تكوين
تقديم:
إشكاليتان رئيسيتان تواجهان العنوان أعلاه:
- الأولى مُتعلقة بالعقل العالِم وإلى أي مدى مارس فعل التفلسف، بشكلٍ حقيقي، في العالَم العربي، لا سيما في العصور الحديثة. أو هل استطاع العقل العالِم إنتاج نسق معرفي كبير وهائل يُعيد النظر في موقفنا الأنطولوجي من الوجود ككل؟ أم أنَّ الدَّرس الفلسفي، في الأماكن أو البلدان العربية[1] التي يتواجد بها، هو أقرب إلى الدرس التاريخي، ولمَّا يصل إلى مستوى الدَّرس الإبيستمولوجي، الذي يفترض أن يقول كلمته بحُريةٍ حتى مع وجود أثمان باهظة لهذه الكلمة؟
- الثانية مُتعلقة بالعقل الشعبي، وإلى أي مدى تقبَّل فعل التفلسف بصفته جزءاً من سيرورة حياته بطريقةٍ تصالحية، لا تحتمل أي عَنَت أو تصلُّب أو إكراه؟ هل استطاعت المخرجات الفلسفية أن تتجلَّى، إبداعات كثيرة وعديدة لدى الناس على اختلاف مستوياتهم المعرفية، في الاجتماع السياسي؟
هل استطاع العقل العالِم أن يُقدِّم أنساقاً معرفية تُعيد تأويل الوحدات الصغيرة التي يقوم عليها معمار الوجود، وتمنحها مفاهيميات جديدة غير تلك القائمة في الاجتماع البشري[2]، بحيث تُحدث إزاحة إيجابية في ذهنية المُتلقي، الأمر الذي سيتجلَّى لاحقاً، على هيئة أعمال إبداعية مختلفة ومتنوعة؟
يتوسَّط هاتين الإشكاليتين: 1-المُتعلقة بالعقل العالِم. و2-المتعلقة بالعقل الشعبي؛ إشكالية العقل السلطوي، بشقيه الدِّيني والسياسي، بصفته قنطرة (واصلة/ قاطعة) بين العقلين: العالِم والشعبي. ولكي تتشكل صورة مُتماسكة ومترابطة حول هذه الإشكاليات (اتصالاً/ انفصالاً) فإني سآتي على ذكرها تباعاً، وسأبدأ من إشكالية العقل السلطوي، نظراً لأثرها البالغ في كل من العقل العالِم والعقل الشعبي.
أولاً: إشكالية العقل السلطوي
لكي نضع هذه الإشكاليات في سياق، فإني سأبدأ بالتأشير على جذور إشكالية العقل السلطوي ومدى تأثيرها على ما آلت إليه الأمور في العالَم العربي في العصور الحديثة. ففي نهاية المطاف، لا يمكن النظر إلى ما يحدث في واقعنا المعاصر بعيداً عن جذره التكويني الذي تأسَّس في الزمن الماضي على أيدي السُّلَط القائمة، لا سيما السُّطلة الدينية والسلطة السياسية، إذ تعالقت مصالحهما سوية فيما يتعلق بالإقرار الأخير والنهائي للهُوية القائمة، وتعطيل كل ما يمكن أن يُفضي إلى فك عُراها. وقد كان الفلسفة أحد العقبات المركزية في وجه هذه الهُوية، ليس لأنها، أي الفلسفة، تتقصد الإطاحة بتلك الهُوية، بل لأن أحد الاشتراطات الرئيسية لاستقرار النسق الهُوياتي، هو الابتعاد عن السؤال المعرفي وما يمكن أن يولده من إجابات جديدة، وهذا أحد أبرز الاشتغالات الفلسفية، غير تلك التي أُقرَّت واصطلح عليها في النسق الهوياتي. وبما أن الأمة العربية كانت قد اصطلحت على الهُويَّة الإسلامية، تحديداً بصيغتها الفقهية، كصيغةٍ أخيرة ونهائية التي تُشكِّل المرجعية الروحية للأمة، فقد اعتُبرت الفلسفة والإمكان المعرفي الذي تنطوي عليه، والذي يمكن أن يُغيِّر معالم الهُوية القائمة، عصياناً كبيراً ينبغي ردعه، في حال وجد، ولو بالقوة.
