الفلسفة الوضعية : تعريفها، مؤسّسها، وتأثيرها في الفكر العربي.

 

  إنطلقت الفلسفة المعاصرة في القرن التاسع عشر، ويمكن القول إنها مستمرّة إلى اليوم. هي الفترة التاريخية للفلسفة التي تأتي مباشرةً بعد الفلسفة الحديثة أو عصر التنوير، وهي الممثّلة بحقّ لاستمرارية النقد الكانطي. ناقشت الفلسفة المعاصرة موضوعات عدّة، مثل الدين والحرية والموت.. والتي تشير إلى أسئلةٍ وجودية. عرفت هذه الفلسفة غزارة في التيارات الفكرية ذات الشأن الكبير على مستوى الطروحات، والطروحات المضادة، إضافةّ إلى كمّ نوعيّ من الأعلام والفلاسفة الذين أبدعوا ضمن هذه التياّرات. من هذا المنطلق، سوف نتناول في بحثنا أحد أبرز تيارات الفلسفة المعاصرة: الفلسفة الوضعية، ملقين الضوء على مفهومها، ومؤسّسها وفلسفته، وعلى أبرز أعلام الفكرالمتأثّرين بها عند العرب.

أولاً : الفلسفة الوضعية  Le positivisme : تعريفها، جذورها، وأنواعها

  • تعريف: هي نظام فلسفي نشأ “كنقيض لعلوم اللاهوت والميتافيزيقيا وينحصر ببيانات التجربة”1. وتعني كلمة “وضعي” ما هو واقعي خلافاً لما هو خيالي، وهي تعني أيضاً ما هو مؤكّد ومحدّد وفعّال وعمليّ وهادف، والذي يقيس كلّ الأشياء بحسب فوائدها الحقيقية.”2 ويعدّ الفيلسوف الفرنسي أوغست كونتAuguste Comte (1798-1857) مؤسّساً للفلسفة الوضعية التي مرّت بمراحل عدّة: التجريبية، الوضعية المنطقية، التجريبية المنطقية.. إلى أن اندمجت في منتصف القرن العشرين بما يعرف بالفلسفة التحليلية.

 

  • جذور المدرسة الوضعية: تعود بدايات هذه الفلسفة إلى أعمال الفيلسوف الانكليزي فرنسيس بيكونFrancis Bacon (1561-1626)، وإلى الفلاسفة التجريبيين الانكليزالثلاثة: جون لوك John Locke (1632-1704) جورج بيركلي George Berkeley (1685-1753)، وديفيد هيوم David Hume (1711-1776). وتبعهم في القرن التاسع عشر الفلاسفة النفعيون الانكليز، ونشير إلى اثنيْن منهم: جيريمي بنتام Jeremy Bentham (1748-1832)، وجون ستيورت ميل John Stuart Mill (1806-1873)، كروّاد للوضعية التي انبثقت آنذاك من الثورة الصناعية.

 

أ- فرنسيس بيكون: يُعتبر مؤسّساً للنزعة التجريبية الحديثة في الفلسفة، ومن أوائل من حاولوا بناء “منهج علميّ جديد يرتكز إلى الفهم الماديّ للطبيعة وظواهرها.”3 إعتمد العلم التجريبيّ ووضع أسس الاستقراء العلمي، لا سيّما في كتابه “عن العلم الجديد” (Novum Organum)، داعياً إلى التحرّر من أخطاء العقل المتمثّلة بالأوهام:

  • أوهام القبيلة: أي الأعراف والتقاليد التي تدفعنا إلى أن نحتكم إلى حواسنا ونجعلها معياراً للأشياء.
  • أوهام الكهف: المرتبطة بالمعتقدات القديمة التي تفرضها علينا الحياة في بيئةٍ أشبه بالكهف المنعزل.
  • أوهام السوق: كمثل الأمثال الشعبية الغيبيّة وهي تنشأ من تواصل الناس واجتماعهم.
  • أوهام المسرح: وتتجسّد في الاستسلام للفلسفات والأفكار القديمة والتأثّر بها، وهي تخلق عوالم زائفة ووهمية.

كانت لبيكون إذاً إرهاصات فلسفية وضعية، في ظلّ فكرةٍ مفادها أنّ العلوم الطبيعية والتجريبية لا تتقدّم إذا اكتفت الفلسفة بدراسة الميتافيزيقيا والأنطولوجيا.

