الفكر الأدبي وجدل خطاب النهضة والبحث عن الهوية المصرية.. الجزء الثالث

تكوين

قراءة ثقافية في كتابات أحمد لطفي السيد

الجزء الثالث: مهام الأدب الاجتماعية: حمولاتها وأبعادها الثقافية

 

(4) مهام الأدب الاجتماعية والثقافية وكيفية تحقيقها

لا تُدرك أبعادُ رؤية أحمد لطفي السيد لمهام الأدب الثقافية والاجتماعية المختلفة إدراكًا عميقًا إلا في ضوء عدد من المُحدِّدات التي يجب إضاءتُها، وهي: إن اهتمام أحمد لطفي السيد بتناول بعض قضايا الأدب قد جاء في إطار انشغاله بقضايا الثقافة من حيث وسائلها وأدوارها في تغيير وعي أبناء المجتمع من جانب، ومن حيث علاقتها بالهوية القومية المصرية من جانب آخر؛ فقد تعامل مع وسائل الثقافة المختلفة بوصفها مرتكَزاتٍ فاعلةً ومؤثرةً في وعي متلقيها؛ لاسيما فيما يتعلق بتجلية الهوية القومية بما يجعلها أدوات لإبراز عناصر هذه الهوية وترسيخها في مدارك مَن تتوجَّه إليهم، كما يجعلها أيضا قادرةً على صياغة القيم التي يؤمنُ بها منتجوها، وفاعلةً في تشكيل مدارك المتلقين الذين تتوجَّه إليهم. ولعل تفهُّمَ هذا المنحى في خطابات أحمد لطفي السيد تتيح لقارئه ملاحظة أن عنايته كانت تنصرف غالبًا إلى تناول مهام الثقافة ووسائلها المختلفة، ومن بينها الأدب والفنونُ أكثرَ بكثير من عنايته بتحليل عناصر ماهيتها المحايثة لها. وهو لا يختلف في هذا المنحى عن كثير من المفكرين العرب السابقين عليه والمعاصرين له في مرحلة تشكل الثقافة العربية الحديثة من منتصف القرن التاسع عشر وربما إلى منتصف القرن العشرين؛ إذ كان انشغالهم بتجلية أدوار الأنواع الأدبية الحديثة ومهامها يجور دائمًا على عنايتهم بجلاء طبائعها المحايثة لها؛ وذلك لهيمنة مسعاهم إلى إقناع مواطنيهم بأهمية الأدب خاصة، والثقافة عامة، ووجوه الحاجة إليهم في خطاباتهم المختلفة(68). ولعل من المفيد ملاحظة أن مَن يراجع كتابات أحمد لطفي السيد المختلفة سيلحظ أن الغالب على نظرته إلى وسائل الثقافة، ومن بينها الأدب والفنون المختلفة، هو ذلك المنظور المعنيّ بجلاء المهام الاجتماعية المختلفة التي تؤديها، كما أنه كان يستمدُّ كثيرًا من آرائه من ملاحظاته على الواقع الذي يعيشه مما جعله قادرًا دائما على تجلية عديد من أبعاد المهام الاجتماعية والثقافية للأدوات التي يتناولها، كما أن المنحى الجدلي السائد على خطاباته المختلفة يجعل من الطابع الحجاجي طابعًا غالبًا، وأحيانًا ما كان طاغيًا، على كيفيات توجّهه إلى القراء الذي قدَّم لهم تلك الخطابات. ومن الأهمية بمكان أيضا إبرازُ أن تناوله قضايا الأدب والفنون المختلفة مترابطٌ بقوةٍ مع تناوله للتعليم بل إن الكامن والجوهري في خطاباته عن الثقافة والأدب هو المنحى الذي ينظر إليهما بوصفهما وسائل ناجعة لتعليم القراء والمتلقين؛ حيث تظهر في مختلف تلك الصياغات التي قدمها لهما تجليات متعددة لمنظوره التعليمي ذاك، وهو في هذا المنحى يتلاقى مع كثيرٍ من المفكرين والنقاد المصريين المعاصرين والتالين له(69).