فقد نظرت السُّلطة الدينية، عبر حُرَّاسها والناطقين باسمها، إلى الفلسفة، منذ وقت مُبكِّر لنشوء الدِّين الإسلامي، نظرة ريبة وعدم اطمئنان، بل ومعاداة أيضاً. فـ “منذ القرن الثاني للهجرة، كان من السهل اتهام الرجل بالزندقة متى نحا في كتبه نحواً فلسفياً، كما حدث مع علي بن عبيدة الريحاني وأبي زيد البخي وغيرهما. وقد بالغ المتطرفون [يقصد من أهل السنة] في هذا النزوع، حتى كانوا ينفرون من كل علم ينسب إلى الفلسفة أو يتصل بها! وليس أدل على هذا التطرف من أن يشكو منه الغزالي في منقذه، وهو أكبر خصوم الفلسفة وأصلبهم قناة، ويقول أصحاب هذا الاتجاه إن النبي حين سأل ربه أن يعيذه من علم لا ينفع، إنما يقصد علوم الأوائل. بل يرى ابن تيمية الحنبلي في الجزء الأول من مجموعة رسائله الكبرى أن العلم ما كان موروثاً عن نبي، وكل ما سواه فهو علم لا ينفع، أو ليس بعلم وإن سُمّي به! ويصف جمهرة المتكلمين من السنيين علوم الأوائل بأنها حكمة مشوبة بكفر لأنها تؤدي إلى التعطيل، أي تجريد ذات الله من كل حسنة إيجابية، وبدا الاشتغال بها مسايراً للاستخفاف بالدين، وكل من عُني بهذه العلوم، دل بعنايته على أنه مغموز في عقيدته متهم في دينه، وليس ينجيه من هذا الاتهام أن يكون ثقة في العلوم الشرعية، مزاولاً للتعاليم الدينية، بل إن مجرد الاتصال بهذه العلوم، كفيل بأن يجنح بصاحبه إلى طريق الدين القويم، وهذا هو السبب الذي جرّ المأمون إلى القول بخلق القرآن، فيما يرى تاج الدين السبكي.
ومن أجل هذا كان أهل السنة ينصحون طلاب العلم بتجنب الاتصال بالمشتغلين بعلوم الأوائل، ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، وكان هؤلاء بدورهم يخفون استغالهم بالدراسات الفلسفي متى كانوا حريصين على سمعتهم أن يمسها سوء… وكان من اليسير أن تحرق كتب الأوائل متى عثر عليها عند المشتغلين بها، وقد حدث هذا مع حفيد عبد القادر الجيلاني الصوفي المعروف، وهو ركن الدين (محمد بن عبد السلام 611هـ) ولما وجهوا الاتهام إليه، زعم اتقاءً لشرهم أنه نسخ هذه الكتب توطئة لتفنيدها والرد عليها، ولكن دفاعه لم يُجدِ فتيلا، فأوقدوا أمام مسجد مجاور لمسجد الخليفة ناراً عظيمة، واعتلى السطح العلماء والقضاة وجمهور غفير من الناس، ثم ألقيت الكتب من فوق سطح المسجد في النار، ونهض أحدهم بتعريف الحاضرين بهذه الكتب كتاباً كتاباً، وهو يقول –وعبد السلام حاضر بينهم-:
العنوا من كتب هذه الكتب ومن آمن بما فيها، والعامة يهتفون باللعنة التي تجاوزت عبد السلام إلى الشيخ عبد القادر نفسه، ونهض الشعراء بهجو الملحد والسخرية من أمثاله. أما عبد السلام فقد أدين بالفسق، وجرد من طيلسان العلماء، وزج به في السجن، وانتزعت منه مدرسة عبد القادر”[3].
وكل ذلك بموافقة السُّلطة السياسية، فهي الأداة المُنفّذة للاستحقاق الذي أقره رجال الدِّين، وذلك لم يتم نتيجة لتوظيف الدِّين لصالح السُّلطة السياسة فحسب، بل لحالة التدين الشديد التي يعيشها رجال السياسة أيضاً، فهم لا يختلفون عن رجال الدِّين، إلا في المُسمَّى الوظيفي.
فعداء السُّلطتين السياسية والدينية للفلسفة عداء قديم تدرَّج، لحظة إثر أخرى، إلى أن بلغ مبلغاً كبيراً كلما تقدمت الأمة ناحية الأمام وأوشكت أن تصطلح على نسق هوياتي أخير ونهائي، يُحدِّد كينونتها. ومع هذا العداء أُهدرت حيوات فلسفية كثيرة وعديدة، إلى أن وصل إلى نقطة مركزية مع الإمام “أبي حامد الغزالي” أحد أبرز الأسماء في التاريخ المعرفي الإسلامي. فعلي يديه لم تنتهي الفلسفة مرة واحدة وإلى الأبد، ولم يضربها الضربة القاضية[4]، بل ركَّز الضربات إلى أن أصبحت واضحة المعالم[5]، وهو ما ظهر جلياً في كتابه (تهافت الفلاسفة).
في حديثه عن الفلسفة، ذكر “أبي حامد الغزالي” في كتابه (المنقذ من الضلال)
“أن ردَّ هذا المذهب [يقصد مذهب الفلاسفة] قبل فهمه والاطِّلاع عليه على كُنْهِهِ رميٌ في عَمايةٍ. فشمَّرتُ عن ساق الجِدِّ في تحصيل ذلك العلم من الكتب بمجرَّد المطالعة من غير استعانةٍ بأستاذٍ ومعلِّم، وأقبلتُ على ذلك في أوقات فراغي من التدريس والتصنيف في العلوم الشرعية وأنا ممنُوٌّ بالتدريس والإفادة لثلات مئة نفر من الطلبة ببغداد. فأطلعني الله سبحانه وتعالى بمجرَّد المطالعة في هذه الأوقات المختلسة على منتهى علومهم في أقلَّ من سنتين، ثم لم أزل أواظب على التفكُّر فيه بعد فهمه قريباً من سنةٍ أعاوده وأردِّدُهُ، وأتفقد غوائله وأغواره، حتى أطَّلعتُ على ما فيه من خداع وتلبيس، وتحقيق وتخييل، اطّلاعاً لم أشُكَّ فيه. فاسمع حكاية مذهبهم وحاصل علومهم: فإنّي رأيتُهُم أصنافاً، ورأيتُ علومهم أقساماً، وهم على كثرة أصنافهم تلزمُهُمْ وَصْمَةُ الكفر والإلحاد، وإن كان بين القدماء منهم والأقدمين وبين الأواخر منهم والأوائل تفاوتٌ عظيم في البعد عن الحق والقرب منه”[6]
إن مفردة “أطلعني الله سبحانه وتعالى بمجرَّد المطالعة” تختصر مساراً كاملاً في تاريخنا الفكري، لناحية استئثار أصحاب السُّلطة الدينية بالمجال المعرفي العام، واحتكار مساراته ومآلاته، ما سبَّب حالة اختناق كبيرة في تجليات العقل العربي خارج ما أقرَّه وثبَّته العقل الديني، واعتبره هُوية الأمة وروحها الجامعة. فاللغة الواثقة، ليس في العالَم المادي فحسب، بل في العالَم الميتافيزيقي أيضاً، في إيصال فكرة الكشف التي حصلت للإمام الغزالي، من قبل الله، بمجرَّد المطالعة، لغة مدعومة بقوةٍ قاهرة:
- زمانية من السُّلطة السياسية.
- أبدية من السُّلطة الدينية،
لذا لا يمكن مجابهتها من قبل أفراد، حتّى لو أمتلكوا عقولاً كبيرة. لذا تمَّ اعتماد هذه اللغة الواثقة، القاطعة، الكاشفة، والحاسمة، في ترسيخ خطاب معرفي يُعبِّر، تعبيراً نهائياً، عن مسارات الأمة ومآلاتها المعرفية، ما جعل من كل من يُحاول ترسيم حدود مستوى آخر من الخطاب في التعبير عن روح الأمة ومقتضيات كينونتها، أو يسعى إلى نقد أو تفكيك الخطاب القائم؛ أن يدفع الثمن باهظاً، وهذا ما حدث بالفعل فيما يتعلق بالخطاب الفلسفي وأتباعه، إذ تمّت إدانتهم وتجريمهم والتعييب عليهم. فـ
“الغزالي في تهافته ندد بالفلاسفة، ورماهم بالغباوة والحمق والزيغ وسوء الظن بالله، والغرور والادعاء والاعتداء بالعقل ونحوه، ولكن تكفيرهم كان اقسى ما في حملته التي أماتت الفلسفة في الشرق الإسلامي[7]، وضعضعت التفكير الفلسفي في العالم الإسلامي“[8].
والغزالي لم يكن الأول الذي أدان وكفَّر الفلاسفة ولم يكن الأخير، بل سبقه إلى ذلك كُثر من رجال الدين ورجال السياسة، وبلغ الأمر ذروة من ذرواته مع “ابن رشد“، الذي “أضمر له الخليفة يعقوب الملقب بالمنصور، الشر، فجمع كبار الفقهاء في قرطبة، وعرض عليهم كتب ابن رشد، توطئة لتعليلها أو تحريمها، ويقول الأنصاري في وصف هذا المجلس:
“لما قرت فلسفة ابن رشد بالمجلس، وتداولت أغراضها ومعانيها، وقواعدها ومبانيها، خرجت بما دلت عليه أسوأ مخرج، وربما ذيلها مكر الطالبين، فلم يمكن عند اجتماع الملأ، إلا المافعة عن شريعة الإسلام، ثم آثر الخليفة فضيلة الإبقاء، وأغمد السيف التماس جميل العزاء، وأمر طلبة مجلسه وفقهاء دولته بالحضور بجامع المسلمين، وتعريف الملأ بأنه (ابن رشد) مرق من الدين، وأنه استوجب لعنة الضالين[9] وبعد أن تم نفي “ابن رشد” “نشر الخليفة في الأندلس والمغرب منشوراً كتبه كاتبه أبو عبد الله ابن عياش لتجريم الفلسفة وإعدام كتبها واضطهاد رجالها، وتحذير الناس من شرها”[10]
وعليه، فلم يكن العداء للفلسفة عداءً جوهرياً فحسب، بل عداءً مدعوماً بسلطةٍ (دينية/ سياسية) أيضاً، تبطش بكل من لا يأخذ بهذا العداء، ويلتزم باشتراطاته. السُّلطة الدينية منحت هذا العداء بُعداً أبدياً بما هو تعبير عن مُراد الله، والسُّلطة السياسية منحت هذا العداء بُعداً زمانياً، إذ حمته بالقوة بما هو تعبير عن هُويَّة الأمة وروحها الناظمة. وهذا بدوره أثَّر على مدى فاعليته أو نشاط العقل العالِم، ومدى قدرته على اجتراح أنساق فلسفية، نظراً لافتقاده إلى أي حماية، لكن هل، بإزاء هذا العداء العظيم، توقَّفَ فعل التفلسف في العالَم العربي بشكلٍ جذري وكامل؟ أم إن الأمر انطوى على غير ذلك؟
ثانياً: إشكالية العقل العالِم
في تعقيبه على سؤال: إلى أي حد يمكننا القول بوجود فكر عربي معاصر؟ أجاب “فتحي المسكيني”:
“نعم هناك فكر عربي معاصر، بل أكثر من ذلك هناك مبدعون من طراز رفيع، وعيبهم الوحيد هو أننا لم نتفطن لهم إلى حد الآن من الجهة المناسبة، نعني من جهة دورهم الكوني في تجريب ذواتنا الجديدة بعيدًا عن مقابر الماضي. طبعًا، ثمة من اعتاد المقابر وحوَّل الجلوس حولها إلى فضيلة إبداعية راقية. والتراثيون في كل ميادين أنفسنا المعاصرة هم زبانية التكفير الصامت للفكر الحر وللإبداع الذي يجرِّب قبل أن يستأذن. وهذا الأمر ليس طارئًا، لقد كان ثمة دومًا رهط غير مرتاح لأي ولادة كونية جديدة في أفق أنفسنا”[11]
وهذه حقيقة لا يمكن نكرانها، لا سيما مع توسُّع اشتغالات العقل العالِم في القرنين الأخيرين[12]. إذ بدأ هذا العقل يُعْمل مبضعه في العديد من القضايا التي أُهملت لقرون طويلة، لكن إعمال مبضعه هذا تمَّ في أرض مكشوفة، وغير محمية بأي نوع من الحماية، لا سيما القانونية أو السياسية، ما جعل أصحاب المشاريع الفكرية عُرضة لتغوُّل السُّلطة عليهم، فالسُّلطة ذاتها جزء من السياق الهُويَّاتي للأمة العربية، واجتراحات العقل العالِم أو اشتغالاته المعرفية فعل مُضاد لهذا السياق، لذا قُوبلت مشاريعهم أو أطاريحهم بكثير من الرِّيبة والشك والممانعة والمنع، ووصل الأمر، في كثير من الأحيان، إلى القتل والتصفية الجسدية أيضاً.
لا شكَّ أن سُلطة تحريم الفلسفة، أثرَّت بشكل سلبي على الإنتاج الفلسفي في العالَم العربي في القرون الأخيرة. ما نتج عنه عدم اهتمام بل وإهمال للنشاط الفلسفي، واقتصاره على فئة قليلة من أتباع العقل العالِم، وهو ما حدَّ من النتاجات الفلسفية. لكن هذا لم يمنع ظهور نشاط فلسفي بدأ يُقدِّم السؤال المعرفي وما يمكن أن يقترحه من إجابات على هذه السؤال، ويُؤخّر النسق الهوياتي، بما هو نسق بحاجةٍ إلى طبابةٍ عقلية ضرورية ومصيرية، فحجم الأخطاء التي تراكمت بإزائه، في القرون الأخيرة، حوّلته إلى نسق مُتخم وسمين وغير قادر على الحركة. وشيئاً فشيئاً بدأت تكبر هذه الفئة ويزداد أعداد روادها، لكي إلى أي حد وجدت اهتمامات هذه الفئة صدى على مستوى العقل الشعبي، أو إلى أي حد أصبحت الاهتمامات الفلسفية جزءاً من سيرورة الناس العاديين في الاجتماع السياسي؟
ثالثاً: إشكالية العقل الشعبي
إذا كانت مهمة الفيلسوف اجتراح نسق معرفي جديد، يُعيد بموجبه تأويل ثلاثية:
- الإله.
- الإنسان.
- العالَم
تأويلاً جديداً، ما ينعكس على إعادة إنتاج ثلاثية:
- الأفكار.
- الأشخاص.
- الأشياء، في الواقع المعيش للناس، فإنَّ هذا الاجتراح العقلي لم ينزل إلى الأرض، بشكلٍ عام، حتى اللحظة بشكلٍ كامل، ليس لأن الفيلسوف لم يقم بواجبه على أكمل وجه، بل لأن الجسر الواصل بين العقلين: العالِم والشعبي، أي العقل السياسي، لم يُهيئ المجال العام، بشكلٍ عام أيضاً، لإنزال أطاريح الفلاسفة ورؤاهم من مرحلة العقل إلى مرحلة الفعل.
إنّ العقل السياسي هو الأكفأ والأقدر على تجسير الهُوَّة بين العقلين العالِم والشعبي، لا سيما انه يمتلك الأدوات المناسبة، مُعزَّزة باسم القانون، لتعزيز هذا التواصل، وأحد ابرز هذه الأدوات هو المنهاج التعليمي للأجيال في المدارس، ابتداءً بالمرحلة التمهيدية، وليس انتهاء بالمرحلة الثانوية. وهو ما يُوفّر بيئة مناسبة للعقل الشعبي لكي:
- يتحصَّل على مخزون لغوي يؤهله لفهم الأنساق الفلسفية، والتعامل معها، قراءة، ربطاً، تسلسلاً، فهما، بأريحية.
- يتوقّف عن التهيُّب والخوف من الفلسفة، فهي في متناول عقله اليقظ.
- ينتقل من مرحلة التلقي السلبي للفلسفة، إلى مرحلة التفلسف الإيجابي.
- يُؤهّل عقله لكي يُضيف شيئاً جديداً على المستوى الإبداعي، ليس في عالَم المعقولات فحسب، بل وفي عالَم الماديات أيضاً.
ولكي يحدث ذلك، أي يحدث وصل بين العقل العالِم والعقل الشعبي، على العقل السياسي أن يتخذ قراراً: 1- مُسانداً للعقل العالِم في مواضعاته المعرفية بحيث تُصبح أكثر تداولاً في الاجتماع السياسي. 2- داعماً للعقل الشعبي في النهوض بعقله، عبر تمرينات معرفية طويلة ومثمرة. بحيث يُفضي هذا: 1- الإسناد. و2- الدَّعم، إلى الانتقال بالفعل الفلسفي من أُطره الأكاديمية الخاصة إلى آفاق الحياة العامة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع:
[1] على سبيل المثال، في منتصف سبعينيات القرن العشرين تم إلغاء تجريس مادة الفلسفة من المنهاج التعليمي للمدارس في الأردن، وبقي تدريس مقتصراً على التعليم العالي، إذ وجد قسم وحيد للفلسفة في كلية الآداب في الجامعة الأردنية، ما حدّ من انتشار الفلسفة على المستوى التربوي، وحدّ بالتالي من تداعياتها في الواقع المعيش. وهذا شيء ينطبق على عدد من الدول العربية الأخرى، رغم حدوث انفراجات في الاهتمام بالفلسفة.
وقد تأثر موقف العالَم العربي من رفضه للفلسفة بالموقف الديني في عموميته.
للمزيد يمكن العودة إلى مقالة
Why should we teach philosophy by Rita Faraj
على الرابط التالي:
https://www.mesbar.org/why-should-we-teach-philosophy/
[2] أقصد بالاجتماع البشري ما يشمل البشر جميعاً، وأقصد بالاجتماع السياسي ما ينطبق على شعب أو مجتمع بعينه
[3] توفيق الطويل، قصة النزاع بين الدين والفلسفة، مكتبة الآداب، مصر، د ت، ص ص 104- 107
[4] يمكن العودة إلى مقالة (أيدي الإمام الغزالي: 1- يد الفيلسوف. 2- يد الصوفي. 3- يد الفقيه: عن مواضعات المشروع الهُويَّاتي افسلامي)، معاذ بني عامر، موقع مؤسسة تكوين الفكر العربي، على الرَّابط التالي:
[5] حقيقة يتم تضخيم دور “أبي حامد الغزالي” لناحية الإطاحة بالفلسفة، فهذا شيء يفوق قدرات المرء، لكنه شيء طبيعي إلى حد كبير في العالَم الكبير، فالعقلية التي نحتكم إليها، في زماننا الحالي، هي عقلية فردية أكثير منها عقلية مؤسساتية، لذا نميل إلى منح الأفراد قدرات هائلة أكثر مما هو ضمن قدراتهم أو إمكاناتهم. لكن ما يميز “أبي حامد الغزالي” أنه لم ينقد الفلسفة والفلاسفة إلا بعد أن أطلع على مؤلفاتهم كما أشار إلى ذلك في كتابه المنقذ من الضلال والمفصِحُ بالأحوال.
[6] زين الدين أبي حامد محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الغزالي، المنقذ من الضلال والمفصِح بالأحوال، دار المنهاج، بيروت، لبنان، ط1، 2015، ص ص 62- 63.
[7] أنظر الهامش رقم 5.
[8] توفيق الطويل، قصة النزاع بين الدين والفلسفة، مرجع سابق، ص ص 111- 112.
[9] المرجع السابق، ص 115.
[10] المرجع السابق، ص 116. ويمكن العودة إلى منشور تحريم الفلسفة الذي صدر عقب محنة ابن رشد، في الصفحات التالية من الكتاب ذاته.
[11] فتحي المسكيني، مينارفا بلا مساء، مؤسسة هنداوي، وندسور، المملكة المتحدة، 2025، ص 74.
[12] يمكن العودة إلى مقالة: (من القرن التاسع عشر إلى الألفية الجديدة: عن الإمكانات الحضارية لمشروع النهضة العربية)، معاذ بني عامر، مؤسسة تكوين الفكر العربي، على الرَّابط التالي: