمة» ضرورية لمبحث حُجيَّة الأفعال النبوية؛ أي أن علم الأصول صار يعترف بأن تحديد سلطة السُنة يقتضي أولًا تحديد حدود العِصْمَة. ومع ذلك ينبغي عدم المبالغة في عدّ الغزالي صاحب تعريف نظري للعِصْمَة؛ فهو شأنه شأن الجويني، يحدد مجالات الامتناع ومداركها أكثر مما يحدد حقيقة الصفة نفسها.
وفي هذه المرحلة كلها لا نجد بَعْدُ ـ في هذه المصادر الأصولية ـ تعريفًا نظريًّا مستقرًا من قبيل «العِصْمَة ملكة اجتناب المعاصي مع التمكن منها»، ولا تعريفًا جامعًا يردها إلى اللطف أو صرف الدواعي أو سلب القدرة. إنما كانت العناية مُنصبَّة على حدود العِصْمَة ووظيفتها وحُجتها.
لكن ما يستدعي التوقف بعد ذلك يتجلى خاصة عند فخر الدين الرازي، ثم عند ابن الحاجب وشُرَّاحه، والزركشي، ذلك أنّ السؤال سيصير مُتمحورا على «معنى العِصْمَة» نفسه الذي سيضحي جزءًا صريحًا من الخطاب الأصولي.
وتظهر أهمية الرازي في المسار التاريخي لتعريف العِصْمَة من خلال شهادة الأصوليين اللاحقين. فالزركشي(ت 794هـ) ينسب إلى المحصول حكايةَ الرازي عن الأشعري تفسير العِصْمَة بأنها “القدرة على الطاعة، وعدم القدرة على المعصية” (الزركشي، البحر المحيط في أصول الفقه، 1994، ج6، ص17–18).
وينبغي التعامل بحذر مع هذا الموقف ذلك أنّ النص المتاح من مبحث العِصْمَة في المحصول (الرازي، المحصول في علم أصول الفقه، تحقيق طه جابر فياض العلواني، 1997، ج3، ص223 وما بعدها)، لا يُظهر لنا هذه العبارة في الموضع الذي يعالج فيه الرازي مذاهب العِصْمَة؛ ولذلك فالأدق أن نَعُدَّ الزركشي ينقلُ أن الرازي حكى في “المحصول” عن الأشعري هذا التعريف، ولا ننسب العبارة مباشرة إلى الرازي بوصفها تعريفَه الشخصي للعِصْمَة.
وتكشف هذه الرواية مع ذلك، عن تحول نظري جوهري، فتعريف العِصْمَة بـ “القدرة على الطاعة وعدم القدرة على المعصية” لا يصف فقط ما يقع أو لا يقع من النبي، وإنما يحاول تفسير الآلية الميتافيزيقية التي تجعل العصيان ممتنعًا. وهو تعريفٌ منسجم مع نظرية أشعرية معينة في القدرة.
ويبدو الزركشي نقطة تحول جلية في هذا السياق لأنه بعد عرض الأحكام التقليدية للعِصْمَة قبل النبوة وبعدها، وفي الاعتقاد والتبليغ والصغائر والكبائر، يُخصص مبحثًا موسومًا بـ «معنى العِصْمَة». وهو ما يُعدُّ تحولًا ذا قيمة في تاريخ المفهوم ذلك أنه لم يَعُدْ السؤال: «ممّ عُصِمَ الأنبياءُ؟» وإنما أصبح: «ماذا نعني حين نقول إنهم معصومون؟». وقد وضع الزركشي هذا البحث ضمن مباحث السنة من كتابه “البحر المحيط”، والمعلوم أنّ الأصوليين درجوا على تقديم الكلام في العِصْمَة على أفعال الرسول «لأجل أنه ينبني عليها وجوب التأسِّي بأفعاله» (الزركشي، البحر المحيط في أصول الفقه، 1994، ج6، ص13).
وتتضح من خلال مبحث «معنى العِصْمَة» عدة اتجاهات في التنظير لمفهوم العِصْمَة منها، عدم التمكن من إتيان المعاصي، وفي مقابل هذا التصور يعرض تصورًا يُبقي إمكان المعصية وقدرة المعصوم عليها، ولكنّ الله يمنعه منها «بألطافه» وصَرْف دواعيه عنها بما يُلهمه من ترغيب أو ترهيب أو كمال معرفة. ثم ينقل عن ابن التلمساني أن العِصْمَة عند الأشعرية «تهيئة العبد للموافقة مطلقًا»، ويرد ذلك إلى خلق القدرة على الطاعات، ليخلص إلى العبارة الكثيفة: «فإذن العِصْمَة توفيق عام». وفي المقابل يذكر أن المعتزلة يردون العِصْمَة إلى «خلق ألطاف تقرب فعل الطاعة»، من غير ردها إلى القدرة؛ لأن القدرة عندهم صالحة للضدين (الزركشي، البحر المحيط في أصول الفقه، 1994، ج6، ص17–18).
ويتضح من هذا أنّ الخلاف في تعريف العِصْمَة ليس خلافًا لُغويًّا، وإنما هو امتداد لخلاف المدارس الكلامية في نظرية الفعل الإنساني داخل علم الأصول.
والملاحظ أن تعريف العِصْمَة بأنها ملكة لم يظهر في المصادر الأصولية وحتى في كتاب ابن النجار ” شرح الكوكب المنير”، حين يبدأ باب السنة يربط حجيتها بالعصمة يعرفها بقوله إن العِصْمَة هي «سلب قدرة المعصوم على المعصية»، ثم يورد الأقوال الأخرى: «صرف دواعي المعصية»، و«تهيؤ العبد للموافقة مطلقًا»، ويقرر في شرح أحد الأقوال: «فإذا العِصْمَة توفيق عام»، وينقل عن المعتزلة أنها «خلق ألطاف تقرب إلى الطاعة» (ابن النجار، شرح الكوكب المنير، 1997، ج2، ص213).
وهنا تظهر أهمية صيغة «الملكة» التي ستصبح مشهورة في التراث الاصطلاحي اللاحق. فهي تقدم حلًا مختلفًا للمشكلة نفسها: بدل سلب القدرة أو إرجاع العِصْمَة إلى محض فعل إلهي مقارن، تُجعل العِصْمَة صفة راسخة في الذات تجعل اجتناب المعصية مستقرًا مع التمكن منها. لكنّ هذه الصيغة لا ينبغي إسقاطها رجعيًا على الرازي أو ابن الحاجب أو الزركشي؛ فالزركشي نفسه لا يستعمل في المبحث المشار إليه لفظ «المَلَكَةِ»، وإنما يعرض الخاصية والقدرة واللطف والتوفيق وصرف الدواعي. ولذلك ينبغي في تاريخ المفهوم فصل مرحلة الزركشي عن مرحلة التحديد الاصطلاحي بالمَلَكَةِ، وإن كانتا تنتميان معًا إلى طور الانتقال من تحديد نطاق العِصْمَة إلى البحث في ماهيتها وآلية اشتغالها.
العِصْمَة وشرعنة حُجيَّة السنة النبوية
إذا كانت المستويات التي ارتبطت العِصْمَة بها في تاريخ المسلمين متعدّدة ومتقاطعة مثل عِصْمَة النبي وعصمة الأنبياء أو الملائكة أو الأمّة أو الإجماع أو الأئمّة. فإنّنا سنركّز على مستوى واحد هو عِصْمَة النبي في مستوى التبليغ، لأنّه المستوى الذي يضمن حُجيَّة السنّة في نظر الأصوليين. لقد وردت لفظة العِصْمَة في رسالة الشافعي تفسيرًا لإحدى الآيات «فأعلم الله رسوله منّه عليه بما سبق في علمه من عصمته إيّاه من خلقه» (الشافعي، الرسالة، 1940، ص86). وقد خلق تقسيم الشّافعي للوحي الإلهي إلى وحي القرآن ووحي السّنّة أو الإلقاء في الرَّوْعِ، مصدرًا للشّرع معصومًا على شاكلة عِصْمَة القرآن، فالسّنّة الّتي وقعت مطابقتها بالحديث النّبوي عُدَّت معصومة مثل القرآن. واللاّفت للنّظر أنّ القرآن تطرّق مرارًا إلى موضوع طاعة الرّسول ومع ذلك لم يتحدّث مطلقا عن أقوال الرّسول أو أفعاله بوصفها وحيًا إلهيّا إلى جانب القرآن.
والملاحظ أنّ الإمام الشافعي لا يُفرد في الرسالة بابًا مستقلًا لـ «العِصْمَة» بالمعنى الكلامي الذي سيظهر لاحقًا في كتب علم الكلام، غير أن المفهوم حاضر في صميم بنائه الأصولي ذلك أنه تتأسس عليه، بصورة مباشرة أو ضمنية، حُجيَّة السنة، ووجوب طاعة الرسول، وامتناع مساواة قوله بأقوال سائر البشر، ثم تظهر آثاره في تحديد منزلة الإجماع والاجتهاد. بِناء على هذا فإن العِصْمَة عند الشافعي لا تبدو مسألة عقدية منفصلة عن أصول الفقه، وإنما تؤدي وظيفة معرفية وتشريعية، فهي تفسر لماذا يكون بيان الرسول عن الله حُجَّة ملزمة، في حين يبقى فَهْم المجتهد وعمله معرضين للخطأ.
ولعل أكثر نصوص الرسالة جلاء في هذه المسألة قول الشافعي، في معرض تفسيره للآيات الآمرة بالتحاكم إلى الرسول وطاعته “:وأنَّه أعْلَمَهم أن حكمَه: حكمُه، على معنى افتراضه حكمَه، وما سبق في علمه جل ثناؤه مِن إسعاده بعصمته وتوفيقه، وما شهد له به من هدايته واتباعه أمره” (الشافعي، الرسالة، ص82–85).
ويربط الشافعي في هذا النص بين ثلاثة عناصر تَتَمَثَّل في إلزامية حكم الرسول، وعصمته، وتوفيقه الإلهي. فحكم الرسول يصبح واجب الاتباع لا لمجرد كونه حكمًا صادرًا عن صاحب سلطة بشرية، بل لأن الله أوجب اتباعه مع ما «سبق في علمه» من عصمته وتوفيقه.
ويترتب على هذا تحول العِصْمَة من صفة عقدية إلى أساس لضمان السلطة التشريعية والبيانية للسنة ذلك أنه إن كان الله قد ألزم المكلف باتباع الرسول، فقد اقترن هذا الإلزام، في تصور الشافعي، بالعصمة والتوفيق والهداية.
ويتأكد هذا المعنى في موضع تالٍ عندما يستدل الشافعي بقوله تعالى: {والله يعصمك من الناس}، فيقول: «فأعلم اللهُ رسولَه منَّته عليه بما سبق في علمه، من عِصمته إيَّاه من خلقه» (الشافعي، الرسالة، ص86)، ثم يربط ذلك بالشهادة له بالاستمساك بما أمره الله به وبكونه هاديًا لمن اتبعه. وهذه العبارة تكشف أن مفهوم العِصْمَة في الرسالة ذو مستويين متداخلين: عِصْمَة من أن ينال الناس الرسول بما يحول دون أداء الرسالة، وعصمة/توفيق في قيامه بوظيفة البيان والاتباع. ولا يصوغ الشافعي هنا نظرية تفصيلية في حدود العِصْمَة تشمل جميع أفعال النبي وأحواله، ولذلك سيكون من المبالغة إسقاط التقسيمات الكلامية المتأخرة على نصه؛ لكنه يقرر بوضوح القدر الذي يحتاجه مشروعه الأصولي: سلامة الوظيفة النبوية التي بها تقوم الحُجة على الخلق.
وتبرز الصلة بين العِصْمَة وحُجيَّة السنة بوضوح أكبر في قوله: «وما سن رسول الله فيما ليس لله فيه حكم، فبحكم الله سنَّه»، ثم يضيف أن كل ما سنّه الرسول «ألزمنا الله اتباعه»، وأنه لم يجعل للناس مخرجًا من اتباع سننه (الشافعي، الرسالة، ص88–89). ولا تعني عبارة «فيما ليس لله فيه حكم» استقلال الرسول عن الله بالتشريع؛ فالشافعي نفسه يجعل سنته في نهاية الأمر متصلة بحكم الله، سواء أكان اتصالها بالنص، أم بالبيان، أم بما خص الله به الرسول من التوفيق. ولهذا يعرض الأقوال المختلفة في منشأ السنة التي لا يوجد في القرآن نص بعينها: فمن العلماء من قال إن الله فوّض إلى الرسول أن يسن بتوفيقه، ومنهم من رد كل سنة إلى أصل كتابي، ومنهم من قال إن السنة جاءت بوحي أو بما أُلقي في رَوْعِه؛ ثم لا يحسم الشافعي تفصيل الطريق بقدر ما يحسم النتيجة: «وأي هذا كان، فقد بيّن الله أنه فرض فيه طاعة رسوله» (الشافعي، الرسالة، ص103–104).
ومن هذه الزاوية يُفهم قوله السابق في تعريف «الحكمة» بأنها سنة الرسول. فبعد استعراض الآيات التي قرنت الكتاب بالحكمة يقول إن السنة مُبينة عن الله، ثم يختم: «ولم يجعل هذا لأحد من خلقه غير رسوله» (الشافعي، الرسالة، ص79). وهذه العبارة تكشف بُعْدًا أساسيًا في مفهوم العِصْمَة عند الشافعي يمكن تسميته خصوصية السلطة النبوية. فالشافعي لا يريد فقط إثبات حُجيَّة السنة؛ بل يريد منع انتقال مقام الرسول إلى غيره. وما منح للرسول من حق البيان الملزم لا يصبح بعد وفاته حقًا للعالم أو الصحابي أو الحاكم أو المجتهد.
ويتجلى ذلك بصورة أشد في باب الناسخ والمنسوخ، عندما يقول عن السنة: «لا شبه لها من قول خلق من خلق الله»، ثم يُعلل ذلك بقوله: «لأن الله لم يجعل لآدمي بعده ما جعل له، بل فرض على خلقه اتباعه» (الشافعي، الرسالة، ص109). هنا يصل مبدأ العِصْمَة إلى نتيجة أصولية حاسمة: لا يوجد بعد الرسول شخص معصوم ذو سلطة تشريعية تماثل سلطته. ولذلك لا يستطيع قول صحابي ولا مجتهد ولا جماعة محدودة أن ينسخ سنة ثبتت عن الرسول. فالجميع حسب عبارة الشافعي، «له تَبَعٌ»، والتابع لا يملك نقض ما فُرض عليه اتباعه. ويظهر بذلك أن نظرية السنة عند الشافعي ليست فقط بِناءً لمصدر ثانٍ إلى جانب القرآن، بل هي أيضًا بِناء لحدّ فاصل بين السلطة النبوية المعصومة والسلطة الاجتهادية البشرية.
وعلى الرّغم من أنّ مبدأ عِصْمَة النّبيّ أو الأنبياء لم يتبلور إلاّ بعد القرن الثّاني، فإنّنا نجد إبراهيم النظّام يتعرّض إلى عِصْمَة الأنبياء. كما نجد آثار هذا المبدأ في مجادلات ابن الرّاوندي (ت 298 هـ) والخيّاط المعتزلي (ت 300 هـ).
ولئن كان ابن بابويّه الشّيعي (ت 381 هـ) وهو أحد ممثّلي علماء الحديث يؤكّد أنّ الأنبياء والأئمّة على الرّغم من أنّهم معصومون كلّيّا من الكبائر والصّغائر فإنّهم معرّضون للسّهو. وهو الأمر الّذي كان يسمح به الله ليظهّر للنّاس أنّهم ليسوا إلاّ بشرا، فإنّ الشّيخ المفيد رفض هذه الفكرة معتبرًا أنّ الأنبياء والأئمّة منذ تعيينهم من الله يصبحون معصومين من السّهو والنّسيان، ومع ذلك فهو يقبل أن يكونوا –باستثناء محمّد- قد ارتكبوا قبل بعثتهم أخطاءً صغيرة لا تُخِلُّ بالشّرف. لكنّ الشّريف المرتضى تلميذ الشّيخ المفيد يؤكّد عدَّ الأئمّة والأنبياء معصومين تمامًا قبل الوحي وبعده من جميع الذّنوب ومن السّهو أيضًا.
ويظهر أنّ الشّيخ المفيد وتلميذه كانا شاهدين ومسهمين في ترسيخ عقيدة العِصْمَة بين الشّيعة وقد تمّ ذلك خلال فترة الحُكْم البويهي.
أمّا عند المعتزلة فنرى القاضي عبد الجبّار يؤكّد ضرورة أن يكون النّبيّ منزّها عن المنفرات جملة كبيرة أو صغيرة، لأنّ الغرض بالبعثة ليس إلاّ لطف العباد ومصالحهم. في حين يتطرّق أبو الحسين البصري إلى عِصْمَة الله فعصمة الملائكة ثمّ عِصْمَة الجماعة مُنتهيًا إلى عِصْمَة الأنبياء: «وأمّا الأنبياء فإنّه لا يجوز عليهم ما يؤثّر في الأداء… ويدخل في ذلك ألا يجوز عليهم فيما يؤدّونه لا الكتمان ولا السّهو في حال الأداء؛ لأنّ تلك الحال حال تلقي الفروض، فوقوع السّهو فيها يغري باعتقاد كون العبادة لا على ما أوردها» (أبو الحسين البصري، المعتمد في أصول الفقه، 1964، ج1، ص370).
ويبدو هذا الموقف مرحلة متطوّرة داخل المذهب الاعتزالي الّذي كان يجمع في عهد الأشعري على أنّ الأنبياء معصومون من الكفر والكبائر سواء قبل بعثتهم أو بعدها.
ولكنّ الجدل كان حول ما إذا كان يمكن للأنبياء أن يرتكبوا ذنوبًا صغيرة عن وعي أو من دونه. وقد كان النّظّام يرى أنّ أخطاء الأنبياء الّتي سجّلها القرآن لا يمكن أن تكون أسبابها إلاّ السّهو لكن بدءًا من الجبائيّين أصبحت العِصْمَة تعني العِصْمَة من الكبائر والصّغائر معًا. وذلك بافتراض أنّ النّبوّة هِبَةٌ ضروريّة من الله لتوجيه النّوع البشري، وكي تكون ناجعة ينبغي أن تكون محميّة من كلّ مانع.
وبتبنّي أبي الحسين البصري مبدأ عِصْمَة الجماعة ينسجم مع الفكر السّنّي وينأى عن الفكر الشّيعي الّذي رفض عِصْمَة الأمّة مجتمعة وقال بعصمة الإمام. ويقرر نصير الدّين الطّوسي في مبحث الإمامة أن الحاجة إلى الإمام ترتبط بعدم عِصْمَة الخلق، وهو المعنى الذي شرحه الحلي بقوله: «ولمّا كانت علّة الحاجة إلى الإمام عدم عِصْمَة الخلق وجب أن يكون الإمام معصوما» (الحلي، كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، 1984، ص349).
أمّا ابن حزم فإنّه سلّم بمبدأ عِصْمَة النّبيّ، مؤسّسًا رأيه على أنّ الرّسول لا يوجب شيئًا في الدّين بغير وحي. وقد طرح إشكاليّة المجال الزّمني لعِصْمَة النّبيّ فأنكر رأي الفرقة الّتي قَصُرَت عِصْمَة النّبيّ في التّبليغ على فترة حياته قائلا: «فالعِصْمَة واجبة في التّبليغ للدّيانة باقية مضمونة، ولا بُدَّ إلى يوم القيامة» (ابن حزم، الإحكام في أصول الأحكام، 1983، ج1، ص117–118). وقد انجرّ عن هذا الموقف تسليم الأصولي الظاهري بأنّ الصّحابة هم أفضل المؤمنين إطلاقًا وأتقاهم التزامًا منه بظاهر الحديث أوّلا، ولانعدام مصدر بديل عنده له من الحُجيَّة ما للنّصّ المنقول عن النّبيّ.
وترتّبت عن المطابقة بين سنّة الرسول والوحي وعصمة الرسول عدة نتائج من أهمّها، نفي الاجتهاد عن الرسول ونفيه عمومًا: «فصحّ أنّه صلى الله عليه وسلم لا يفعل شيئًا إلا بوحي، فسقط الاجتهاد الذي يدّعيه أهل الرأي أو القياس جُملة» (ابن حزم، الإحكام في أصول الأحكام، ج5، ص922). ويوظّف ابن حزم هذه المطابقة لردّ ظاهرة الأحاديث المتناقضة وتأكيد تجانس كلام الرسول.
وقد عَرَفَ مبدأ عِصْمَة الأنبياء عند الأشعريّة مواقف متنوّعة، تذهب عمومًا من النفي إلى القبول التام، فالجويني يرى أنّ المعجزة تدلّ على صدق النبيّ (ع) فيما يبلغه عن الله (ت) ويؤسّس على ذلك وجوب عصمته عن الخلق في مدلول المعجزة.
وهو يقصد بمدلول المعجزة صدق الرسول فيما يبلغه. والملاحظ أنّ الجويني يؤصّل هذه العِصْمَة عقلًا لا نقلًا. يقول: «تجب عصمتهم عما يناقض مدلول المعجزة، وهذا ممّا نعلمه عقلًا» (الجويني، الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد، 1950، ص298). وبتأصيل العِصْمَة على أساس عقليّ يكون الجويني في صفّ المعتزلة مخالفًا الباقلاني الأشعري (ت 403هـ) الذي أكّد أنّه لا يوجد أيّ أساس عقلاني لقبول عِصْمَة الأنبياء، إلا فيما يخصّ العِصْمَة من الكذب المقصود في نقل الرسالة الإلهيّة.
وسار الغزالي على خَطِّ أستاذه، مؤسّسا عِصْمَة الأنبياء في التبليغ على دليل العقل: «لما ثبت ببرهان العقل صدق الأنبياء وتصديق الله تعالى إيّاهم بالمعجزات، فكلّ ما يناقض مدلول المعجزة فهو محال عليهم بدليل العقل…» (الغزالي، المستصفى من علم الأصول، 1993، ج1، ص274).
ولكنّ ذلك لم يمنع الجويني وتلميذه الغزالي من تأكيد ارتكاب الأنبياء ذنوبًا من جنس الصغائر، بل إنّ الغزالي يرى أنّهم مجبورون على طلب الغفران من الله.
وبذلك يخالف المتكلمان الأشعريّان الظاهريّة وقسمًا مُهمًا من علماء المذهب الماتريدي، ممّن عارضوا بشدّة إمكان صدور أيّ خطأ أو زلّة من الأنبياء قبل بعثتهم أو بعدها، وهذا الاهتمام الكبير بعِصْمَة الأنبياء جعل الماتريدية يدرجونها ضمن عقائدهم على عكس الأشاعرة والحنابلة. واللافت للانتباه أنّه في عهد الحُكْم السلجوقي كان من بين التهم التي وُجّهت إلى الأشاعرة تجويزهم ارتكاب الأنبياء ذنوبًا.
وعلى غرار الفكر السنّي يقرن أبو الخطاب الكلوذاني بين عِصْمَة الرسول وعِصْمَة الأمّة، ويذكر أنّ الرسول وجب اتّباعه لاختصاصه بالعصمة وجماعة الأمّة لزم اتّباعها لشهادة الشرع لها بالعصمة. وتبدو أهمية فكرة العِصْمَة عنده في عَدِّ أنّ من شروط المجتهد في الأحكام الشرعية معرفته بعصمة النبي، انطلاقًا من أنّ الرسول معصوم من الخطأ فيما يشرّعه.
ويبدو أنّ الحنابلة لم يكونوا من المناصرين لمبدأ عِصْمَة الأنبياء بصفة مطلقة، فابن بطة (ت 387 هـ) يؤكّد في “عقيدته” أنّ الأنبياء ارتكبوا ذنوبًا، ويذكر النصوص المتعلّقة بذلك في القرآن، وهو موقف المتأخرين من الحنابلة مثل ابن تيميّة (ت 728 هـ) وابن قيم الجوزية (ت 751 هـ)، فإن كانا أكّدا عِصْمَة الأنبياء في نقل الوحي إلاّ أنّهما لم يؤيّدا عصمتهم من الذنوب.
ويمكن أن نستنتج في ضوء مواقف الأصوليين من هذه المسألة، أنّ العِصْمَة مبدأ أوجده المسلمون وتلبّس بالظروف السياسية في مواقف مختلفة، وقد بلغ أَوُجَّهُ حين أيّد البعض مبدأ العِصْمَة التامّة للأنبياء. وسار البعض الآخر بعصمة النبي مسارًا أسهم الضمير الأسطوري للمسلمين في بلورته، مثل عدِّ النبي معصومًا لا في أقواله وأفعاله فحسب، بل كذلك في خياله ورؤياه في أثناء النوم استنادًا إلى حديث “من رآني في المنام فقد رآني حقّا، فإنّ الشيطان لا يَتَمَثَّلُ بي». كما صيغت قصص أسطورية تدعم عِصْمَة النبي، مثل قصّة دعثور وغورث. وقد تنبّه فريق من المسلمين إلى أنّ الحاجة تدعو إلى ضبط مبدأ عِصْمَة النبي من خلال أعمال النبي نفسه وأقواله، ذلك أنّ أصحاب ابن كرام فيهم من يُجيز الخطأ في التبليغ ويقول إنّه أخطأ عند تبليغ قوله ومناة الثالثة الأخرى، حتّى قال تلك الغَرَانِيْقُ العُلى وأنّ شفاعتهنّ لتُرْتَجى، ويردّ البغدادي على هذا الرّأي بقول أصحاب مذهبه، إنّ ذلك كان من إلقاء الشيطان في خلال قراءة النبي صلى الله عليه وسلم، فظنّه المشركون من قراءته. وقد برّر ابن تيمية إمكان وقوع هذا الإلقاء من غير أن يمسّ عِصْمَة التبليغ، لأن الباطل لا يستقر في الوحي، فقال: «فعلى التقديرين قد نسخ الله ما ألقاه الشيطان وأحكم الله آياته» (ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج18، ص7-8).
ولئن اعتمد بعض أعلام الفكر الأصولي على آلية التّأويل، لنفي ما ورد في القرآن مما له ظاهر ينافي العِصْمَة ويقتضي وقوع الخطأ من الأنبياء، فإن آخرين –مثل الغزالي- لاحظوا أنّه لا أحد معصوم من الزَلَلِ حتى الأنبياء، ذلك أنّ القرآن تحدث عن أخطائهم وتوبتهم من ذنوبهم.
لقد وقع تأكيد عِصْمَة النبي في العصور المتأخرة، لنمذجة حياة النبي وأقواله وأفعاله وسيرته، لكنّ المبالغة في ذلك أدَّت إلى رفع الرسول إلى مستوى الإله والسكوت عن بشريّته التي تطرَّق إليها القرآن ووردت في الأحاديث، مثل حديث “إنّما أُنَسَّى أو أَنْسَى كما تنسون فإذا نَسِيْتُ فذكّروني».
إنّ الإقرار بأنّه ما من واحد من البشر معصوم عِصْمَةً مطلقة بما في ذلك الأنبياء، قد يُسهم في منع بروز ادّعاء البعض العِصْمَة، لتبرير تسلّطه على الناس مثلما فعل المَهْدِيُّ بن تومرت الذي رفع نَسَبَهُ إلى النبي وصرّح بدعوى العِصْمَة لنفسه وأنه “المهدي المعصوم».
الراوي العدل هل هو معصوم؟
لقد أدرك الأصوليون الفرق بين الرسول وراوي الخبر، فالرسول بعصمته في التبليغ يضمن للخبر صحّة لا جدال فيها، في حين أنّ الراوي غير معصوم عن الذنوب وعن النسيان وعن الكذب كذلك، لذا فإن خبره يحتمل الصدق وغيره. وفي ضوء هذا تعتمد العدالة لتأصيل حُجيَّة الخبر، وإذا كان الراوي عدلًا فإنه يكون مُنْزَجِرًا عن الكذب في أمور الدنيا، وذلك دليل على اِنْزِجَارِهِ عن الكذب في أمور الدين بالطريق الأولى، أمّا إذا لم يكنْ عدلًا، فإنّ جانب الكذب يرجح في خبره، لأنّه إذا لم يكنْ غيرَ مُبالٍ بارتكاب سائر المحظورات مع اعتقاده حرمتها، فالظاهر أنّه لا يُبالي بالكذب مع اعتقاده حرمته.
وبِناءً على هذا، أسقط البزدوي عدالة مرتكب الكبيرة أو المصرّ على ما دون الكبيرة، في حين عدَّ أنّ “من ابْتُلِيَ بشيء من غير الكبائر من غير إصرار (البزدوي، أصول البزدوي، ضمن: عبد العزيز البخاري، كشف الأسرار، 1997، ج2، ص742) فهو عدل كامل العدالة، وخبره حُجَّة في إقامة الشريعة، وأكّد الغزالي هذا الموقف من خلال ذِكْره أنّ “لا خلاف في أنّه لا يشترط العِصْمَة من جميع المعاصي، ولا يكفي أيضًا اجتناب الكبائر، بل من الصغائر ما يردّ به…” (الغزالي، المستصفى من علم الأصول، 1993، ج1، ص157). ومن الواضح أنّ هذا الموقف يُبرز إدراك الأصوليين استحالة وجود من هو معصوم من الصغائر من البشر، فلو اشترطوا العِصْمَة التامّة للرواة، لما قَبِلوا أيّ خبرٍ، وهذا ما عبَّرَ عنه الكلوذاني حين قال “وإنّما عفونا عن الصّغائر إذا لم تتكرّر، لأنّا لو لم نقبل إلاّ ممّن تَتَمَحَّض (ابن منظور، لسان العرب، 1994، ج3، ص327، مادة «محض») طاعته، لم نقبل خبرَ أحدٍ أبدا، لأنّا لا نجد أحدًا لم يخطئ” (الكلوذاني، التمهيد في أصول الفقه، 1985، ج3، ص112). ونجده يستدلّ على رأيه بآيات تنصّ على وقوع الأنبياء في الخطأ بحديث “ما أحد إلا عصى أو همّ بمعصية إلا يحيى بن زكريا” (الهيثمي، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، 1988، ج8، ص209).
غير أنّ ابن حزم ارتأى أن يخالف التيّار العام للأصوليّين محوّلا العدالة إلى مفهوم قريب من العِصْمَة “وكلّ عدل روى خبرًا قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدين أو فعله (ع)، فذلك الراوي معصوم من تعمّد الكذب مقطوع بذلك عند الله تعالى” (ابن حزم، الإحكام في أصول الأحكام، 1983، ج1، ص123).
ويفسَّرُ هذا الموقف بأن مفهوم العِصْمَة عند ابن حزم لا يحدّ بزمن الرسول، فهو ممتدّ إلى يوم القيامة “بل الفضيلة بعصمة ما أتى النبي صلى الله عليه وسلم به من الدين باقية إلى يوم القيامة” (ابن حزم، الإحكام في أصول الأحكام، ج1، ص122). كما يرجع إلى عدِّه خبر الواحد مُوْجبًا للعلم. وهو بذلك ينفي طبيعة الخبر الذي يجوز فيه الصدق والكذب والخطأ، ويخرج العادة في المخبرين الذين ليسوا إلا بشرًا يمكن أن يقعوا في الوهم أو الكذب. وهذا وجه من وجوه مثالية خطاب ابن حزم ومشروعه الأصولي.
إنّ هذا الموقف يثق في الذاكرة البشريّة ثقةً تتجاوز الحدّ العادي، لأنّ العلوم الحديثة تخبرنا أنّ الذاكرة وإن كانت من الصفاء والتوقّف بمكان، فإنّها انتقائيّة، كما أنّ المُخبرين وإن كانوا عدولًا، ليسوا في مأمن من التحريف غير الواعي وغير المقصود الذي قد يؤدّي إلى تغيير مستوى الخبر بصفة كاملة (فؤاد سزكين، تاريخ التراث العربي، 1983، ج1، ص243)؛ (Roger Arnaldez, Grammaire et théologie chez Ibn Hazm de Cordoue, 1956, p. 231).
ونستدعي في هذا السياق موقف أبي حنيفة الّذي رأى ألاّ يُؤخذ الحديث ممّن يغشى مجلس السّلطان مختارًا، ويرى في هذا جَرْحًا لعدالته. نقل عنه قوله جوابًا لمن سأله عمّن يأخذ الآثار: “من كلّ عدل في هواه إلاّ الشّيعة… ومن أتى السّلطان طائعًا… أما إنّي لا أقول إنّهم يكذبونهم أو يأمرونهم بما لا ينبغي، ولكن وطأوا لهم حتّى انقادت العامّة بهم، فهذان لا ينبغي أن يكونا من أئمّة المسلمين” (الخطيب البغدادي، الكفاية في علم الرواية، تحقيق أبو عبد الله السورقي وإبراهيم حمدي المدني، د.ت، ص126). وهكذا فإنّ عدالة الرّاوي تتلاعب بها الأهواء السّياسيّة والمنازعات بين المذاهب والفرق الدّينيّة والسّياسيّة، لذلك نجد منذ القديم من رفض مقياس العدالة على غرار النّظّام. فهو ينصّ على أنّه “لو وجب علينا تصديق المحدّث اليوم لظاهر عدالته، لوجب علينا تصديق مثله وإن روى ضدّ روايته وخلاف خبره، وإذ نحن قد وجب علينا تصديق المتناقض وتصحيح الفاسد، لأنّ الغلط في الأخبار والكذب في الآثار لم نجده خاصّا في بعض دون بعض” (نشوان الحميري، الحور العين، 1948، ص285).
ويوحي هذا الموقف بإرهاصات الوعي بأنّ صحّة الحديث لا يمكن أن تقوم على المقياس الأخلاقي أو العدالة، وعلى هذا الأساس يمكن غضّ النّظر عن بعض العيوب الّتي لا يعري منها إنسان، وسيظلّ ما يجهله النّاس من سيرة كلّ عالم وكلّ راوٍ أكثر ممّا يعرفونه “فليس من شريف ولا عالم ولا ذي سلطان إلاّ وفيه عيب لا بُدَّ، ولكن من النّاس من لا تذكر عيوبه” (صبحي الصالح، علوم الحديث ومصطلحه، 1984، ص131؛ نقلا عن: الخطيب البغدادي، الكفاية في علم الرواية، د.ت، ص79).
في ضوء هذا، هل تكفي ضوابط العدالة والضبط التي وضعها علماء الجَرْحِ والتعديل، لمنع تسرب كلّ وجوه الوضع إلى الحديث ؟
إنّ الإجابة عن هذا السؤال تكون في نظرنا بالسلب، لأنّ الراوي قد يكذب متعمدًا أو غير متعمّدٍ فقد يكون منافقًا كذوبًا، لكنّه يتظاهر بالصلاح والتقوى، فيعتبر به بعض الناس لعدم معرفتهم بدخائل نفسه، وقد يكون بعض الرواة من الصادقين، ولكنّه يضطر في بعض الأحيان إلى الكذب أو يخطئ المراد ولا يفهم حقيقة ما سمعه فيحدّث كما فَهِمَ معتقدًا أنّه صحيح.
لقد تردّد –كثيرٌ من أئمّة الجَرْحِ والتعديل- في الراوي يوثقونه مرّة ويضعّفونه أخرى وذلك لأنّ “دخول وهمه في حيز الكثرة ممّا لا يوزن بميزان معلوم والاحتراز عن الوهم غير ممكن، والعِصْمَة مرتفعة عن العدول بل العِصْمَة لا تمنع الوهمَ إلا في تبليغ النبي عن الله، فقد وهم الرسول أنّه صلّى بعض الفرائض على الكمال فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أو نسيت يا رسول الله” (محمود أبو رية، أضواء على السنة المحمدية، 1958، ص335).
فكيف يمكن التسليم بمقياس عدالة الراوي والحال أنّه غير معصوم، وأنّ هذا المقياس كثيرًا ما استخدم لأغراض سياسيّة وإلى جانب ذلك، فإنّ اختلاف نقاد الحديث حول توثيق كثير من الرواة أمر مؤكّد من ذلك ما أورده أبو رية:
- أحمد بن صالح، المصري، أبو جعفر بن الطبري: أحد أئمّة الحديث الحُفَّاظ المُتقنين الجامعين بين الفقه والحديث، أكثر عنه وأبو داود ووثّقه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلي بن المديني وغيرهم، ولكنّ النسائي كان سيئَ الرأي فيه، ذكره مرّة فقال: ليس بثقة ولا مأمون.
- أحمد بن المقدام بن سليمان العجلي: وثّقه أبو حاتم والنسائي وقال فيه أبو داود: لا أحدّث عنه لأنّه كان يعلّم المجّان المجون.
- محمد بن إسحاق: أكبر مؤرّخ في حوادث الإسلام الأولى، قال قتادة: لا يزال في الناس علمٌ، ما عاش محمد بن إسحاق، وقال فيه النسائي: ليس بالقوي، وقال سفيان: ما سمعت أحدًا يتهم محمد بن إسحاق، وقال الدارقطني: لا يُحْتَجُّ به وبأبيه، وقال مالك أشهد أنّه كذاب. وإضافة إلى ذلك فإنّ عدالة رجال الأسانيد كثيرةٌ ما تكون مرتكزة على شهادة مُحدِّثٍ واحدٍ أو روايته، فكأنّهم يثبتون صحّة الروايات بعدالة الرجال ثم يثبتون عدالة الرجال بالروايات، ولا يخفى على أحد فساد ذلك، فإن ما يقال في رجال الأسانيد يُقال مثله جَرْحًا وتعديلًا فيمن يشهد لهم ويوثّقهم، وربّما أدّانا ذلك إلى التسلسل أو الدور في البرهان” (محمد توفيق صدقي، «السنن والأحاديث النبوية: كلمات في النسخ والتواتر وأخبار الآحاد والسنة»، مجلة المنار، 1908، م11، ص693).
وقد تفطّن العلماء إلى أثر العوامل الذاتية في الحديث، فلاحظوا أنّ المعاصرة حجاب وكرهوا التحديث عن الأحياء، من ذلك ما يروى من تحذير الشافعي والشعبي من الرواية عن الأحياء. وكلّ هذا يؤكّد تاريخية مقياس عدالة الراوي، ومن ثمَّ نسبيّته، فالدقّة في شروط الراوي –في ضوء مصطلحات الناقدين- كانت تُراعى حتى أواخر القرن الثالث الهجري بتحفظ شديد وحيطة بالغة لتيسير السماع، بَيْدَ أنّ الرواة اضطروا بعد ذلك إلى كثير من التساهل في هذه الشروط فاكتفوا في تعديل الراوي بشروط العقل والبلوغ والإسلام والضبط وعدم التظاهر بالفسق، لأنّ الرواية باتت دراسة للكتب لا نقلًا بالمشافهة والسماع.
وقد أكّد أبو الحسين البصري حركيّة مفهوم العدالة بالتمييز بين فترة الرسول وما بعدها “ففي زمن النبي كانت العدالة منوطة بالإسلام فكان الظاهر من المسلم كونه عدلًا، أمّا في الأزمان التي كثرت فيها الخيانات ممّن يعتقد الإسلام فليس الظاهر من إسلام الإنسان كونه عدلًا فلا بُدَّ من اختباره” (أبو الحسين البصري، المعتمد في أصول الفقه، ، 1965، ج2، ص620).
العِصْمَة والإجماع
هل نقل الشافعي العِصْمَة من الرسول إلى الأمة؟
هنا تظهر مسألة أكثر دقة. يقول الشافعي في باب الإجماع: “ونعلم أن عامتهم لا تجتمع على خلاف لسنة رسول الله، ولا على خطأ، إن شاء الله” (الشافعي، الرسالة، ص472).
وقد تبدو العبارة لأول وَهْلة تأسيسًا لـ «عِصْمَة الأمة». غير أن قراءة السياق توجب الحذر. فالشافعي لا يقول إن كل فرد من الأمة مصون من الخطأ، ولا يجعل اتفاق جماعة محدودة معادلًا للعِصْمَة النبوية؛ بل إن حُجته أن السنة قد تخفى على بعض الناس، ولكن لا يعقل – في تصوره – أن تغيب عن عامتهم جميعًا، ثم يتفقوا جميعًا على خلافها. ولهذا يُعلل بقوله إن «سُنن رسول الله لا تَعْزُبُ عن عامتهم وقد تَعْزُبُ عن بعضهم» (الشافعي، الرسالة، ص472).
ويؤكد ذلك تفسيره للزوم الجماعة؛ إذ لا يقصد مجرد الاجتماع المادي للأبدان، وإنما الاجتماع على التحليل والتحريم والطاعة، ثم يقول: «فأما الجماعة فلا يمكن فيها كافة غفلة عن معنى كتاب ولا سنة ولا قياس، إن شاء الله» (الشافعي، الرسالة، ص476). وبذلك يمكن القول إن في الرسالة بَذْرَة لمفهوم العِصْمَة الجماعية أو امتناع الخطأ على الجماعة، في حال تحقق الإجماع العام، لكنها تختلف نوعيًا عن عِصْمَة الرسول. عِصْمَة الرسول تأسيسية متصلة بالوحي والتوفيق الإلهي ووجوب الطاعة، أما عدم خطأ الجماعة فوظيفته حفظ المرجعية الدينية ومنع افتراض ضياع السنة عن مجموع الأمة.
وهذا التمييز يفسر كذلك قول الشافعي: «لم يجعل الله لأحد بعد رسول الله أن يقول إلا من جهة علم مضى قبله، وجهة العلم بعد الكتاب والسنة والإجماع والآثار وما وصفت من القياس عليها» (الشافعي، الرسالة، ص508). فبعد الرسول لا توجد سلطة تستطيع إنشاء الشرع من ذاتها؛ وإنما تصبح المعرفة الدينية معرفة إحالية: العالم يرجع إلى نص سابق، أو سنة، أو إجماع، أو أثر، أو يقيس إليها. وبعبارة أخرى، أغلقت العِصْمَة النبوية إمكان ظهور مصدر شخصي جديد للتشريع بعد النبي، وفتحت في الوقت نفسه مجالَ الاجتهاد البشري المُقيد بالدليل.
ومن المهم أخيرًا التمييز بين الاستعمال الاصطلاحي للعِصْمَة والاستعمال الدعائي العام للكلمة عند الشافعي. ففي أثناء عرضه لأوجه منشأ السنة يقول: «ونسأل الله العِصْمَة والتوفيق» (الشافعي، الرسالة، ص103–104). فالعِصْمَة هنا دعاء بالحفظ من الزلل، ولا ينبغي جعله مساويًا للعِصْمَة النبوية التي تحدث عنها في قوله «إسعاده بعصمته وتوفيقه». وهذا التعدد في الاستعمال يؤكد أن المصطلح لم يكنْ في الرسالة قد تحول إلى باب كلامي مغلق الدلالة، وإنما كان يتحرك بين معنى الحفظ الإلهي العام وبين خصوصية الحفظ والتوفيق المتعلقة بوظيفة الرسول.
العِصْمَة وأهلية مشاركة العامي في الإجماع
تثير مسألة موقع العامي من الإجماع وجها دقيقا من وجوه توظيف مفهوم العِصْمَة في أصول الفقه؛ إذ لا يتعلق السؤال هنا بعصمة فرد معين، كما هو الحال في البحث في عِصْمَة النبي، وإنما بالجهة التي يشملها حكم امتناع الاجتماع على الخطأ. فإذا كان الأصوليون يستدلون على حُجيَّة الإجماع بما يفيد أن الأمة لا تجتمع على ضلالة أو خطأ، فإن السؤال الذي نشأ بالضرورة هو: من المقصود بالأمة في هذا المقام؟ أيدخل فيها جميع المكلفين، علماء وعوامًا، أم أن العِصْمَة المتعلقة بالإجماع لا تثبت إلا لجماعة مخصوصة تتوافر فيها أهلية النظر والاجتهاد؟
وقد أدَّى هذا السؤال إلى خلاف أصولي حقيقي، ولذلك لا يصح تصوير إقصاء العوام من الإجماع بوصفه محلَّ اتفاق مطلق بين جميع الأصوليين. فقد لاحظ الغزالي أن ظاهر القول بأن المجمعين هم «أمة محمد» يمكن أن يشمل كل مسلم، ثم ميز بين طبقات متفاوتة في الأهلية. فالمجتهد المقبول الفتوى داخل في أهل الإجماع قطعًا، أما العوام فقد وقع الخلاف في عدِّ موافقتهم ومخالفتهم، ونقل قول من رأى أن الإجماع لا ينعقد دونهم، لأنهم من الأمة، قبل أن يرجح عدم عدِّ خلافهم في المسائل الاجتهادية (الغزالي، المستصفى من علم الأصول، ج1، ص143–144).
غير أن الاتجاه الغالب في المُدوَّنة الأصولية اتجه إلى حصر الإجماع المعتبر في أهل الاجتهاد. ويعبر السمرقندي عن أساس هذا الموقف تعبيرًا واضحًا حين يقول: «وأما اشتراط صفة الاجتهاد فلأن الإجماع إنما يحتاج إليه في موضع لا نص فيه، فلا بُدَّ من أهل الاجتهاد، ليعرف التمييز بين وصف هو علة الحُكْم في المنصوص عليه وبين غيره… وإذا كان كذلك فلا فائدة في اشتراط العوام ومن لم يبلغ درجة الاجتهاد من طلبة العلم» (السمرقندي، ميزان الأصول في نتائج العقول، ص713).
تكشف عبارة السمرقندي أن مناط الإقصاء ليس مجرد الانتماء الاجتماعي إلى فئة العوام، بل فقدان الأهلية المعرفية التي يتطلبها إنتاج الحُكْم الشرعي في موضع الاجتهاد. فالإجماع حسب هذا التصور، ليس عملية إحصائية تقوم على جمع آراء المسلمين، وإنما هو نتيجة لنظر استدلالي يقوم به من يمتلك القدرة على معرفة النصوص وطرق دلالتها، وتمييز العلل، وَرَدُّ الفروع إلى الأصول، والموازنة بين الأدلة. ولذلك يصبح وصف المجتهد أهم من مجرد وصف المسلم في تحديد من يشارك في صناعة الإجماع.
ويذهب الجويني إلى صيغة أكثر حسمًا، فيقرر أن العوام ليسوا من أهل الإجماع، فلا يعتبر خلافهم ولا يؤثر وفاقهم، في مقابل المفتين المجتهدين الذين لا شك في اعتبارهم (الجويني، البرهان في أصول الفقه، ج1، ص398). وهذه العبارة تكشف بوضوح عن بِناءٍ تراتبي للمعرفة الأصولية؛ فليس كل من انتمى إلى الأمة صاحب صوت معرفي مُتماثل في المسألة الاجتهادية، إذ يتوقف الاعتداد بالقول على أهلية صاحبه لإنتاجه وَفْق القواعد المعتمدة في الاستدلال.
ويبلغ هذا التصور درجة أوضح عند الغزالي، لأنه يربطه مباشرة بمفهوم العِصْمَة. فبعد أن يعرض الخلاف في اعتبار مخالفة العامي يقول، مُرجحًا عدم الاعتداد بها، إن «العامي ليس أهلا لطلب الصواب، إذ ليس له آلة هذا الشأن»، ثم يضيف عبارته ذات الدلالة الخاصة: «ولا يُفهم من عِصْمَة الأمة من الخطأ إلا عِصْمَة من يتصور منه الإصابة لأهليته» (الغزالي، المستصفى من علم الأصول، ج1، ص143).
ولا يعني هذا أن العامي يستحيل عليه أن يصيب حُكْمًا صحيحًا في واقعة ما؛ فالإنسان يمكن أن يوافق الصواب من غير استدلال. وإنما المقصود أن إصابته ليست -في التصور الأصولي- إصابة ناشئة عن أهلية علمية تمكنه من إنتاج الحُكْم وإقامة الدليل عليه، ولذلك لا تكون موافقته أو مخالفته عنصرًا منشئًا للإجماع.
ومن هنا ينبغي تعديل العبارة القائلة: إن العِصْمَة لا تشمل غير العلماء. فالأدق أن يُقال: إن العِصْمَة المنسوبة إلى الإجماع أعاد جانب مُهم من الأصوليين تحديد حاملها، تحديدًا أصبحت معه متعلقة بجماعة المجتهدين عند تحقق الإجماع، لا بكل أفراد الأمة على السواء. كما لا يعني ذلك أن العلماء، كل واحد منهم على حدة، معصوم؛ فالمجتهد نفسه يجوز عليه الخطأ، بل إن إمكان خطئه هو أحد المسلمات التي يقوم عليها الاجتهاد والخلاف. إنما الذي يمتنع عليه الخطأ، في نظر القائلين بحُجيَّة الإجماع القطعية، هو اجتماع الجهة المؤهلة كلها على حكم واحد.
وهذا التمييز بين عِصْمَة الفرد وعِصْمَة الجماعة المؤهلة ضروري لِفَهْمِ بِناء النظرية الأصولية. فالفقيه المفرد غير معصوم، ولذلك يجوز لفقيه آخر أن يخالفه. أما إذا تحقق اتفاق جميع المجتهدين الذين يستجمعون شروط النظر في عصر من العصور، انتقل الحُكْم حسب نظرية الإجماع، من مجال الاجتهاد المحتمل للخطأ، إلى مجال الحُجة التي لا تجوز مخالفتها. وبذلك لا تُلغي نظرية الإجماع إمكان الخطأ عن العلماء في كونهم أفرادًا، وإنما تجعل امتناع الخطأ نتيجة لاجتماعهم المستوفي لشروط مخصوصة.
ويكشف الغزالي عن جانب آخر بالغ الأهمية، حين يميز بين نوعين من المسائل. فهناك أحكام ظاهرة يشترك في معرفتها الخاصة والعامة، كالصلوات الخمس ووجوب الصوم والزكاة والحج؛ وفي مثل هذه القضايا يمكن القول إن العوام يوافقون العلماء بالفعل. وهناك في المقابل، المسائل الدقيقة التي لا يدركها إلا أهل النظر، كتفاصيل المعاملات والأحكام الاجتهادية. ويرى الغزالي أن العوام في هذا القسم أيضًا لا يضمرون عادة خلافًا مستقلًا لأهل الاجتهاد، بل يفوضون إليهم معرفة الحُكْم، ولذلك يُمكن من هذه الجهة أن يُسمَّى ما أجمع عليه المجتهدون إجماعَ الأمة؛ لأن موافقة العوام تتحقق بطريق التبعية والإجمال، لا بطريق الاجتهاد المستقل (الغزالي، المستصفى من علم الأصول، 1993، ج1، ص143–144).
وهذا التفصيل يمنع فهمَ الإقصاء بمعنى إخراج العوام كُليًّا من مفهوم الأمة؛ فهم باقون ضمن الجماعة الدينية، ولكنهم لا يقومون بالوظيفة المعرفية المُنشئة للإجماع.
ويترتب على ذلك، أن الاختلاف بين العالم والعامي في باب الإجماع ليس في الأصل النظري، اختلافًا في القيمة الدينية للإنسان، بل اختلاف في الأهلية المعرفية. ولذلك يشبّه الغزالي العامي، من هذه الجهة المحددة، بمن لا يمتلك الأداة الضرورية لِفَهْمِ المسألة. ويقرر أن العامي ليس أهلًا للوفاق والخلاف فيها، لأن قوله لا يصدر عن استنباط. وهذه اللُّغة تكشف أن مفهوم الأهلية يُمَثِّلُ الحلقةَ الوسيطة بين الاجتهاد والعِصْمَة الجماعية؛ فلا يدخل في الجماعة التي يحكم بامتناع اجتماعها على الخطأ إلا من يمكن أن تكون إصابته ثمرة لطريق معتبر في الوصول إلى الحُكْم.
ومن اللافت أن الغزالي لا يقف عند وصف العامي بنقص الآلة، بل يجعل وظيفته الطبيعية في المسائل التي لا يعلمها هي الرجوع إلى العالم، مُعللًا ذلك بأن العاقل يفوض ما لا يدري إلى من يدري. ويذهب إلى أن مخالفة العامي لأهل العلم في مسألة لا يملك أدوات النظر فيها، مخالفة لا يُعتدُّ بها في انعقاد الإجماع، ويستند في ذلك إلى مبدأ ردِّ الأمر إلى أهل الاستنباط (الغزالي، المستصفى من علم الأصول،1993، ج1، ص143–144). وهكذا يتصل مبحث الإجماع اتصالًا مباشرًا بمبحث التقليد: فالفقيه مؤهل للنظر، والعامي مكلف بالسؤال والاتباع فيما لا يملك أدوات استنباطه.
لكنّ هذا البناء لا يخلو من إشكال نظري. فإذا كانت النصوص المستدل بها على العِصْمَة تتحدث عن الأمة، فإن حصر مدلولها في المجتهدين يحتاج إلى آلية تأويلية تنقل اللفظ من عموم الجماعة إلى خصوص أهل النظر. وهذا ما يفسر وجود الخلاف الأصولي في المسألة؛ فقد سجل الأصوليون وجود من يدخل العوام في الإجماع ومن يخرجهم منه، ما يدل على أن العلاقة بين الأمة وأهل الاجتهاد لم تكنْ بدهية، وإنما كانت من القضايا التي تطلبت بِناءً نظريًّا داخل علم الأصول.
ومن هذه الزاوية يتضح أن مفهوم العِصْمَة أدَّى دورًا مهمًا في عملية إعادة تعريف الأمة المعرفية. فالأمة التي تتوجه إليها أحكام التكليف وتشترك في الانتماء الديني أوسع من الجماعة التي تنتج المعرفة الشرعية الاجتهادية. وعندما ينتقل الأصولي من القول: إن الأمة لا تجتمع على الخطأ إلى عدِّ إجماع المجتهدين وحدهم حُجَّة، فإنه يُعيد تكوين مفهوم الأمة داخل مجال مخصوص: فالأمة هنا ليست مجموع الأفراد في العدد، وإنما من يمثلها في وظيفة الاستنباط.
وهذا ما يظهر أيضًا في تقرير الجويني أن خلاف العوام لا يعتدُّ به، ووفاقهم لا يؤثر، في حين لا بُدَّ من الاعتداد بخلاف المجتهد (الجويني، البرهان في أصول الفقه،1997، ج1، ص398). فالمسألة ليست محض تفضيل اجتماعي للعالم، بل تحديدٌ للجهة التي يكون قولها ذا أثر في تكوين الدليل. حتى إن مجتهدًا واحدًا قد يمنع انعقاد الإجماع إذا خالف، ولا يكون لخلاف أعداد كبيرة من غير المؤهلين الأثر نفسه. وبذلك تُقاس القوة المعرفية للقول بصفة قائله وأهليته، لا بعدد الموافقين له.
وهنا تتكشف إحدى الخصائص العميقة للنظام المعرفي الأصولي، وهي عدم مساواة الأقوال في الحُجيَّة. فالقول الشرعي لا يكتسب قيمته لمجرد صدوره عن فرد من الأمة، بل حسب الطريقة التي أنتج بها ووفق أهلية صاحبه. فالعامي قد يكون تقيًا وصالحًا، ولكنه لا يصبح بذلك مجتهدًا، كما أن المجتهد قد يخطئ مع امتلاكه أدوات النظر. وهذا يعني أن التمايز ليس بين معصوم وغير معصوم على مستوى الأفراد، بل بين قول مؤهل للدخول في عملية إنتاج الإجماع وقول غير مؤهل لذلك.
ويجد هذا الترتيب امتداده في التمييز الأصولي بين الاجتهاد والتقليد. فكما جعل الأصوليون الاجتهاد وظيفة من استكمل شروطه، جعلوا سؤال أهل العلم طريق غير المجتهد إلى الحُكْم. ومن ثم ترتسم داخل الخطاب الأصولي علاقة غير متناظرة بين العالم والعامي: الأول ينتج الحُكْم عن نظر في الأدلة، والثاني يتلقى الحُكْم عن طريق السؤال والتقليد. وعندما ينعقد الإجماع يصبح العامي، وَفْق هذا البناء، مُطالبًا باتباعه لا بالمشاركة التِقْنيَّة في إنشائه.
غير أن القراءة النقدية لهذا البناء تستوجب قدرًا من الاحتراز. فمن الممكن القول إن استبعاد العوام من صناعة الإجماع أسهم تاريخيًا في تثبيت اختصاص العلماء بالسلطة المعرفية في المجال الفقهي، لكنه لا يبرر القول بإطلاق إن الأصوليين أرادوا سلب العوام حق التصرف في مصائرهم أو منح العلماء سلطة كاملة عليهم. فهذه نتيجة أوسع من المقدمات التي تقدمها نصوص أصول الفقه. والذي تثبته النصوص بصورة مباشرة هو اختصاص أهل الاجتهاد بسلطة إنتاج الحُكْم الاجتهادي المعتبر، والمشاركة في تكوين الإجماع الفقهي، لا بالضرورة امتلاكهم سلطة سياسية أو اجتماعية مطلقة على العامة.
ومع ذلك، فإن لهذا الاختصاص المعرفي آثارًا اجتماعية لا يمكن إغفالها. فحين تصبح معرفة الحُكْم الشرعي موزعة بين فئتين، إحداهما تملك حق الاستنباط والأخرى ملزمة بالرجوع إليها، تنشأ بِنية من السلطة المعرفية ترفع منزلة الفقيه داخل الجماعة. فالعامي لا يملك، في المسائل الاجتهادية الدقيقة، أن يحول رأيه الشخصي إلى قول شرعي ينازع به أهل الاجتهاد، ولا تُعد مخالفته مانعًا من انعقاد الإجماع. وهكذا ترتبط نظرية الإجماع بنظرية في توزيع الاختصاص داخل المجتمع: للعالم حق النظر والاستنباط، ولغير العالم حق السؤال والاتباع واختيار من يثق بعلمه ضمن الحدود التي رسمتها نظرية التقليد.
وتبدو المفارقة هنا ذات دلالة في تاريخ مفهوم العِصْمَة. فالعِصْمَة التي بدأت في مجال النبوة ضمانة لشخص الرسول في التبليغ، لم تنتقل إلى الفقهاء أفرادًا؛ إذ ظل كل فقيه معرضًا للخطأ. لكنها في باب الإجماع، أعيد تركيبها على نحو جماعي، فأصبحت الحماية من الخطأ تُنسب إلى اجتماع أهل الاجتهاد. ونتيجة لذلك تكوَّنت دائرة وُسْطى بين العِصْمَة النبوية والخطأ البشري الفردي: المُجتهد ليس معصومًا، ولكن مجموع المجتهدين، عند تحقق الإجماع بشروطه، لا يجتمع على الخطأ.
وتساعد هذه النتيجة على فَهْم سبب إقصاء العامي بصورة أعمق. فالمعيار ليس أن العالم يمتلك في ذاته عِصْمَة يفتقر إليها العامي، وإنما أن العِصْمَة الجماعية كما أعاد الأصوليون بناءها، لا تتحقق إلا باجتماع أفراد يمتلك كل واحد منهم أهلية مستقلة للنظر والإصابة. فإذا كان الشخص لا يملك هذه الأهلية، فإن إدخاله في تركيب الإجماع لا يضيف، في المنطق الأصولي، عنصرًا معرفيًا جديدًا إلى الحُكْم. ولذلك أمكن للغزالي أن يربط صراحة بين عِصْمَة الأمة وبين من يتصور منه الإصابة لأهليته (الغزالي، المستصفى من علم الأصول، ج1، ص143).
ومن ثم فإن سؤال «هل العامي معصوم؟» يحتاج إلى إعادة صياغة. فالعامي كالعالم المفرد، ليس معصومًا في ذاته، والمُجتهد نفسه لا يكتسب بالعلم عِصْمَة شخصية. وإنما موضع الخلاف هو: هل يدخل العامي في الجماعة التي وُصِفَ اجتماعها بالامتناع عن الخطأ؟ وقد غلب على جانب كبير من الأصوليين إخراجه من الجهة المُنشئة للإجماع في المسائل الاجتهادية، بسبب فقدان آلة الاستنباط، مع بقائه جزءًا من الأمة وموافقًا إجمالًا لما يُقرِّره أهل النظر.
وبذلك تكشف مسألة العوام أن العِصْمَة في باب الإجماع ليست مجرد عقيدة في حفظ الأمة، بل هي أيضًا مبدأ لتنظيم إنتاج المعرفة الشرعية وتحديد أصحاب الحق في المشاركة في تكوين الحُجة. فهي ترسم الحد بين من ينتج الحُكْم ومن يتلقاه، وبين من تكون مخالفته مؤثرة في تحقق الإجماع ومن لا تكون كذلك. وهذا البعد المعرفي والمؤسسي للعِصْمَة يجعل مسألة إقصاء العوام من أكثر المواضع دلالة على انتقال مفهوم العِصْمَة من دائرة النبوة إلى بِنية السلطة العلمية داخل أصول الفقه.
الخاتمة
تكشف هذه الدراسة أن مفهوم العِصْمَة في المُدوَّنة الأصولية الفقهية لم يتكوّن دفعة واحدة في صورة اصطلاح مُستقر، ولم يدخل علم أصول الفقه ابتداء بوصفه مسألة نظرية مستقلة تبحث في ماهيته وحدوده، وإنما ظهر أولًا في صلة وثيقة بوظائف مخصوصة فرضتها طبيعة النظر الأصولي، وفي مقدمتها ضمان حُجيَّة البيان النبوي، وتأسيس وجوب طاعة الرسول، وتحديد منزلة السنة، ثم بيان الفارق بين المعرفة الصادرة عن جهة يثبت لها الحفظ الإلهي وبين المعرفة الاجتهادية البشرية المعرضة للإصابة والخطأ. ومن هنا فإن تاريخ العِصْمَة داخل الأصول هو في جانب مُهم منه، تاريخ انتقال المفهوم من الوظيفة إلى التنظير، ومن استعمال يتصل بالحفظ والتوفيق والتسديد، إلى سؤال صريح عن حقيقة العِصْمَة وآلية تحققها.
وقد أظهر تتبع المادة الأصولية المبكرة أن الشافعي يُمَثِّلُ مرحلة ذات دلالة خاصة في هذا المسار. فالعِصْمَة حاضرة في الرسالة، ولكنها لم تصبح بَعْدُ بابًا مُستقلًا أو مفهومًا مدرسيًا محدد الحدود؛ إذ وردت في سياق يربط حكم الرسول بعصمته وتوفيقه وهدايته، ويجعل ذلك جزءًا من الأساس الذي تقوم عليه إلزامية اتباعه. ولذلك لم يكنْ السؤال عند الشافعي: ما العِصْمَة؟ بل كان أقرب إلى: لماذا يكون بيان الرسول حُجَّة ملزمة لا يشبه أقوال غيره من البشر؟ ومن هذه الزاوية كان حضور العِصْمَة وظيفيًا قبل أن يكون تعريفيًا.
وقد تبين لنا من خلال المراحل اللاحقة اتساع المجال النظري للمفهوم. فقد نقل الجصاص البحث إلى صلته بالخبر والاجتهاد وإنتاج اليقين، وأظهر أن العِصْمَة لا يُمكن أن تتحول إلى شرط دائم لكل معرفة خبرية بعد النبوة. أما الباقلاني والجويني فقد نقلا النقاش إلى مستوى آخر يتعلق بمدرك العِصْمَة، فما الذي يثبت بالعقل وما الذي يعرف بالسمع؟ وما مقدار ما تدل عليه المعجزة من امتناع الخطأ على النبي؟ وهو تحول مُهم لأن العِصْمَة لم تَعُدْ مجرد حكم تقريري، بل غدت مسألة تتطلب تحديد دليلها وحدود هذا الدليل.
ومع الغزالي ازدادت العِصْمَة اندماجًا في البناء الداخلي لأصول الفقه، فأصبحت مقدمة ضرورية لمبحث أفعال الرسول؛ وهو ما يكشف عن وعي أصولي متقدم بأن تحديد حُجيَّة السنة لا ينفصل عن تحديد مجال العِصْمَة. غير أن هذه المرحلة ظلت في معظمها، مَعْنية بما يمتنع على النبي وبمدرك امتناعه أكثر من عنايتها بتحديد ماهية العِصْمَة نفسها.
ويبدو التحول الأوضح حين انتقل الخطاب الأصولي إلى السؤال عن «معنى العِصْمَة». فمع ما نقله الرازي وما صاغه الزركشي ومن جاء بعدهما، لم يَعُدْ الخلاف يدور فقط حول الكبائر والصغائر، أو ما قبل النبوة وما بعدها، بل أصبح يتعلق بالآلية التي تتحقق بها العِصْمَة: أهي عدم القدرة على المعصية؟ أم بقاء القدرة مع صرف الدواعي؟ أم ألطاف إلهية تقرب من الطاعة؟ أم تهيئة للموافقة وتوفيق عام؟ وبذلك انتقل المفهوم من وصف النتيجة، أي عدم وقوع المعصية أو الخطأ في مجال معين، إلى محاولة تفسير البِنية التي تجعل هذا الامتناع مُمكنًا.
ويكشف هذا التحول أن الاختلاف حول العِصْمَة لم يكنْ خلافًا لفظيًا، بل كان متصلًا بأصول أعمق في علم الكلام، وخصوصًا بمباحث القدرة والفعل الإنساني واللطف والكسب وخلق الأفعال. ولذلك حمل مفهوم العِصْمَة إلى داخل أصول الفقه جانبًا من الخلافات الكلامية بين الأشاعرة والمعتزلة وغيرهم، وأصبح مبحثًا تتقاطع فيه نظرية النبوة مع نظرية الفعل ومع نظرية المعرفة.
كما أظهرت الدراسة أن أهمية العِصْمَة داخل المُدوَّنة الأصولية لا تتحدد بماهيتها وَحْدها، بل بالوظائف التي أدتها. ففي مبحث السنة كانت العِصْمَة ضمانة للثقة بالبيان النبوي، وأساسًا للفصل بين مقام الرسول وبين مقام غيره من المجتهدين. ومن هنا لم تكنْ حُجيَّة السنة قائمة في التصور الأصولي على مجرد صدور قول أو فعل عن شخصية تاريخية، بل على خصوصية الجهة النبوية التي ألزم الشرع باتباعها وربطها بالحفظ والتسديد.
وتتضح دلالة هذا التمييز أكثر، حين ينتقل البحث من الرسول إلى الراوي. فالمُدوَّنة الأصولية لم تنقل عِصْمَة النبي إلى حملة الخبر انتقالًا آليًّا؛ بل أقامت فاصلًا واضحًا بين المعصوم في مقام التبليغ وبين الراوي الذي يبقى مُعرضًا للنسيان والوهم والخطأ والكذب. ولهذا استعيض في باب الرواية عن العِصْمَة بمفاهيم بشرية قابلة للفحص مثل: العدالة والضبط. وهذه النتيجة بالغة الأهمية، لأنها تدل على أن الأصوليين، مع تعظيمهم لسلطة الخبر النبوي، أدركوا في الوقت نفسه أن انتقاله عبر الوسائط البشرية يفرض نظامًا معرفيًا مختلفًا عن نظام العِصْمَة.
ومن هنا تكشف المقارنة بين العِصْمَة والعدالة عن اختلاف بين درجتين من الوثوق: وثوق مؤسس على الحفظ النبوي في مقام البلاغ، ووثوق احتمالي يقوم على فحص حال الراوي وشروط قبوله. ولذلك لم يشترط جمهور الأصوليين في الراوي أن يكون مُنزَّهًا من جميع الذنوب، لأن اشتراط العِصْمَة فيه يؤدي عمليًّا إلى تعطيل الرواية. ويظهر ابن حزم في هذا السياق حالة ذات خصوصية، إذ وسَّع أثر العِصْمَة ليشمل استمرار حفظ الدين في عملية النقل، بما يكشف مرة أخرى أن الاختلاف لم يكنْ حول إثبات العِصْمَة فحسب، بل حول المجال الذي يمكن أن تمتدَّ إليه آثارها.
كما بَيَّنَ البحث أن مفهوم العِصْمَة تجاوز دائرة النبوة إلى مبحث الإجماع، غير أن هذا الانتقال ينبغي ألا يُفهم بوصفه تماثلًا بين عِصْمَة النبي وعصمة الأمة. فعدم اجتماع الأمة على الخطأ يؤدي وظيفة مغايرة لوظيفة العِصْمَة النبوية: الأولى ترتبط بحفظ المرجعية الدينية الجماعية ومنع افتراض ضياع أصل الشرع عن مجموع الأمة، في حين تتصل الثانية بخصوصية الرسول في التبليغ والبيان ووجوب الاتباع. ومن ثم فإن استعمال لفظ العِصْمَة في المجالين لا يعني بالضرورة وَحْدة بِنيته أو مصدره أو درجة دلالته.
ويفضي هذا التمييز إلى نتيجة أوسع تتعلق ببِنية السلطة داخل الفكر الأصولي. فقد أسهم مفهوم العِصْمَة في بِناء حدود واضحة بين سلطات متفاوتة: سلطة نبوية ملزمة، وسلطة علمية واجتهادية مُعرَّضة للخطأ، وسلطة جماعية تستمد حُجيتها من شروط مخصوصة. ولذلك كانت العِصْمَة، إلى جانب بُعْدها العقدي، أداة لتنظيم مراتب القول الديني وتحديد الجهات التي يجوز لها أن تنشئ الحُكْم أو تنقله أو تستنبطه.
غير أن هذا الحضور الواسع للمفهوم يقتضي الحذر من إسقاط تعريفاته المتأخرة على مراحله الأولى. فلا يصحُّ مثلًا، قراءة استعمال الشافعي للعِصْمَة في ضوء تعريف «المَلَكَةِ» الذي اشتهر لاحقًا، كما لا ينبغي نسبة كل الصيغ التي نقلها الزركشي إلى أصحابها بوصفها تعاريفَ شخصية مستقرة من غير التحقق من مصادرها وسياقاتها. وقد أبان المسار التاريخي أن المفهوم كان متحركًا ومُتعدد الدلالات قبل أن تستقر بعض صوره في المصنفات الاصطلاحية المتأخرة.
وتأسيسًا على ذلك، يُمكن القول إن أهم نتيجة يصل إليها البحث، هي أن العِصْمَة في أصول الفقه ليست مفهومًا عقديًّا جاهزًا استورده الأصوليون ثم كرروه دون تعديل، بل مفهوم أعيد تكوينه داخل حاجات العلم نفسه. فقد احتاجه الأصوليون لتفسير حُجيَّة السنة، وضبط علاقة الوحي بالاجتهاد، والتمييز بين الرسول والراوي، وتأسيس بعض صور حُجيَّة الإجماع، وتحديد مراتب الخطأ والإصابة في المعرفة الشرعية. ثم أعادت هذه الوظائف الأصولية بدورها صياغة السؤال الكلامي عن العِصْمَة، فنقلته من مجرد التنزيه إلى أسئلة الحجة والمعرفة والسلطة.
وهكذا تبدو العِصْمَة مفهومًا حدوديًا تتقاطع فيه علوم متعددة: علم الكلام حين يبحث في النبوة والقدرة واللطف، وأصول الفقه حين يبحث في الحُجيَّة والسنة والإجماع والاجتهاد، وعلم الحديث حين يميز بين المعصوم والراوي، بل والتاريخ السياسي والديني حين تنتقل دعوى العِصْمَة من مجال النبوة إلى أشخاص أو مؤسسات أو جماعات أخرى. وهذه الطبيعة المركبة هي التي تمنح دراسة المفهوم قيمتها، لأنها تسمح بقراءة جانب من تكوّن العقل الأصولي نفسه وطريقته في إنتاج اليقين وتوزيع درجات السلطة بين الوحي والنقل والاجتهاد.
ولا تدعي هذه الدراسة استنفاد تاريخ العِصْمَة في الفكر الإسلامي؛ إذ يظل من الضروري استكمالها بدراسات مُستقلة تقارن بين استعمال المفهوم في أصول الفقه وبين تطوره في علم الكلام الإمامي والسني، وتبحث في انتقاله إلى الفكر الإسلامي الحديث وإعادة تعريفه في ضوء أسئلة الوحي والبشرية والتاريخ والسلطة. غير أن ما تكشفه المُدوَّنة الأصولية يكفي لإثبات أن العِصْمَة لم تكنْ مفهومًا ساكنًا، بل مرَّت بتحولات دلالية ووظيفية عميقة، وأن تاريخها يكشف في الآن نفسه عن تاريخ تكوّن الحُجيَّة وحدود المعرفة الدينية في الفكر الإسلامي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قائمة المصادر والمراجع
أولا: المصادر العربية والتراثية
أبو الحسين البصري، محمد بن علي بن الطيب، المعتمد في أصول الفقه، اعتنى بتهذيبه وتحقيقه محمد حميد الله، بالتعاون مع محمد بكر وحسن حنفي، دمشق: المعهد العلمي الفرنسي للدراسات العربية، 1964-1965، جزآن.
البخاري، علاء الدين عبد العزيز بن أحمد، كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي، وبأعلاه أصول فخر الإسلام البزدوي لعلي بن محمد البزدوي، تحقيق عبد الله محمود محمد عمر، بيروت: دار الكتب العلمية، ط1، 1997، 4 أجزاء.
ابن تيمية، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم الحراني، مجموع الفتاوى، جمع وترتيب وتحقيق عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية، 1416هـ/1995م، ج18،
الجصاص، أحمد بن علي أبو بكر الرازي، الفصول في الأصول، تحقيق عجيل جاسم النشمي، الكويت: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ط2، 1994، 4 أجزاء.
الجويني، عبد الملك بن عبد الله إمام الحرمين، البرهان في أصول الفقه، تحقيق عبد العظيم محمود الديب، المنصورة: دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، ط4، 1997، جزآن.
الجويني، عبد الملك بن عبد الله إمام الحرمين، الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد، تحقيق محمد يوسف موسى وعلي عبد المنعم عبد الحميد، القاهرة: مكتبة الخانجي، 1950.
ابن حزم، علي بن أحمد بن سعيد، الإحكام في أصول الأحكام، تحقيق أحمد محمد شاكر، تقديم إحسان عباس، بيروت: دار الآفاق الجديدة، ط2، 1983، 8 أجزاء.
الخطيب البغدادي، أحمد بن علي، الكفاية في علم الرواية، تحقيق أبي عبد الله السورقي وإبراهيم حمدي المدني، المدينة المنورة: المكتبة العلمية، د.ت.
الخليل بن أحمد الفراهيدي، كتاب العين، تحقيق مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي، [د.م.]: دار ومكتبة الهلال، د.ت.، 8 أجزاء.
الرازي، فخر الدين محمد بن عمر، المحصول في علم أصول الفقه، تحقيق طه جابر فياض العلواني، بيروت: مؤسسة الرسالة، ط3، 1997، 6 أجزاء.
الزمخشري، محمود بن عمر، أساس البلاغة، تحقيق محمد باسل عيون السود، بيروت: دار الكتب العلمية، ط1، 1998، جزآن.
الزركشي، بدر الدين محمد بن عبد الله، البحر المحيط في أصول الفقه، القاهرة: دار الكتبي، ط1، 1994، 8 أجزاء.
السمرقندي، علاء الدين محمد بن أحمد، ميزان الأصول في نتائج العقول، تحقيق وتعليق محمد زكي عبد البر، قطر: مطابع الدوحة الحديثة، ط1، 1984.
الشافعي، محمد بن إدريس، الرسالة، تحقيق أحمد محمد شاكر، القاهرة: مكتبة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، ط1، 1940.
الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد، المستصفى من علم الأصول، تحقيق محمد عبد السلام عبد الشافي، بيروت: دار الكتب العلمية، ط1، 1993.
ابن دريد، أبو بكر محمد بن الحسن، جمهرة اللُّغة، تحقيق رمزي منير بعلبكي، بيروت: دار العلم للملايين، ط1، 1987، 3 أجزاء.
ابن فارس، أحمد بن فارس، معجم مقاييس اللُّغة، تحقيق عبد السلام محمد هارون، بيروت: دار الفكر، 1979، 6 أجزاء.
ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، بيروت: دار صادر، ط3، 1994، 15 جزءا.
ابن النجار الفتوحي، محمد بن أحمد، شرح الكوكب المنير (مختصر التحرير)، تحقيق محمد الزحيلي ونزيه حماد، الرياض: مكتبة العبيكان، ط2، 1997، 4 أجزاء.
الكلوذاني، محفوظ بن أحمد أبو الخطاب، التمهيد في أصول الفقه، تحقيق مفيد محمد أبو عمشة (ج1-2) ومحمد بن علي بن إبراهيم (ج3-4)، مكة المكرمة: مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي بجامعة أم القرى، ط1، 1985، 4 أجزاء.
الهيثمي، نور الدين علي بن أبي بكر، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، بيروت: دار الكتاب العربي، 1988، 10 أجزاء.
نشوان الحميري، نشوان بن سعيد، الحور العين وتنبيه السامعين وشرحها، تحقيق كمال مصطفى، بيروت: دار آزال للطباعة والنشر والتوزيع، ط2، 1985.
ثانيا: المراجع والدراسات الحديثة
أبو رية، محمود، أضواء على السنة المحمدية أو دفاع عن الحديث، القاهرة: دار المعارف، ط3، 1958.
الصالح، صبحي، علوم الحديث ومصطلحه: عرض ودراسة، بيروت: دار العلم للملايين، ط15، 1984.
سزكين، فؤاد، تاريخ التراث العربي، نقله إلى العربية محمود فهمي حجازي، وراجعه عرفة مصطفى وسعيد عبد الرحيم، الرياض: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، 1983-1984، مجلدان في 9 أجزاء.
صدقي، محمد توفيق، مقالات في السنة والحديث، مجلة المنار، القاهرة، المجلد 11، 1908، ولا سيما ص692-693.
Arnaldez, Roger, Grammaire et théologie chez Ibn Hazm de Cordoue: Essai sur la structure et les conditions de la pensée musulmane, Paris: J. Vrin, 1956.