(4/2) تجلى أنساق التحول الاجتماعي في تلقي الرواية

تكشف كتابات أحمد لطفي السيد أنه كان يدرك جيدًا خصوصيةَ اللحظة الثقافية والحضارية التي يعيشها في سياقه المصري ببعديه الثقافي والحضاري؛ إذ كانت لحظةَ انتقالٍ بين مجتمع قديم في أفكاره وسلوكه ومؤسساته ومجتمع آخر حديث يسعى إلى أن يستندَ إلى مجموعة من القيم الجديدة كالحرية بأبعادها المختلفة والتعليم الحديث بما ينتجُه من مواطن جديد يعي أنه ينتمي إلى مجتمع “جديد” يحترم جهدَه الفردي ونزوعَه الذاتي ويساعده في التحقق إنسانيًا واجتماعيًا. ويبدو للقارئ الآني لتلك الكتابات أن ذلك المجتمع الجديد كان مجتمعًا مُتخيَّلا أكثر من كونه مجتمعًا قائمًا بالفعل؛ وذلك لأن معظم جوانب التجديد في ثقافة المجتمع المصري آنذاك كانت محدودةً من ناحية، ومتصلةً بالنخبة من ناحية ثانية، لكن أحمد لطفي السيد كان يُصدر خطابه عن منظور يثقُ الثقةَ كلَّها بأن قوانين التطور الاجتماعي التي يخضعُ لها مجتمعُه، على نحو ما تخضعُ لها المجتمعاتُ الأخرى، تؤكِّدُ أن مسارات التطور التي يعاين عديدًا من مظاهر حيويتها ستواصل حركتها وستصل بمجتمعه إلى حالة النهضة المنشودة. وفي كثيرٍ من كتاباته يلحظ القارئ أن خطابه مبنيٌّ على ثقة تامة بحدوث التطور في المجتمع المصري. وإذا كان أحمد لطفي السيد قد سجَّل عديدًا من الملاحظات التي تؤكد لقارئه كون تلك اللحظة لحظةَ الانتقال من “قديم” راسخ إلى “جديد” تتشكل ملامحه الأولى، فقد كان من الدال أن يحرص على تجلية مظاهر هذا الانتقال؛ لاسيما فيما يتعلق بالقضايا الحيوية التي عُني بها، والتي كان واحدًا من أكبر الدعاة إلى رفدها بقيم جديدة تتيح للمصريين الولوج إلى رحاب المجتمع الجديد عبر تبنِّي القيم الجديدة التي يحملها خطابُه الثقافي. وإذا كان أحمد لطفي السيد قد جعل من الدعوة إلى تعليم البنات واحدةً من الدعوات المحورية في خطابه الفكري فإنه قد سجَّل أن من المصريين مَنْ كان (يرى من العار والمَسبَّة، أن يُعلمَ عن ابنته أنَّها تكتب، لما كان بين كتابة السيدة وقراءتها روايات الغرام، وبين التهتُّك من التلازم الخيالي في نفوس العوام)(70). وتعد إشارته إشارة غير مباشرة إلى واحد من المسالك السلبية التي واجهتها الروايةُ عند تلقيها في الواقع المصري من منتصف القرن التاسع عشر إلى الربع الأول من القرن العشرين؛ حيث رفضت بعضُ الشرائح الاجتماعية قراءةَ الفتيات أو الشابات الروايةَ خوفًا مما وصفته بأنه تأثيرها الضارّ عليهن(71). وهو يرصد تحولا من التحولات الكاشفة عن التغير الكبير الذي يشهده الواقعُ الاجتماعي المصري المعاصر بسبب أفكار المفكرين المعاصرين وكتَّاب القصص؛ فبعد أن كان الشبَّان المقبلون على الزواج يفهمون أمورَ السعادة الزوجية مما يدور في مجتمعهم من مرويات متداولة تكرِّسُ النماذج التقليدية لكلٍّ من الزوج والزوجة، صار (الشابُّ الذي أتمَّ دراستَه، يتطلع إلى معاشرة زوجة تفهمُه ويفهمُها؛ ولكنه لا يتزوج غالبًا إلا بابنة جاهلة أو قريبةٍ منها. إنه يفهم السعادةَ الزوجية على نمط آخر قال به الحكماءُ العصريون؛ وقرره مشاهير القصصيين. وهي لا تفهمُ تلك السعادةَ إلا بمجموع ما يُحصِّلُ خيالُها من روايات الدَّلَّالات وعجائز الحكايات. إنه يرى الجمالَ في رشاقة القوام، وتناسب الأعضاء، وخفَّة الحركة، وطراوة الصوت، وبريق العينيين، وجاذبية الحديث. وتفهمُ هي الجمال بالسُّمْن والبياض. إنه يرى حُسنَ الهندام في بساطة الملابس، وباهت الألوان، ومشيِها بعضها مع بعضٍ في الخِلعة الواحدة. وترى هي أن حسنَ الزي ينحصرُ في الأطالس والجنافس، فمئزرٌ على مئزرٍ، وجلبابٌ على جلباب، تحمِّلُ جسمَها ما لا يطيق، وتنسى ذراعيها من غير قفاز. إنه يرى الزينةَ في الحال الطبيعي، أو القليل المألوف من الكُحل. وترى هي أن الزينة في الكُحل بصبغ فراغِ الحواجب، وفي تزجيج الحواجب على غير الرسم الطبيعي؛ كأن الغرضَ ليس تسويدَ شعر الحواجب، ولكنه تسويدُ الوجه. إنه يرى دلائل المحبَّة في تبادل الحديث على صفاءٍ وحُسنِ رعاية في المعاملة والمجاملة، وهي لا تفهمُ دلائلَ المحبِّة إلا بكثرة تبادل الهدايا. إنه يرى من الواجب عليه أن يصدِّقَها في كل ما تقولُ عن نفسها، وهي لا تصدِّقُه مطلقًا فيما يقول خصوصًا في موضوع أنه لن يتزوجَ بغيرها. ولا يثبتُ في نفسها أنها على الرغم ما يدعِّى من الوفاء، ولا أن الزوجية متى صفَتْ، تقتضى البقاءَ إلى آخر الحياة)(72). وليس ما قدمه أحمد لطفي السيد، في هذا النص المطوَّل، من تفاصيل لعناصر صورة الزوجة الحديثة من جانب، ومكونات صورة الزوجة التقليدية من جانب آخر، إلا تبيانا للفروق بين هذين النموذجين اللذين صنعت الروايات الحديثة المعرَّبة إلى العربية، في الربع الأخير من القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين، النموذجَ الحديث منهما، على حين أن “النموذج التقليدي” هو النموذج الذي صنعته حكايات عجائز النساء والدلَّالات اللاتي كن يمثلن في إطار الطبقة الوسطى وسيلةً من وسائل دعم ذلك النموذج عبر ما يمتلكن في حرية للحركة في أوساط النساء(73) في مجتمع كانت ما تزال تغلب عليه ثقافةُ الفصل الحاد بين “مجتمع الرجال” و”مجتمع النساء”، وكان ما يتعرض له من مؤثرات اجتماعية وثقافية متعددة سببًا من أسباب تغيير هذه الثقافة وإن على نحوٍ بطئ، وذلك ما كان داعيًا إلى تشكل النموذج الحديث أو الجديد للرجل بوصفه زوجا وللشابة بوصفها زوجة. ولعل مراجعة مختلف الجزئيات التي يتكون منها كلُّ نموذجٍ منهما تشيرُ إلى أن الفارق الجوهري بينهما يتمثل في كيفية عكس كلٍّ منهما نسقًا خاصّا للمرأة الجميلة؛ فعلى حين ينتج النموذج القديم والشائع صورة للمرأة الجميلة التي تُبرز جمالَها بطرائق تتسم بالمبالغة في الزينة وإبراز مفاتن الجسد؛ فليست أردية من قبيل “الأطالس” و”الجنافس”، التي أشار إليها نصُّ أحمد لطفي السيد، إلا أنواع من الأردية النسائية الفاخرة التي كانت نساء الطبقة العليا يرتدينها(74). على حين أن النموذج الجديد يقدم أنثى يظهر الجمال في سلوكها وملبسها في مظهرٍ تغلب عليه البساطة. ولعل تعارض هذين النموذجين أو النسقين يعد نتاجًا من نتائج ما أشاعته الروايةُ المعربة. ولعل رصد أحمد لطفي السيد لتأثير النموذج الجديد للمرأة الذي صاغه المفكرون المحدثون وساهمت الروايات المعربة في ترويجه يعد علامة ذات دلالتين؛ أولاهما التقاؤه مع ما لاحظه بعض المفكرين المصريين المعاصرين له – مثل محمد عمر (؟-؟) وأحمد فتحي زغلول (1863-1914) من الإقبال على قراءة الروايات مما وصفاه بأنه مسلك سلبي(75)، وثانية الدلالتين أنها تعدُّ واحدةً من الكواشف الدالة على أنه كان يصدر عن ملاحظته كيفية تأثير الأدب في سلوك مجموعات من القراء مدلِّلا بذلك على فعالية الأدب في الواقع، وكاشفًا عن أن منظوره للأدب يحتفي بالبعد الثقافي فيه وما ينتج عنه من آثار سلوكية في شرائح من قرائه.

ومن أبرز السمات البارزة في خطاب أحمد لطفي السيد تلك العناية الدائمة بالانطلاق من رؤية جانب من جوانب الواقع المصري، وتحليل مكوناته وعناصره، والكشف عن تأثير طرق التربية والتعليم في غرس قيم اجتماعية بعينها في أذهان الأطفال والشباب، وبيان الآثار السلبية لتلك الطرق؛ وذلك لتجلية المسالك التي يحتاجها المجتمعُ المصري لإدخال القيم الاجتماعية الجديدة بما ينجلي عنها من قيم جديدة من ناحية، ومن مسالك واجبة من ناحية ثانية. ولأنه كان يتبنَّى هذا المنحى في التعامل مع قضايا الواقع المصري فقد كان ذلك يؤدي به إلى الوقوف على وجوه العلاقات بين القيم وأنماط السلوك. ومن هذه الزاوية يتبدَّى لقارئ كتاباته عمقُ النظرة التي يكشف عنها خطابُه الثقافي؛ فهو يرصد تأثيرَ التعليم الحديث وتلقي الرواية على الشبَّان والشابات المقبلين على الزواج؛ فيسجِّل أن الفتاة المصرية في الطبقة الوسطى كانت، في القرن التاسع عشر وفي بدايات القرن العشرين (جاهلة جدا، همُّها إرضاءُ أهلها، وأن تكون مشهورةً بينهم بالحياء، وبفرط الحياء)(76). ويرى أن هذا الحياء المبالغ فيه قد أمات من قلبها كلَّ أمنيةٍ ذاتية وأطفأ من عقلها كلًّ نور، كما أن كون الآباء لم يُتِحن لبناتهم إمكانات تنمية ملكاتهن واكتساب قوة الإرادة وملَكة التمييز قد أسهم في تضييق آفاق أذهان أولئك الفتيات. ويكشف أحمد لطفي السيد عن أن تلك الفتاة ظلَّ الجهل يغلبُ على حالها؛ فصارت بذلك (حاصلة على توازنٍ تام بين حالها وبين أمانيها، فهي لا تعلم شيئا، ولا تطلب شيئا أيضا. فهي سعيدةٌ بجهلها سعيدةٌ بحالها)(77). ومن ثم يتوقّف أمام التغير الذي حدث لتلك الفتاة المصرية إذ(جاء هذا الجيل الجديد بالعلم الجديد والأدب الجديد، ففقدت البنتُ الموازنةَ بين ما تعلمُ وما تطلبُ. إنها تعلمُ الكفافَ من المعلومات الضرورية، ولكنَّ مطالعتَها قد أكسبتها ميولا وأمانيّ لا تتفق مطلقًا مع أذواق عائلتها ولا مع البيئة، بل لا تتفقُ مع مركزها الخاص. فإذا نهضتْ يثقلُها الوسطُ، تطلبُ من العريس الذي لا تعرفُه صفاتِ أبطال إحدى الروايات، تطلبُ ذلك وهي محجوبةٌ، فلا الوسطُ يمكِّنها من التفضيل بين الشبَّان، ولا الحكايات التي يحكيها المبالغون في الحكايات عن الشبَّان من حيث تبدُّلهم بمُحبِّبةٍ لها في الزواج، فموضعُها من ذلك كلِّه موضع متردِّد خائف من نتيجة الزواج)(78). ويفسر أحمد لطفي السيد، من منظوره الاجتماعي، تلك العلاقةَ بين تأثير تلقي فتيات الطبقة الوسطى للعلم الجديد وللأدب الجديد من ناحية، وترددهن النسبي من قبول عروض الزواج من ناحية ثانية؛ وذلك بسبب الفروق الكبيرة التي يلحظنها بين ما علَّمَهُنَّ ذلك العلم وذلك الأدب الجديد من قيَمٍ ومُثلٍ جديدة، وحينئذ يبرز دور الروايات التي يقرأنها فترسّخ في أذهانهنَّ صورًا أو نماذج أو أنساق ثقافية للزوج (وهي التي أشار إليها في سياق آخر) ولا يجدنها في واقعهن بالفعل، فيصبحن متردداتٍ متخوِّفاتٍ من الإقبال على الزواج. ولعله بتسجيله تلك الملاحظة كان يكشف عن ظاهرة من أبرز الظواهر الكاشفة عن سريان تأثير الرواية، أو الروايات المُعرَّبة خاصة، على شريحة الشابات. وهو بذلك يميط اللثام عن جانب من الجوانب المطمورة في وعينا الحديث بطبائع تلقي الرواية لدى النساء في سياق المجتمع المصري في الربع الأول من القرن العشرين.

(4/3) تبنِّي مذهب الحقيقة وتفسير عبادة البسالة

تجاوب أحمد لطفي السيد مع ما دعا إليه عدد من الكتَّاب والنقاد المعاصرين له تحت مسمى “مذهب الحقيقة” الذي يُفهم بوصفه “المذهب الواقعي” في الكتابة الأدبية (80)، ومن هذا المنطلق ثمَّن توجُّه تولستوي (1828-1910)، ووصفه بأنه واحدٌ من (كتَّاب الواقع) لا (كتَّاب الخيال)(الذي يكتبون عن الإنسان باعتبار ما يجب أن يكون لا باعتبار ما هو في الواقع)(81). ودلَّل على هذا بتلخيص روايته “البعث”(1899) كاشفا عن تصوير تولستوي تغلُّبَ الشهوات الكامنة في نفس البطل على سلوكه بتأثير البيئة التي يعيش فيها، ثم رجوعه عن هذا المسلك بتأثير (أخلاق النُّبْل والعطف التي كانت قد فارقتْه عند استحكام الشهوة)(82). وهذا ما يشير إلى أن أحمد لطفي السيد كان يتخذ من تبنيه “مذهب الحقيقة” في النظر إلى إبداعات الأدب والفن وسيلةً إلى تأكيد المهمة الاجتماعية ذات المنحى التعليمي والاخلاقي البارز، مدلِّلا بذلك على حيوية الأدب والفن والحاجة إليهما في سياق المجتمع المعاصر.

ولعل المنظور الاجتماعي الراسخ في خطاب أحمد لطفي السيد عن الثقافة والفنون والأدب هو الذي يفسِّر لقارئ كتاباته اهتمامَه الدائم بالكشف عن الآثار الاجتماعية غير المباشرة للفن والأدب، ليدلِّلَ على أنها قد تكون مخالفةً تمامًا لما يبدو في ظواهر الممارسات الأدبية والفنية؛ إذ قد تنطوي في داخلها على ترسيخ قيم وأنساق ثقافية واجتماعية سلبية، بل إنها قد تكون حاملةً لقيمٍ مضادةٍ للقيم الإنسانية الإيجابية التي كان حريصًا على أن يقوم الأدب والفن بها. وهو ينطلق في تجليته رؤيته تلك من تحليله لما وصفه بأنه (عبادة البسالة)؛ ويعني به مدحَ الفنانين والأدباء الأعمالَ الحربيةَ والبطوليةَ التي يقوم بها الأبطالُ من دون التفاتٍ إلى أسبابها ونتائجها مما يعني أن هؤلاء المادحين (تنجذبُ قلوبُهم لأعمال الفتْك والظلم ولو كانت واقعةً عليهم، بشرط أن يكون الفتكُ عظيمًا هائلا والظلمُ شنيعًا كبيرًا)(82)، أي أن إعجاب الأدباء والفنانين بقوة البطولة التي يصوِّرونها في أعمالهم وكيفيات تحقيقها في مسالك الأبطال قد يصرفهم عن تأمل بواعث تلك الأعمال ونتائجها على مجموعات من البشر؛ مما يكشف عن ضيق منظورهم الإنساني الذي يقودهم إلى إنتاج صورة للبطولة تنطوي على نُصرة عديد من القيم السلبية التي تضاد المنظورَ الإنساني الحقيقي. وهو يمثِّل لهذا بعدد من الأغاني التي كانت تُقدم (في الحفلات العمومية في عهد الفرنساويين في مصر. فمن تلك الأغاني مقطوعاتُ الإطراء على نابليون والتودُّد إليه والإعجاب به هو وجيشه، وإظهار التلذُّذ الكاذب بفتك العساكر الفاتحة بالغزِّ وبالعرب)(83). وبعد أن قدم عددًا من نماذج هذه الأغاني(84) وبيَّن أن صانعي هذه الأغاني قد (رأوا عظمةَ القائد بونابرت، وشجاعته، وانتصاره عليهم ففنوا في الإعجاب ببسالة الرجل وجيشه، ونسوا أن الحامل لهذا الجيش على الفتح هو الطمعُ في حق الغير، وما كان الطمعُ فضيلةً تستحقُّ الثناء، وغفلوا عن أن عمله من أوله إلى آخره هضمٌ لحقِّ الضعيف واعتداءٌ عليه، وما كان لأحدٍ أن يُمدحَ على الاعتداء على الغير. نسوا كل ذلك، ونسوا أن المُعتدَى عليه  في ذلك هُم هُم المغنون والسامعون)(85).

ولعل من الأهمية بمكان  أن نلحظ ربطَ أحمد لطفي السيد بين سيادة (عبادة البسالة) في مجتمعٍ ما، أو في مرحلة اجتماعية، أو وضعية اجتماعية ما، وتأثيرها في ترسيخ  عدد من المسالك الأخلاقية السلبية، وانعكاسات هذا التأثير في اللغة المستخدمة في مجال العلاقة بين الحكام والمحكومين. وإذا كان بإمكاننا من منظور القراءة الثقافية المعاصرة أن نعدَّ (عبادة البسالة) نسقًا ثقافيًا فمن البيِّن أن هذا الربط الذي أقامه أحمد لطفي السيد بينه وبين آثاره يعدُّ، فيما نرى، علامةً دالةً على رؤية تؤكد أن اللغةَ بوصفها أداةَ تواصلٍ اجتماعي تعكس طبائعَ هذا النمط الثقافي الغالب على بعض المجتمعات؛ فهو ينظر إلى حبّ الحكومة الاستبدادية والرضى ببقائها بوصفه من أوضح الأمثلة على تأثير (عبادة البسالة) في (إفساد أخلاق الأفراد والشعوب)؛ إذ يقرِّرُ أن أساس الحكومة الأوتوقراطية هو (عبادةُ البسالة، أي أخلاق الذُّلِّ والضعف في نفوس المحكومين، ومظاهرُ هذه الأخلاق الفاسدة كثيرةٌ في ظل تلك الحكومات أبسطُها الإسرافُ في التعبير عن الحاكم بالسيد، وعن المحكوم بالعبد، وقلَّما تجد شكايةً يرفعُها فردٌ من أفراد الأمة المحكومة بالحكومة الاستبدادية إلا مُصدَّرةً بألفاظ العبودية صريحةً أو مؤولةً، مختومةً بألفاظ العبودية الصريحة، وبعد أن يكون استعمال هذه الألفاظ  من باب الأدب المجرَّد، أو على طريق المجاز فإن ألفاظ “العابد، والمعبود، والعبودية” إنما كانت تقالُ في الحكومات الأوتوقراطية على طريق الحقيقة المجاز، لا يفهم منها الحاكمُ أنه معبودٌ حقيقةً، ويفهم منها الفردُ أنه عابدٌ حقيقة. وأن الرابطة بين الرعية والراعي هي العابدية والمعبودية، وليس هذا المعنى غريبًا عنَّا في مصر فإنه كان شائعًا إلى عهدٍ قريب، ومن المحتمل أن تكون آثاره موجودةً إلى الآن على صورتها الأولى أو على الشكل الأول في إفادة الذلِّ والعبودية)(86). ولعل تلك الإشارات الدالة إلى تأثيرات (عبادة البسالة) في اللغة العربية وفي السياق المصري تعد مسلكًا يحمل، بوصفه تجسيدًا لمهمة الناقد الاجتماعية في خطاب أحمد لطفي السيد، دلالتين: أولاهما: أن الناقد يتخذ من خطابه النقدي وسيلة لتعرية آثار الاستبداد في مسلك الحكام والمحكومين في السياقات الاجتماعية التي يسودها القمعُ أو الاستبداد. وليست هذه الدلالة في سياق تقديم الناقد خطابه ذاك إلا وسيلة ليكونَ أداةَ تحريرٍ لوعي المتلقين. وثانية الدلالتين تشير إلى أن أحمد لطفي السيد كان يمارس في سياق الكتابة وسياق التواصل مع القراء المعاصرين الذي يتوجَّه إليهم بخطابه هذا، الدورَ ذاته الذي سجَّله هو نفسه، في سياقٍ آخر، أن المفكرين الأوربيين قد قاموا به في عصر النهضة؛ إذ رأى أنهم نقضوا الفكرةَ التي شاعت في العصور الوسطى حيث نُظر إلى الملوك بوصفهم يحكمون باسم الله، وحيث كان (الملك المقدس) يورِّثُ ملكه لأولاده من بعده، وطرحوا مبدأ أن حكم الملوك إنما هو باسم الأمة، وأنهم يخضعون لسلطة الأمَّة ويحكمون لخير الأمَّة(87).

(4/4) المهمة الاجتماعية وإشكال تصوير العلاقة العاطفية بين الرجل والمرأة

من الجوانب المتصلة برؤية أحمد لطفي السيد لمهام الأدب وأنواعه الأدبية المختلفة، لاسيما الرواية والمسرحية ما يتعلق برؤيته لتأثير تناول تيمة الحب بين الرجل والمرأة، أو العلاقة العاطفية بين الرجل والمرأة، في الرواية والمسرحية على وجه الخصوص، على المتلقين وخاصةً الشبّان والشابات. وهو يكشف عن رؤية يمكن وصفُها بالعمق لتجليتها بعض تلك الآثار؛ إذ كان يستند فيها إلى منظور ضمني يرى الأدب بأنواعه المختلفة، أو الرواية والمسرحية خاصة، وسيلةً من وسائل إنتاج نماذج للشخصيات “المثالية” في سلوكها الإيجابي لأنها تتحول إلى موجِّهات للمتلقين شعوريًا وفكريًا وسلوكيًا. ولهذا فقد كان يتحفَّظ كثيرًا على أن تقدم الكتابات الروائية أو القصصية والمسرحية شخصياتٍ تغلبُ عليها عاطفةٌ ما من العواطف التي رأى أن في غلَبتها على شخصٍ ما ما يؤدي إلى تشوه مزاجَه، ومن ثم يُفضي إلى تشوُّه سلوكه؛ وعلى هذا وصف مجنون ليلى وأمثاله من الشخصيات بأنهم (أناسٌ مَرْضَى أصابهم التشوُّهُ في أمزجتهم، فنبُوا في سلوكهم عن سيْر الإنسان السليم)(88). وأكّد أن هناك إجماعًا بين الباحثين على أن الحبَّ (هذا الشعور الطبيعي ما رُكِّب في الإنسان إلا لحفظ النوع)(89)، وأن (أصل الحبِّ في الإنسان هو حبُّ الذات، أي الأنانية والاختصاص، فكلَّما زاد الحبُّ زادت معه مظاهرُ الأثَرَة والأنانية إلى حد أن كلا المحبَّيْن يريد بكلِّ قواه أن يمحوَ شخصيةَ محبوبه من الوجود فيطمعَ ألا ينظرَ إلا بعينه، ولا يسمعَ إلا بأذنه، ولا يفكرَ إلا بدماغه، ولا يطعمَ إلا ما يجبُ أن يطعمَه هو)(90)، وعلى هذا رأى أن تصوير الحب؛ بما وصفه بأنه (مراتبه الشعرية) من الشغف والغرام والهيام، قد يؤدي إلى سريانه أو تحوله إلى إحساس عام يسود في أمَّة من الأمم. ولعل أحمد لطفي السيد في هذا الموقف كان يحيل ضمنيًا إلى عديد من الوقائع المرتبطة بتأثير تلقي الرواية الرومانسية ذات المحتوى العاطفي الغالب، سواءٌ في الثقافة الأوربية في القرن التاسع عشر أو في الثقافة العربية في أواخر القرن نفسه؛ إذ أدت عديدٌ من الروايات الرومانسية المفرطة في تصوير الجانب العاطفي أو الشعوري المرتبط بالحب وما ينتج عنه من آثار في نفوس المحبِيْن، كما في روايات من قبيل “آلام فرتر” و”غادة الكاميليا” وغيرها، إلى إشاعة ما موجات عاطفية حادة لدى شرائح متعددة من القراء، وصارت هذه الموجات بمثابة داءٍ معدٍ تنتقل آثاره بين فئات القراء لاسيما من الشبان والشابات، ومن ثم صارت هذه الروايات موضع انتقاد كبير لدواعٍ “أخلاقية”(91). كما كان يتوجَّسُ أيضا من غلبة المنحى الرومانسي على مجموعة كبيرة من الروايات والمسرحيات المترجمة والمعربة في سياقه الثقافي؛ حيث وُصفت هذه الروايات بأنها “الرواية الخيالية”(92). ورأى أن هذا النوع من الأدب سيؤدي إلى إيجاد أفراد يفتقرون إلى (الاستقلال الذاتي) الذي هو أصلُ النجاح والرقي، ومن ثم سيكون المجتمع مُكوَّنًا من أشخاص يفتقرون إلى التكوين الفكري الناضج. ومن هذا المنظور رأى أن (كتَّاب القصص ومُعرِّبي القصص) الذي يقدمون هذه الشخصيات الرومانسية التي تغلبت عليها عاطفتُها، ويجعلونها أبطالا في نصوصهم قد يكونون مدفوعين في ذلك بظروفهم النفسية الخاصة التي تؤثر في سلوكهم وتدفعهم إلى اختيار أبطال رواياتهم من الأشخاص الذين أثرت عليهم ظروف حياتهم فصاروا شبيهين بالمرضَى “النفسيين” الذين يعانون من “نقص” في تكوينهم النفسي أو الشعوري(93). واستند في رفضه الصارم لهذه الروايات والمسرحيات إلى تجربته الواقعية أو الحيَّة؛ إذ قرَّر أن (أغلب الفتيان والفتيات في سنٍّ معلومة تسحرُهم القصةُ، فتسري إليهم العدوى المعنوية من أبطال الروايات إذا قرأوها في خلواتهم أو شهدوها تُمثَّلُ على المسارح، فتُكرّر في الجمعية بتلك الصورة المريضة، ويفشو في الناس التشوُّهُ الذي هو في الطبيعة قليلُ المثال.. بذلك يكثرُ في الناس أمثالُ عُطيل في غيرته الطائشة، ولا يرضى الفتى من خطيبته إلا تضخية “جولييت” “..” وما أغني الإنسانيةَ وهي أحوجُ إلى الأعمال المنتِجة في سعادتها ورفاهتها عن إكثار عدد المرضى قليلي العمل كثيري الهوس والخيالات العقيمة)(94). وفي سياق آخر أكَّد أن قراءة القصص العاطفية ومشاهدة المسرحيات العاطفية تؤدي إلى تولُّد مشاعر كاذبة في نفوس المتلقين مما يدفع بعضَهم إلى الانتحار(95). ولعل للقارئ أن يلاحظ مجاراةَ أحمد لطفي السيد لما شاع في سياقه الثقافي من تداخل، في كتابات النقاد، بين مصطلحات “القصة” و”الرواية” بمعنى الرواية، وتداخل آخر بين “الرواية” و”المسرحية” حيث كانت تطلق كلمة (الرواية) عليهما معًا، في مسلك دال على القلق المصطلحي الذي واجهته الأنواع الأدبية الحديثة في سياقها العربي آنذاك(96). ولعل من المفيد أيضًا تسجيلَ أن هذا التعليل الذي قدمه أحمد لطفي السيد، في هذا النص، يثير لدى قارئه مجموعةً من الملحوظات الأخرى، وهي: أن هذا الموقف الصارم من الروايات والمسرحيات الرومانسية إنَّما كان مواجهة لتيار كانت له غلبةٌ كبيرة على حركة هذين النوعين في السياق الثقافي المصري في الربع الأول من القرن العشرين. ولم تكن تمثيلات أحمد لطفي السيد بشخصيتي “عطيل” و”جولييت” إلا إشارات مقصودة وموجَّهة لرفضه هاتين الشخصيتين لأن كلا منهما إنما تعدُّ “تمثيلا نموذجيا” لشخصيةٍ تغلبها عاطفةُ الحب التي أدَّت في حالتيهما إلى سلوكين مختلفين، ولكنهما يلتقيان معًا في تجسيدهما نمطًا من الضعف الإنساني الناتج عن غلبة تلك العاطفة على نفس كلٍّ منهما؛ فعُطيل حوَّله الحب الجارف إلى شخص يسيطر عليه الشعور بالغيرة التي تدفعه إلى قتل حبيبته “ديدمونة”؛ أي أن الغيرة قد ملكت عليه نفسه، وحوّلته إلى قاتل، وأمَّا “جولييت” فقد جعلها شعورُ الحب الطاغي تستسلمُ لموجباته العاطفية فبدت فانية في أعماق هذا الشعور؛ ومن ثم ساقها هذا إلى الانتحار بعد وفاة “روميو”. ولم يختلف موقف أحمد لطفي من هاتين الشخصيتين عن مواقف عديد من النقاد الاجتماعيين المصريين المعاصرين له؛ فرغم الإقبال الكبير على مجموعة من العروض التي قدمت أعمال شكسبير، لاسيما “روميو وجولييت” و “هاملت” و”مكبث” و”عُطيل”(87) مما كان سببًا في إشاعة “الروح الرومانسية” لدى جمهور المشاهدين المصريين فإن عديدًا من هؤلاء النقاد قد نظروا إلى مسرحية “عُطيل” بوصفها (رمزا للغيرة المُجسَّمة، كما أن بعضَهم لم ير فيه صلاحيةَ لمجتمعِه)(98). وقد كان أحمد لطفي السيد يستند في مشروعه لتحقيق النهضة إلى تفعيل أداة “العقل” في تحليل مختلف أنماط السلوك الفردي والجماعي، وكان يعتمد عليه أداةً فعَّالة في تحليل الواقع بمظاهره المختلفة، كما كان يستند إليه في الكشف عن وجوه النفع والخير ووجوه الشر للفرد والمجتمع على السواء. ومن ثم كان يؤمن أن العاطفية المُفرِطة حين تسيطر على الفرد أو على المجتمع لن تؤدي إلا إنتاج أفرادٍ ينقصُهم مقومُ “الاستقلال الذاتي” مما سيحول بينهم وبين إبراز وجودهم الفردي بوصفه تحقيقًا لخصوصية كلٍّ منهم من ناحية، والإسهام في تحقيق النفع العام من ناحية أخرى. ولعل هذا هو الكامن الجذري وراء رفض أحمد لطفي السيد “الصارم” لغلبة التأثير العاطفي على شخصيات الأبطال في الروايات والمسرحيات بوصفها النماذج ذات التأثير الفعال على وجدان المتلقين وعقولهم وعلى سلوكهم أيضا. فالمسكوت عنه في خطابه الثقافي إنما نموذج الفرد العقلاني القادر على الإسهام في صناعة النهضة عبر الاحتكام إلى “العقل” من ناحية، وتحجيم النوازع الذاتية “المفرطة” من ناحية أخرى.

(4/5) تحقيق الطابع القومي في الأدب والفنون ضمانٌ لوفائها بمهامها الاجتماعية

اتخذ أحمد لطفي السيد من الدعوة إلى نشر الفنون الجميلة، ومن بينها الموسيقى، وسيلةً لإتاحة إمكانات ترقية الذوق، لكنه لم يقصر مهامَها على هذا الهدف وحده؛ فثمة مهام أخرى أبعد تؤديها هذه الفنون؛ فهي تستطيع بتأثيرها في عواطف المتلقين أن تنبِّهَ كلَّ عاطفةٍ منها، كما تستطيع أن تنمِّى عواطفَ الأنفَة والعزَّة حين يكون المرءُ في موقف الدفاع عن الوطن. كما أنها يمكن أن تكون وسيلةً إلى خلق الشعور بحبِّ الجمال لدي المصري؛ فإذا (أحبَّ الجمال، ذاق طعمَ الحياة فأحبها على ما يجب أن يكون)(99). ولعل هذا الفهم الذي طرحه أحمد لطفي السيد كان واحدًا من الأسس والموجِّهات التي أقام عليها رؤيته لجانبين من الجوانب المتصلة بالطبيعة الاجتماعية للأدب والفنِّ مما يتجلَّى في إمكانية قيام الأدب القصصي بوظيفته الأخلاقية على نحوٍ أشدّ تأثيرًا مما كانت تنشره الصحف تحت مسمى (الأبحاث الأخلاقية) ومن ثمة كان يكرِّر بوسائل مختلفة، شفاهية وكتابية، دعوتَه إلى تقديم (القصص المصرية) التي تنقِّي (أخلاقَ الأمة من أدران الطبائع الاستبدادية في قالب غرامي)(100) مادام الكتَّاب قد امتلكوا (سعة الخيال)(101). وهو بذلك يجعل من (سعة الخيال) شرطا سابقًا لقيام الكتاب المصريين بتأليف قصص تعتمد على القالب الغرامي الذي يضمن إقبالَ القراء عليها، لاسيما أنها تحمل الطوابع المصرية؛ وذلك كي تنقِّي أخلاق قرائها من سلبيات الطبائع الاستبدادية. ولعله بذلك كان يمهِّدُ الطريقَ أمام منحى في كتابة الرواية المصرية، منحى صار يقوم على اتخاذ الوقائع السياسية المعاصرة في الحياة المصرية مادةً لصياغة روايات تتنقد عديدًا من الجوانب السلبية في الواقع المصري لاسيما ما يتعلق بالجانب السياسي. وتعدُّ تلك دعوة استباقية مبكرة من لدن أحمد لطفي السيد لما قدمه معاصره نقولا الحداد (1878-1954) من روايات مثل “زغلول مصر” و”زغاليل مصر”(1922) تناول فيها مجموعةً من وقائع ثورة 1919؛ حيث صاغ هذه الوقائع بهدف الإعلاء من مفهوم الوطنية المصرية، فكان أن جعل أبطال روايتيه من طلاب المدارس والجامعات لما كان لهم من إسهامٍ فعّالٍ في أحداث تلك الثورة، وقدم الأحداث التاريخية للثورة، وجاءت معالجته لها بمنحى فني محدود؛ فكانت الروايتان (واضحتين ومباشرتين فكرةً وأسلوبا(102). ولعل تلك الإلماحة التي صنعها أحمد لطفي السيد مبكرا ليست إلا وجهًا من وجوه متعددة وثرية رأى أن القصص المصرية يمكن أن تنجلي بها كي تصير مؤثرة وفاعلة في حياة المصريين.

وثمة أمرٌ دالٌّ ألحَّ عليه خطاب أحمد لطفي السيد كثيرا، وهو صبغُ الفنون والآداب في الأمة بالمنحى القومي الذي يؤكد خصوصيتَها في مجال الموازنة بينها وبين فنون الأمم الأخرى وآدابها. ولعل من الطريف هنا ملاحظةَ أن هذا الخطاب كان يفرق دائما بين الفنون من ناحية والأدب من ناحية أخرى؛ وذلك من منظور إمكانية عكس كلٍّ منهما الهويةَ القومية للأمة. ولعله كان يستشعر بقوةٍ أن كون الأدب المصري الوسيط والحديث يعدُّ جزءًا من الأدب العربي الوسيط والحديث لا يتيحُ للكثيرين إمكانيةَ التدليل على كيفية تجلِّى الهوية المصرية فيهما، وهو ما يمكن ردُّه إلى عوامل موضوعية منها أن تناول الأدب المصري الوسيط لم يكن موضوعا مستقلا عند المحدثين من دارسي تاريخ الأدب العربي حتى ثلاثينيات القرن العشرين حيث بدأت الدعوات في سياق المؤسسة الثقافية ومؤسسة الجامعة إلى تخصيص الأدب المصري “الوسيط” بدرس مستقل. ولما كانت غالبية كتابات أحمد لطفي السيد تقع في العقدين الأولين من القرن العشرين فلم تكن ملامح “الهوية” أو “الشخصية المصرية” المُفترضَة في ذلك الأدب قد انجلت بعضُ معالمها إلا بدءًا من مرحلة الثلاثينيات تلك. ولعل هذا ما يمكنه أن يفسِّرُ ما يلحظُه القارئ من إلحاح خطابه على أن فنونًا من قبيل الموسيقى والأغنية والمسرح أو التمثيل تظهر فيها الصبغةُ القومية الخاصة بالبيئات أو المجتمعات التي تشيع فيها، إذ تبدو تلك الفنون أشدَّ اتصالا بأشكال من الأداء الجماعي والتلقي الجماعي أيضًا مما يفسر اتصافَها بالقدرة على عكس الهوية القومية لمجتمعاتها وبيئاتها عكسًا مباشرا أو شبهَ مباشر. ولقد أكَّد أحمد لطفي السيد أن (كل أمِّة تصبغُ التمثيلَ والغناء بلون أخلاقها، كما تصبغ معتقداتها وقوانينها بلون عاداتها، وأنه لا شيءَ أدلّ على رقي الأمة في سلُّم التربية أكثر من طريقتها في الغناء والتمثيل)(103). إنه يجعل من الغناء والتمثيل مقومين من مقومات نجاح الأمة في مسيرتها لأنهما يُسهمان في تحقيق ما يصفُه بأنه (تربية العواطف) ومن ثم فإذا كان التمثيل (قاعدة من قواعد تربية الأمم كان الممثلون هم بالضرورة المؤدِّبين المربين، والمرشدين الناصحين)(104). ولعل في هذه العبارات جلاءً بالغًا للمهمة التعليمية والأخلاقية التي يقوم بها التمثيل أو المسرح في فكر أحمد لطفي السيد.

كان أحمد لطفي يضعُ لكلٍّ من التعليم والتربية والفن والأدب أهدافًا متشابهة أو متقاربة، بل لعل الكامنَ، والظاهرَ أيضًا، في خطابه يمكن أن يكون حملَ الفن والأدب على التعليم من زاوية المهمة التي يؤديها كلٌّ منهما؛ فالتعليمُ، فيما يرى، وسيلةٌ مؤثِّرة لإكساب الفرد مجموعةً من القيم التي تهيِّئه ليمارس شئون حياته الفردية عن وعي وعن بصيرةٍ بحاجاته وبكيفية تلبيتها، كما أنه وسيلةٌ لتبصيره بحقوقه ليعمل على اكتسابها والتمتع بها، وبمهامه الاجتماعية ليعمل على تأهيل نفسه بالمقومات اللازمة ليُحسنَ أداء تلك المهام. ولهذا أكَّد أن الذوق أو (ملَكة التمييز) استعدادٌ فطريٌّ يتطلَّبُ إنماؤه بالتعليم والتربية؛ وذلك من أجل تمكين الأفراد من استخدامه في التمييز بين المحسوسات، مما ييسِّر لهم ترقية ملَكة الذوق في المعنويات؛ ومن ثم تتاح إمكانيةُ تحقيق المشابهات بين هؤلاء الأفراد و(على المشابهات ينبني التضامنُ، وعلى التضامن تُبنى قوةُ الرأي العام. وعلى قوة الرأي العام، يتوقَّف كلُّ نجاح، اجتماعي وسياسي)(105). وإذا كان أحمد لطفي السيد قد ألحَّ كثيرًا على أدوار المؤسسات التعليمية والاجتماعية في ترسيخ “المشابهات” بين أفراد المجتمع مما ييسِّر تحقيق “التضامن”، أو “التضامن القومي” كما وصفه أحيانًا أخرى، بينهم فلعل هذا الفهم هو الذي قاده ضمنا إلى إنتاج رؤية تدعم الأواصرَ بين الفن والأدب من ناحية والتعليم من ناحية أخرى؛ وذلك على النحو الآتي: يؤكِّد أحمد لطفي السيد أنه (ليس للعلم وطنٌ ولا للتمدن وطنٌ، ولكنَّ طريقة التعليم وطريقة التمدن يجب أن تأخذ الطابعَ الوطني حتى تمتزجَ بنفس المتعلِّم وعاداته الأصيلة في نفسه، وحتى يبقى المتعلِّم بعد التعلُّم جزءًا من أمته وفردًا من قومه، حافظًا لجميع المشابهات التي تربطُه بهم، لا متخذًا عاداتٍ جديدة تربطه بغيرهم)(106). أي أن طريقة التعليم وطريقة التمدن التي تصبغها المؤسسات المسئولة عنها بالطوابع الوطنية تتيح لها الامتزاجَ بنفوس المتعلمين وعاداتهم الأصيلة، وذلك ما يؤدي إلى تقوية الروابط التي تربط الفردَ بأبناء وطنه؛ فالتعليمُ بهذه الكيفية وسيلةٌ من وسائل تحقيق الهوية القومية. وهو في هذا الجانب لا يختلف عن الفنِّ والأدب الذي كان أحمد لطفي السيد يدعو منتجيه إلى صبغه بطوابع الهوية أو القومية المصرية معلِّلا هذا بأن (كلّ أمةٍ تصبغ التمثيلَ والغناءَ بلون أخلاقها، كما تصبغُ معتقداتِها وقوانينها بلون عاداتها)(107). وبذلك تتأكد العلاقة بين التعليم من ناحية والآداب والفنون من ناحية أخرى؛ فهما من وسائل تحقيق الهوية المصرية أو القومية.

 خاتمة

كان مسعى أحمد لطفي السيد إلى بلورة خطاب النهضة في علاقته بتحقيق الهوية المصرية الإطارَ الشامل الذي صاغ في سياقاته المختلفة رؤيتَه لمهام الأدب والفنون المختلفة. ومن ثمة كانت نظرته للأدب قائمة على تقديره الكبير لأدواره الاجتماعية التي تتحقَّق عبر النماذج أو الأنساق الثقافية التي يقدمها للمتلقين. ولعل إصرار أحمد لطفي السيد، طوال الربع الأول من القرن العشرين خاصة، على تغليب المنحى العلماني على رؤيته الفكرية، وعلى أن يعكف على تجلية طرائق تحقيق النهضة في إطار جدلها مع تحقيق الهوية المصرية، قد جعل من خطابه، في سياقه التاريخي، أحد الروافد المؤثرة في خطابات مُجدِّدين تتلمذوا عليه من أمثال طه حسين(1889-1973) وعلي عبد الرازق (1888-1967)، فكان أن صار لدى فئات من معاصريه من الأدباء نموذجًا للمفكر المصري الحرّ والشارح الأكبر لقيم الحرية والعقلانية، والمؤصل للمنحى القومي بوصفه أساس مشروع النهضة وغايتَه في الآن نفسه. ولعل خطابه الثقافي لهذا السبب صار موضع جدال لدى أصحاب المنحى التقليدي في تمثل النهضة، كما صار أيضًا علامة دالة لدى أصحاب التوجهات الحداثية، وصار نموذجًا صالحًا أو جديرًا بأن تُتخذ أفكاره ومواقفه أساسًا لعمل روائي معاصر له في تلك المرحلة؛ ففي عام 1927 أصدر عبد الحليم العسكري(؟-؟) أصدر في عام 1927 رواية “سعاد” التي وضعها عبد المحسن بدر في إطار ما وصفنَه بأنه “روايات ما بين التعليم والتسلية والترفيه”(108). وقد وصف ذلك المؤلف المجهول روايته بأنها (“رواية اجتماعية أخلاقية في ثوب غرامي”، وأهداها إلى الأستاذ الأديب والفيلسوف الخطير صاحب العزة أحمد “بك” لطفي دلالةَ ولاءٍ وعلامةَ إخلاصٍ وتقدير)(109). ومثّل فيها بشخصية “الشيخ الفيلسوف” إلى أحمد لطفي السيد، وعرض في ثناياها مجموعةً من أفكاره مثل مهاجمة حكم الفرد والدفاع عن تحرر المرأة، كما دافع عن تلاميذه فأخذ (يحمل على رجال الدين لوقوفهم في وجهه، ويختار لدفاعه الدكتور طه حسين في كتاب الشعر الجاهلي، ويدافع دفاعًا شديدا عن كتاب الإسلام وأصول الحكم)(110). ولعل في هذا ما يكشف عن وجه من وجوه فاعلية خطاب أحمد لطفي السيد في سياقه التاريخي المباشر. وستنجلي وجوه أخرى لتلك الفاعلية في الجزء الرابع والأخير من أجزاء هذه الدراسة.

___________________________________________

الهوامش

(68) لاحظنا هذه الظاهرة في قراءتنا وتحليلنا لخطابات نقدية مصرية متعددة، انظر رصدنا أو استخلاصنا لهذه الظاهرة من تحليلنا لخطاب النقد المسرحي الاجتماعي في مصر (1945-1967)، انظر: سامي سليمان أحمد: الخطاب النقدي والأيديولوجيا: دراسة للنقد المسرحي عند نقاد الاتجاه الاجتماعي في مصر(1945-1967)، دار قباء للطباعة والنشر، القاهرة، 2001، ص – ص 405-406.

(69) للوقوف على نموذج من نماذج تمثل المهام التعليمية للرواية والمسرحية عند نقاد النصف الثاني من القرن التاسع عشر، انظر: سامي سليمان أحمد، التمثل الثقافي وتلقي الأنواع الأدبية الحديثة: تجربة النقد العربي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، مكتبة الآداب، القاهرة، 2016، ص – ص 364-379، 457-477.

(70) أحمد لطفي السيد: حُفَّت الجنة بالمكاره، المنتخبات، الجزء الأول، ص – ص 24-25.

(71) لعل من أقدم الصياغات النقدية المعبرة عن هذا الموقف ما قدمه يعقوب صروف (1852-1927) في عام 1882 من تحذير للشبان والشابات من قراءة “الروايات والأشعار الحبّيّة، انظر تحليلنا لهذا الموقف في: التمثل الثقافي وتلقي الأنواع الأدبية الحديثة، ص – ص 385-387.

(72) أحمد لطفي السيد: بناتنا وأبناؤنا، المنتخبات، الجزء الأول، ص16.  

(73) نشير إلى أن تعبير (الدلَّالة) الذي استخدمه الكاتب يشير إلى مهنة اجتماعية نسائية كان لها تأثيرها الكبير في الطبقة الوسطى في المجتمع المصري الحديث، وهي كما يعرّفها أحمد أمين (امرأة تشتري البضائع المختلفة الخاصة بالنساء، كالمناديل وقمصان النوم والزيت والصابون والروائح العطرية ونحو ذلك، ثم تدخل بيوتًا خاصة اعتادتها، وتبيع هذه السلع بأثمان أكبر مما اشترت. وهي عادةً تنقل أخبارَ البيوت وسرائرها باتصالها بالخدَم ومعرفة أسرار البيوت منهم)، انظر: أحمد أمين: قاموس العادات والتقاليد، المجلس الأعلى للثقافة، 1999، ص 272.

(74) (الأطالس) جمع لأطلس، وهو: (نوع من النسيج المركَّب يمتاز بلمعان وجههيه، وهو من أنواع الأقمشة الحريرية التي كان يستخدمها أبناءُ الطبقة الغنية في صنع ثيابهم بدلا من القطن أو الكتَّان)، كما أنه يمكن تطريزه بالقصب. وأمَّا (الجنافس) جمع لجِنفِس، وهو قماش رقيق النسيج من الحرير، وهو نوع من الأقمشة الراقية، وتستخدمه سيدات تلك الطبقة. انظر: عصام عيسوي: المعجم الموسوعي لألفاظ الحضارة وأدواتها في الوثائق الرسمية المصرية، مركز تحقيق التراث بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، 2025، ص – ص 90-91، 308-309.

(75) انظر: أحمد فتحي زغلول: مقدمة ترجمته كتاب “سر تقدم الإنكليز” لأدموند ديمولان، المكتبة التجارية الكبرى، 1899، حيث ينتقد إقبال القراء في عصره على (مطالعة القصص والخرافات، والتهافت على اقتناء التافه من المؤلفات والتسابق إلى حفظ كتب المجون والروايات، وهجر النافع وإغفال المفيد)، ص .31 وانظر أيضا: محمد عمر: حاضر المصريين أو سر تأخرهم، دراسة وتقديم مجدي عبد الحافظ، الهيئة العامة لقصور الثقافة، 201، حيث ينتقد إكثار المطابع من (طبع كتب السخافة والأوهام، ولعلمهم أن العامة أميلُ إلى ذلك من العلم والحقائق أكثروا من طبع القصص والحكايات الغرامية والفكاهية)، ص – ص 153-154.

(76) بناتنا وأبناؤنا، المنتخبات، الجزء الأول، ص157.

(77) بناتنا وأبناؤنا، ص 157.

(78) بناتنا وأبناؤنا، ص – ص 157-158.

(79) انظر: أحمد شمس الدين الحجاجي: النقد المسرحي في مصر، ص 177 حيث يشير إلى إعجاب عدد من النقاد في عام 1916 بمذهب الحقيقة الذي وصفه بأنه (المذهب الواقعي).

(80) مات الرجل، المنتخبات، الجزء الأول، ص 192.

(81) مات الرجل، ص – ص 192-193.

(82) أفكار عامة: عبادة البسالة، المنتخبات، الجزء الأول، ص 218.

(83) عبادة البسالة، ص 218. ونشير إلى أن كلمة (الغُزّ) التي وردت في نص أحمد لطفي السيد تُستخدم في العامية المصرية للإشارة إلى الأتراك الذين كانوا يحكمون مصر، وقد وردت في المثَل المتداول حتى الآن وهو (آخر خدمة الغز علقة)، وهو مثلٌ (يُضرب لقبح المكافأة على العمل الحسن). انظر: أحمد تيمور: الأمثال العامية، الطبعة الثانية، دار الكتاب العربي، القاهرة، 1956.

(84) انظر: عبادة البسالة، ص – ص 218-19، حيث يقدم أربع مقطوعات منها.

(85) عبادة البسالة، ص 219.

(86) عبادة البسالة، ص 220.

(87) مقال “ضحايا الأبرار وحق القوي”، المنتخبات، الجزء الأول، ص 22.

(88) الحب، من مبادئ السياسة والأدب والاجتماع، ص 177.

(89) الحب، ص 176.

(90) الحب، ص 177.

(91) انظر: عبد المحسن طه بدر: تطور الرواية العربية الحديثة، ص – ص 133-136، وانظر: التمثل الثقافي وتلقي الأنواع الأدبية الحديثة، ص – ص 383-399 حيث نحلل خطاب النقد الإحيائي بتياريه التوفيقي والتحديثي وهجومه أو انتقاداته “الحادة” للرواية الخيالية.

(92) انظر: التمثل الثقافي وتلقي الأنواع الأدبية الحديثة، ص – ص 393-394 حيث يناقش تلقي الرواية الخيالية

(93) يقول أحمد لطفي السيد: إن (الكاتب قد يكون ضعيف الأعصاب بالإجهاد الشخصي أو بحكم الوراثة.. هائج المجموع العصبي من جراء المعيشة المدنية، والإسرافات المتنوعة من شرب الكحول، ومن السهر، بل من البيئة المدنية المصفاة التي لا تكاد تُفيق من اللهو واللعب. قد يكون الكاتبُ كما وصفْنا، فيجرِّد من شخصية المريض بطلا لروايته الغرامية)، الحب، ص 178.

(94) الحب، ص 178.

(95) انظر: الانتحار، المنتخبات، ص224، وأغلب الظن أنه يشير هنا إلى بعض الوقائع التي عرفها سياق تلقي الرواية الرومانسية في أوربا القرن التاسع عشر.

(96) حول ظاهرة الاستخدام القلق للمصطلحات عند نقاد الرواية والمسرحية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، انظر: التمثل الثقافي وتلقي الأنواع الأدبية الحديثة، ص – ص 49-53.

(97) حول عروض هذه المسرحيات في مصر من بدايات القرن العشرين إلى ثلاثينياته، انظر: رمسيس عوض: شكسبير في مصر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1986، ص – ص 69-104.

(98) أحمد شمس الدين الحجاجي: النقد المسرحي في مصر، مركز جامعة القاهرة للنشر، 2017، ص 197.

(99) انظر: ضحايا الأبرار وحق القوي، المنتخبات، الجزء الأول، ص 22.

(100) أحبُّوا الجمال تحبوا الحياة، المنتخبات، الجزء الأول، ص 113. ويحسن مراجعة المقال كاملا لمعاينة شرح أحمد لطفي السيد للفكرة التي أشرنا إليها في المتن.

(101) انظر: شيء آخر، المنتخبات، الجزء الأول، ص37.

(102) انظر: مقدمة كل من أحمد جلال بسيوني وعبد الله علي الصاوي لهاتين الروايتين “الزغاليل المجهولة”، الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2019، ص 11.

(103) مصاب التمثيل، المنتخبات، الجزء الأول، ص 102.

(104) مصاب التمثيل، ص 102.

(105) تربية الذوق، المنتخبات، الجزء الأول، ص 60.

(106) شيء في التعليم، المنتخبات، الجزء الأول، ص 84.

(107) مصاب التمثيل، المنتخبات، الجزء الأول، ص 102.

(108) انظر: عبد المحسن طه بدر: تطور الرواية العربية الحديثة في مصر، الطبعة الرابعة، دار المعارف، 1985، ص 119.

(109) تطور الرواية العربية الحديثة في مصر، ص 119.

(110) تطور الرواية العربية الحديثة في مصر، ص 120، وانظر ص – ص 119-120 حيث يعرض عبد المحسن طه بدر الرواية. ويشير عدة مرات إلى أنها جاءت ردًا على رواية “عشق المرحوم مصطفى كامل وأسماء عشيقاته” التي أصدرها مؤلف مجهول لم يصرح باسمه ورمز له بالحرفين (أ. ف)، وهو يعرض هذه الرواية، ص – ص 116-119. ومن المفيد تسجيل ملحوظتين: أولاهما: أن عبد المحسن بدر قد صنَّف الروايتين في إطار روايات ما بين التعليم والتسلية والترفيه. وثانيتهما: أن مؤلف رواية “سعاد” قد جاء اسمه (أحمد عبد الحليم العسكري) في: الرواية العربية: مدخل نقدي وببليوجرافيا لحمدي السكوت. انظر كتابه، الجزء الثاني، ص 229.

 

 

    اقرأ ايضا

    المزيد من المقالات

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete