تكوين
قبل قرنين من الزمن، كان الفيلسوف يكتب أساسًا للسلاطين والأمراء والعلماء. تُطبع كتاباته بأعداد محدودة، ويتمّ تداولها في البلاطات وبعض المجالس، فيكون أثرها محصورًا جغرافيًّا وزمنيًّا. حتى إنّ أفكارًا غيّرت الكوكب لاحقًا ظلّت قرونًا طويلة حبيسة صفحات لم يقرأها إلّا بضع مئات من النخبة. حين كتب كانط رسالته «جوابًا عن سؤال: ما الأنوار؟» سنة 1784، لم يتجاوز عدد قرّائها في حياته بضعة آلاف. وحين كتب ابن رشد «تهافت التّهافت»، انتظر النصّ قرابة قرنين حتى يصل إلى أوروبا فيحدث فيها ما لم يحدثه في ديار الإسلام نفسها.
اليوم، أصبحت الصورة معكوسة. أيّ شخص يحمل هاتفًا ذكيًّا يملك في يده ما لم يملكه أعظم أباطرة العصور القديمة: قدرةً على بثّ فكرة، أو مقالة، أو حجّة، إلى ملايين البشر في ثانية واحدة. التّقنيّة، في هذا الجانب، حقّقت ما لم تحلم به الفلسفة في تاريخها كلّه: ساحات عموميّة كوكبيّة تتسع لكلّ من أراد أن يحاجج.
لكنّ الفُرصة لم تُستثمر كما ينبغي. فبدل أن يكون الفضاء الرّقميّ ساحة حوار فلسفيّ هادئ يذكّر بأغورا سقراط أو صالونات القرن الثامن عشر، أصبح حلبةً للانفعالات الفوريّة، وسوقًا مفتوحًا للإثارة، وميدانًا تتنازع فيه عصبيّات صغيرة تتزيّن بشعارات الحقّ. وبدل أن يتعلّم الناس السؤال «لماذا؟»، ألفوا أن يستجيبوا لما تعرضه الخوارزميّات، فإذا بهم يتفاعلون مع ما يحدّده الجدول الزّمنيّ، لا مع ما يستحقّ التّفاعل بالفعل. هكذا تحوّل المستخدم من مواطن في فضاء عموميّ إلى مستهلك في سوق لتجارة الانتباه.
وفي تحليله للفضاء العموميّ، سبق أن رصد هابرماس ظاهرة مشابهة في النصف الثاني من القرن العشرين: احتكار منطق الإثارة والاستهلاك لما كان ينبغي أن يكون مجال الحجج. وما نعيشه اليوم ليس إلّا الفصل الأخير من هذه السّيرورة، بحيث لا تكتفي الخوارزميّة باحتكار الفضاء العموميّ، بل تعيد تشكيل حدوده: من يسمع من، ومن لا يسمعه أحد، ومتى تنطفئ فكرة قبل أن تولد.
السؤال الآن، كيف يمكن للفلسفة أن تستردّ دورها العموميّ في عصر يتّسم بسرعة لا تسمح بالتّأمّل، وداخل فضاءات رقمية نشأت لتكافئ الانفعال وتبخس الحجّة؟ إنه سؤال عن دور الفلسفة، وحاجتها إلى أن تنزل من برجها إن أرادت أن تنفع الناس.
والإجابة التي نراها أنّ الفلسفة ينبغي أن تُغيّر محتواها ولغتها، لتخاطب الناس، دون أن تتنازل عن دقّتها المفاهيمية. وبذلك تعيد اكتشاف مكانها الأصلي، الذي لم يكن داخل الأكاديميّات بادئ الأمر، بل كان في الساحة العمومية اليونانية، وفي مجالس النّظر العربيّة، وفي صالونات القرن الثامن عشر بأوروبا، وفي مقاهي الرّصيف الباريسيّ، وحيثما يوجد الناس. تلك التجربة تنتظر اليوم نسخةً رقميّةً متأنّيةً تغذّي النقاش العمومي بالمفاهيم والنقد والسؤال.
الفلسفة العموميّة ليست شكلًا لـ«تبسيط الفلسفة المعقّدة». فهذا الادعاء مجرّد استعلاء، يفترض أنّ ثمّة فلسفةً «حقيقيّة» في الأكاديميّات، وأنّ ما ينبغي أن يصل إلى الناس هو نسخة مخفّفة منها. هذا الافتراض هو ضدّ روح الفلسفة نفسها. فحين ينظر الفيلسوف إلى الناس بوصفهم «عوامَّ» فإنه يفقد الشّرط الأساسي للفعل الفلسفيّ: الإقرار بأنّ كلّ إنسان يملك عقلًا يستحقّ المحاورة بنحو متكافئ.
ليست الفلسفة العموميّة استعراضًا على طريقة “المؤثرين”. فهذا النموذج الذي ساد مع صعود وسائل التّواصل، ويُقدم فيه بعض الباحثين أنفسهم بأدوات التّسويق الرقمي، محولين الفكر إلى علامة تجاريّة، والجمهور إلى متابعين، هو نموذج ضدّ الفلسفة. لماذا؟ بكل وضوح، لأنّ الفلسفة لا تطلب متابعين أو مستهلكين، بل تطلب محاورين.
وليست الفلسفة العموميّة إجابات جاهزة، بل ترتيبات منطقيّة للأسئلة بحيث يشعر الناس أنّهم قادرون على التّفكير بأنفسهم. ولنتذكّر سقراط في ميادين أثينا، وهو لا يدّعي معرفة شيء، بل يطرح أسئلةً تجعل محاوريه يكتشفون ما كانوا يعرفونه دون أن يدركوا. هذا هو الفعل التّوليديّ الذي شبّهه سقراط بفعل القابلة: لم يكن سقراط يُوَلِّد المعرفة فقط، بل كان يُوَلّد القدرة على التّوليد. وهذا هو ما ينبغي أن تكونه الفلسفة العموميّة في زمن العقل الخوارزمي.
الفلسفة العموميّة ممارسة فعليّة للتّفكير المشترك في قضايا الحياة. ليست محاضرةً يلقيها فيلسوف على جمهور ينصت بخشوع، بل حوارًا يديره فيلسوف مع جمهور فاعل بدوره يفكر معه. وليست شرحًا لنظريّات أفلاطون وأرسطو، بل استخدامًا لتلك النظريّات لكي نفهم: نفهم عالمنا، ونفهم أسئلة الموت والمرض والشّيخوخة التي تفرض علينا نفسها كلّما توقّفنا قليلًا.
وحين سأل بيير هادو في كتابه «الفلسفة طريقة حياة» عن معنى ما تفعله الفلسفة، أجاب بإجابة تؤسّس للفلسفة العموميّة: الفلسفة في أصلها تمرين روحيّ، أي طريقة في العيش، لا مجرّد نظريّة في الفهم. والفيلسوف، عند الرواقيّين كما عند الأبيقوريّين كما عند المسلمين من أمثال الكنديّ والفارابيّ، لم يكن صانع نسق، بل مربّيًا للحياة. وحين تستردّ الفلسفة هذه المكانة، تستردّ معها قدرتها على أن تكون عموميّةً بطبيعتها لا بتنازل منها.
والفلسفة العموميّة أيضًا ممارسة ديمقراطيّة؛ لأنّها تفترض أنّ كلّ إنسان يملك القدرة على المداولة، وأنّ المعرفة لا تملكها فئة، بل تنشأ من حوار العقول. ومن يمارس الفلسفة العموميّة، يمارس في الواقع تدريبًا يوميًّا على الديمقراطيّة: على الاستماع للآخر، وعلى تأجيل الحكم، وعلى تحمّل اختلاف الرأي دون انفعال. وهذه فضائل لا تتعلّمها الديمقراطيّات في حملات الانتخاب، بل في مجالس النّظر الصّغيرة، حيث يتعلّم المواطن كيف يحاجج، وكيف يصغي، وكيف يغيّر رأيه دون خجل.
من هنا، يتميّز الفيلسوف العموميّ بسمات تجعل دوره مغايرًا لمن يصطلح عليهم اليوم في مواقع التواصل الاجتماعي بـ«المؤثرين»:
أولاها أنّه يصغي قبل أن يتكلّم. يصغي لأسئلة الناس الحقيقيّة، في الشارع، وفي المقهى، وعلى الشبكات. ما الذي يخيفهم أكثر؟ ما نوع الأكاذيب التي يميلون إلى تصديقها أكثر؟ وأين تكمن قناعاتهم الحقيقية: هل فيما يريدونه لأنفسهم أم ما يريدونه لأبنائهم؟ إنه يعلم أنّ الناس لا ينتظرون من يجيبهم عن أسئلة لا تعنيهم، بل ينتظرون من يساعدهم على فهم أنفسهم. الإصغاء إلى الناس كافة ليس مجرد مهارة تواصليّة، بل إنه موقفٌ فلسفيّ بالأساس. لأنّ الفيلسوف الذي ينطلق من الأسئلة الأكاديمية، لا من أسئلة الناس، يستطيع أن يكتب فلسفة تخدم مجده الأكاديمي، لكنّها لن تنفع الناس.
وثانيتها أنّه يسأل قبل أن يجيب. إنه لا يأتي بالحلّ الجاهز، بل يساعد الناس على بناء السؤال. ذلك أنه تعلّم من سقراط أنّ أكبر فعل يستطيع الفيلسوف أن يفعله مع محاوره هو أن يعلمه مساءلة الأجوبة التي يظنها بديهية.
وثالثتها أنّه يعترف بعدم معرفته. يقول «أنا أيضًا لا أعرف الجواب، لكن دعنا نفكّر معًا». هذا البوح الذي يبدو بسيطًا، هو الاعتراف الأصعب في زمن يكافئ الواثق ويعاقب المتردّد. لكنّه الاعتراف الذي يؤسّس لحوار حقيقيّ؛ لأنّ المحاور يمتنع عن دخول الحوار إن أحسّ بأنّه أمام من يملك الجواب. ولنتذكّر هنا عبارة «الجهل المتعلم» (docta ignorantia) عند نقولاس كوزانوس: لا أعرف ما هو الحقّ، لكنّي أعرف أنّ كلّ ما أعتقد أنّه الحقّ ليس إلّا تقريبًا منه. هذا الجهل المتعلّم هو شرط الفلسفة، وهو شرط الفيلسوف العموميّ بصورة أساسيّة.
ورابعتها أنّه يجرؤ على الاقتراب من الناس. يذهب إلى حيث الناس: إلى المقاهي الفلسفية، وإلى المكتبات العموميّة، وإلى الإذاعات المحلّيّة، وإلى الفضائيات الدولية، وإلى البودكاست، وإلى المنتديات الرّقمية، وإلى ورشات التفلسف مع الأطفال. هذا الذّهاب ليس تسطيحًا للفلسفة، بل عودة بها إلى موطنها الأصليّ. سقراط لم يؤسّس أكاديميّةً ولا ألّف كتابًا، بل تجوّل في ميادين أثينا يحاور كلّ من يصادفه. وابن باجة كتب رسائله بلغة تخاطب القارئ العادي أيضًا، لا الأكاديميّ وحده. والكنديّ سمّى رسالته إلى المعتصم «الفلسفة الأولى» قاصدًا أن تكون فلسفةً لأهل الحُكم والإدارة. والمفكرون النهضويون الذين أثّروا في تاريخ الفكر العربيّ المعاصر، مثل فرح أنطون، ومحمد عبده، وطه حسين، وأحمد أمين، ونوال السعداوي، وجورج طرابيشي، كانوا يكتبون لجمهور متنوّع، لا لزملائهم وحدهم. هذا هو الإرث الذي ينبغي أن نستردّه ونجدّده في أزمة الفضاء الرّقميّ.
وخامستها أنّه لا يتخلّى عن الدقّة المفاهيمية. لأنّ الفلسفة بلا دقّة ليست فلسفةً، بل مجرد استعراض خطابي. والفرق بين الفيلسوف العموميّ والمتفلسف الإعلاميّ هو في مستوى الدقّة المفاهيمية، لا في الأسلوب اللغوي. فاللغة يمكن أن تكون جميلة وجذابة، لكنّ المفاهيم التي تحملها ينبغي أن تكون على درجة كافية من الدقة.
غير أنّ المطلوب ليس أن يتحوّل الفيلسوف إلى «صانع محتوى» يلهث وراء المشاهدات، بل أن تتّسع السياساتُ الثقافية بما يكفي ليجد الفكرُ النقديّ موطئ قدمٍ في كلّ إذاعة عمومية، وكلّ منبر مدنيّ، وكلّ ركنٍ من أركان الفضاء العموميّ.