ب- جون لوك: كان لوك فيلسوفاً تجريبياً حسّياً. إشتهر بعبارته: “إذا سألك سائل: متى بدأت تفكّر؟ فينبغي أن تجيب: عندما بدأت أحسّ”. فالعقل البشريّ قاصر عن معالجة ما يتجاوز حدوده وإمكانيّاته، ومصدر الأفكار عنده هو الادراكات الحسّية، فالمذاهب الفطرية أو الغريزية لا تقود إلى المعرفة الحقّة. وفي كتابه: “مقال حول الفهم الانساني”، أشار لوك إلى أنّ الانسان يخرج إلى الوجود بدون أفكارٍ مسبقة، وكلّ الأفكار تنشأ مما أدركناه عن طريق حواسنا. “فالعقل عند الولادة كمثل صفحةٍ بيضاء، وكلّ ما يُكتب فيها إنما يُكتب مع الوقت ومن خلال التجربة.”4

ج- جورج بيركلي: هو أحد ممثّلي النزعة التجريبية المترافقة مع كونه ممثّلاً للفلسفة المثالية في القرن الثامن عشر. وقد ردّ بركلي على لوك من خلال أطروحته حول “مبادئ المعرفة الانسانية” العام 1710، فوضع تحدّياً مهمّاً للفلسفة التجريبية. فكان يعتقد أنً المعرفة عند الانسان هي إما أفكار نقلتها إليه الحواس، أو هي أفكار أدركها بالتأمّل أو عن طريق الذاكرة. فكانت نظريته مثاليةّ ذاتيةّ تقول إنّ الأشياء الوحيدة الموجودة هي العقول وما تتصوّره هذه العقول. وترتبط هذه النظرية بمفهوم اللامادية.

د- ديفيد هيوم: تمثّل مشروع هيوم الأساسي في إدخال “طريقة البحث التجريبي في علم الانسان، أي الاعتماد على الخبرة والملاحظة.”5 ضمن رؤيةٍ لشكّ مدروس يرسم حدوداً نقديةً للامكانيات المعرفية لدى الانسان. في رأيه إذاً أنّ المنهج التجريبي هو المنهج العلمي، وأنّ الدراسة العلمية للطبيعة البشرية هي دراسة منطلقة من هذا المنهج تحديداً. وبالتالي إنّ ما يحكم سلوك الانسان، على مستوى المعرفة أو الأخلاق هو الاحساس. ويترك هذا الاحساس أثراً أكثر قوةً من العقل لأنه يتميّز بالوضوح، أما الأفكار والخواطر المتأتّية من العقل، إنما هي نسخة باهتة للآثار الحسّية.

ه- جيريمي بنتام: إنتقد بنتام الدين المنظّم وسخر من المسيحية التاريخية، وكان يرمي حتى إلى استئصال المعتقدات الدينية من عقول الناس. تطلّع إلى مجتمعٍ نفعيّ عَلماني. وقد اعتبر أنّ الخير يقوم على إنتاج أكبر قدر من المتعة والحدّ الأدنى من الألم، وأنّ الشرّ هو ما ينتج عنه أكبر قدر من الألم بدون المتعة. وقد شكّل مبدأ المنفعة أو مبدأ “السعادة العظمى” حجر الزاوية في كلّ فلسفته.

و- جون ستيورت ميل: كان ميل متأثّراً بفكر كونت وكذلك بفكر والده الفيلسوف والمؤرّخ والمنظّر السياسي الاسكتلندي جيمس ميل James Mill(1773-1836). وكان من أبرز دعاة الفلسفة الوضعية. إهتمّ بالاستقراء واضعاً له القوانين التي تضبط إجراءه لكي يؤدّي إلى المعرفة العلمية الصحيحة. وكان مؤمناً بالفلسفة النفعية حيث اعتبر السعادة النهاية الوحيدة للعمل البشري. “وبخلاف بنتام، أشار ميل إلى أنه لا يجب الأخذ بعين الاعتبار فقط كميّة السعادة (أو اللذّة)، بل كذلك النوعيّة لأنه ليس لكلّ هذه الحالات القيمة ذاتها.”6

 

3-أنواع الفلسفة الوضعية:

  • الوضعية الاجتماعية: تعتمد استخدام أساليب العلم ونتائجه، فيستعيد المجتمع وحدته مع قوة العلماء وقوة الصناعيين، وهي ذات طابع سياسيّ عمليّ. (ويمثّلها كلّ من كونت وميل).
  • الوضعية التطورية: تستنتج التقدّم من مجالات الفيزياء وعلم الأحياء. (ويمثّلها الفيلسوف وعالِم الاجتماع الانكليزي هربرت سبنسرHerbert Spencer (1820-1903).)
  • الوضعية التجريبية: ترتكز على أنّ العلم هو أداة يستخدمها البشر لمواجهة الأحاسيس والتصرّف وفقاً لها، فيحافظون على أنفسهم ويتكيّفون مع بيئتهم. (ويمثّلها كلّ من الفيلسوف النمساوي أرنست ماخ Ernst Mach (1838-1916)، والفيلسوف الألماني- السويسري ريتشارد أفيناريوس Richard Avenarius (1843-1896).)

إذاً المعرفة العلمية هي المعرفة الصحيحة الوحيدة. وعلى المنهج العلمي أن يحلّ محلّ الميتافيزيقيا في تاريخ الفكر، كما اعتبر كلّ من الفيلسوف وعالِم الاقتصاد الفرنسي سان سيمون Henri de Saint Simon (1760-1825)، وعالِم الرياضيات والفلك والفيزيائي الفرنسي بيار دو لابلاس  (1749-1827)، وأوغست كونت.

على النقيض، رفض الفيلسوف والمؤرّخ الألماني فيلهلم دلتاي Wilhelm Diltey(1833-1911) القول إنّ العلم هو التفسير الوحيد الصحيح، وقال، كما الفيلسوف والمؤرّخ الايطالي فيكو Giambattista Vico (1668-1744 )، بأنّ المعرفة الانسانية هي التي تعطينا النظرة الثاقبة إلى الأفكار والمشاعر والرغبات.

ثانياً: أوغست كونت: مؤسّس الفلسفة الوضعية

  • نبذة موجزة عن حياته:

  فيلسوف وعالِم إجتماع فرنسيّ (1798-1857). أعطى علم الاجتماع الاسم الذي يُعرف به اليوم. هو “فيلسوف الوضعية”7 ومؤسّسها في مجالات العلوم الاجتماعية والعلوم الطبيعية، والقائمة على اعتبار المعرفة الحقيقية تلك المستمدّة من البيانات ومن التجربة الحسّية.

ولد في مدينة مونبلييه من أسرةٍ ملكيةٍ وكاثوليكية. درس في مدرسة الهندسة الشهيرة في باريس L’école polytechnique (1814-1816) وهي مدرسة تأسّست العام 1794. إلتقى سان سيمون العام 1818، وأصبح تلميذاً مخلصاً لتعاليم أستاذه طوال ستّة أعوام، إلا أنّ علاقتهما انتهت بعد خلافٍ حول حقوق تأليف بعض الأعمال العام 1824.

العام 1826، بدأ كونت سلسلةً من المحاضرات في “نظام الفلسفة الوضعية” لجمهورٍ خاص. بعد مدّةٍ قصيرة، أُصيب بانهيارٍ عصبيّ نتيجة الاجهاد، ثمّ ما لبث أن تابع محاضراته حتى العام 1829. كرّس السنوات التالية (1830-1842) لوضع كتابه “دروس في الفلسفة الوضعية” Cours de philosophie positive في ستّة أجزاء. كما كتب أيضاً: “خطاب حول العقل الوضعي”(1844)، “نظام السياسة الوضعية” في أربعة مجلّدات (1851-1854)، “نداء إلى المحافظين” (1856) وغيرها من المؤلّفات القيّمة. عُرف بطبعه المكتئب، وتوفّي بمرض سرطان المعدة بعد عطاءاتٍ فكريةٍ أغنت الفلسفة المعاصرة. توفّي العام 1857 بدون أن يكون لديه الوقت لتحرير بعض النصوص والكتابات مثل: أطروحة التعليم الكونيّ، نظام الصناعة الوضعية أو أطروحة في عمل البشرية الشامل على الكوكب، وأطروحة الفلسفة الأولى.. ودُفن في مقبرة بير لاشيز Père Lachaise .

  • فلسفته الوضعية

  منذ بداية حياته المهنية، سعى كونت، عن طريق الفلسفة الوضعية، إلى محاربة اللاهوت القائم على معتقداتٍ غير قابلة للتحقّق، وكذلك الميتافيزيقيا المفرطة في التجريد والغموض. فوضع كتابه “دروس في الفلسفة الوضعية” المذكور سابقاً، بناءً على ركائز ثلاث: علم الاجتماع، وقانون الحالات الثلاث، وتصنيف العلوم.

  • علم الاجتماع

كونت هو من أطلق مصطلح “علم الاجتماع” Sociologie العام 1839، ومعه بدأ علم الاجتماع يصبح علماً حقيقياً. وقد عرّفه بأنه الجزء المكمّل للفلسفة الطبيعية، وهو الدراسة الوضعية للقوانين الأساسية الخاصة بالظواهر الاجتماعية. وميّز بين حالتيْن في علم الظواهر الاجتماعية:

  • الثابتة الاجتماعية La statique sociale : وهي دراسة المجتمعات الانسانية في حالة ثباتها وفي مدّةٍ محدّدة من تاريخها، وكذلك هي دراسة النظم السياسية والدينية والقضائية.. في مكوّناتها ووظائفها، للكشف عن القوانين التي تحكم الترابط بينها. هي تدرس إذاً قوانين تنظيم المجتمع.
  • المتغيّر الاجتماعي La dynamique sociale : وهو دراسة قوانين الحركة الاجتماعية، والسير الآليّ للمجتمعات، إلى جانب إبراز تقدّم البشرية ونموّها. هو يدرس إذاً  التطوّر في المجتمع.

 

  • قانون الحالات الثلاث

    ينصّ هذا القانون على أنّ البشرية في تطوّرها تمرّ بثلاث حالاتٍ متتالية:

  • المرحلة اللاهوتية أو الوهمية: حيث تُفسّر ظواهر الكون بعوامل خارقة للطبيعة أو بفعل قوى إلهية. ففي البدايات، كان الناس يتبنّون تفسيراتٍ لاهوتية كمثل اعتقادهم أنّ العاصفة تهبّ بسبب نزوة إله الريح أو غضبه (الاله ايول Eole أو Aiolos بحسب الميتولوجيا الاغريقية.). وتنقسم هذه المرحلة بدورها إلى ثلاثة أطوار: *الوثنية: وهي شكل دينيّ لا يعترف بالكهنوت، بل بقوى خارقة تتجسّد في الطبيعة. *الشرك: حيث ساد الاعتقاد بتعدّد الآلهة وبسيطرتها على الظواهر الطبيعية. *التوحيد: حيث بدأ الايمان بإلهٍ واحدٍ وبحدوث كلّ شيء بحسب إرادته.
  • المرحلة الميتافيزيقية أو المجرّدة: حيث تُستبدل العوامل الخارقة بكياناتٍ مجرّدة. وهذه المرحلة “هي، في العمق، تيولوجيا مقنّعة.”8 وتُفسّر العاصفة هنا “بالفضيلة الديناميكية” للهواء.
  • المرحلة الوضعية أو العلمية: حيث يتوقّف العقل عن البحث في أسباب الظواهر ويقصر نفسه على القوانين الحاكمة لها. هنا تُفسّر الرياح كحركةٍ للهواء من الضغوط العالية وحتى الضغوط المنخفضة في الغلاف الجوّي.

    وتتوافق كلّ مرحلةٍ مع شكلٍ معيّن من المجتمع:

  • المرحلة اللاهوتية تتوافق مع المجتمع الكهنوتي والاقطاعي.
  • المرحلة الميتافيزيقية تتوافق مع المجتمع الثائر.
  • والمرحلة الوضعية تتوافق مع المجتمع العلميّ الصناعيّ.

 

ج- تصنيف العلوم

   إقترح كونت التصنيف الآتي: الرياضيات – الفلك – الفيزياء – الكيمياء – البيولوجيا – والسوسيولوجيا أو علم الاجتماع.

وباتباع هذا التسلسل الهرميّ، سيتمّ تصنيف العلوم من الأكثر تجريداً وعموميةً وبساطةً وتقدّماً وبعداً عن الانسان، إلى الأكثر واقعيةً وعموميةً وهي تهمّ الانسان مباشرةً. (يتطلّب الفلك علم الرياضيات، والكيمياء تتطلّب الفيزياء.. وبالتالي يعتمد كلّ علمٍ على العلم الذي يسبقه).

وقد صمد تصنيف العلوم أمام اختبار الزمن في صورةٍ أفضل من قانون الحالات الثلاث. فلا يزال تصنيف كونت إلى اليوم الأكثر شعبيةً بين التصنيفات التي جرى اقتراحها، وجعله هذا التصنيف بالتالي مؤسّساً لفلسفة العلوم بمعناها الحديث.

  • الدين في فكر كونت

   كانت لفكرة الدين كما يبدو عند كونت علاقة مباشرة بحياته الشخصية. فبعدما كان متزوّجاً من كارولين ماسين العام 1825، إنفصل عنها العام 1842. وفي العام 1845، عاش تجربةً رومانسيةً مع كلوتيلد دو فو التي توفّيت في العام التالي بمرض السلّ. وكانت علاقته بكلوتيلد مصدر إلهام لكتابه “الدين الوضعي” وهو نوع من العقيدة العَلمانية التي تهدف إلى تبجيل البشرية وليس الله.

إرتكز الدين الوضعي في فكر كونت على محبة الانسانية والانسان ككائنٍ أسمى، وهو ما عبّر عنه من خلال مصطلح “الغيرية” L’altruisme . فالدين يفيد الانسانية وتقدّمها، وهو يستخدم العاطفة لخير المجتمع الانساني وإبعاده عن الفساد والأنانية. هكذا أراد كونت أن يبتدع ديناً يجعل فيه الانسانية الجهة المقصودة بكلّ الأعمال الدينية، فتسود فكرة “الانسانية” بدلاً من فكرة “الربّ الخالق”. وأمّا العبادة في “دين الانسانية”، فقسّمها إلى قسميْن:

  • عبادة مشتركة: وتكون في أعيادٍ تذكاريةٍ تكريماً للمحسنين من الناس.
  • وعبادة فردية: حيث يتّخذ الفرد الأشخاص الأعزاء عليه كوالده ووالدته وأستاذه.. نماذج للمثل الأعلى، فيكرّمهم رمزاً لتكريم “الموجود الأعظم” أي الانسانية.

في فلسفة كونت إذاً، الدين هو تناغم مشابه لما تعنيه الصحّة للجسد، وله وظيفتان: أخلاقية حيث ينبغي على الدين أن يحكم كلّ فرد، وسياسية حيث ينبغي له أن يوحّد جميع الأفراد.

 

وفي قراءةٍ تقييميةٍ موجزة لفلسفة كونت الوضعية، نقول إنّ إطلاق مذهبه الوضعي كان أمراً طبيعياً أتى في سياق التفلّت الاراديّ لديه من كلّ ارتهانٍ لفلسفةٍ مبنيّةٍ على الدين أو على الميتافيزيقيا، بهدف الانطلاق نحو فكرٍ منعقدٍ على المنهج والعلم والتجربة. لكنّ الواقع يشير إلى أنه، ومنذ القرن التاسع عشر وإلى اليوم، ما زال كثيرون يعتبرون الدين أولوية على جميع المستويات الحياتية، وآخرون يرون التحرّر من الميتافيزيقيا أمراً صعباً، لا بل منهم من يتعلّق بكلّ ما هو ماورائيّ في تفسيرات الوجود والحياة. لذلك يستمرّ اليوم طرح إشكاليّات العلميّة واللاعلميّة، ويبدو أنه طرح لن يعرف له نهاية، على رغم كلّ التطوّرات العلميّة التي يشهدها عصرنا الحاليّ.

 

ثالثاً: تأثير الفلسفة الوضعية في الفكر العربي

وجدت الفلسفة الوضعية أرضاً خصبةً لها لدى عددٍ من الأعلام والمفكّرين العرب الذين حاولوا إطلاق الفكر العربيّ نحو مشروعٍ حضاريّ جديد يرتكز على اعتبار الخبرة المحسوسة مصدراً أوّلياً للحقيقة، ونذكر منهم ثلاثة:

  • محمد مظهر باشا (1809-1873)

  “مهندس مصريّ ومؤسّس منارة الاسكندرية والقناطر الخيرية”9. أُرسل في بعثةٍ دراسيةٍ إلى فرنسا العام 1826، حيث درس الهندسة البحرية، كما تخصّص في الرياضيات والعلوم الهندسية وبرع في العلميْن.

تتلمذ محمد مظهر على يد أوغست كونت ما بين العام 1832 والعام 1842، ورأى، كأستاذه مؤسّس المذهب الوضعي، أن لا سبيل إلى المعرفة إلا بالملاحظة والخبرة. عندما أنهى دراسته في فرنسا، قُدّم إلى جون ستيوارت ميل كواحدٍ من أنبغ الناجحين إذ جاء ترتيبه السابع بين ستّين فرنسياً.

  • إسماعيل مظهر (1891-1962)

    مفكّر مصريّ ليبراليّ، أحد أبرز أعلام النهضة العلمية والثقافية الحديثة. هو حفيد محمد مظهر باشا.

إعتنق إسماعيل مظهر رؤية أوغست كونت الوضعية المادية حول “الارادات والأسباب” التي تؤكّد أنّ “عجز الانسان عن تعليل ظواهر الكون يقوده إلى عزوها إلى قوى غيبية شبيهة بقواه البشرية”10 . رفض التقليد معتمداً الشكّ المنهجيّ والدينيّ. تأثّر بعالِم الأحياء البريطاني داروين Charles Darwin (1809-1882)، وترجم كتابه “أصل الأنواع” العام 1918 تحت عنوان: “أصل الأنواع ونشوؤها بالانتخاب الطبيعي وحفظ الصفوف الغالبة في التنادر على البقاء”.

أصدر مجلّة “العصور” العام 1927 داعياً من خلالها إلى تحرير الفكر من التقاليد والأساطير الموروثة، وإلى الركون إلى العقل وحده لفهم مسائل الوجود. لكن على رغم إيمانه باتجاهات العلم والعقلانية في الحضارة الغربية، إلا أنه كان متشائماً حيال مستقبل البشرية في ظلّ الهيمنة الغربية، بسبب أهوال الحرب العالمية الأولى.

من أبرز مؤلّفاته:

  • ملقى السبيل في مذهب النشوء والارتقاء، 1926
  • معضلات المدنية الحديثة، 1928.
  • تاريخ الفكر العرب، 1928.
  • تجديد العربي: بحيث تصبح وافية بمطالب العلوم والفنون، 1948.
  • تأثّر الثقافة العربية بالثقافة اليونانية، 1961.

 

  • زكي نجيب محمود (1905-1993)

  مفكّر وفيلسوف وأديب مصري. حصل على الدكتوراه في الفلسفة من لندن. يُعتبر رائد التيار العلمي، لا بل “رائد الوضعية” في النهضة العربية خلال القرن العشرين.

مرّ خلال حياته الفكرية والبحثية بثلاثة أطوار:

  • في الطور الأول: إنتقد الحياة الاجتماعية في مصر وحاول الاضاءة على الجانب التنويري من خلال تقديمه نماذج من الآداب ومن الفلسفة الغربية القديمة والحديثة.
  • في الطور الثاني: لدى عودته من أوروبا، دعا إلى الأخذ بالحضارة الغربية التي اعتبرها حضارة العصر في تقديرها العلم والقيم الانسانية، ما كان يفتقده العالم العربي في رأيه. خلال تلك الفترة، دعا إلى اعتماد “الفلسفة الوضعية المنطقية، ونذر نفسه لشرحها وتبسيطها”11 وهي فلسفة تدعو، كما قال، إلى سيادة منطق العقل. وعبّرت كتبه التي وضعها في هذه الفترة عن هذا الاتجاه نحو الفلسفة الوضعية وخرافة الميتافيزيقيا.
  • وأما الطور الثالث، فقد اتّسم بعودته إلى التراث العربي محاولاً البحث عن سماتٍ تجمع “بين الشرق والغرب وبين الحدس والعقل وبين الروح والمادة وبين القيم والعلم”12.

رفض زكي نجيب محمود الاستبطان والحدس كمنهجيْن للمعرفة، واعتبر أنّ الفلسفة الوضعية تقوم على أسسٍ عدّة محدّدة: فعلى الفلسفة أولاً أن تُجري عمليةً تحليليةً متواصلة، وينبغي ثانياً الاعتماد على التجربة الحسّية بعيداً من الميتافيزيقيا، إضافةً إلى تحليل السببية ثالثاً وفقاً للتجربة وليس للضرورة العقلية، والاعتبار أخيراً أنّ مسائل الرياضيات والمنطق الصوري لا تضيف إلى “العالم الخارجي علماً جديداً.”13 وقد انعكس نمط  تفكيره العلمي على رؤيته الفلسفة حيث اعتبر أنّ لها مجالاً واحداً لا مجال سواه، “وهو تحليل الألفاظ والعبارات تحليلاً منطقياً، لتمييز ما يمكن قبوله من أصناف القول وما لا يمكن قبوله.”14

من هنا كان عمله على وضع فلسفة جديدة برؤية عربية تأخذ من التراث العربي بموضوعية، كما فعل المسلمون حينما أخذوا الفلسفة الاغريقية وأضافوا إليها من ثقافتهم ومن تراثهم الحضاريّ العريق. وبعدما كان منظّراً للفلسفة الوضعية بكلّيانيتها، فقد أخضع نفسه لنقدٍ ذاتيّ، حيث رأى وجوب عدم الانسياق وراء الفلسفة الغربية بالمطلق والعمل على المساعدة في تقدّم الفكر العربيّ.

من أبرز مؤلّفاته:

  • موقف من الميتافيزيقيا، 1953.
  • نحو فلسفة علمية، 1958.
  • في حياتنا العقلية، 1979.
  • تجديد الفكر العربي ، 1970.
  • في فلسفة النقد، 1979.
  • من زاوية فلسفية، 1982.
  • ديفيد هيوم، 1985.
  • عن الحرية أتحدّث، 1986.
  • قصة عقل (سيرة ذاتية)، 1993.

 

 

خاتمة

بعد تنازعٍ طويل الأمد بين الدين والعلم على مدى عصورٍ متعاقبة، بلغت الفلسفة الوضعية، في إطار الفكر الفلسفي المعاصر، مرتبةً بالغة الأهمية لجهة مؤسّسها وطروحاتها والمتأثّرين بها غرباً وشرقاً. إلا أنها، وكأيّ تيّارٍ فلسفيّ آخر، وإن بُنيت على التفكّر العقلي العلمي الواضح المعالم والأُطر، فإنها خضعت لتساؤلاتٍ ومساءلات منذ القرن التاسع عشر وإلى اليوم، ولا سيّما في عالمنا العربيّ المتأرجح أبداً بين الموروثات الدينية والاتجاهات العقلانية في إطار البحث الفلسفي المتواصل في الانسان، فكراً وذاتاً ووجوداً.

 

المراجع:

  • Julia Didier, Dictionnaire de la philosophie, Librairie Larousse, Paris, 1988, p.231.
  • André Lalande, Vocabulaire technique et critique de la philosophie, P.U.F., Paris, 1986, p.791.
  • عدد من الكتّاب السوفيات، موجز تاريخ الفلسفة، تعريب توفيق إبراهيم سلّوم، دار الفارابي، طبعة ثالثة، 1979، ص.238.
  • Peter Kunzmann, Franz-Peter Burkard…, Atlas de la philosophie, Librairie générale française, Paris, 1993, p.119.
  • Ibid, p.125.
  • Ibid, p.165.
  • Julia Didier, Dictionnaire de la philosophie, cit, p.51
  • Peter Kunzmann, Franz Burkard…, Atlas de la philosophie, cit, p.165.
  • عبّاس الطرابيلي، شوارع لها تاريخ-سياحة في عقل الأمة، الدار المصرية اللبنانية، ص.232.
  • د. أحمد صلاح الملاّ، جدل العلم والدين والحرية عند اسماعيل مظهر، middle-east online.com، الاثنين 25/03/2019.
  • سمير أبو زيد، فلاسفة العرب، زكي نجيب محمود، arabphilosophers.com
  • المرجع نفسه.
  • زكي نجيب محمود، حياة الفكر في العالم الجديد، دار الشروق، الطبعة الثانية، بيروت، 1982، ص.239.
  • زكي نجيب محمود، قشور ولباب، دار الشروق، الطبعة الثانية، بيروت، 1981، ص.221.

 

 

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete