- تمهيد
تهدف هذه المقالة إلى قراءة نقدية وأخلاقية للآية القرآنية الكريمة: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ﴾ (البقرة: 12)، من منظور معاصر يرتكز على تحليل العلاقة بين الفساد والشعور الأخلاقي، بعيدًا عن التفاسير الفقهية التقليدية، مع التركيز على المنطق والوعي الأخلاقي. تكمن أهمية هذا العمل في تقديم فهم متجدد للفساد واللاوعي الأخلاقي، مستفيدًا من آراء مفكرين عرب معاصرين على قيد الحياة، من بينهم رضوان السيد (2017)، عزمي بشارة (2012)، برهان غليون (2011)، كما يربط بين النص القرآني والتحديات الأخلاقية في الواقع العربي المعاصر، معتمدًا على تحليل دلالي أسلوبي للآية، وإظهار مدى استمرارية القضية الإنسانية والأخلاقية عبر الزمان والمكان.
الفساد ظاهرة لا يمكن اختزالها في نوايا الأفراد أو في وعيهم الذاتي بما يفعلونه، بل هو حقيقة موضوعية تقاس بآثاره على المجتمع والإنسان. ومن هنا ينبع السؤال الأخلاقي والفلسفي العميق: إذا كان الفاسد لا يشعر بفساده، فهل يكون مدانًا؟ وهل يكفي أن يظن المرء أنه على صواب ليُعفى من المسؤولية، أم أن الحكم الأخلاقي يعتمد على النتائج الملموسة للأفعال؟ القرآن الكريم في مطلع سورة البقرة يقدم إجابة واضحة وصارمة: “أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ” (البقرة: 12). هذه الآية ليست وصفًا لحال تاريخية فقط، بل إعلان عن قاعدة أخلاقية مستمرة، مفادها أن الفساد قائم بذاته وأن غياب الشعور به لا يخفف الإدانة، بل يضاعفها أحيانًا لأنه يكشف عن عمق الانحراف في البنية النفسية والضميرية للفرد والجماعة.
-
البنية الأسلوبية والدلالية مسؤولية المتلقي والوعي الجماعي
تحتل الآية الكريمة ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ﴾ مكانة متميزة على المستويين الأسلوبي والدلالي، حيث تكشف عن مستوى الوعي والمعرفة لكل من المعنيين والمتلقين بطريقة دقيقة وفعّالة. فافتتاح الآية بحرف التنبيه «ألا» يعمل كجرس إنذار، يوجّه الانتباه ويخرق الغفلة، ويضع القارئ أمام حقيقة لا تقبل التجاهل، وهو ما يدل على أن المتلقين مفترض فيهم حدّ من الوعي النقدي والقدرة على التمييز بين الصواب والخطأ. ويأتي التأكيد في جملة «إنهم هم المفسدون» لتقوية الإسناد، فاستعمال أداة التوكيد «إنّ» إلى جانب ضمير الفصل «هم» يبرز حقيقة الفساد على أنه حقيقة واقعية محصورة في هؤلاء المعنيين حصريًا، وليست مجرد شك أو ادعاء عابر، مما يضع حدودًا واضحة للتمييز بين الحق والباطل أمام المتلقي، ويعزز مسؤولية المتلقي الأخلاقية في إدراك هذه الحقيقة.
أما المستوى الثقافي للمعنيين – أي المنافقين – فيتضح من المفارقة الأخلاقية الكبرى في قوله تعالى «ولكن لا يشعرون»، حيث يبرز غياب الشعور الذاتي بالذنب وانفصالهم عن المعايير الأخلاقية والاجتماعية. فهم يمتلكون القدرة على الفعل وإحداث التغيير، لكن إدراكهم للأثر الأخلاقي لفسادهم محدود أو منعدم، ويعيشون في وهم الصلاح، ما يعكس حالة من الغفلة الأخلاقية العميقة والوعي المشوّه. ومن منظور علم النفس الاجتماعي، يمكن القول إن هؤلاء الأفراد يظهرون نمطًا من اللاوعي الأخلاقي الجماعي أو الفردي، حيث يغيب عنهم إحساس المسؤولية ويتحول سلوكهم إلى سلسلة أفعال مدمّرة بلا نقد ذاتي.
في المقابل، يفرض أسلوب الآية على المتلقين مستوى معرفيًا وعقليًا أعلى، إذ إن اللغة القرآنية – عبر التوكيد والتنبيه – تتيح للقارئ فهم الفساد بشكل حاد وواعي، وتحضّه على التفكر في انعكاسات هذا الفساد على المجتمع والذات. وهكذا، ترسم الآية فجوة معرفية وأخلاقية بين الفاسد الغافل والمتلقي الواعي، مما يجعلها ليست مجرد بيان وصفي، بل دعوة صريحة للمراقبة الأخلاقية والاجتماعية، والتأمل في حدود الوعي الفردي والجماعي.
يمكن اعتبار هذا التباين أسلوبًا قرآنيًا دقيقًا في التحليل الأخلاقي للوعي الذاتي، حيث يعكس العلاقة الجدلية بين الفعل والضمير، بين المعرفة والمسؤولية، وبين القدرة على التغيير والإصرار على الغفلة، وهو ما يضع الآية في قلب الدراسات الأكاديمية المتعلقة بـ الأخلاق، وعلم النفس الاجتماعي، والنظرية الثقافية، إذ تقدم نموذجًا لتحليل سلوك الفساد وتحديد مستويات الوعي لدى الفاعل والمتلقي على حد سواء.
يشير غياب الشعور إلى تعطّل جهاز الاستشعار الأخلاقي في الإنسان، فلا يثير الفعل أي شعور بالمسؤولية أو القلق. ومن هنا، فإن عدم الشعور هو أكثر خطورة من مجرد الجهل، لأنه يعني أن الفاسد فقد حدًّا أساسيًا من البصيرة، ويصبح قادرًا على ممارسة الانحراف بثقة وكأنه يسلك طريق الحق. هذا التمييز يتقاطع مع مفهوم «السوء بالجهالة» في القرآن: «إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ» (البقرة: 17)، إذ تشير الجهالة إلى غياب الوعي المؤقت أو الانفعال المضلل، وهي حال يمكن للإنسان تصحيحها بالمعرفة والتوبة، بينما «لا يشعرون» تمثل حال أعمق وأكثر رسوخًا من موت الحس الأخلاقي الذي يستعصي على التصحيح السريع، ولكنه لا يغلق الباب تمامًا للتوبة.
هذا التحليل يجد صدى له في الفكر العربي المعاصر، حيث يتناول مفكرون أحياء هذه المعضلة بشكل ملموس. فمثلاً، يشير رضوان السيد (1997الإسلام المعاصر، ص. 45) إلى أن أخطر أشكال الفساد هو الذي يفتقر إلى الحس الأخلاقي الداخلي، لأنه يرتدي لباس الشرعية ويستمر بفعل الخراب بلا شعور بالذنب، ويصبح جزءًا من النسيج الاجتماعي. وبالمثل، يرى عزمي بشارة (2012، المجتمع المدني، ص. 88) أن الفساد الممأسس والمتعايش معه الناس كأمر طبيعي يولد ما يسميه «اللاشعور السياسي»، أي حال يصبح فيها الانحراف معيارًا مستساغًا، ويعجز المجتمع عن مساءلة نفسه أو مراجعة أفعاله.
أما برهان غليون (2011، بيان من أجل الديمقراطية، ص. 102) فيشير إلى أن المعضلة الأخطر ليست الفساد بذاته، بل غياب الإحساس به، لأن ذلك يولد انحلالًا اجتماعيًا حيث تفقد الجماعة مرجعيتها الأخلاقية، ويتحول الفساد إلى نمط حياة متقبل، لا شيء يقف في وجهه.
بهذا، تتقاطع القراءة القرآنية مع هذه الأصوات العربية المعاصرة في أن غياب الشعور بالفساد لا يبرئ الفاعل، بل يكشف عمق الانحراف الأخلاقي والاجتماعي، ويجعل مقاومة الشر أكثر صعوبة، لأن الآلية الذاتية للنقد والتصحيح متوقفة. إن عدم الشعور بالفساد هو في الحقيقة نوع من الفساد المزدوج: أولاً لأنه فعل ضار في ذاته، وثانيًا لأنه يعطل القدرة على مراجعة الذات والتوبة، ويحوّل الفساد إلى نظام مستمر، متجذر في بنية الفرد والمجتمع. وهذا ما يجعل نص الآية قوياً ومباشراً: معيار الحكم الأخلاقي ليس إدراك الفاعل، بل آثار فعله على الآخرين وعلى الكيان الاجتماعي، وما يترتب عليه من تعطيل للعدالة وخراب للقيم المشتركة.
من زاوية الحضارة والثقافة، إن المجتمعات التي يغيب فيها الشعور الأخلاقي، أو تتوارى البصيرة عن التعرف على الانحرافات، تواجه خطر استمرار الفساد ظاهرةً بنيوية، أي يصبح الفساد قاعدة، والاستثناء هو الصلاح. هنا تكمن مأساة البشر الذين يصدقون أنفسهم وهم يمارسون الشر، فيتحوّل اللاوعي الأخلاقي إلى بنية حياتية تُسقط القيم، ويُصبح تصحيح المسار أكثر صعوبة من مجرد معالجة الأخطاء الفردية العابرة.
- الخاتمة
الفساد مدان سواء شعر به صاحبه أم لم يشعر، وأن فقدان الشعور ليس براءة بل إدانة مزدوجة: هو فعل ضار في ذاته، وهو تعطيل للضمير ولقيمة النقد الذاتي. النص القرآني في سورة البقرة مع آراء المفكرين العرب المعاصرين على قيد الحياة يؤكدان معًا أن الشر لا يُقاس بالنوايا أو بالجهل، بل بما يترتب على الفعل من آثار، وأن غياب الوعي الأخلاقي يجعل مقاومته أكثر صعوبة، ويحوّل الانحراف إلى عادة مستمرة في الفرد والمجتمع. وهكذا تظل الآية وُجهة فكرية نقدية حية، تقدم قاعدة ثابتة لفهم العلاقة بين الفعل والوعي، بين المسؤولية الفردية والاجتماعية، وبين الفساد والشعور، في أي زمن وفي أي سياق حضاري.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع:
- السيد، رضوان، الإسلام المعاصر: نحو تأسيس الوعي الجديد، بيروت: دار الكتاب العربي، 1997.
- بشارة، عزمي، المجتمع المدني: دراسة نقدية، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ط6، بيروت 2012.
- غليون، برهان، بيان من أجل الديمقراطية. المركز الثقافي العربي،ط5، بيروت ـــــ الدار البيضاء.2006.