الفقه السياسي الإسلامي مدخلًا لتفكيك التطرف: رضوان السيد نموذجًا

 تكوين

تُمَثِّلُ علاقة الدين بالسياسة وقضايا الحُكْم، إحدى الإشكاليات التي تُواجه الفكر السياسي الإٍسلامي إذ مثَّلت الاشتباك مع تلك القضايا بالتأصيل بابًا في الفقه عُرف باسم: السياسة الشرعية أو الفقه السياسي الإٍسلامي، وهو الباب الذي يبحث في مسائل الحُكْم وتنظيم السلطة. لم تُثِرْ تلك القضايا العقل المسلم في صدر الإٍسلام الأول زمن الرسول الذي كان المرجع في كل ما يتعلق بالدين الإٍسلامي والحياة السياسية، لكنْ بدأت إرهاصاتها الأولى بهدوء بعد وفاته وتولي أبو بكر الصديق وما تردد عن جدل حول أحقية الأنصار أم المهاجرين؟ ثم في باقي عهود الخلافة الراشدة الذين اجتهدوا في أمر الحُكْم منهم من استَخلف غيره من بعده، ومنهم من ترك الأمر للاختيار من مجموعة حددها، وتعددت صور اجتهادهم مع متطلبات الحياة السياسية في عصرهم ومجتمعهم.

ومع اتساع المجتمع الإسلامي تتزايد الأسئلة وتتطلب اشتباكات فقهية وبمرور الوقت تظهر الحاجة إلى تقعديها في قواعد واضحة يُستند إليها، ليتبلور ويتطور الفقه السياسي، لتزايد أهمية ما يطرحه من أجوبه تنظيمية للحياة اليومية للدولة الإسلامية المُتسعة التي تحتاج إلى تنظيم. ليبرز في هذا الباب كتابين مركزيين: الأحكام السلطانية لـ الماوردي، والسياسة الشرعية لـ ابن تيمية. ويخفت مسار التراكم الفقهي في هذا الباب مقارنة بغيره من الأبواب الفقهية. وإن لم يخلُ الأمر من محاولات لتجديد الفقه السياسي بما يتوافق مع الواقع وتطوراته. وفي ظل حالة الجمود تلك، بدأ يتنامى ظاهرة الإسلام السياسي وجماعاته وتتمدد خطاباته في المجال العام، ويتسبب في عديد من الإِشكالات الفكرية بأطروحاته لتظل الحاجة إلى إعادة استحضار رُوح التجديد للواقع الإسلامي الراهن.

في السنوات المعاصرة يبرز اسم رضوان السيد بوصفه أحد أهم الأسماء التي راكمت معرفيًا كثيرًا من الاشتباكات المعاصرة مع أبواب الفقه السياسي تأليفًا وتحقيقًا وترجمةً، وكان من بؤرة اهتماماته الفكرية المركزية الاشتباك مع ظاهرة التطرف الديني من باب الفقه السياسي بوصفه التطبيقَ الرئيس لتخصصه العلمي في العقيدة والفلسفة.

وفي ضوء ذلك وفي ضوء ما طرحته أدبيات الدكتور رضوان السيد يبرز التساؤل الرئيس: كيف يرى الفقه السياسي أزمات الإسلام السياسي وكيف يُمكن تفكيك مرتكزاته؟

أولًا: “رضوان السيد” والفقه السياسي: أي علاقة قائمة

أ. ما الفقه السياسي؟

يُعَدُّ الفقه السياسي: قواعدَ لاستنباط واختيار الأحكام المنضبطة المحققة للمصلحة فيما جدَّ من حوادث. وعرفه بعضهم بأنه: مجموعةُ الأحكام الشرعية التي تتناول الأحكام السياسية، مثل: الحكم، وإدارة الدولة، والعلاقات الخارجية. وهذه الأحكام مُستنبطة من مصادر الفقه الإسلامي، بالإضافة إلى الأعراف والتقاليد التي درجت عليها الدولة الإسلامية بما لا يتنافى والمبادئ الإسلامية([1]) إذ وازن هذا الفقه بمرونة فائقة بين ثوابت الشريعة (النصوص القطعية) ومصالح الناس المتجددة([2]). واشتهر في الكتابات بمصطلح السياسية الشرعية، إلا أنه ذلك أثار بعض الجدل حول كونه هو السياسية الشرعية أم يختلف عنها إلا أن الأمر يحمل تداخلًا بين الاثنين([3]):

  • إذا افترقا، كان أحدهما هو الآخر، يدل عليه ويحل محله.
  • إذا اجتمعا، كان الفقه السياسي بمنزلة الفَهْم الدقيق لقواعد الشرع والعملية الاستنباطية للواقعة الحادثة، وكانت السياسة الشرعية هي حسن التنفيذ والتطبيق لهذه القواعد.
  • الفقه السياسي سابق ربما للسياسة الشرعية، إذ هو محاولة لِفَهْم ما يدور في الواقع ومحاولة تنزيل أحكام الشرع عليه.
  • ولأن الفقه السياسي أسبق؛ فهو أشبه بوضع القواعد والأسس، والسياسة الشرعية هي التطبيق العملي.

وعُرّفت “السياسة الشرعية” بأنها “تدبير الشئون العامة للدولة الاسلامية بما يكفل تحقيق المصالح ودفع المضار مما لا يتعدى حدود الشريعة وأصولها الكُلية، وإن لم يتفق وأقوال الأئمة المجتهدين. وبعبارة أخرى، هي متابعة السلف الأول في مراعاة المصالح ومسايرة الحوادث. والمراد بالشئون العامة للدولة كل ما تتطلبه حياتها من نظم، سواء أكانت دستورية أم مالية أم تشريعية أم قضائية”([4]).

كانت قضايا المعالم التي مثَّلت باب الفقه السياسي والسياسة الشرعية، وأول من استخدم هذا المصطلح ،السياسية الشرعية، هو “ابن عقيل الحنبلي (513هـ)؛ حين وضع في كتابه» الفنون» فصلًا بعنوان: في العمل في السلطنة بالسياسة الشرعية، وكما نقل ذلك عنه ابن القيم في «الطرق الحكمية في السياسة الشرعية»، ثم كتب بعده ابن تيمية (728هـ) كتابه «السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية» وبينهما أكثر من قرنين([5]).

وإن تطرقت تلك الكتب الرئيسة إلى الأفكار السياسية الإشكالية ،على قلتها عدديًا، وبعدها زمنيًا، مثل مسائل الحُكْم والولايات العامة في أزمنتها. إلا أن التطورات التي شهدتها المجتمعات الإسلامية في القرون التالية أثارت عديدًا من الإشكالات التي لم يتم موائمتها بالصورة الكافية في ظل غياب الاجتهاد وأزمات الفكر الإسلامي المتوارثة وسطوة التراث الذي حال دون إنتاج معارف جديدة تُجيب عن أسئلة الواقع وأزماته. ولذلك كان يتم العمل على استخدام ما طرحته هذه الكتب من قواعد وتطبيقها على واقع مختلف، وهو ما يزيد من الأزمات في ظل حالة التلفيق التي يتم بها مثل هذا التكييف المزمع. ومن هنا تتوافر مغذيات ظاهرة التطرف الديني الذي عبر عن تجلياته التنظيمات المختلفة التي سعت إلى إقامة الدولة الإٍسلامية وَفْق قراءاتها وتأويلاتها لتتعدد التنظيمات من وقت إلى آخر، تُنادي بإعادة أمجاد الخلافة والحكم الإسلامي الذي عايشوه في بطون الكتب الفقهية المختلفة.

فبعد إلغاء الخلافة الإسلامية عام 1924 وجد الفكر الإٍسلامي نفسه في أزمة حادة تجاه التّحولات القائمة. فتحت إطار البحث عن كيفية الدفاع عن الإسلام ،تبلور مسار يذهب ضرورة تأسيس عمل جماعي للقيام بذلك، وسعت بعض النخب الإسلامية في العمل على إرجاع الخلافة لتكون رمزًا “سياسيًا ودينيًا واحدًا للمسلمين يعكس وجودهم وانتمائهم”([6]) ومع هاجس الهُوية الإٍسلامية المُهدَّدَةِ يبرُز مَسارين: الأول، “جمعية الشبان المسلمين”([7])  التي نشأت في القاهرة عام 1927م لتكون وسيلةَ حشد وتعبئة لنخبة الأمة وتوحيد صفوفها لمواجهة الاحتلال الأجنبي ودرء مخاطر التغريب في المجتمعات المسلمة، مع عدم تعرض الجمعية للشؤون السياسية”، و”ردًّا على موجة الإلحاد الّتي كانت تُهدد البلاد بعد انهيار السلطنة العثمانيّة، وشيوع الأفكار الّتي تنادي بالاقتداء بالغرب، واللحاق بركب الحضارة الغربيّة”([8]). وإن لم تنجح الجمعية في بلورة “مشروع مجتمع” … فلم تكنْ تجديدًا في فَهْم الإسلام، ولم يكنْ لها عمل جِدّي في الدعوة إليه([9]). وَفْقًا لـ “محب الدين الخطيب” كانت الجمعيات تتحول بالتدريج إلى أندية رياضية، إذ لم يجد فيها البنّا “الجُهد الذي يجب أن يُبذل لمواجهة الظروف التي تعيشها الأمة الإسلامية([10]). ليبدأ المسار الثاني في التبلور عبر إنشاء جماعة الإخوان المسلمين عام 1928 مع حرص حسن البنّا على مد أواصر العلاقات بين الجمعيتين والثناء الدائم على جمعية الشبان([11]). ولتكون الإخوانُ “خلال أقل من عقدين اتجاهًا دينيًا إحيائيًا يحدوه هَمُّ الحفاظ على الشخصية الإسلامية وخصوصية المسلمين، في وجه رياح التّغيير الدّاخلية والخارجية”([12]). مُعتقدين “أن الخلافة رمزُ الوَحْدة الإسلامية، ومظهرُ الارتباط بين أمم الإسلام، وأنها شعيرة إسلامية يجب على المسلمين التفكر في أمرها والاهتمام بشأنها”([13]).

لتبرز أزمة فكرية في تلك الأزمة في كتاب الشيخ على عبد الرازق وهو: الإسلام وأصول الحُكْم صدر عام 1927م وهي ما تعكس تعمقَ حقل الفقه السياسي والنخب الدينية. ورغم وجود إسهامات لبعض النخب في تلك القضايا من مختلف التوجهات مثل كتابي “السياسة الشرعية أو نظام الدولة الإسلامية في الشؤون الدستورية والخارجية والمالية (1930م) و “السلطات الثلاث (1936م) لعبد الوهاب خلاف. النظم الإسلامي لمحمد صبحي الصالح (1965)، الإسلام وأصول الحُكْم أبو الحسن الندوي (1978م)، أصول الشريعة الإسلامية لعلي جريشة (1979م)، نظام الحُكْم في الإسلام لعبد المتعال الجبري (1984م)، نظام الحُكْم في الإسلام: عبد العزيز الخياط (1989م)، وغيرهم تظل الاشتباكات قائمة وبمرور السنوات تتعدد الجماعات والأفكار والدعوات الخاصة بطبيعة الدولة الإسلامية المنشودة وشكلها، وفرضية الخلافة التاريخية وأزمات المواطنة والأقليات وغيرها من الإشكالات الفقهية التي يحاصر التفاعل معها بجدية أزمة التقليد خاصة أنها المغذي الرئيس لحالة التطرف الديني أفراد وتنظيمات. من هنا نجد أهمية الدعوة لإعادة الاهتمام إلى باب الفقه السياسي وتفعيله لتجفيف مصادر التطرف الديني ومنطلقات جماعاته، وهو ما لا يتم دون فتح حقيقي لباب التجديد لِفَهْم طبيعة المجتمعات المعاصرة وتقديم أطروحات تلائم احتياجاها وتطورها وموقعها من العالم وأفكاره، إذ لا يزال الجدل الذي تدور في فلكه جميع الأفكار المتطرفة حول نظم الحُكْم القائمة وإسلاميتها من عدمه، والولايات العامة وحقوق الأفراد والحريات والسلطات العامة في الإسلام ومصادرها وتطبيقها، والعلاقة بين الدول، والمجتمعات المسلمة، وغير المسلمة، وحدودها إلخ. وهي كلها أسئلة، بإضافة إلى كثير غيرها، يستطيع الفقيه السياسي الاشتباك معها وتفكيك التعارض والعَوَارِ الذي يُثار من آن إلى آخر ويسبب أزمات مجتمعية عميقة.

ب. مسارات الفقه السياسي والتجديد عند رضوان السيد

وُلِدَ في قرية ترشيش بجبل لبنان عام 1949، وبعد حصوله على الابتدائية التحق ببرنامج الثانوية الأزهرية المصرية في المعهد الديني ببيروت الذي سُمي بـ “أزهر لبنان” ولتفوقه حصل على منحة دراسية بجامعة الأزهر عندما التحق بكلية أصول الدين/قسم العقيدة والفلسفة 1966-1971. وبعد عامين من العمل بدار الفتوى بلبنان في مجلة الفكر الإسلامي، حصل على منحة لدراسة الدكتوراة في ألمانيا (1972-1977) وكان موضوعها “ثورة ابن الأشعث والقُرّاء: دراسة في التاريخ الديني والاجتماعي للعصر الأموي المبكر.

هناك عدة مؤشرات دفعت رضوان السيد إلى مسار التجديد، ومنها اشتبك مع تفكيك ظاهرة التطرف أبرزها:

  • تجرِبته الشخصية واقترابه من مُجددي الإٍسلاميات في عصره: فخلال فترة دراسته الجامعية بالقاهرة التي مثَّلت مرحلة فارقة وعلاقة لم تنقطع اقترب فيها شخصيًا وفكريًا من أساتذته من المجددين، أمثال: عبد الحليم محمود، ومحمد أبو زهرة، وسليمان دنيا، ومحمد حسين الذهبي، ومحمد البهي، وعبد الرحمن البيصار، ومحمود زقزوق، ومحمد شامة وتوفيق برج. كذلك اطّلع على أفكار الجامعات المصرية وبرامجها وشخصياتها في الإسلاميات والفلسفة والعلوم الاجتماعية والتاريخ، مثل: محمود قاسم، وعلي سامي النشار، وأبو العلا عفيفي، وسعيد عاشور، وحسن حنفي، وعثمان أمين، وعبد الرحمن بدوي، كما أدرك طه حسين.
  • اهتماماته المعرفية التي بلورتها منذ مرحلة إعداد الدكتوراة: إذ كان لتلك التجرِبة الدراسية أثرها الشديد في توجهاته المعرفية، فبجانب تعلمه ودراسته بالألمانية تعلم: الإنجليزية والفرنسية وجذبته سوسيولوجيا الأديان والدين المقارن. وبدأت رحلة الاشتباك مع مسألة الدين والدولة في الإسلام الكلاسيكي. وهي التي أنتجت لاحقًا ثلاثيته اللافتة: الأمة والجماعة والسلطة (1984)، ومفاهيم الجماعات في الإسلام (1985)، والجماعة والمجتمع والدولة (1997)، إضافة إلى عشرات البحوث في المسألة في مجلات الفكر العربي والاجتهاد والتسامح.
  • تركيز تحقيقاته التراثية المنفردة أو بالاشتراك حول عديد من الكتب التي تطرقت لواقع الحُكْم والدولة في العصور الإسلامية الأولى، بهدف بيان وتحليل تفاعلات الفكر الإٍسلامي تاريخيًا مع تحديات أزمنته ومن تلك التحقيقات:
  • الأسد والغواص: حكاية رمزية عربية من القرن الخامس الهجري (1979): وهو نص تراثي سياسي وأدبي يندرج ضمن أدب “مرايا الملوك” ونصائح الحكام، في صيغة حكاية رمزية على ألسنة الحيوانات والبشر.
  • قوانين الوزارة وسياسة الملك للماوردي (1979): الذي يناقش الفكر المؤسساتي عند الماوردي وخططه في إدارة الدولة.
  • المسائل في الخلاف بين البصريين والبغداديين لأبي سعيد النيسابوري (1979): الذي يوثق “ذُرْوَة النضج الفلسفي” والمنطق الداخلي الصارم للمعتزلة وآداب الحوار العلمي قبل تراجع المدرسة تاريخيًا.
  • الجوهر النفيس في سياسة الرئيس لابن الحداد (1981): ويدور حول ركائز “الرئاسة الصالحة”، ويبرز من خلاله المزج بين متطلبات الشريعة الفقهية وبين الحكم السريرية التاريخية المأثورة عن حُكام الفرس واليونان، كذلك تحول فكر “الأحكام السلطانية” من التنظير للخلافة المركزية الكبرى إلى التركيز على سياسة الإمارات الإقليمية والدول المحلية.
  • الإشارة إلى أدب الإمارة للمرادي (1983): ويركز على صفات الأمير الخَلقية والنفسية، وآداب بطانته وسياسة الرعية والمال ويشير إلى كيفية تحول دولة المرابطين من حركة دعوية بدوية إلى دولة مركزية مستقرة.
  • تسهيل النظر وتعجيل الظفر للماوردي (1987): ويناقش جانبي الحُكْم النظري والعملي عبر دراسة الأخلاق الذاتية للحاكم وغرائزه وسياساته العلمية في إدارة الممالك وتدبير شؤون الرعية. وبيان كيفية الحفاظ على استقرار الدولة وحمايتها من الاضطرابات.
  • تحفة التَّرْك فيما يجب أن يُعمل في المُلْك للطرسوسي (1993): ويتطرق إلى ظاهرة “صراع الفقهاء على السلطة والسلطان” في العهد المملوكي، وكيف تتحول المذاهب الفقهية إلى أدوات للمشروعية السياسية، خاصة وأن هذه الرسالة أقدم المحاولات الإسلامية لربط المذهب الفقهي بجهاز الدولة البيروقراطي.
  • العِبَرُ وديوانُ المبتدأِ والخبرِ لابن خلدون. الجزء الخامس(2009): ويوثق ذُرْوَة التاريخ السياسي الإسلامي وتحليل تجربتي: صعود الأمويين وسقوطهم ثم صعود العباسيين.
  • أنساب الأشراف للبلاذُرِي (القسم الرابع، الجزء الثالث) (2019): ويركز على توثيق المراحل الحرجة من تاريخ الخلافة الأموية حتى سقوطها، ويعكس كيفية إدارة المرجعيات داخل الدولة العربية الإسلامية المبكرة.
  • “التحريش” لضرار بن عمرو الغَطَفاني(2024): إذ يرصد الكتاب التنوع الطائفي والسياسي في القرن الثاني بعد الهجرة، ويناقش أصول الفرق الإسلامية (مثل: المعتزلة، الخوارج، الشيعة، المرجئة، وأهل الحديث).
  • بين التنزيل والتأويل: دراسات في المنهج والسياق(2025): ويحلل العلاقة بين النص الإلهي الثابت (التنزيل) وبين الفَهْم والجُهْد البشري المتغير (التأويل). مُستهدفا تقديم قراءة متجددة لمنهج التأويل القرآني في ضوء التحديات المعاصرة والمعرفة الحديثة، ويبحث في دور المرجعية والمؤسسات الدينية في مواجهة التطرف.
  • تأُثره الشخصي بواقعه خطف أستاذه ومقتله (محمد حسين الذهبي) وزير الأوقاف المصري الذي كان مُقرَّبًا منه شخصيًا، على يد جماعة التكفير والهجرة عام 1977 حينها تحول اهتمامه لمسائل التطرف والاشتباك بين الدين والدولة في تاريخنا وحاضرنا، وتوترات الحركات والأحزاب باسم الإسلام، فكتب عشرات البحوث النقدية في الموضوع فكتب: سياسيات الإسلام المعاصر(1997)، والصراع على الإسلام (2004) وأزمنة التغيير(2014) والعرب والإيرانيون (2017). كما ترجم ثمانية كتب عن الإنجليزية والألمانية أهمها: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لمايكل كوك، والاستشراق الألماني في زمن الإمبراطورية في مجلدين لسوزان مارشاند، ومحمد والقرآن لرودي باريت، وبردة النبي، الدين والسياسة في إيران لروي متحدة.
  • اشتباكاته المهنية والأكاديمية: فكان لاحتكاكاته بمجتمعات مُتباينة ثقافيًا عاملًا مؤثرًا في اتساع رؤيته واستشعار أزمات الفكر الإسلامي في الأزمنة الراهنة. البداية منذ صدور كتاب إدوارد سعيد عن الاستشراق عام 1978 الذي مثَّل دافعًا ليكتب عشرات القراءات النقدية في الاستشراق فضلًا عن تدريسه لها مادةً تحت اسم “رصيد الاستشراق” على طلبة الماجستير بالمعهد العالي للدراسات الإسلامية ببيروت. ومنها اتسعت اهتماماته البحثية بقضايا الحضارة والانحطاط وعلاقات الشرق بالغرب والتراث ليصدر كتابه “التراث العربي في الحاضر، النشر والقراءة والصراع” عام 2014. كما أنه منذ 1978 كان المشرف والمحرر لعديدٍ من المجلات الفكرية البارزة وهي: مجلة الفكر العربي (1979-1985) ومجلة الاجتهاد (1988-2004) ومجلة التسامح/التفاهم (2004-2020). فضلًا عن مجلة الدراسات الإسلامية الصادرة عن جامعة محمد بن زايد من عام 2022 بالاشتراك مع دار النشر العالمية Brill. وتعاوناته العلمية المتعددة مع منتدى تعزيز السلم، ومجلس الحكماء، عندما كتب في قضايا الحوار الإسلامي – المسيحي، وفي مواجهة التطرف، وفي تجديد الخطاب الديني.

 

في ضوء كل تلك الاهتمامات وتضافرها تتبلور الإشكالية الرئيسة في مشروع رضوان السيد تجاه التطرف الديني الذي يُمثله جماعات الإسلام السياسي في مختلف كتاباته، هو فكرة الدولة لمركزتيها في مشروعهم، ومن الدولة تنبثق عدة موضوعات أخرى مرتبطة بها أو ناتجة عنها اشتبك مع أغلبها المؤلف طوال عقود مثل: كيفية التعامل مع النص الديني، سؤال الإصلاح والتجديد، التعليم الديني وأزماته، المسلمين في الغرب، الأقليات إلخ.  ومع اتساع الإنتاج العلمي الذي تناول فيه “السيد” هذه الموضوعات تفصيلًا والتي يصعب علينا الإحاطة بها جميعًا في هذا الموضع، لذا نرى أن نُركِّزَ في هذه الدراسة على بعض العناصر الرئيسة في مشروعه، عبر تناول كلًا من: ظاهرة التطرف، وأزمة قراءة النص الديني، طبيعة دار الإسٍلام، علاقة الدين بالدولة، والهُوية. وهو ما نناقشه في السطور القادمة.

ثانيًا: كيف اشتبك الفقيه السياسي مع ظاهرة الإٍسلام السياسي

الإشكالية الرئيسة في مشروع رضوان السيد تجاه التطرف الديني الذي يمثله جماعات الإسلام السياسي في مختلف كتاباته، هو فكرة الدولة، لمركزتيها في مشروعهم، ومن الدولة تنبثق عدة موضوعات أخرى مرتبطة بها أو ناتجة عنها اشتبك مع أغلبها المؤلف طوال عقود، مثل: كيفية التعامل مع النص الديني، سؤال الإصلاح والتجديد، التعليم الديني وأزماته، المسلمين في الغرب، الأقليات إلخ.  وبتكثيف الضوء على قراءته لظاهرة التطرف، نتطرق إلى بعض ما أورده من ملامح أزمة قراءة النص الديني، طبيعة دار الإسٍلام، علاقة الدين بالدولة، والهُوية.

1، التطرف وأزمة قراءة النص الديني

قُبيل الانخراط في قراءة تجرِبة رضوان السيد ورؤيته تجاه ظاهرة الإسلام السياسي وسُبل تجاوزها وتفكيك مرتكزاتها، من الأهمية استعراض رؤيته للتطرف ومن ثم قراءة آلياته في مواجهته وسبل تفكيكه. في استكشافه([14]) لمعنى التطرف يراه “رضوان السيد” مُغادرةً للوسطيَّة والاعتدال في فَهْم النّصوص، والتّصرُّف المُتشدِّد أو العَنيف، ويؤكد أنه حاضرٌ منذ البداية في مجالنا الثقافي الجانبَ الدينيَّ فقد صار يعني ما كانت تعنيه مُفردة (الغُلُوِّ). ويُضيف؛ التطرف أو الغلو في الإسلام على صورتين، أولها: التحريف الاعتقادي الذي نسبه القرآنُ إلى أهل الكتاب ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ﴾ (المائدة:77)، ويراه مُمَثَّلًا في ظاهرةِ تسييس الدِّين، أو جَعلِه أيديولوجيا سياسيَّة وحزبيَّة؛ فعند الشيعة ولايةُ الفقيه، وعند جماعات الإسلام السياسي ولايةُ المرشد. وثانيها التشدُّد والمبالغة في العبادات الذي ذكرته الآثار النبويَّة، (إيَّاكُم والغُلُوَّ، فإنَّما هَلَك مَن كان قبلَكم بالغلُوِّ في الدِّين) ويراه يُعبر عمّن يُزايد في التّشبُّث بظواهر النّصوص انتقائيًّا، ويُرجع أسباب ذلك إلى الحداثةِ والعولمة، اللتان قَلَبَتا كلَّ المفاهيم المُتعارَف عليها للعيش والحياة الإنسانيَّة. ويرى أن الشعور بعدم الأمان عند عامَّة الناس في كلِّ الدّيانات والثّقافات، أنتج نزعات طُهوريَّة مُتشدِّدة دفعت نحو العودة بطرائق جديدة إلى التقاليد عند الذين لا يمتلكون نصوصًا مقدَّسة، وإلى النصوص عند الأديان التي تمتلك نصوصًا قطعيَّةً، مثل: الإسلام واليهوديَّة؛ للبحث عن الهُوية الأصيلة.

وفي قراءته لظاهرة التطرُّف الديني المعاصر أرجع “السيد” ظواهره ومظاهره إلى الفكرة الثابتة عند أوائل العَلمانيِّين العرب بضَرورة فصل الدِّين عن الدولة؛ كي يَستقيم أمر قيام الدولة الحديثة منذ عام 1902، وقت الجدل الذي دار بين الكاتب فرح أنطون والشيخ محمد عبده مُفتي مِصر، إذ استقرَّت عند العَلمانيِّين ثم عند الإسلاميِّين الفكرةُ التي تقول: مَن يمتلك السلطة السياسيَّة يمتلك كلَّ شيء؛ ولذلك سعى الطرفان في الوصول إلى السلطة. العلمانيُّون سعَوا في فصل الدولة عن الدِّين، بوصفه شرطًا لقيام دولة المواطنة الحديثة، والجماعات الإسلاميَّة الجديدة سعت في الوصول إلى السلطة، لمكافحة الاستعمار، والدولة الوطنيَّة الجديدة المتغرِّبة، وإقامة الحُكْم الإسلامي من جديد، مرَّةً من أجل تطبيق الشريعة، وأخيرًا من أجل الخلافة.

ويضيف: بعد السبعينيَّات من القرن العشرين حدث لقاءٌ بين التَّطرُّفَيْنِ: التَّطرُّفُ التحريفي الذي يريدُ إقامةَ دولة باسم الدِّين، وتطرفُ الهُوية الطّهوريّة الذي يريدُ تخريبَ ما أحدثته العولمة في ديار الإسلام. حين استَخدم التطرُّفُ التحريفي التطرُّفَ الهُوياتي بمعنيين: تخريبَ الدول الوطنيَّة الحديثة، ليُمهِّدُ إقامة دولة الإسلام السياسي، والتطرُّف الهُوياتي أو الجهادي الذي يتصدَّى له العالم كلُّه تحت اسم مكافحة الإرهاب، سَيَلْفِتُ العالمُ إلى أن الإسلام السياسي وأن تيَّاراته ليست عنيفة، ويمكن أن تكون البديل، لأن تخريب العالم مستحيلًا، ولأن الدولة الوطنيَّة التي أسهم الغرب في إنشائها، لم تكنْ ناجحةً ولا ذاتَ شعبيَّة.

وفي استشراف مُستقبل التّطرف/الغلو يُؤكد “السّيد” أن التشدُّد الطهوري لن يَنتهِ، لكنه على شَراسته وعُنفه لن يَبقَ خطرًا على مُستقبل الدِّين والدولة. أما الإسلامُ السياسي الذي يرى نفسَه بديلًا في مَجال فَهْم الدِّين وتوجيهه، وفي مجال البديل للدولة الوطنيَّة القائمة، فما تزال له قُوى وطاقات، شأن كلِّ الذين يستميتون للوصول إلى السلطة.  وحول آليات تجاوز ذلك، يؤكد بأن ذلك لا يتم دون مواجهة شاملة مع هذين التطرُّفين القاتلَين بالتأهُّل والتأهيل، تكون عمليات التأهُّل بالمعرفة والبصيرة والتدبير مستمرَّة، أما التأهيل فهو متشعِّب الأهداف والاستهدافات، وهي عمليَّاتٌ شديدة التعقيد، وتتَّصل بالفكر وبالعمل وهو ما يتم بتجاوز الاجتهاد إلى خوض غمار التجديد.  ليدفعنا رضوان السيد إلى تساؤل مُهم وهو كيفية تعامل الإسلام السياسي مع النص الديني؟

وفي سبيل معرفة الإجابة عن ذلك، يخبرنا بوجود ثلاث ملاحظات في تعامل ذلك التيار مع النصوص، فبجانب عدم مراعاة اختلاف السياق([15]):

  • بخصوص طرائق توظيف النصوص الفقهية والعقدية القديمة عند نضاليي الإسلام السياسي

تُستخدم النصوص القرآنية التي تتصل بمسائل محددة مثل: الكفر والإيمان التي وردت في أغلبها في سياق الصراع بين المسلمين بالمدينة وقريش المعادية بمكة، لكن لا تُوظف كما وردت لصراع الإسلام مع المعتدي من الخارج، بل تستخدم في الصراعات الدائرة بالمجتمع الإسلامي، وإذا تطلبت الحاجة تأصيلَ هذا السلوك لجأوا إلى فتاوى ابن تيمية وتلامذته.

  • الطبيعة الأيديولوجية الغَلاّبة للبيانات العقدية لذلك الإسلام

تغلب على خطاباتهم الجانب العقدي/الأيديولوجي الذي يغيب فيه البُعد السياسي، فَهُم لا يتعاملون معاملة المعارض السياسي الذي يسعى إلى الإصلاح عبر الوصول إلى السلطة، بل يسلكون مسلك المخلص لا للمجتمع فقط، بل للدين، إذ وقع على عاتقهم مُهمة إقامته وإعادة تحقيق سيادته من جديد. ويَذهب السّيد إلى أنّ الحركات الإسلامية المُعاصرة في الأساس، حركات إحيائية، مثل: المَسيحية واليَهوديّة، ينشأ إحساس عند فرد أو مجموعة من الفقهاء أو ذوي العاطفة الدينية في لحظة ما، تصورٌ يقول، بأن التوحيد أو العبودية يتعرض للتشويه سواء بأيدٍ داخلية أو خارجية، وهو ما يدفع نحو تبلور حراك إحيائي ذي طابع شعائري يستهدف العودة إلى أصول العقيدة، ليبرز مفهوم “الأمر بالمعروف”.

  • مآلات وآثار أيديولوجيات الإسلام الحزبي على الداخل الاجتماعي، وعلى الإسلام التقليدي

تتعقد مآلات هذه الحركات تعقدًا يستدعي نظرة عميقة؛ فالعلماء التقليديون ينظرون إليها بضيق واستغراب، ويخشى الأكثر جدية منهم على الإسلام ذاته، لتحويل مسألة السلطة السياسية القضية المحورية في الدين. وبذلك تتراجع الرحابة التقليدية المعهودة في الإسلام بوصفه دينًا عالميًا، حين تتوارى الشعائر والأعراف التي تُمَثِّلُ أبرز تجلياته، لصالح تصور مطلق يربط وجود الإسلام وفعاليته بوجود نموذج الخلافة، بوصفها الإطار الوحيد وكثيرًا ما يكونون عامل تقسيم، عندما تتبادل فيما بينها اتهامات بالفسق والكفر وهو ما يُضعف قدرتها على تقديم مشروع جامع أو متماسك.

مع الإسناد الديني الذي يُشْهَرُ عند الحديث عن الدولة الدينية أو المدنية في المجال الإسلامي، يؤكد رضوان السيد أن المبادئ الدينية والفكرية العامة في المجال الإسلامي لا تصادم المبادئ الحديثة للدولة، وما تعانيه فكرة الدولة الحديثة من مشكلات في مجالنا الحديث، ويُرجع ذلك إلى([16]):

  • معاناة العالمين: العربي والإسلامي في القرنين التاسع عشر والعشرين من استعمار وهيمنة غربيتين، فجرى استتباع المجالين: الثقافي والسياسي بطرائق أساءت إلى علاقة الناس بالغرب والحداثة، وإلى علاقتهم بالأنظمة الوطنية الناشئة في ظل الغرب، بوصفها متغربة.
  • لم تتطورْ التجرِبة السياسية للدولة الوطنية في الحقبة الثانية التي سيطر فيها العسكريون باتجاه حماية المصالح الوطنية والقومية على الوجه المرجو والمرغوب.
  • الحركات الإسلامية التي ظهرت في صورة حركات هُوية واحتجاج على الاستعمار والتغريب، ولاستعادة الشرعية، طوَّرت مشروعًا سياسيًا ذا وجه ديني، قُصِدَ به أن يُصادم كل وجوه التغريب.
  • لم يستطع رجالات المؤسسة الدينية الإسلامية، والفكر والثقافة قيادة حركات تجديد ونهوض قوية، ولا التأثير كما يجب في السياسات وفي الجمهور؛ للافتقار إلى التجدد الفكري، وإلى الاستقلال المؤسسي.
  • الصدام الظاهر في العقود الأخيرة بين الأنظمة القائمة من جهة، وبين الإسلاميين الحزبيين والجهاديين، يرجع إلى استبداد الأنظمة العسكرية وفسادها، واستناد الإسلاميين إلى مرجعيات إلهية في مصارعة الطغيان.

ليخلص من كل ذلك إلى أن المطلوب، القيام بإصلاح ديني، يُخرج الدين من بطن الدولة ومن مجالات المنافسة والصراع، والمطلوب استرداد الجمهور إدارة شأنه العام من دون استبداد ولا أصوليات. وهذا استظهار مخالف للأوضاع السائدة منذ فترة، لكنه الاجتهاد الذي يصون الدين والدولة معًا.

2 في طبيعة الدولة في الإسلام

تُمَثِّلُ الدولة أحد مرتكزات المشروع الحركي الذي يسعى إلى إعادة الدولة الإسلامية في المخيلة التاريخية للواقع، إذ وقفت رؤيتهم عند لحظة سقوط الخلافة وغياب الدولة الجامعة. لذا اشتبك رضوان السيد مع تلك الأطروحة عبر كثير من جوانبها مثل: شرعية الخلافة، وشروط الحاكم، شرعية الدولة الوطنية الحديثة. وهنا نركز على قراءة رؤية السيد لكلا من: طبيعة دار الإسلام، وعلاقة الدين بالدولة.

أ. طبيعة دار الإسلام

يُرجع رضوان السيد([17]) بداية البحث في الأبعاد الجغرافية للاجتماع السياسي للمسلمين، في وقت مبكر جزئيًّا، فأول تحديد تقريبي للمعني بدار الإسلام يعود إلى أبي حنيفة (150هـ / 767م). لكن تحديده لتلك الدار، كان بطريق السلب إذ كانت دوافعه لذلك داخلية وتتعلق بمفهومي: الإسلام والكفر أو الشرك؛ وهما مفهومان تحوّلت مضامينهما في النزاعات التي استشرت بين المسلمين في القرنين الأول والثاني الهجريين. ففي سبيل الدفاع عن إسلام الجماعة، وسلامة الأمة نظرَ أبو حنيفة إلى المسلمين بوصفهم مجموعًا أو جماعة اجتماعية وسياسية، فحدد ماهية الأفراد بماهية الجماعة التي يعيشون في ظلها. ثم إنه حاول أن يقيم توازنًا بين الجماعة أو السواد الأعظم من جهة، والسلطة السياسية السائدة، وعدَّ الأمرين معًا شرطين لوصف الدار بأنها دار إسلام، مع تقديم الجماعة على السلطة في ارتباط الوصف بها. أما الفقهاء الآخرون الذين كتبوا وحددوا في ظروف أخرى غير ظروف أبي حنيفة؛ فإنهم غلَّبوا الشرط السياسي والسلطوي؛ فليس من شرط دار الإسلام أن يكون فيها مسلمون، بل يكفي كونها في يد الإمام وإسلامه. والسلطة السياسية هي المُكلفة في الدولة الإسلامية أو دار الإسلام بتطبيق الشريعة؛ فإنْ لم تكنْ السلطة (الولاية) للمسلمين، فلا تطبيق لأحكام الشريعة، ومن ثمَّ لا تكون الدار دار إسلام.

وعبر مُقارنة النّصوص ونقاشات الفُقهاء، يَخْلُصُ السيدُ إلى أن نقاشات الفقهاء لم تكنْ الأرض أو الجغرافية والحدود، بل الجماعة، والسلطة، وماهيتهما، وأيديولوجيتهما. فهما اللتان تَهَبَانِ الأرض أو الدار هُويتهما. وبلاد الإسلام، في نظرهم تُعَدُّ كلها دارًا واحدة، ولو اختلف حُكّامها وصارت كِيانات شتى؛ وذلك لنفوذ حُكْم الإسلام فيها، وحضور معناه السياسي في جماعتها. ويفسر أكثر: “اعتقد المسلمون في القرن الأول الهجري أنهم حققوا وحدات ثلاثًا، هي: ركائز دار الإسلام، وَحْدة الأمة، ووَحْدة الدار، ووَحْدة السلطة. ثم تبين لاحقًا أنّ وَحْدة الدار والسلطة لن تستمرا، فجرى الفقهاء والمؤرخون على التمسك بالوَحْدة الأولى بوصفها الأساس، وليس الحد الأدنى، الذي ينبغي البناء عليه باتجاه تحقيق الوَحْدتين الأخريين الضائعتين. ولم تؤثر الحروب الصليبية كثيرًا في وعي المسلمين بالمخاطر التي تتهدد فكرة وَحْدة الأمة لأن المقاومة مستمرة، وعدم ارتباط مفهوم الأمة والدار بأرض محددة في إسلام المشرق الإسلامي.

أما المسلمين في المغرب والأندلس فاختلفت أحكامهم وفتاويهم، بل وأفهامهم لدار الإسلام. انطلق المالكية ، بالمغرب على وجه الخصوص، من مبدأين اثنين، الأول: أنه لا ولاية لغير المسلم على المسلم، أي سياسيًا وتشريعيًا. والثاني: أن فرض الهجرة من دار الكفر أو الحرب إلى دار الإسلام غَيْرُ ساقطٍ، والهجرة باقيةٌ لازمة إلى يوم القيامة، لكنْ لا يُحرم على المهاجر بها الرجوع إلى وطنه إن عاد دار إيمان وإسلام.

ويكون على المسلم الحفاظ على هُوية دار الإسلام إذا سيطر عليها غير المسلمين بالثورة الدائمة (الجهاد) أو أن يلجأ إلى دار من دور المسلمين غير المَغزُوّة فيُعِدَّ العُدَّة، ويعود مع إخوانه المسلمين لاسترداد وطنه للإسلام والمسلمين.

ب. علاقة الدين والدولة

يَرجع إثارة تلك القضية للمرة الأولى عند العرب والمسلمين في مطلع القرن العشرين. عبر كتابات فرح أنطون في مجلة (الجامعة)، عندما استورد المشكلة كلها دون مسوغٍ، حسب السيد، فالإسلام يومها ما بدا عائقًا أمام التقدم العلمي أو التطوير السياسي، كما أن مسألة المواطنة أقرتها التنظيمات العثمانية وفي تحليله لدوافع تلك الكتابات، يرى أنها لا علاقة لها بالداخل المصري أو العثماني، بل نتاج:

  • النقاشات التي تجددت بفرنسا بشأن ضرورة فصل الدين عن الدولة، وأفضت إلى صدور قوانين العام (1905م) التي حسمت مسألة الفصل، ولأن فرنسا كانت النموذج لفرح أنطون فرأى ضرورة تقليدها، لما يحققه ذلك من إزالة عائقًا من عوائق الوَحْدة الوطنية واعتناق العلوم الحديثة، ومنع السلطة السياسية استغلال الدين لفرض السيطرة والاستبداد.
  • استعراض كتاب ارنست رينان، ابن رشد والرشدية، الذي صدرت طبعته الثانية في ذلك الوقت بعد وفاة مؤلفه. حين قال إن الفصل بين الدين والعلم، كما بين الدين والدولة، كفيل باستحداث نهوض علمي في ديار الإسلام، مثل النهوض العلمي المُنبعث، بل المُندلع في الغرب الأوروبي.

وحول تداعياتها قال إن هذه الكتابات دفعت مفتي مصر وقتها الشيخ محمد عبده (1905م) إلى الرد عليه في مجلة المنار، عندما رأى عبده أن أنطون كان ظالمًا للإسلام بسبب قوله بالتناقض بين الإسلام والعلم، وأن الإسلام مُعيقًا للتطوير السياسي. وأضاف بأن: الدولة دولة الإسلام، وليس في الإسلام كهنوت، ولا قول بالدولة الدينية بخلاف ما كان عليه الأمر في المسيحية([18])

في استعراضه لواقع الدولة التاريخي في الإسلام ونصوص الداعين لها يرى رضوان السيد أن([19]) دُعاة الدولة الدينية أو الدولة ذات الوظائف الدينية يستندون إلى أمرين اثنين: النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، والأمر الثاني: التجرِبة التاريخية للدولة الإسلامية الوسيطة التي لم ينفصلْ فيها الدين عن الدولة. أما النصوص من مثل قوله تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون أو الفاسقون أو الظالمون؛ فإن معناها موضع خلاف شديد حتى بين الإسلاميين أنفسهم. والأرجح أن معناها ينصرف إلى الأحكام الشرعية، وطرائق عمل القضاة والقضاء. وفيما يتعلق بالتجرِبة التاريخية للدولة الإسلامية الوسيطة وفَهْم نخب المسلمين طبيعة الدولة القائمة في ظل الإسلام، يرى السيد وَفْق النصوص التاريخية أن الخلفاء الأمويين والعباسيين كانوا يسمون أنفسهم (خلفاء الله). ومع أنهم كانوا يؤسسون شرعيتهم العملية على (البَيْعة) من الناس؛ فقد كانوا يرون سلطتهم ذات علاقة بقضاء الله وقدره، ويعدّون كلَّ متمردٍ عليهم عاصيًا لله  Uوبخاصة بعد وصولهم إلى السلطة، بغض النظر عن الطريقة التي وصلوا بها إليها. بَيْدَ أن كثرة ساحقة من النخب الدينية والثقافية ما كانت ترى أن للسلطة في الدولة الإسلامية طبيعة دينية، وأن المُعارضة مُمكنة، بل واجبة في كثير من الأحيان.  لذا ومع التطور الثقافي والعلمي ظهرت فئتي: المتكلمين والفقهاء، وهما الفئتان الرئيستان في الجانب الديني. في القرن الثاني الهجري خرج (التشريع) أو الاجتهاد الفقهي من يد الدولة إلى فئة الفقهاء، وصاروا يملكون حق التشريع في ظل الكتاب والسنة ومن طريق الاجتهاد ووسيلة القياس والقواعد الفقهية، كما من طريق الجُهد للوصول إلى الإجماع في حين تنفرد السلطة السياسية بإدارة الشأن العام، وقيادة النظام كله. أما الدين فلا مدخل للسلطة السياسية إليه أو فيه إلا في مهام الحراسة والرعاية. ولهذا لم يظهرْ صراع بين: المؤسستين السياسية والدينية، وإن لم يَخْلُ الأمْرُ من تنازع وتجاذب بين أفراد من ولاة الأمور وأفراد من الفقهاء.

في المقابل بعد ظهور الجماعات الإسلامية، تغيرت النظرة للعلاقة بين السلطتين السياسية والدينية فأبو الأعلى المودودي مؤسس الجماعة الإسلامية بالهند عام (1941م) رأى أن للسلطة في الإسلام طبيعة ثيوقراطية، وحسن البنّا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين بمصر عام (1928م) يرى الإسلام دينًا ودُنْيا، مصحفًا وسيفًا. وقد تطور عن هذا الإدراك مقولة (الحاكمية) التي ترى أنّ الحُكْم الله وأن المسلمين مكلفون بإقامة حكم الشريعة على الأرض. ليستقر الوعي عند جمهور كبير أن الإسلام يقتضي إقامة الدولة الدينية، كما حدث في التاريخ البعيد. يقول رضوان السيد: ومع جدل الإسلاميين المعتدلين بأن أحدًا لا يقول بالدولة الدينية، لأن الحاكم غير معصوم. لكننا نجد أن غير المعصوم هذا يقوم على تطبيق (الشريعة) المعصومة، فما الفائدة من تأكيد (مدنية) الحاكم، ما دامت (مدنية) الدولة مذكورة أو غير مصونة؟! ويستدل دعاة كبار (معتدلون) على ضرورة إقامة الدولة الإسلامية، بأنّ الإسلام عقيدة وشريعة، والقائل بذلك لا بُدَّ أن يُقرَّ أن الإسلام دين ودولة أزمنة التغير. ليؤكد أن: الشريعة لا تعني المشروع السياسي ولا تنفصل عن العقيدة، بل هما شيء واحد، ذلك أن الشريعة تملك جوانب اعتقادية أيضًا. وما ظهر هذا التمييز للمرة الأولى إلاّ في عنوان كتاب للمستشرق المجري غولد زيهر؛ وكان يقصد بذلك أن الإسلام يتضمن اعتقادات وعبادات وفقهًا للمعاملات. وهذه الأمور كلها دين.

3، جدل الشريعة والأمة

جانب آخر من خلاصاته حول أيديولوجيا الإسلاميين، هي إشكاليات الشريعة والأمة، يؤكد رضوان السيد أن المنظور الكبير لتجرِبتنا التاريخية يرى الأمة مصدرَ السلطات، أو مصدرَ الشرعية للنظام كله. وما دام الأساس واضحًا، فلا حاجة إلى التلفيق أو التوفيق بين التصورات القروسطية والأخرى الحديثة،  كما فعل أكثر المنظرين للدولة الإسلامية في الأزمنة الحديثة والمعاصرة. إذ يشير إلى أن الإسلاميين انتهوا إلى إحلال الشريعة محل الأمة بوصفها المرجعية العُليا ومصدر المشروعية والسلطات، بسبب أصلها الإلهي، ولأنهم قالوا بتطبيقها لتحقيق الحل الإسلامي بالفعل، فإنهم أعطوها صفة القانون وقوته الإلزامية، وكيف لا تكون الشريعة مُلزمةً وهي ذات الأصل الإلهي؟ ثم إنه لا بُدَّ من أداة للتنفيذ، ولا أداة في هذه الحالة إلا الدولة، التي تُوكَلُ إليها مُهمة صَوْن الدين، وتطبيق شريعته. وهذا تصور متنافر الأجزاء وملفق من التجارِب الأوروبية الوسيطة والحديثة، ومما عدّوه الصورة الصحيحة لنظام الحُكْم في الإسلام حسب القرآن وتجرِبة النبي والراشدين. ويأخذ رضوان السيد على هذا الطرح أنه([20]):

  • يسلب الشريعة والسلطة من الأمة ويضعهما في مواجهتها: فتحول الشريعة مصدر السلطات بدلًا من الأمة، يضع الشريعة خارج الأمة، بدلًا من أن تظل حاضنة لها، يحوّل الشريعة إلى سلطة قامعة باسم الله، فيسيء إلى الدين وقيمه الأخلاقية.
  • يضع الدين وشريعته في يد السلطة السياسية، فبحجة الحاجة إلى تطبيقه، يتحول إلى سوطٍ في يدها باسم الله.

ويؤكد أن ([21]) صورة الإسلاميين عن التجرِبة الإسلامية الوسيطة في علاقة الدين بالدولة غير صحيحة؛ فدولتا: الخلافة والسلطنة، ما كانتا حتى في نظر الفقهاء قائمتان على الشريعة، ولا كان التشريع في يدها. فالشريعة، وهي مُكونة من عقائد وعبادات وأخلاقيات ومعاملات، كانت في يد المتكلمين وعلماء الأصول، أما التشريع فكان في يد الفقهاء ، والفرق معلوم وشاسع بين الشريعة والفقه، وبخاصة أن من مصادر الاشتراع الفقهي الإجماع، والطريقة الرئيسة لاستنباط الأحكام أو إنشائها هي الاجتهاد. ويذهب إلى أن “التصور الرئيس الذي تقتضيه التجرِبة التاريخية لأمتنا، أن الأمة مصدر السلطات المصلحية والتدبيرية والاصطلاحية. وهي تحتضن القرآن والدين والشريعة ومنظومتها الأخلاقية، وتختلف علائقها بالشأن الديني عن علائقها بالشأن السياسي؛ فالدين خيار فردي حرٌّ ولا سلطة لأحد فيه أو عليه، كما يشدد “السيد” على أن أطروحة “تطبيق الشريعة” هي الأخطر على الدين بالذات. لقد أراد الإسلاميون منذ أيام حسن البنّا الخروج من علمانية الفصل بين الدين والدولة التي سماها سيد قطب الفصام النكد. لكن تلك المقولة تفعل العكس، لأنها تفصل الشريعة والدين عن المجتمع، ثم تعيد فرضهما عليه من طريق الدولة والسلطة. وهكذا تحول الشريعة إلى أيديولوجيات سلطوية، وتعطي السلطان السياسي ميزات ومهام دينية، وتزعُمُ أنّ كلًا من إيمان ودين دولة المسلمين ومجتمعاتهم ناقصان اليوم، غفلةً وجهلًا أو كفرًا، ولا بُدَّ من استعادتهما. هذا في حين يقول الله عز وجل في الآية الكريمة {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا} (المائدة 29). ويتساءل: لماذا قامت الثورات؟ هل قامت لإكمال الدين أو تطبيقه، أم قامت لتحسين إدارة الشأن العام وإصلاحها؟

4، الهُوية

تُمَثِّلُ الهُوية إحدى المسائل التي انشغل بها رضوان السيد في عديد من كتاباته واشتبك مع أبرز مراحلها. فقد أرجع بداية تبلورها في العالم الإسلامي إلى بدايات القرن العشرين عندما تَمثلت رؤية الإحيائي الإسلامي في أن المسلمين مهدّدون، لدخولهم في عمليات التحديث بالمعنى الغربي الذي فاقم من ضعفهم وهدد هُويتهم الدينية والثقافية. لذا فالمطلوب المواجهة الشاملة، وليس التبادل أو الاقتباس الثقافي، من أجل الحفاظ على الهُوية وعلى الإسلام الذي يملك نهجًا مختلفًا تمامًا وحلولًا للمشكلات([22]).

كان من تداعيات ذلك ظهور الجمعيات الإسلامية المعنية بالحفاظ على الذاتية الإسلامية وشعائرها ورموزها وسلوكها، والفكر الأصولي الإحيائي المُصاحب لتلك النزعة. ومع تنامي أطروحات نقد الحضارة الغربية، وتفضيل الحضارة الإسلامية عليها، وتفاقمت القطيعة بين الإسلاميين والدولة الوطنية. وتضاءلت تدريجيًا عند الإسلاميين الحزبيين وغير الحزبيين، الخطط الكبرى ذات الأبعاد الحضارية، لصالح فكرة النظام الإسلامي المتكامل وخصيصته الرئيسة تطبيق الشريعة الإسلامية فيه وإن استمر نقد الغرب ونقضه، من أجل مهاجمة أنظمة الحُكْم السائدة في العالم الإسلامي([23]). وفي إطار استقلاله عن الغرب يصارع التفكير الإحيائي الإسلامي الرأسمالية العالمية، بوصفها الخطرَ الأكبر الذي يتهدَّدُ الهُوية الفردية والجماعية للمسلمين. وهو ما يظهر لاحقًا في كتب سيد قطب([24]).

هذا التلازم بين الدين والدولة في عالم الإسلام يؤكد “السيد” أنه لم يكنْ من صنع الإحيائيين المسلمين وحدهم، بل له أصول في تطلعات الإصلاحيين والسلفيين بعد النصف الأول، لكنْ ومع تراجع مشروعهم، ظهرت فئات جديدة من ذوي الثقافة الدينية، تمتلك وعيًا إحيائيًا أولوياته حفظ الهُوية وليس التقدم والنهوض([25]). لتستمر إلى اليوم هذه الرؤية الإحيائية للعالم استناد إلى أن أطروحة الحل الإسلامي الكفيل بالحفاظ على الهُوية، وإقامة الدولة الإسلامية التي تطبق الشريعة وكان من مقتضياتهم لصون الهُوية، وإقامة المنظومة المستقلة، المقابلة والتوازي بين الإسلامي والغربي في كل شيء([26]).

استهدفت تلك الرؤية الانقسامية، حسب رضوان السيد، الحفاظ على طهورية الهُوية أو استحداث تلك الطهورية. وفي الحرب الباردة ازدادت تلك الطهورية تجذرًا، وأعطتها السلفية آلياتها الفقهية عندما تلاقحت مع الأصولية في سبعينيات القرن العشرين. ليصير الجهاد الوسيلة الوحيدة للتعامل مع العالم من أجل استنقاذ الإيمان من براثن الكفر بالقوة، لكن مساوئ هذه النظرة لا تنحصر في وضع المسلمين في مواجهة مستحيلة مع العالم، بل تتعدى ذلك إلى محاصرة المسلمين وشرذمتهم من خلال أطروحة تطبيق الشريعة والتي تحولت بذلك إلى ما يُشبه القانون، فلا مكان لمفهوم المواطنة في دولة الشريعة عند الأصوليين([27]). إذ ظلت نقاشات الإسلاميين، حزبيين وغير حزبيين بشأن علاقة الدين بالدولة كلها نقاشات عقدية، وهي نتاج فكر الهُوية. فعلي عبد الرازق كان آخر من استند إلى علوم الفقه والكلام ودروس التجرِبة التاريخية للأمة في تتبع نشوء الخلافة ومسارها عبر العصور. أما الإسلاميون فأقاموا مقولتهم كلها على القرآن، وعلى تأويل خاص وعقائدي للآيات المعنية بشؤون الحُكْم والأمر والسلطة والاستخلاف والخلافة([28]). لكن لاحقًا “تلجأ جماعات التيار الرئيس إلى تسويات تحفظ لها ذاتيتها؛ فهناك نظام إسلامي كامل لرؤية العالم والذات والدور، ولا يناقض نظام العالم تمامًا. فالمواطنة ليست مرفوضة تمامًا، بل هي مقبولة في الأساس([29]).

وفي إطار رؤيته لإشكاليات الإحيائية الإسلامية يوضح رضوان السيد مكامن ذلك في:

  • رؤيتها ذات الطابع العقائدي للعالم ونظمه ومتغيراته، ورفض ذلك كله خوفًا على الهُوية، وخوفًا على الإسلام، وهي الرؤية التي تركت آثارًا غائرة لا تزال ظاهرة عند الإصلاحيين الجدد، أو دعاة الوسطية([30])
  • فكر الهُوية القائم على الرموز والشعائر يستبعد التغيير سواء أكان قوميًا أم دينيًا”([31]).

خاتمة

في ضوء ما سبق تبدو أهمية الدور المحوري للفقه السياسي المعاصر في تفكيك أزمات التّطرف الديني وتجاوزها في المجتمعات الإسلامية، سواء على صعيد الأفكار أو الممارسات خاصة في ظل قدرته على تَفكيك تلك الإشكاليات التي تُمَثِّلُ أحد أركان التطرف الثلاث بجانب البيئة والسياق. التطرف بصورة مبسطة يقوم بِناءً على توافر؛ مرجعية تأطيريّة للمُمارسات “المادية”، مثل محاولة تغيير أو إحداث تأثير مباشر في الواقع عبر النشاط الدعوي أو بممارسات عنف، والمعنوية، باستخدام سلاح التكفير للمخالف للأفكار المطروحة من هذا الاتجاه، التي يقوم بها التنظيم/الفرد، بجانب البيئة تسمح بتمدد تلك الأفكار وتنفيذها، إضافة إلى سياق عام وخاص يساعد على تمدد أو انحسار تلك الأفكار/الممارسات.

ولقيام الفقيه السياسي المعاصر بدوره، يتطلب الأمر وجود بيئة تسمح بالاجتهاد وتشجع عليه وتدعمه وتوفر السبل الملائمة، لتحقيق ذلك، وهو الأمر الذي يتطلب أن تتوافر منظومة تعليمية متطورة منهجيًا تتماشى مع تطور العلوم، إذ يُؤهَّلُ من يتصدى لهذا الحقل التخصصي بالأدوات العلمية المنضبطة التي تساعده على الاجتهاد دون شططٍ قد يحدث نتيجة ضعف التكوين العلمي.

إضافة إلى ذلك من الأهمية توفير بيئة سياسية وقانونية تحمي المجدد من ردود أفعال المعارضين من التقليديين الرافضين للاجتهاد. وهو ما لم يتحقق سوى بوجود إقرار فعلي وواضح من المؤسسات المعنية بأهمية العمل على فتح باب الاجتهاد العلمي عبر سياسات واضحة وفورية تَستهدف إحداث تطوير حقيقي للتّعليم الدّيني، سواء ما يُقرر في المؤسسات الدينية الرسمية التابعة للأزهر الشريف بمختلف مراحلها، أو الأقسام الشرعية في التعليم الجامعي المدني، فهو السبيل الأولي للتعامل الجدي مع الإشكالات المعاصرة في ضوء احتياجات المجتمعات المسلمة.

________________________________________________

المصادر والمراجع:

[1]– أكرم كساب، علاقة السياسة الشرعية بغيرها من العلوم، منتدى العلماء، 6أكتوبر 2015، على الرابط التالي: اضغط هنا

[2]– لكزرى العربي، مصادر الفقه السياسي الإسلامي،  المركز الديمقراطي العربي، 22 أغسطس 2020، على الرابط التالي: اضغط هنا

[3] – علاقة السياسة الشرعية بغيرها من العلوم، م س.

[4] – عبد الوهاب خلاف، السياسة الشرعية أو نظام الدولة الإسلامية في الشؤون الدستورية والخارجية والمالية، (القاهرة: المطبعة السلفية، 1390 هـ )، ص 14

[5] – ياسر المقداد، فقه السياسة الشرعية: تطور المصطلح ودلالة المفهوم، مجلة رواء، ع1، 29 فبراير 2020، على الرابط التالي: اضغط هنا

[6]– السيد، رضوان، سياسات الإسلام المعاصر: مراجعات ومتابعات، بيروت، جداول للنشر والترجمة والتوزيع، ط2، 2015، ص 98

[7]– بوشيخي، محمد، جمعية الشبان المسلمين تحولات المسار والمرجعية، مركز تريندز للبحوث والدراسات، أبو ظبي، يناير 2022، ص17،18

[8]– حسن البنا وجمعية الشبان المسلمين، إخوان ويكي، متاح على الرابط التالي( شوهد يوم 20 مارس 2025) : اضغط هنا

[9]-جمعية الشبان المسلمين تحولات المسار والمرجعية، م س، ص18

[10]– حسين أحمد محمد السيد ، العلاقة بين الأزهر الشريف وقوى وجماعات التيار الإسلامي في مصر من 1919م إلى 1936، (رسالة ماجستير غير منشورة)، قسم التاريخ الحديث والمعاصر، كلية اللغة العربية، جامعة الأزهر الشريف، أسيوط، 2008، ص230

[11]-انظر: البنا، حسن، رسالة المؤتمر الخامس، مجموع رسائل حسن البنا، دار الدعوة، القاهرة، 2002، ص196.

[12]– سياسات الإسلام المعاصر: مراجعات ومتابعات، م س، ص121

[13]– حسن البنا، رسالة المؤتمر الخامس ، إخوان ويكي، على الرابط التالي: اضغط هنا

[14] – رضوان السيد، التطرُّف: بين الديني والفكري، التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب، 22 سبتمبر2020، على الرابط التالي: اضغط هنا

[15] – رضوان السيد، سياسات الإسلام المعاصر: مراجعات ومتابعات، م س، ص133-135

[16] – رضوان السيد، أزمنة التغيير: الدين والدولة والإسلام السياسي، (القاهرة: الهيئة العامة للكتاب، مكتبة الأسرة، 2015) ، ص27-28

[17] –  سياسات الإسلام المعاصر: مراجعات ومتابعات، م س، ص 71-77

[18] – أزمنة التغيير: الدين والدولة والإسلام السياسي، م س، ص 29،30

[19] – أزمنة التغيير: الدين والدولة والإسلام السياسي، م س، ص31-34، 138، 141

[20] – رضوان السيد، الدين والدولة في زمن الثورات: المنظور النهضوي ومطالبه، (بيروت: مجلة المستقبل العربي،  مركز دراسات الوحدة العرية، المجلد 35 العدد 406، 2012 )، ص37، 34

[21] – الدين والدولة في زمن الثورات: المنظور النهضوي ومطالبه، م س، ص35-37

[22] – أزمنة التغيير: الدين والدولة والإسلام السياسي، م س، ص73

[23] – رضوان السيد، الصراع على الإسلام، الأصولية والإصلاح والسياسات الدولية، ( بيروت: دار الكتاب العربي، 2004)، ص 159

[24] – الصراع على الإسلام، الأصولية والإصلاح والسياسات الدولية، م س، ص86

[25] – أزمنة التغيير: الدين والدولة والإسلام السياسي، م س، ص 63-64

[26] – أزمنة التغيير: الدين والدولة والإسلام السياسي، م س، ص74

[27] – الصراع على الإسلام: الأصولية والإصلاح والسياسات الدولية، م س، ص26

[28] – الدين والدولة في زمن الثورات: المنظور النهضوي ومطالبه، م س، ص30

[29] – الصراع على الإسلام: الأصولية والإصلاح والسياسات الدولية، م س، ص 163

[30] – أزمنة التغيير: الدين والدولة والإسلام السياسي، م س، ص73،74

[31] – الصراع على الإسلام: الأصولية والإصلاح والسياسات الدولية، م س، ص 163

    اقرأ ايضا

    المزيد من المقالات

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete