الفكر الأدبي وجدل خطاب النهضة والبحث عن الهوية المصرية.. الجزء الثاني

 تكوين

قراءة ثقافية في كتابات أحمد لطفي السيد.. المفهوم الجديد للأدب والأفق الرحب للنهضة

(3) مفهوم الأدب والسعي نحو أفق جديد

لعل من الأمور ذات الأهمية والفاعلية في تبيان طبائع الفكر الأدبي عند أحمد لطفي السيد ملاحظة ان كتاباته تنتمي إلى مرحلة من مراحل الانتقال في الثقافة العربية الحديثة بين مفاهيم موروثة للأدب وطبائعه ومهامه، ومفاهيم أخرى جديدة كانت آخذة في التشكل بتأثير الاتصال بالثقافة الأوربية. ومن الضروري أيضا الانتباهُ إلى أن منطلق أحمد لطفي السيد في تناوله لأي موضوع أو أيَّة ظاهرة كان يبدأ دائما من ملاحظته في الواقع وتسجيل رؤيته له كما يراه، ثم الوقوف منه موقفًا يعتمد على تحليل وضعيته بأبعادها المختلفة.

ولعل هذا المنحى يتجلى بوضوح لقارئه من متابعته لموقفه من الأدب؛ فهو ينطلق من ملاحظته أن وصف “الأديب” في الواقع المعاصر له يحمل مجموعةً من الدلالات المختلفة التي تتراوح بين وصف مَنْ قرأ كثيرا في كتب الشعر والتاريخ والانتقاد وما وُصف من كتب السِّيَر والقصص ومحاورات الأدباء بالبلاغة، ومَنْ (قرأ بإمعانٍ ما نسميه عادةً كتبَ الأدب، واستظهر بعضَ القصائد، واستطاع أن يقول عن فكرة بعينها لأحد الكتَّاب بأنها فكرةٌ ساقطة أو عن تركيبٍ لغوي إنه تركيبٌ سَمِج)(51). ولعل هذا الوصف لاستخدام وصف “أديب” في واقع أحمد لطفي السيد يكشف عن مفهوم ضمني للأدب فحواه أن “الأدب” نوعٌ من المعرفة بأنماط من الكتابات التي يخلع عليها المجتمعُ صفةَ “الأدبية”، ويتم تحصيل هذا النوع الخاص من المعرفة عن طريق كثرة القراءة في أنواع متعددة من الكتب، التي توصف في السياق الاجتماعي بأنها كتب الأدب، كما يوصف بعضُها الآخر بالبلاغة، ويكتمل هذا النوع من المعرفة بتمكِّن صاحبه من حفظ عدد من القصائد كي يتاح له تمثُّل خصائصها الفنية. والناتج عن هذه المعرفة الخاصة يتيح لمن يمتلكه تقييم الكتابات التي يضفي عليها المجتمع صفة “الأدبية”، كما تتيح له “تقييم” الاستخدامات اللغوية المختلفة.

ومن البيّن أن مفهوم الأدب الضمني فيما يطرحه أحمد لطفي السيد يشير إلى أمرين دالين، وهما: تداخل مفهوم الأدب بالمعنى الضيق، الذي يقصره على الكتابات الفنية التخيلية التي تؤثر في متلقيها، مع مفهوم آخر متسع، إلى حدٍّ ما، إذ يضم إلى مواد المفهوم الأول عنصر التاريخ. وأمَّا الدال الثاني فهو أن هذا الفهم المطروح للأديب يشير أكثر ما يشير إلى من يقوم بنقد “الأدب” سواءٌ كان نقده تقييمًا لفكرة تناولها النص موضع اهتمامه أو كان تقييما للاستخدامات اللغوية في النصوص.

وثمة مفهومٌ آخر موازٍ لذلك المفهوم الأول للأدب أشار إليه احمد لطفي السيد ضمنيا حين رصد استخدام وصف “أديب” في بعض سياقات واقعه؛ إذ لاحظ أن وصف “أديب” يُطلق على من حفظ المواويلَ الحُمر(52) والأزجال ومَن يرتجل كلامًا مقفى يخلو من المعاني التامة لكنه يسحر الألباب، كما يدخل في إطاره أيضًا (أمُّيّون من البدو يرتجلون ضربًا من الشعر ذا وزنٍ خاص من غير أن يتكلَّفوا مراعاةَ الإعراب ولا قواعد اللغة، يودعونه خيالاتهم وتشبيهاتهم التي من انحطاطها لا تخرجُ عن كونها مقدماتٍ شعريةً تلذُّ لسامعيها من البدو)(53). والمفهوم الضمني الذي يحمله هذا الوصف للأدب هو ذلك الأدب الشعبي والأدب العامي، وهما لونان من الأدب المؤثران في مشاعر مجموعات من المتلقين بما يضمَّانه من صور فنية، وما تقوم عليه أشكال شعرية فيهما من ضروب من الأوزان.

ولعل اعتراف أحمد لطفي السيد بالأدب الشعبي والأدب العامي دالّ على منزع جديد أو حداثي بمعنى ما في سياقه الثقافي؛ حيث لم تكن أغلبية النخبة تنظر إلى الأدب الشعبي والأدب العامي نظرة تقدير، وهو ذلك الموقف الذي تعدَّلت عديدٌ من عناصره لدى كثير من أبناء الجيل التالي لجيله(54). ولعل الجدير بالملاحظة هنا أمران، وهما: أن أحمد لطفي قد اهتدى بوضوحٍ إلى مفهوم الأدب الشعبي والأدب العامي عبر اعتماده على آلية محورية في تشكيل خطابه الفكري والثقافي والاجتماعي؛ وهي الانطلاق دائما من ملاحظة الواقع وتسجيل ما يبدو لوعيه من عناصر ذلك الواقع وعلاقاته؛ بما يجعله يدرك ظواهره على نحوٍ قائمٍ على اهتدائه للتفكير فيما لاحظه والعمل على فهمه وتفسيره. وأمَّا الأمر الثاني فهو عناية أحمد لطفي السيد في تحليله للمهام الاجتماعية والثقافية التي يؤديها الأدب والفن بتحليل بعض نماذج الأدب العامي، وذلك دال على تبلور هذا المنزع الحداثي في فكره الأدبي.

وإذا كان أحمد لطفي السيد قد عمل على بيان مفاهيم أخرى للأدب في سياقه الثقافي فإنه قد سجَّل وجود مفهومين آخرين، أحدهما مفهوم أخلاقي وثانيهما مفهوم فني، ومن ثم أخذ يعمل على بيان العلاقة بين هذين المفهومين،  كما أنه قد عمل أيضًا على تجلية المفهوم الحديث الذي كان آخذا في التبلور في سياقه الثقافي، وهو ذلك المفهوم الذي يجعل الأدب ضربًا من الصياغة الجمالية باللغة. وهو مفهوم كانت التأثيرات الأوربية مسهمةً بقوة في إضاءته في الوعي العربي الحديث في بدايات القرن العشرين؛ سواٌء عبر الترجمات، أو عبر الاتصال المباشر؛ على نحو ما يتجلَّى في محاضرات المستشرق الإيطالي كارلو نالينو (1872-1938) في الجامعة المصرية في أعوام 1908-  1909 ،  و1910 – 1911.

ولم يكن أحمد لطفي السيد بعيدًا عن التأثيرات الثقافية الأوربية؛ فقد كانت علاقته بالثقافة الأوربية قوية، ولذلك كان أثرها بارزًا في مفهومه للأدب الذي عرَّفه بأنه (مجموعُ الآثار الجميلة من النظم والنثر والتاريخ في الموضوعات غير العلمية الجافة، في زمنٍ بعينه أو في حياة أمَّةٍ بعينها؛ فالأدبُ بالنسبة للموضوعات الكتابية أو الخطابية كالفنون الجميلة بالنسبة لموضوعاتها، فكما أن سماعَكَ الموسيقى يحرِّك العواطفَ ويدعو إلى الرضي، ورؤيتكَ لرسمٍ جميلٍ أو صورةٍ جميلة أو بيتٍ جميلٍ ..إلخ تبعث في نفسك حركةً مقبولةً، كذلك قراءتُك  قطعةً من الشعر الجيد أو النثر البليغ أو قصة خيالية أو تاريخية، تؤثر فيك ذلك التأثير)(55).

ولعل تأكيد أحمد لطفي السيد البعدَ الجمالي في مفهومه للأدب، وجعْلَه مناطَ تأثيره في المتلقين كان نتاجًا لربطه الأدب بالفنون الجميلة، وفي هذا ما يجعل من هذا الفهم، في سياقه الثقافي، وسيلة لنفي بعض المفاهيم التراثية للأدب التي كانت حيّةً في ذلك السياق من قبيل عبارة (الأدب هو الأخذ من كل علم بطرفٍ) التي تشير إلى مفهوم للأدب يتصف بالعمومية. كما كان تعويل أحمد لطفي السيد وهو يتبنَّى هذا المفهوم الجديد للأدب في سياقه الثقافي يسهم مع آخرين معاصرين له في تأكيد الطبيعة الفنية الجمالية للأدب فيما يعد دالا قويا على سعيه معهم إلى ترسيخ المفهوم الجديد للأدب. كما أن نظرته إلى الأنواع الأدبية التي أشار إليها في نصه من قبيل “الشعر الجيد” و”النثر البليغ” و”قصة خيالية أو تاريخية” تشير وضعه الأنواع الأدبية الجديدة كالقصة التاريخية أو الخيالية مع الأنواع الموروثة كالشعر والنثر معًا في إطار ذلك المفهوم الجديد للأدب. ولعل هذا ما يعد دالا أوليًا بارزًا على الاحتفاء الضمني بهذه الأنواع الأدبية، وهو احتفاء ستتجلى علاماته على نحو أكثر فعالية وجلاء عند تحليل رؤية أحمد لطفي السيد للمهام الاجتماعية للأدب وأنواعه المختلفة.

ولعل واحدةً من أبرز الإضافات التي قدَّمها أحمد لطفي السيد إلى مفهوم طبيعة الأدب هو النظر إليه من منظور اجتماعي وحضاري؛ إذ جعل منه وسيلةً لغوية وفنية تؤثِّر في مشاعر المتلقين فتؤدي بذلك وظائف اجتماعية وحضارية للجماعة التي تتلقاها؛ إذ رأى أن الأدب (مُشخِّص من أقوى مُشخِّصات الأمة يربط ماضيها بحاضرها ويحدد ماهيتَها ويميزها عن ما عداها، فتستمرُّ شخصيتُها وتتسع بذلك دائرة المشابهات بين أفرادها، وتقوى روابط التضامن فيهم)(56). وبذلك نظر أحمد لطفي السيد إلى الأدب بوصفه وسيلةً من وسائل تشكيل شخصية الأمة وجِلائها بما يتيح له أن يكون وسيلةً فنية تصل ماضي الأمة بحاضرها، كاشفةً بذلك عن الخصائص والسمات التي تميِّزُها عن غيرها من الأمم؛ مما ينعكس على القراء فتشتد دائرة المشابهات بينهم وتقوى روابط التضامن التي تضمُّهم معًا؛ أي أن الكامن في خطابه إنما هو إيمانٌ راسخ باقتدار الأدب على أن يكون مرآة مصقولة تعكس شخصية الأمة، وذلك ما يجعلها وسيلةً من وسائل تقوية الروابط بين أبناء الأمة؛ فالأدبُ حسب هذا الفهم أداة ثقافية فاعلة اجتماعيا على أساس القيمة الحضارية التي تمتلكها في أصل هويتها الذاتية.

ولعل أهمية هذا المنظور في خطاب أحمد لطفي السيد هي التي جعلته ينظر إلى كتابة تاريخ الأدب بوصفها مُشخِّصا من أقوى مُشخِّصات الأمة مما يدلل لقارئه على الأهمية الحيوية التي خلعها على ذلك المجال المعرفي الجديد في مرحلة الربع الأول من القرن العشرين.  ولعل تلك صياغةٌ جلية في كشفها عن تعويل أحمد لطفي السيد على “الأدب” وعلى كتابة “تاريخ الأدب” بوصفهما وسيلتين تلتقيان في تجسيدها الهوية القومية التي وصفها بأنها “مُشخِّصات الأمة”؛ فهما وسيلتان لحفظ “شخصية الأمة” وجلائها مما يؤدي إلى تقوية “روابط التضامن” بين أبناء الأمة. ولكن الفارق بينهما يعود إلى أن تحقيق الأدب مهمته تلك يتصف باعتماده على التأثير الشعوري في قرائه مما يهيئ له القبولَ منهم.

ولعل هذا الفهم كان المدخل الملائم في فكر أحمد لطفي السيد للتعامل مع الأدب بوصفه أداة ثقافية فعالة في حياة المجتمع، ولهذا اتخذ من كتاباته في مجال الأدب واللغة وسائل للكشف عن أهمية “الهوية المصرية”، ومن ثم كانت دعوته إلى “التعبير” عن واقع حياة المصريين؛ أي عن “العصر”. وكان موقفه هذا واحدًا من أقوى المقدمات للبحث عن “الشخصية المصرية” في الأدب المصري الوسيط من ناحية، والدعوة إلى كتابة أدب مصري عصري من ناحية أخرى. وكان لهذين الأمرين تأثيراتهما المتعددة في سياقات الثقافة المصرية، وقد أخذت نتائجها تظهر بقوةٍ في العقد التالي للعقد الذي قدم فيه أحمد لطفي السيد رؤاه تلك. وهذا ما سنشير إليه في فقرة تالية، وإن كان يعنينا هنا الإشارةُ إلى أن النظرة الضمنية، أو الصريحة، إلى الأدب في خطاب أحمد لطفي السيد بوصفه صيغة ثقافية فعالة في حياة المجتمع قد أدت داخل سياقات هذا الخطاب إلى قرنه بالصيغ الثقافية الأخرى. وذلك ما يتيح لقارئ كتاباته بسطّ رؤاه لهذه الصيغ على الأدب؛ ليصبح غيابُه الظاهر عن عديد من سياقات كتاباته حضورا ضمنيا له في سياقات ذلك الخطاب؛ عبر ترابط رؤية أحمد لطفي السيد للأدب مع رؤيته للفنون المختلفة.

(2/1) وضعية الأدب في إطار حرية الصحافة وحرية الخطابة

منح خطاب أحمد لطفي السيد الفكري أهميةً كبرى لقيمة حرية الصحافة، وعوَّل عليها كثيرا لأنها عدَّها أبرزَ وسيلة لخلق الرأي العام بما تنشره من تعريفٍ وبيانٍ وبسطٍ للقيم الاجتماعية والسياسية الجديدة، وبما تقدمه من كتابات تمكِّنُ جمهورَ القراء (من الموازنة بين ماضيهم وبين حاضرهم، والمفاضلة بين مختلف الأمم)(57). وكان هذا التعويل على أدوار الصحافة في بثَّ الوعي بالأفكار الجديدة في أذهان القراء يعكس إيمانا راسخًا في فكر أحمد لطفي السيد بالحاجة الماسّة إلى الصحافة لنشر قيم النهضة بين القراء.

وذلك ما جعل خطابه ينتج عدةَ تمثيلاتٍ للصحافة حاول بها تجلية وجوه فاعليتها وضرورات الاحتياج لها من أجل تكوين المجتمع الحديث الذي يصنع النهضةَ المرجوة، ومن أبرز تلك التمثيلات أن (الصحافة حكومة) وأنها (حكومة الناس)، وهي (حكومة الاعتقاد)، وهي أيضًا (الحكومة الحقيقية للبلاد المُتمدِنة)، كما وصفها بأنها (أقوى حكومة)(58) لأنها هي التي تصنع الرأيَ العام الذي يدعم أفكارَ التقدم والنهضة، بل إنها هي التي تحوِّلها إلى واقع حي ملموس. ولعل ترداد تلك التمثيلات والأوصاف للصحافة في خطابه يدلل عن رؤيته الراسخة لفعالية أدوارها في المجتمع الحديث، كما يفسِّر أيضًا وصفَه الصحافة بأنها (علة الرأي العام بمعناه الحالي في الأمم)(59). ولقد حاول أن يدلل بخطابه الشارح على أهمية قيمة الصحافة الحاجةّ الماسَّة لإقرار حرية الصحافة لأن (خيرَ ما تفعل الحكوماتُ لنفسها وللأمة التي تحكمها أن تكونَ مع الصحافة على غاية التسامح، فلا تقفُ في طريق رقيها لأن ذلك وقوفٌ في طريق حرية الرأي العام ومصادرة الاعتقاد)(60).

ورأى أن قوة الصحافة أشدُّ تأثيرًا في المجتمع من تأثير النظم السياسية المستبدّة الحاكمة لأنها قادرةٌ على التأثير في أفكار الرأي العام وتوجُّهاته. ودعَّم رؤيته تلك بالتدليل على أن حرية الرأي مظهر من أبرز مظاهر الحرية الشخصية؛ ومادامت تلك الحرية الشخصية حقًّا مكتسبًا للأفراد بمجرد الولادة، فإن حرية الصحافة بوصفها حريةَ إبداء الرأي هي مظهرُها الأبرز. ومن منظوره هذا رأى أن حرية الصحافة نظام اجتماعي متولِّد عن الحرية الشخصية، وهو نظامٌ اجتماعي يستحق حمايةَ الحكومة وحرص الأمة عليه. ولعل تعبير “نظام اجتماعي” يؤكد إدراكه الأبعاد المؤسسية الراسخة في تكوين الصحافة بوصفها مؤسسةً اجتماعية، كما يؤكد أيضا إدراكَه أهمية تلك الأبعاد في الصحافة بوصفها مؤسسة ثقافية تؤدي أدوارًا متعددة في مجتمعها، ومن ثم فهذا “النظام الاجتماعي” تنتجه الأمة وتحفظه، وتحافظ عليه بواسطة مؤسساتها الاجتماعية والسياسية.

ويكمن الدافع الجزئي المباشر لاهتمام أحمد لطفي السيد بتجلية رؤيته لمفهومي حرية الصحافة وحرية الخطابة في حملته القوية على قانون المطبوعات الذي تشدَّدت الحكومة المصرية في تطبيق بعض مواده المُقيّدةِ لحرية الصحافة في مجموعة من الحالات بدءًا من عام 1910 وحتى عام 1912(61). ولعل الدافع الأقوى يكمن في رؤيته الراسخة في فكره بمحورية  مهام الصحافة في سياقات الثقافة والمجتمع الحديثين. ومن ثم يمكن لقارئ خطابه أن يتأمل في وجوه التلاقي بين الأدب والكتابة الصحافية بوصفهما صيغتين ثقافيتين، حينئذ ستنجلي لنا وجوهُ العلاقة بينهما في ثنايا ذلك الخطاب من أكثر من جانب؛ فالأدب بمعناه الحديث في سياق كتابات أحمد لطفي السيد صيغةٌ جمالية ثقافية تعبر عن وجهات نظر كُتَّابها، وتحتاج هذه الأعمال إلى حرية النشر التي يجب أن تتمتع بها الصحافة؛ فحريةُ الصحافة إذن مظلَّةٌ متسعة تشمل حريةَ الكتابة الأدبية أيضًا لاسيما أن الصحافة كانت حينها قناةً رئيسية لنشر الأعمال الأدبية ونقدها. هذا من جانب، وأمَّا من جانب آخر فالكتابة الأدبية وسيلةٌ من أبرز وسائل خلق الرأي العام لاسيما في اتجاه دعم الرؤى الجديدة والأفكار والتوجُّهات الجديدة. وبذلك فإن تحقيقَ لوازم حرية الصحافة في السياق المصري سينسحبُ أيضًا على الكتابات الأدبية التي ستصيرُ حينئذٍ نتاجًا لصيغة ثقافية فاعلة في الواقع، ووسيلةً من وسائل تحقيق  الهوية القومية وتجليتها لقراء الصحف.

كان دافع أحمد لطفي السيد إلى الاهتمام الكبير بحرية الصحافة هو إدراكه الحاجةَ الماسَّة إليها لتشكيل الرأي العام وصناعة توجّهاته الفكرية والثقافية بما ينعكس عنها من مسالك في حياة أفراد ذلك الرأي العام أو الجمهور العام. ومن المنظور نفسه جاء اهتمامه بحرية الخطابة التي رآها مظهرًا من مظاهر الحرية الشخصية لأنها مجلى حرية الرأي، أو مجلى حرية الكلام التي وصفها بأنها (ألزمُ للفرد من حريته الكتابية، وما هي للمجموع بأقلّ لزومًا من حرية الصحافة)(62). ولعل اهتمامه بحرية الخطابة لا يعود لهذا المبرِّر وحده، بل يعود ايضًا إلى الفاعلية الكبيرة للخطابة الاجتماعية والسياسية في السياق المصري من منتصف القرن التاسع عشر وطوال الربع، وربَّما النصف، الأول  من القرن العشرين.

ولقد كان منظور أحمد لطفي السيد إلى الخطابة والصحافة كلتيهما قائمًا على أساس تأثير كلٍّ منهما بوصفهما أداتين ثقافيتين مؤثرتين في الجمهور(63)، وفي سياقه التاريخي كانت الخطابة السياسية والاجتماعية نوعًا أدبيا ذا تأثيرات كبيرة ومتنوعة في الجمهور، ولأن أحمد لطفي السيد كان ينطلق في رؤاه للظواهر دائما من ملاحظاته حولها في الواقع، فقد رأى أن الخطابة قد تفعلُ (في النفوس أضعافَ ما تفعله الكتابة، فهي التي تحرِّكُ عواطفَ الجماعات النائمة، وهي التي تُسكِّنٌ ثورانَ تلك العواطف، وهي أفضلُ ما اتخذه الإنسان سلاحًا للإقناع)(64). وإذا كان يقرن تحقيقَ الخطابة مهامها بتلك بتأثيرات  أداء الخطيب الشفاهي التي تتحوَّل عند تقديم الخُطب إلى وسائل فعالة في جمهور المستمعين(65) فإنه يجعل من حرية الخطابة حقا أصيلا للفرد على عمومه وإطلاقه؛ (فمن منع إنسانًا حريةَ القول فكأنَّما منع الناسَ جميعًا. فإن قول الحقيقة ليس مجرد حقٍّ للفرد إتيانُه وله تركُه، بل هو أيضًا واجبٌ عليه للجمعية التي يعيشُ فيها. وقيمةُ الحقيقة أن تُقال لا أن تُعلم. فلا يتمُّ إخلاصُ العالِم للعلم إلا إذا قال ما يعتقده حقّا من قواعده، ولا تتمُّ للفرد وطنيةٌ إلا إذا أظهرَ ما يعتقدُه صالحًا لقومه)(66)، وبذلك جعل من “قول الحقيقة” واجبا اجتماعيا للفرد والمجتمع على السواء، كما رآه واجبا وطنيا لتحقيق صالح المجتمع أو الأمة. ولعل نظرته إلى الأدب بنمطيه الأساسيين؛ أي الكتابي والشفاهي، تجعل من تناوله للخطابة التي هي نوع أدبي راسخ في منظومة الأنواع الأدبية في الثقافة العربية الحديثة من منتصف القرن التاسع عشر إلى قرب نهاية النصف الثاني من القرن العشرين(67) تنسحب دلالاته على مختلف الأنواع الأدبية التي وردت أو أشار إليها في ثنايا كتاباته. ولعل هذا ما سيبدو جليًا في فقرات تالية.

خاتمة

يعدُّ إسهام أحمد لطفي السيد في تقديم المفهوم الجديد للأدب، بوصفه صيغة جمالية تبتغي التأثير في المتلقين، إسهاما ذا أهمية في سياق مرحلة الربع الأول من القرن العشرين حيث كان المجدِّدون من الأدباء والنقاد يعملون في ترسيخ هذا المفهوم الجديد في سياقات الثقافة المصرية الحديثة. ولم يكن ضمُّ أحمد لطفي السيد للأنواع الأدبية الجديدة، ممثلةً هنا في “القصة التاريخية” و”القصة الخيالية” إلى الأنواع الأدبية الممتدّة من الثقافة العربية الموروثة كالشعر، تحت مظلَّة هذا المفهوم إلا علامة دالة على مسعى ثابت لترسيخ هذا المفهوم الجديد للأدب في مضماري الإبداع والتلقي في الثقافة المصرية. وهذا ما دعَّمه، من جانب آخر، مسلكُه في تجلية المهام الاجتماعية للأدب حيث عُني، في عديد من كتاباته، بتبيان مهام الرواية والمسرحية بصفة خاصة. وهذا ما سيتضح تفصيلا في الجزء التالي من هذه الدراسة.

كانت نظرة أحمد لطفي السيد إلى الأدب بوصفه من مشخِّصات الهوية المصرية دالةً على قناعة تامة بالأدوار المؤثرة التي يمكن أن يؤديها الأدب المصري المعاصر في تجسيد تلك الهوية. ولعل وضعنا الأدبَ في علاقة تجاور مع الخطابة والصحافة، اللتين عُني أحمد لطفي السيد ببيان ضرورة تمتعهما بالحرية، قد أبان لنا عن أن ما يصدق من رؤيته لهما يصدق بالمثل على الأدب أيضا لأن ما يجمع بينها معًا- (الأدب والخطابة والصحافة) في خطابه، هو كونها صيغًا ثقافية مؤثرة في الجمهور، ومن ثم ربطنا بينها، وستتبدى ضفائر أقوى كاشفة عن ترابطها معًا بينها عند تحليلنا رؤيته للمهام الاجتماعية للأدب والفن في الجزء الثالث من هذه الدراسة.

________________________________________________

الهوامش

(51) أحمد لطفي السيد: تاريخ آداب العرب للرافعي: الأديب وعلم الأدب والأخلاق، المنتخبات، الجزء الأول، ص – ص 284-285.

(52) المواويلَ الحُمر نوع شعري شعبي (يتناول غرضا حزينا أو مريرا)، انظر: محمد الجوهري: موسوعة التراث الشعبي العربي، الجزء الرابع، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، 2012، ص 470.

(53) أحمد لطفي السيد: تاريخ آداب العرب للرافعي: الأديب وعلم الأدب والأخلاق، المنتخبات، الجزء الأول، ص – ص 286.

(54) حول مواقف مفكري ونقاد النصف الأول من القرن العشرين من الأدب الشعبي، انظر: خالد أبو الليل: النخبة والعامة: الموقف من الأدب الشعبي في العصر الحديث، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2020، ص – ص 153-207.

(55) أحمد لطفي السيد: تاريخ آداب العرب للرافعي: الأديب وعلم الأدب والأخلاق، المنتخبات، الجزء الأول، ص 288

(56) أحمد لطفي السيد: تاريخ آداب العرب للرافعي: الأديب وعلم الأدب والأخلاق، ص 289

(57) أحمد لطفي السيد: حرية الصحافة، المنتخبات، الجزء الثاني، ص 83.

(58) انظر: أحمد لطفي السيد: حرية الصحافة، ص 83-85 حيث ترد التمثيلات والأوصاف التي وضعناها في متن الدراسة في مواضع متعددة في هذا المقال.

(59) حرية الصحافة، ص 83.

(60) حرية الصحافة، ص 84.

(61) صدر قانون المطبوعات في عام 1881، وأعيد إحياؤه في مارس 1909؛ وذلك بهدف تحجيم صحف الحركة الوطنية التي شددت هجومها على الاحتلال والخديوي وعائلته، وعلى الوزراء. وأوجبت الحكومة ضرورة الحصول على ترخيص منها لإصدار الصحف. وبسبب رغبة الحكومة في التضييق على “حرية الصحافة” أصدرت في منتصف عام 1910 قانونا يقضي (بإحالة تهم الصحافة إلى محاكم الجنايات بدلا من محاكم الجنح، وذلك لكي تفوِّت الحكومة على الصحفيين الاستئناف في التقاضي). انظر: هشام عبد العزيز: صحف مصادرة في مصر حتى 1952، المجلس الأعلى للثقافة، 2010، ص – 43-51. وحول مجموعة من حالات تطبيق هذا القانون، انظر: يونان رزق لبيب: أثر قانون المطبوعات في الحركة الوطنية المصرية قبيل الحرب العالمية الأولى، المجلة التاريخية المصرية، العدد 14، مايو 1968، ص – ص 259-318.

(62) أحمد لطفي السيد: حرية الخطابة، المنتخبات، الجزء الثاني، ص 86.

(63) يقول: (لقد كانت الخطابة في المدنيات الأولى قائمةً مقامَ الصحافة في مدينتنا الحالية)، حرية الخطابة، ص 86.

(64) حرية الخطابة، ص 86.

(65) يصف أحمد لطفي السيد أداء الخطيب على هذا النحو: (إن لسانه وبيانه ونظراته وصوته وإشاراته وروحَ الإقناع التي تتجلى على وجهه وتنبعث أشعتُّها إلى سامعيه: كلُّ أولئك شركاء في أداء المعنى المقصود حيًّا قويًّا يقرعُ جباهَ السامعين، وينفذ في رؤوسهم وفي صدورهم، فتطربُ بها حتى تُصفِّق أكفُّهم تصفيقًا)، حرية الخطابة، ص 87.

(66) حرية الخطابة، ص 86.

(67) عن وضعية الخطابة في منظومة الأنواع الأدبية عند الإحيائيين انظر: سامي سليمان أحمد، التمثل الثقافي وتلقي الأنواع الأدبية الحديثة: تجربة النقد العربي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، مكتبة الآداب، القاهرة، 2016، ص – ص 194-195.

    اقرأ ايضا

    المزيد من المقالات

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete