“القرآن الحيّ” عند علي مبروك: الحلمُ الذي تتوارثه الأجيالُ

 

 

                                             في ذكرى وفاتكَ العاشرة نواصلُ في اتّجاه الحريّة*[1]

 

القرآنُ الكريم اليوم في قلب النقاش العالمي، يكفي أنْ تنظر إلى كم الدراسات التي تصدر يوميًا عنه في العالم[2]، مختبرات علمية تجمع تاريخه، موسوعات تصنف فيه ودراسات تأويلية ومقاربات لها ألف مظهر ولون. لقد شهدت الدراساتُ القرآنية الحديثة انتقالًا نوعيًا من الانشغال بتفسير النصّ إلى مساءلة شروط فهمه، وقد أعاد ذلك طرح سؤال جوهري يتعلق بطبيعة القرآن ذاته: هل هو نصٌ مغلق ثابت الدلالة، أم خطاب منفتح، أم واقعة تاريخية متحققة في عالم الإنسان؟ هل القرآن هو سببُ العنف أم أنه ضحية فهم جامد؟ هل القرآن سبب للتخلف الذي يعتري المسلمين أم هي آلياتُ الفهم والتمسك بمؤسسات ماضية لم تَعُدْ نافعةً للعصر الذي هم فيه.

وفي هذا السياق، يندرجُ مشروع علي مبروك[3] ضمن المحاولات التي لا تكتفي بإعادة قراءة القرآن، بل تسعى في تفكيك البِنية التي حكمت إنتاج معناه داخل التراث. يقوم هذا المشروع على نقد ما يُسميه مبروك بـ “أطلقة القرآن”[4]، أي تحويله إلى مرجعية مطلقة ثابتة، منزوعة عن سياقاتها التاريخية، بما يسمح بتثبيت المعنى واحتكاره. وفي مقابل ذلك، يقترح إعادة إدراج القرآن ضمن المجال الإنساني، بوصفه خطابًا يتجدد معناه عبر التفاعل مع التاريخ، ويتكون عن طريق الفعل الإنساني.  إنه الحلمُ العابر للأجيال: أجيال المصلحين الأوائل الذين ورّثوا السؤال: لم تخلفنا وتقدم غيرنا؟ وورّثوا الحلم: كيف نستعيد الحيوية الحضارية النابعة من إرادة الفعل الإنسانية؟ إنها “حيوية الإنسان” أو “القرآن الحيّ”، الأمران لا يختلفان في منظور علي مبروك.

  • قراءة في عتبات كتبه الأخيرة:

قبل وفاته بسنة واحدة نشر مبروكُ نصوصَه عن القرآن الحي، وبعد وفاته بسنوات نشر أصدقاؤه وعائلتُه كتابَهُ انثروبولوجيا العقل في الإسلام، وفي هذين الكتابين عتباتٌ دالة وفيهما مفهوم “القرآن الحي” يتجلى بوضوح.

الإهداء:

إلى نصر أبو زيد، في عامه السبعين

انجذب إلى حلم القرآن الحي، ومات دونه،

وإلى هولاند تايلور[5] … لا يزال مُصرًّا على مواصلة الحلم،

وإلى فكري أندراوس[6] … جذبه الشغف في مصر إلى الانشغال —معنا— بالحلم،

عسى أن يدركوا —في هذا الكتاب— من هذا الحلم، ولو بعضه.

يكتسب الإهداءُ في كتابات علي مبروك أهميةً تتجاوز طابعه الشخصي أو العاطفي، ليغدو عنصرًا دالًا ضمن ما يُسميه النقدَ الحديث بـ العتبات أو النص الموازي، فالإهداء هنا لا يقتصر على التعبير عن الامتنان، بل يكشف عن شبكة انتماءات فكرية لا يُصرَّحُ بها داخل المتن. فالإهداء إلى نصر حامد أبي زيد اعترافٌ غيرُ معلنٍ بأن مؤسسَ المفهوم والمشروع هو أبو زيد، الذي مات ولم يُنْهِ ما عزم عليه، فليست عتبةً لتكريم الرّاحل، بل للإقرار بأن منجزَهُ يندرج ضمن مسار علمي بدأ قبله بسنين، فمفهوم “القرآن الحيّ” ليس معزولًا عن بيئته المعرفيّة، بل امتدادٌ لمدرسة عريقة. أما هولاند تايلور Holland Taylor  الذي يرمز إلى استمرار الحلم، فيكشف عن كون المشروع ليس منتهيًا، بل هو ممتدٌ ومتواصل، عبر علي مبروك وعبر التذكر والقراءة المتواصلة لأعماله، وعبر جيل يحمل مِشْعَلَ “التجديد الحيّ” ويدفعه إلى الأمام. ولعل هذه العتبةَ النصية تكشف منذ البداية عن وظائف ثلاثة لمشروع علي مبروك: الأولى أنه يتحرك ضمن ذاكرة فكريّة، ولكنه لا يراها سلطةً فوقيّة، بل إطارٌ من أطر المعرفة، وثانيها الاعترافُ بهذه الأسبقية التاريخية وثالثها أنه مشروعٌ مفتوح، لم يكتملْ مع السابقين ولم يكتملْ مع علي مبروك نفسه، ومن هنا واجب أخلاقي في النسج على منوال التذكّر والتفكّر والمواصلة.

ليس الإهداء في مقدمات مبروك عنصرًا هامشيًا، بل هو نصٌّ مستقلٌ يقول ما لا يقوله متن الكتاب، انظر هذا الاهداء الأخير الذي تصدر كتابه الصادر بعد وفاته بسنوات[7]:

إلى كل من يخافون لقاء الله وهم يتشككون في بعض المسائل الدينية،

أقول: من المؤكد أن اللهَ سوف يحتفي بالساعين وراء الحق مثلهم،

بأكثر من احتفائه بالذين استناموا إلى الأوهام.

علي مبروك

لا نعرف قصةَ هذه الكلمات، هل كتبها مبروكُ على فراش مرضه الأخير أم اختارها أبناؤه، أم ناشرُهُ أم أنس الطريقي الذي راجع الكتاب للنشر وقدمه، لكنها تُعَبِّرُ تمامًا عن إرادة الكاتب، فهي عتبةٌ مُهمةٌ لفهم عالمه الفكري: الطمأنينة القلبية والإيمان بعدالة الله وتمييزه لذوي العقول على الراكنين إلى الاجترار المكتفين بالأوهام. ها هي عوالمُ المعتزلة التي تتصدر أثره الأخير، تترك الرجاء في الله مطلقًا والخوف منه مُقيدًا ذلك أن توقَ العلم أقرب إلى الخير من عتمة الجهل. وهل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؟

بهذه العتباتُ نبدأ التفكير في مفهوم القرآن الحي عند علي مبروك، إنه مفهومٌ متأصلٌ في شغف العقل الإسلامي في أوجُّهِ الفلسفي لمعرفة الله عبر الحُجة والبرهان لا عبر النقل والتقليد، ومع أن معرفةَ الله بالعقل وَحْده غيرُ مُمكنةٍ، إلا أن معرفةَ مقاصدِه أو معرفَة قيمِهِ أو معرفَة الخيرِ والشرِ دائمًا، ممكنةٌ عبر العقل البشري، فله أنْ يضعَ الموازينَ ليُميز بين ما فيه المضرة وما فيه المصلحة للفرد والمجموعة، وما فيه المصلحة دعا إليه كلُ دينٍ وما فيه المضرة نهى عنه كلُ دينٍ.

وهو ما يُسميه الكاتبُ: عقلَ الإسلام، أي عقلَ معرفة الخيرِ والشرِ. أما القرآنُ الحي فلا يكون بمنأى عن ذلك العقل الحي القادر على التمييز بين ما يُستحسن تركه وما يستحب فعله لأجل الإنسان والحياة المشتركة.

  • مفهوم “القرآن الحي”

يمكن القولُ إن القرآنَ الحي عند علي مبروك، هو القوةُ الدافعة نحو البناء والمعنى في مقابل قرآن المؤسسةِ الثابتِ الجامد الذي تحول وَفْق تحليل علي مبروك إلى سلطةِ تبرير الواقع لا إلى ثورة القلب والعقل عليه وعلى ما فيه من مظاهر الانحراف والفساد والتمييز والظلم والعسف. لا يُقدّمُ علي مبروك تعريفًا اصطلاحيًا مباشرًا لمفهوم “القرآن الحي”، بل يبني هذا المفهومَ تدريجيًا بتحليلٍ تاريخي ونقدي لتكوّن الخطاب الديني في الإسلام. فالمفهوم يَظْهَرُ في سياق سعيه في إعادة التفكير في طبيعة العلاقة بين النص القرآني والتاريخ، والكشف عن الكيفية التي تحوّل بها هذا النص، عبر مسار طويل من التراكمات التأويلية والمؤسساتية، من خطاب موجّهٍ إلى الإنسان في سياق تاريخي مُحدد إلى مرجعيةٍ معرفية جامدة يُفترض أنها تعلو على التاريخ وتستقل عنه.

فكما يقول:

“لا شيء يعادل في خطره تعامل البشر مع الأفكار — بصرف النظر عن مضمونها ومصدرها — تعامل المطلقِ الذي يقبع في سكونٍ وثباتٍ خارج أي سياق، ويحتفظ بصلاحية تستعصي على أي تحدٍّ، وأعني فيما تنطوي عليه هذه الإطلاقية، على العموم، من الإهدار الكامل للفكرة الإنسانية التي هي ديناميكيةٌ ومنفتحةٌ بطبيعتها”[8]

ينطلق مبروكُ من ملاحظة أساسية مفادها، أن الخطابَ الديني السائد في التراث الإسلامي قد أسهم في تثبيت تصور معيّن للنص القرآني يقوم على عَدِّهِ بِنيةً مكتملة المعنى وثابتة خارج حركة التاريخ. ووفق هذا التصور، يصبح دورُ الإنسان مقتصرًا على استنباط المعاني الكامنة في النص، دون الاعتراف بدور السياق التاريخي في تكوين عملية الفهم. غير أن هذا الفهمَ –في نظر مبروك– يحجب الطبيعة التاريخية للخطاب القرآني ويؤدي إلى تجميد إمكاناته التأويلية.

في مواجهة هذا التصوّر يقترح مبروك إعادة النظر في طبيعة النصّ القرآني باستخدام مفهوم “القرآن الحي”. ويقصد بهذا المفهوم استعادة القرآن خطابًا يتفاعل مع الواقع الإنساني وينخرط في التّاريخ، لا نصًا مغلقًا مكتفيًا بذاته. فالقرآن في أصله –كما يرى– كان خطابًا موجّهًا إلى جماعة بشريّة محدّدة، يتفاعل مع أسئلتها ومشكلاتها ويستجيب لتحوّلات واقعها. ومن ثم فإن حيويةَ النص لا تكمنُ في ثبات معناه، بل في قدرته على إنتاج معانٍ جديدة عبر تفاعله المستمر مع التاريخ. هذه الحيويةُ هي الشرطُ الأساسي الذي يضعه علي مبروك من أجل الحداثة الفكرية، تلك التي تحدث عنها في مؤلفات عديدة وأصر على رؤية أن حداثتَنا العربيةَ مُسقطةٌ بسبب عدم قدرة المسلم على تحرير نفسه من سلطة التأويل، أي من سلطة النص الذي بقي معناه المغلق مُسيطرًا، وبذلك استحال عليه أنْ يُحررَ المعنى ونفسه والمجتمع برمته.

ومن هنا يصبح مفهومُ “القرآن الحي” تعبيرًا عن محاولة لإعادة بناء العلاقة بين النص والإنسان والتاريخ، علاقةٌ يُستعادُ بها النص القرآني في أفقه الأصلي بوصفه خطابًا مفتوحًا على التأويل، وقادرًا على مواكبة تحولات الواقع الإنساني. يقول مبروك في مقدمته الضرورية لقراءة القرآن وتفسيره:

” إذا كان القرآنُ –وسيبقى- هو مركزُ كل معرفة تنتسب إلى ثقافة الإسلام وتاريخه الغني الطويل فإنه يلزم التنويه بأن منظوماتِ المعرفةَ كافة، التي تخلقت ابتداءً منه لا يُمكن أنْ تتطابق معه أو تستنفده أبدًا، وإلا فإن فاعليتَه ستقف عند حدود اللحظة التي تبلورت تلك المنظومات ضمن حدودها التاريخية والمعرفية.. ومن هنا فإن ما يُضاف إلى القرآن من الثبات والكمال المطلق، لا يمكن أنْ ينسحب على تلك المنظومات العرفية”[9]

يميز مبروكُ بين النص المقدس وعلومه من جهة ويميز بين قرآنين: القرآنُ الذي استعمله السلاطين قناعًا لسلطتهم، والقرآنُ الذي حمل رسالة الإنسان والحرية والعقل والدين. فاحتكار المعنى والأطلقة هما من آليات السلطان أما تحرير فعل القراءة فهو شرطُ الإنسان.

  • القرآن من أجل السلطان: آليات الأطلقة

ينطلق مبروك من تحليل تاريخي لكيفية توظيف القرآن داخل بِنية السلطة، التي يتحول فيها من خطاب مفتوح إلى مرجعية مغلقة عبر آلية “الأطلقة”، التي تقوم على نزع النص من سياقه التاريخي، وتثبيت معناه في صورة نهائية. ويرتبط بذلك مفهوم “القناع السلطوي”، الذي يُستدعى القرآنُ به لإضفاء الشرعية على السلطة، بما يجعل احتكار التأويل أسلوبًا من أساليب الهيمنة. يتجاوز مبروكُ التصورَ الذي يحصر القرآنَ في كونه نصًا أو خطابًا، ليُعيد تعريفه بوصفه واقعةً إنسانية متحققة في التاريخ. وهذا التحولُ ينقل مركزَ التحليل من البِنية إلى الحدث، ومن الفهم إلى الفعل، بما يجعل المعنى مرتبطًا بشروط إنتاجه التاريخية.

يرى مبروكُ أن الصراعاتِ الكلاميةَ القديمة حول صفاتِ الله، لم تكنْ ترفًا فكريًا، بل كانت معركةً مستترة عن وضع الإنسان وقدرته.

“فالذين تصارعوا حول صفات الله… كانوا — في الحقيقة — يتخذون من الصفات ساحةً يحسمون عليها معركتهم حول الإنسان بالأساس.” [10]

لقد تحول القرآنُ من قوة من أجل التغيير إلى ساحةٍ للصراع بين “الإنسان” و”السلطان، ” هنا يضع مبروكُ يده على لب المشكلة: تحويل القرآن من خطاب موجه للإنسان إلى صفة إلهية متعالية لتبرير الاستبداد. “إن كلًّا من الله والقرآن إنما يحضران وفقط، محض قناعين لمن يُراد إخفاؤه وراءهما وهو السلطان… الأمر يتعلق في العمق، بمواجهة بين الإنسان والسلطان” وهكذا استخدم القرآن لضرب كل تجديد ولتثبيت ما يُسميه “التفكير بأصل” عوض الاجتهاد والتفكير بالعقل والرأي.  ففعل التعالي بالقرآن من “خطاب يخص الإنسان” إلى كونه “صفة قديمة من صفات الله”… كان لا بُدَّ أنْ ينعكس عليه تعاليًا بسلطته أي السلطان إلى الوضع الذي تكون فيه مطلقة، وخارج أي إمكان للسيطرة عليها”.

لقد تحولت بهذه العملية التأصيلية للأصل السابق على العقل بوصفه تجرِبة تاريخية كتجارِب الصحابة إلى أصل يُقاس إليه في كل الابعاد السياسية والدينية والاجتماعية، وبني هكذا فهم السلفية على أساس بِنية كامنة تقهر الحرية والمسؤولية وتثبط كل محاولة تفكير خارج بِنية الأصل السابق هذه. لقد ضُحِيَ بالقرآن من أجل السلطان. يُمكن القولُ إن هذه العملياتِ سلطت لاهوتًا يُمكن تسميته لاهوتَ القهر عوض أنْ تبنيَ لاهوتَ الأنسنة.

يكشف مبروكُ في جُل ما كتبَه عن ارتباط إنتاج المعنى بالبِنية السلطوية، إذ لا ينظر إلى التفسير على أنه عمليةٌ معرفيةٌ محايدة، بل يراهُ ممارسةً تتداخل فيها المعرفة بالسلطة. حينئذ فإن تثبيتَ المعنى ليس نتيجة طبيعية للنص، بل نتيجةُ آلياتٍ تاريخية تهدف إلى ضبطه. إن تثبيتَ المعنى ورؤيته إلهيًا هو نتاجُ عمليةِ قراءةٍ استُخدمت فيها المعاني القرآنية قناعًا لسلطة خفية. رغم غياب التصريح بالمرجعيات في تحليله، فتاريخية المعنى وفلسفة فوكو والتأويلية لا تخفى عن النظرة الأولى. ولا يخفى هذا التصورُ النظري الذي يقوم على تاريخية المعنى، ومركزية الإنسان، ونقد المطلق. غير أن هذه الخلفياتِ تظل ضمنيةً، وهو ما يمنحه مرونة في الاشتغال، ويضعف وضوحه المنهجي. إنه لا ينقد التراث، بل يَنْقُدُ بِنية السلطة الكامنة، لا يختلف نَقْده في آلياته عن نقد الجابري للعقل العربي، إذ يُنبه إلى سلفية العقل العربي ويؤكد علي مبروك النتيجة نفسها، حتى إنه بإمكاننا المقارنة بين الكاتبين بلا عناء كبير.

فالمشكلة عندهما لا تكمن في التراث أو في النص ذاته، بل في الكيفية التي يُعاد بها بناؤه: إذ يُنزَع من سياقه الحي ويتحوّل من مجال للفهم والتأويل إلى مرجعية جامدة تقوم على الامتثال والتكرار. وبهذا المعنى، فإن الأطلقة ليست خاصية دينية بالضرورة، بل بِنيةٌ فكرية قد تَظْهَرُ أيضًا في الخطابات الحداثية حين تُحوِّل نماذجها إلى معايير مغلقة. ومن هنا، ينتقل مبروك[11] من نقد السلفية بوصفها موقفًا تاريخيًا إلى نقد أعمق يطال كلَ تفكيرٍ يحوّل المعنى إلى يقين مكتمل، ويُفرغ التاريخ من حركيته. مقابل ذلك، يدعو إلى استعادة “التاريخ الحي” بوصفه فضاءً للتفاعل والتأويل، لا يكون فيه النصُ شاهدًا صامتًا على الماضي، بل عنصرٌ فاعلٌ في إنتاج المعنى داخل الحاضر.

  • تاريخية القرآن في ضوء الأنثروبولوجيا التاريخية

إذا أُعيد النظر في مفهوم “تاريخية القرآن” ضمن أفق أوسع للعلوم الإنسانية، فإنه يلتقي بطريقة لافتة مع ما تُؤسسه الأنثروبولوجيا التاريخية من تصور للمعرفة. فكما يبيّن جيروم لامي[12]، تقوم الأنثروبولوجيا التاريخية على تجاوز الحدود الصلبة بين التخصصات، عبر بناء مجال إبستيمي “بيني” يدرس الإنسانَ في تمفصلاته الزمنية والاجتماعية والثقافية. وهذا التصورُ لا يَنظر إلى الظواهر نظرةَ معطياتٍ ثابتةٍ، بل نظرةَ تكويناتٍ تاريخية تتداخل فيها البِنى الرمزية والممارسات الاجتماعية.

في هذا الإطار، يُمكن فهم “تاريخية القرآن” لا فقط فهمَ أداةٍ تفسيرية، بل فهمَ تحولٍ في نمط التفكير ذاته: من رؤية النص كِيانًا مغلقًا، إلى رؤيته جزءًا من شبكة معقدة من العلاقات الإنسانية والتاريخية. فكما تؤكد الأنثروبولوجيا التاريخية أن المعانيَ تُفهم ضمن “الأنظمة الثقافية” و”أشكال الحياة”، فإن القولَ بتاريخية القرآن يقتضي إدراجه داخل الأفق نفسه، أي بوصفه خطابًا تَكوَّنَ في سياق لُغوي وثقافي محدد، وتفاعل مع بِنى اجتماعية وتصورات رمزية قائمة.

كما أن فكرةَ العمل على الحدود التي يستحضرها لامي، بوصفها آليةً لتداخل الحقول المعرفية، تتيحُ فهم مشاريع مثل مشروع علي مبروك بوصفها اشتغالًا على تخوم التفسير والأنثروبولوجيا والتاريخ في آن واحد. فمبروك لا يفسّر النص بقدر ما يُعيد إدراجه ضمن سيرورة إنتاج المعنى داخل التاريخ، وهو ما يقاربُ ما تسعى فيه الأنثروبولوجيا التاريخية حين تدرس الظواهر بوصفها نتاجَ تفاعلات ممتدة لا يُمكن اختزالها في بِنية واحدة ثابتة. وربما من هنا نبع عنوانٌ آخر كتبه الذي نشر في 2025: “انثروبولوجيا العقل في الإسلام” فهو مزيجٌ بين تخصصات وتقاطع بينها.

إن هذا التقاطعَ يكشف أيضًا عن مفارقة أساسية: فبينما تسعى الأنثروبولوجيا التاريخية في الجمع بين التحليل التاريخي والضبط المنهجي، يظل مشروعُ تاريخية القرآن، خاصة في صيغته الراديكالية، مُعرضًا لخطر الانفلات التأويلي، بسبب غياب جهاز مفاهيمي مضبوط بالقدر الكافي. ومن ثم فإن استثمارَ أدوات الأنثروبولوجيا التاريخية يُمكن أنْ يُمَثِّلَ أفقًا لتجاوز هذا القصور، عبر إعادة بناء العلاقة بين التاريخية والمعيار داخل إطار علمي أكثر صرامة. وبذلك لا تعود تاريخية القرآن محض موقف تأويلي، ولكنْ تصبح جزءًا من تحول أوسع في العلوم الإنسانية، يتمثل في الانتقال من البحث عن المعاني الثابتة إلى تحليل شروط إنتاجها داخل التاريخ.

إننا نستحضر مشروع “قرآن المؤرخين”[13] مثلًا وغير ذلك من المشاريع الاستشراقية الكبرى التي تَنظرُ إلى القرآنِ نظرةً علمية جامدةً لا رُوح فيه، في حين لا يَنظرُ مبروكُ إلى القرآنِ بالجمود نفسه، وإن كان يُعْمِلُ المناهج التاريخية والفلسفات النظرية نفسها، وفي ذلك فرق كبير بين من يرغب في استئناف العقل لأنه ينتمي إليه، ومن يهتم فقط بتفكيكه وفهم اشتغاله ومعرفة تاريخه مُنطلقًا من مركزية غربية للمعرفة سواء أحب تلك المركزية أم كرهها.

إن تاريخيةَ النص القرآني عند مبروك ليست نسخًا على منوال الاستشراق وعلومه ولا هي تقليدٌ اعمى لمناهجه، بل حاجةٌ نابعة من العقل الإسلامي نفسه الذي يتوق للمعاصرة والتحيين كما لو كان برنامج حاسوب يحتاج إلى تثبيت آخر التحسينات. ذلك هو العقلُ الحي، ذلك هو القرآنُ الحيّ، القابلُ لتطور الحياة وصروفها واحوالها. هو قرآنٌ من أجل الإنسانِ.

  • القرآنُ من أجل الإنسان: إعادة مركزية الفعل الإنساني

في مقابل النمط السلطوي الذي ساد في المؤسّسات الفقهية والعلمية وعبر تاريخ السلطان، يُسلِّطُ مبروكٌ الضوءَ على ضرورة إعادة بناء العلاقة بين القرآن والإنسان، فالنصُ لا ينفصل عن مجاله الإنساني، ومعناهُ لا يُستخرج بوصفه مُعطًى جاهزًا، بل يُنتج داخل الفعل التاريخي. وبذلك، ينتقل من تصوّر التأويل بوصفه كشفًا إلى عدّه ممارسة إنتاجية، مما يفتح النص على إمكانات متعددة للفهم. ينبني هذا المفهومُ عند علي مبروك على إعادة تأسيس العلاقة بين القرآن والإنسان خارج منطق الفهم التقليدي الذي يحصر الدلالة في أصل مكتمل أو معنى نهائي. فهو يميّزُ بين “التأسيسي” بوصفه أفقًا قيميًا كُليًا ومفتوحًا، و”الإجرائيُ” بوصفه تحققًا تاريخيًا جزئيًا لهذه القيم داخل شروط مخصوصة، لكنَّهُ لا يُقيم بينهما قطيعة، بل علاقةٌ تركيبية تجعل الجزئي داخل الكُلي دون أن يستنفده. وبهذا يتحول المعنى القرآني من كونه معطًى جاهزًا يُستعاد إلى كونه سيرورةً تاريخيةً تتجدد عبر صور تحقق متعاقبة، تظل فيها القيمة متجاوزة لكل تجسداتها. ويكتسب هذا التصورُ عمقه حين يربط التأسيسي بمفهوم “المصلحة الإنسانية” بوصفه مبدأ أعلى، بما يجعل الغاية من النص ليست تثبيت هيئاتٍ بعينها، بل تمكين تحقق الإنسان في التاريخ. ومن ثمّ، فإن “القرآنَ من أجل الإنسان” لا يعني أن الإنسانَ يؤول النص فحسب، وإنما أن المعنى ذاته لا يكتمل إلا داخل حركة وجودية يتداخل فيها القيمي بالتاريخي، في أفق مفتوح يرفض الانغلاق على دلالة نهائية أو قراءة مكتملة.

لو قارنا هذه الأفكارَ بتلك التي عند المستعربة جاكلين الشابي والتي أصدرت منذ شهور كتابًا يحمل عنوان قرآن الأنوار[14] فإنه يمكننا القولُ إن القرآنَ الحي هو قرآنُ الفعل الدائم والتواصل الدائم بين الوحي والمسلم في التاريخ، في حين أن قرآنَ الأنوار قرآنٌ ثابتٌ أيضًا، لأن المنهجيةَ التي تعتمدها جاكلين الشابي تعتمد على تمييز سياق القرآن الأصلي وتأويلاته اللاحقة، وهي ترى أن المعانيَ اللاحقة انطبعت بالثبات وتوظيف السلطة السياسية، في حين أن القرآنَ الأول كان بدويًا بسيطًا ملبيًا حاجة القبيلة التي كان النبي محمدًا يلعبُ فيها رمزَ القائد والمرشد، وهي وظائفٌ تحتاجها القبائل العربية في الصحراء. وهكذا لو وضعنا مفاهيمَ مثل: البداوة والعقل، عند كلٍ من مبروك والشّابي، لتبين لنا عمق المفارقة في النظر إلى القرآن بين من انتمى لثقافة القرآن ومن نظر إليه من خارجه حتى وإن كانا يسميان منهجهما بالاسم نفسه أي أنثروبولوجيا الإسلام وحتى إذا كان مبروكُ يتحدث عن التاريخيّة والشابي تتحدث عن التاريخية فإن تاريخيةَ الشابي تُحيل إلى غير ما تُحيل إليه تاريخية مبروك.  وليس أدل على ذلك من الفصل الثالث الذي أنهى به كتابه في السعي وراء القرآن الحي والذي جمع فيه حُججًا على حيوية القرآن عبر تعدد لهجاته وقراءاته.

  • اللغات في القرآن: التعدُّد اللُغوي وتقويض الأحاديّة

يُقدِّمُ مبروكُ استقراءً لمواضع متعددة في القرآن كما فسّرها التراث، مُبيّنًا أنها تنتمي إلى لغات (لهجات) مختلفة من لغات العرب. ويخلص إلى أن القرآنَ رغم عربيته، لا ينتمي إلى لهجة واحدة خالصة، بل يَتَكَوَّنُ من تركيب لُغوي متعددٍ، وهو ما يقوّضُ فكرة الوَحْدة الصلبة للمعنى، ويدعم انفتاح النص على التعدد. هذا الفصل من الكتاب في السعي إلى القرآن الحي، بذرة فردية لعمل لا يمكن إلا أنْ يكونَ جماعيًا، ذلك أن القراءاتِ القرآنيةَ وجمع اللهجات عملٌ معقد، يتطلب تضافُر الجُهود، يذكرنا الفصل بموسوعة ضخمة استغرق نشرها سنوات عمل طويلة وفريق بحث متعدد الاختصاصات أشرف عليه عبد المجيد الشرفي وكان نتاجه ضخم: المصحف وقراءاته، منشورات دار مؤمنون بلا حدود، 2016. وهي تقريبًا الفترةُ نفسها التي نشر فيها مبروك كتابه في السعي وراء القرآن الحي.  فقد كان جُهده الفردي يمشي بتوازٍ مع فرق بحث عربية-تونسية، وفرق بحث أخرى استشراقية غربية. ومع ذلك فإن همَّ علي مبروك الأساسيُ ليس أنْ يصلَ إلى إنتاجِ موسوعة دقيقة أو أداةٍ منهجية، كما هو الأمرُ مع فريق بحث المصحف وقراءاته، بل همُّهُ الأول حجاجي وجدلي: كيف يُقنع العامة وعموم القراء والمهتمين أن القرآنَ نصٌ حي، وأنه إذا تحنط بتصورات الإطلاق والثبات مات. وهو الغرضُ المركزي من الفصل حول تعدد اللغات في القرآن والأمثلة التي عددها.

وعلى العموم فإن جُهدَ علي مبروك ليس أنْ يُقَدِّمَ مفهومًا جديدًا للبحث العلمي، بل أنْ يتوسطَ بين البحث العلمي والعامّة، أنْ يصنعَ خطابًا بيداغوجيًا يُمكّنه أنْ يتغلغلَ عند الناسِ عند بسطاء المصريين وعند عموم المثقفين من القراء من حملة الشهادات ومن الطبقة المتعلمة خريجي الجامعات الذين هم بعشرات الألوف، لكنهم لم يغيروا الخطابَ السائد بشأن التدين، لأنهم لم يتدربوا على تفكيك الخطاب الديني الرسمي السلطوي، ولأنهم في حاجة إلى خطاب وسيط لا هو علميٌ نخبوي ولا هو عاميٌ، هو ذلك الخطابُ الذي يقدمُ نموذجه علي مبروك بكل تأكيد، لأن شروطَ الخطاب العلمي الأكاديمي لا يُمكن أنْ تنطبقَ عليه ذلك أنه يكتب كأنه أول من يكتب في هذه المفاهيم، لا يُلخص الأدبيات الفكرية التي اُنتِجت منذ 67 عن التراث ولا يُحيل دائمًا إلى المراجع، بل همه الأولُ أن يُقنع القراءَ وأن يُبسّطَ النظريات المعقدة التي يُخفيها ولا يذكر مراجعها، لكنها لا تخفى عن الباحثين.

هذا الرأيُ ليس تبخيسًا من خطاب علي مبروك، بل هو توضيحٌ لنقطة مُهمة تتعلق بغياب الإحالات الضرورية والتعقيدات النظرية، حتى وإن كان في نصه كثيرٌ من العمق والتعقيد، إلا أنه يوجهه نحو الفهم وليس نحو التنظير والتقعيد. وعلى العموم يتقاطع تصوّر نصر حامد أبي زيد للنص القرآني، مع تصور علي مبروك لمفهوم “القرآن الحي” في الانطلاق من نقد القراءة التراثية التي تعاملت مع القرآن بوصفه بِنية مكتملة ومتعالية على التاريخ، وفي تأكيد ضرورة إدراج النص ضمن شروطه التاريخية والثقافية لفهم دلالاته. غير أن هذا التقاطعَ يُخفي اختلافًا يتعلق بمستوى التحليل وطبيعة الإشكال الذي يعالجه كل منهما. فأبو زيد اشتغل في البداية على مستوى النص ذاته، ساعيًا في تفكيك تصوره بوصفه خطابًا لُغويا تَكوّنَ داخل الثقافة العربية، ثم انتقل إلى مفهوم الخطاب مُوسعًا المصطلحاتِ التي استخدمها، فالمعنى ليس معطًى سابقًا، بل يتولدُ داخل جدلية النص والواقع والتأويل، التي يصبح فيها القرآن “نصًا ثقافيًا” ينتج معناه في تفاعل مستمر مع قارئه وسياقه. في المقابل، ينقل مبروكُ مركزَ التحليل من بِنية النص الثقافي إلى تاريخ بِنية الخطاب الذي تَكوَنَ حوله، معتبرًا أن الإشكالَ لا يَكْمُن في طبيعة النص اللُغوي القابل للتأويل، بل يَكْمُن في بِنية السلطة التي حوّلته عبر التاريخ إلى مرجعية مغلقة تُمارس سلطة على الواقع. ومن هنا يبلور مفهومُ “القرآن الحي” مشروعًا نقديًا يستهدفُ تفكيكَ شروط تجميد المعنى، والكشف عن المسارات التاريخية والسياسية التي أفضت إلى أطلقة الخطاب الديني. وإذا كان أبو زيد قد أسس لإبستيمولوجيا النص القرآني نصًا لُغويا تاريخيًا، فإن مبروكَ يذهب أبعد من ذلك نحو بناء إبستيمولوجيا للخطاب الديني ذاته، تكشف عن علاقته بالسلطة، وتُعيد إدراج القرآن داخل التاريخ لا فقط بوصفه نصًا يُؤوَّل، بل بوصفه خطابًا يُعاد إنتاج معناه داخل شبكة من الصراعات المعرفية والسياسية. وبذلك يُمكن القولُ إن مشروعَ أبي زيد يُحرِّر المعنى من قدسيته النصية، في حين يعمل مشروع مبروك على تحريره من بِنيته الخطابية السلطوية، بما يفتح أفقًا أكثر راديكالية في إعادة التفكير في العلاقة بين النص والتاريخ والإنسان. إنه يحاول الإجابة عن سؤال لم يطرحه علنًا، لكنَّهُ موجودٌ ضمنًا هو: ماذا يعني لنا القرآن اليوم؟ والإجابة الضمنية: “استئناف الحياة”.

يحتل مشروعُ علي مبروك داخلَ خريطة تجديد الدراسات القرآنية المعاصرة موقعَ همزة الوصل، إذ يتقاطع مع عدد من المشاريع الفكرية الكبرى، دون أنْ يندمجَ في أي منها اندماجًا كاملًا. فهو يلتقي مع نصر حامد أبي زيد في نقد القراءة التراثية للنص وفي تأكيد تاريخية الفهم، غير أنه يختلف عنه في نقل مركز التحليل من النص بوصفه بِنيةً لُغوية إلى الخطاب الديني بوصفه بناءً تاريخيًا تَكوَّنَ في سياقات معرفية وسياسية محددة. كما يتقاطع مع محمد أركون في الطابع النقدي الراديكالي وفي السعي في تفكيك البِنى المعرفية التي حكمت العقل الإسلامي، إلا أن مبروكَ يُركز على تحليل العلاقة بين النص والسلطة داخل التاريخ الإسلامي. ومن جهة أخرى، يلتقي مشروع مبروك مع عبد المجيد الشرفي في تأكيد تاريخية الظاهرة الدينية وضرورة تحرير النص من القراءات الجامدة، غير أن الشرفيَ يميلُ إلى إبراز البعد القيمي والأخلاقي للرسالة الإسلامية في إطار إصلاحي بيداغوجي يُميز بين ما يُسميه إسلام الرسالة وإسلام التاريخ، واضعًا مجموعة من اللبنات التي تساعد أي مسلم على التفكير في الدين بنفسه مستقلًا عن كل سلطة دينية، في حين يتجه مبروكٌ نحو تحليل البِنية السلطوية الخطابية التي أنتجت الفهم التراثي للنص، بما يجعله أقرب إلى مشروع نقد وتفكيك وهدم. ويتقاطع مع محمد الطالبي في رفض القراءة الحرفية للنص وفي الدعوة إلى تجاوزه نحو أفق أكثر انفتاحًا، غير أن الطالبيَ يؤسس ذلك على مفهوم “السهم الموجّه” الذي يمنح النصَ اتجاهًا قيميًا محددًا، في حين يرفض مبروك تثبيت أي أفق معياري مسبق، مفضّلًا إبقاء المعنى مفتوحًا داخل التاريخ.

وبذلك يُمكن القولُ إن مشروعَ علي مبروك يتميز بكونه يجمع بين عناصر متعددة من هذه المشاريع، لكنَّهُ يُعيد تركيبها داخل أفق خاص يقوم على تحليل الخطاب الديني بوصفه مجالًا تتقاطع فيه المعرفة والسلطة والتاريخ. فهو لا يكتفي بإثبات تاريخية النص أو الفهم، بل يسعى في الكشف عن الشروط التي جعلت بعض القراءات تكتسب طابعًا مطلقًا، والعمل على تفكيكها لإعادة فتح النص على إمكاناته التأويلية. ومن ثم، فإن خصوصيةَ مشروعه لا تكمن في تقديم بديل تأويلي جاهز، بل في نقل النقاش من سؤال المعنى إلى سؤال شروط إنتاجه، بما يجعل من “القرآن الحي” أفقًا نقديًا يُعيد صياغة العلاقة بين النص والإنسان والتاريخ في الفكر الإسلامي المعاصر.

يكشف تحليل مشروع علي مبروك، في ضوء مقارنته بالمنهج المقاصدي كما يتجلى في مفهوم “السهم الموجّه” عند الطالبي مثلا[15]، عن توتر إبستمولوجي عميق داخل الدراسات القرآنية المعاصرة: توتر بين نزعتين متقابلتين، إحداهما تسعى في تحرير المعنى من كل تثبيت مسبق، والأخرى تعمل على توجيهه ضمن أفق قيمي محدد. غير أن هذا التوترَ يُمكن أنْ يُعادَ تأويله بوصفه شرطًا لإنتاج معرفة أكثر تركيبًا. فقد أظهر مشروعُ مبروك أن تثبيتَ المعنى ليس فعلًا بريئًا، بل يرتبطُ ببِنية تاريخية وسلطوية تسعى في تحويل القرآن إلى مرجعية مغلقة، وأن تحريرَ النص من هذه الأطلقة، يفتح إمكانات جديدة للفهم، ويعيد الاعتبار لدور الإنسان في إنتاج الدلالة. غير أن هذا التحريرَ، إذا تُرك دون أفق ناظم، قد يفضي إلى انفتاح غير مضبوط، يُهدد بإفراغ النص من قدرته التوجيهيّة.

في المقابل، يقدّمُ المنهجُ المقاصدي محاولةً لإعادة بناء هذا الأفق التوجيهي، بربط النص بغاياته وقيمه، غير أن هذه المحاولةَ تظل مُهدّدة بالتحوّل إلى صورة جديدة من الأطلقة، إذا ما جرى تثبيت هذه المقاصد بوصفها معاييرَ نهائيةٍ لا تقبل المراجعة. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى تجاوز هذه الثنائية، عبر تصور يجعل المعنى القرآني نتاجًا تاريخيًا منفتحًا، يَتَكَوَّنُ داخل الفعل الإنساني، دون أنْ ينفصل عن أفق قيمي متجدد يوجّه هذا الفعل دون أنْ يغلقه. فليس المطلوب إلغاء المقاصد لصالح الانفتاح، ولا التضحية بالانفتاح لصالح الضبط، بل إعادةُ صياغة العلاقة بينهما على نحو يسمح بتفاعل مستمر بين النص والتاريخ والقيم.

وبذلك، يُمكن القول إن القيمةَ الحقيقية لمشروع علي مبروك لا تكمن فقط في نقده للأطلقة، بل في دفعه التفكير القرآني إلى تخومه القصوى، إذ يصبح لزامًا على الفكر المعاصر أنْ ينتقلَ من مجرد التفكيك إلى بناء نماذج أكثر توازنًا، قادرة على الجمع بين تاريخية المعنى وإمكان توجيهه، بما يحفظ للنص حيويته، وللفهم مسؤوليته. إنّه وضع لبنات شبيهة بكل المشاريع الفكرية الكبرى في الفكر العربي المعاصر.

  • حدود مفهوم القرآن الحي:

مفهوم “القرآن الحي” عند علي مبروك له طابعه التحرّري الظاهر، لكنه مع ذلك يبقي على مرجعية النص المقدس ويثير إشكالًا إبستمولوجيًا دقيقًا يتعلّق بحدود هذا التحرّر ذاته. فبينما يسعى هذا التصوّر في تقويض الأطلقة اللاهوتية التي حوّلت النصَ إلى مرجع مغلق ومتعالٍ على التاريخ، فإنّه لا يخلو من نزوع مقابل قد يُفضي إلى إعادة إنتاج نمطٍ آخرَ من الأطلقة، ولكنْ هذه المرّة داخل أفق إنساني، الذي يصبح فيه “الحيُّ” معيارًا ضمنيًا للحكم على المعنى، بما قد يؤدّي إلى نوع من الإحلال تُستبدل فيه سلطة التعالي بسلطة الإنسان، دون تفكيك كافٍ لآليات إنتاج السلطة في الحالتين.

ويتقاطع هذا الإشكال على نحو لافت، مع المنهج الذي اعتمدته جاكلين الشابي في بحثها عن “المعنى المطمور”[16]، إذ يحدث ردُّ الدلالة إلى شروط التلقي الأولى وإلى البِنية الاجتماعية التي تكونَ فيها الخطابُ. غير أنّ هذا الالتقاءَ يكشف في الآن نفسه، عن حدّ إبستمولوجي مشترك يتمثّلُ في خطر اختزال المعنى داخل أفقه التأسيسي، بما قد يُفضي إلى تثبيت دلالة أولى تُقدَّمُ بوصفها أقدر على تفسير النص من غيرها. فكما أنّ الشابي، في سعيها إلى تفكيك الطبقات التأويلية اللاحقة، تنتهي أحيانًا إلى إعادة بناء معنى مرتبط بسياق القرن السابع، فإنّ مبروكَ في تأكيده “حيوية” النص، يظلّ مشدودًا إلى أفق إنساني مخصوص قد يتحوّل بدوره إلى مرجعية ضمنية لإنتاج المعنى. وفي الحالتين، لا يحدث تجاوز الأطلقة بقدر ما يُعاد توزيعها: من تعالٍ لاهوتي إلى تعالٍ تاريخي أو إنساني.

ومن ثمّ، فإنّ السؤالَ لا يتعلّق فقط بمدى قدرة هذه المقاربات على تحرير النص من قراءاته المغلقة، بل أيضًا بمدى قدرتها على تجنّب تأسيس مركز جديد للمعنى، قد لا يقلّ إقصاءً عن سابقه. ذلك أنَّ ردَّ المعنى إلى أصل واحد، سواء كان اجتماعيًا كما عند الشابي، أو إنسانيًا كما عند مبروك، يُفضي إلى تثبيت دلالة بديلة تُقدَّم بوصفها أكثر انفتاحًا، في حين أنّها تظلُّ مشروطة بإطار تأويلي مخصوص. وفي هذا السياق، يُظهرُ تحليلُ هذه المقاربات أنّ المعنى القرآني لا يوجد خارج تاريخ التأويل، بل يتوزّع داخل طبقاته، توزيعًا يُصبح به استعادته مشروطة بالاشتغال على هذا التراكم ذاته لا بتجاوزه.

وعليه، فإنّ تجاوزَ حدود هذه المقاربات يقتضي الانتقال من منطق الإحلال إلى منطق التعدّد، انتقالًا لا يُنظر فيه إلى المعنى بوصفه حقيقة أصلية ينبغي استعادتها، ولا بوصفه إنتاجًا إنسانيًا خالصًا، بل بوصفه سيرورة تاريخية تَتَكَوَّنُ داخل شبكة من القراءات المتراكمة. ومن ثمّ يصبح التراثُ التفسيري لا عائقًا أمام المعنى، بل أحدُ شروط إمكانه، بما يحفظ للنص قابليته الدائمة لإعادة التكوُّن. وبهذا المعنى لا يكون “الحيُّ” خاصيّةً جوهرية للنص، بل أثرٌ ديناميكيٌ ينتج عن التّفاعل المستمرّ بين النصّ وسياقه وأفق قرّائه داخل تاريخ مفتوح لا ينغلق على مرجعيّة واحدة.

خاتمة: ماذا يعني لنا القرآن اليوم؟

لا ينخرط مبروك في منافسة تأويلية حول “المعنى الصحيح” للنص، بل فقط يطرح شروط إقامة علاقة حيّة معه. علاقة لا تقتله ولا تقتلنا. علاقة قابلة للتطور وللتأسيس وللبناء. ومن هذا المنظور يتجاوز مشروعه حدود النقد إلى مستوى إعادة التأسيس، إذ يصبح السؤال عن القرآن هو في العمق، سؤالًا عن طبيعة العلاقة بين المطلق والتاريخ، بين الإلهي والبشري، بين النص والمعنى.

وقد بيَّنَ تحليلُ هذا الخطاب الفكري، في امتداده من “القرآن الحي” إلى “انتروبولوجيا العقل الإسلامي”، أنّه لا يتوقف عند تثبيت تاريخية الفهم، بل يتقدم نحو أفق أكثر تركيبًا، يجعل من المسافة بين المعرفة الإلهية وتمثّلاتها شرطًا أنطولوجيًا لإمكان المعنى. وبهذا لا يعود التعدد التأويلي عرضًا طارئًا أو انحرافًا عن الأصل، بل يصبح نتيجةً بِنيوية لهذه المسافة، بما يجعل من كل ادعاء بإغلاق المعنى ضربًا من الإلغاء لطبيعة الوحي نفسه.

غير أن هذا التأسيسَ، على ما ينطوي عليه من عمق نظري، لا يخلو من توتّر داخلي لم يُحسم بصورة نهائيّة. فإذا كانت المسافةُ تفتح المعنى وتمنع استنفاده، فإنها في الآن ذاته تطرح إشكال ضبطه: كيف يمكن التمييز بين الفهم الممكن والفهم المشروع؟ وأين ينتهي الانفتاح؟  فحتى التأويلات المتطرفة تبدو حية مواكبة لكل مصلحة ولكل معنى. وهنا يظهر أن مبروكَ وهو يفكّكُ الأطلقة، لا يقدّم بديلًا معياريًا مكتملًا، بل يتركُ التفكير في حالة انفتاح دائم، يحرّر السؤال أكثر مما يقدّمُ جوابًا نهائيًا عنه.

ومع ذلك، فإن قيمةَ هذا المشروع لا تُقاس بالحلول التي يقدمها، بل في النقد للتفكير المغلق الاشعري. فقد نجح مبروك في نقل النقاش من مستوى ماذا عنى القرآن؟ إلى كيف يعني لنا اليوم وهنا؟ بل إلى مستوى أعمق: ما طبيعة العلاقة التي تجعل المعنى الحامل للحياة ممكنًا أصلًا؟ وبهذا، يضع الدراسات القرآنية أمام أفق معرفي جديد، لا يقوم على تثبيت المعنى ولا على إطلاقه، بل على التفكير في شروط إنتاجه داخل توتر لا يُلغى بين المطلق والتاريخ.

لقد نجح علي مبروك في بناء خطاب حي حول القرآن، خطاب نادى الطالبي في تونس بضرورة أنْ يقامَ في كل مكان: “نحن في حاجة إلى خطاب ديني حضاري مقنع، إلى خطاب بديل صادق صدوق، غير موظف يقبض على طرفي الحبل: الوفاء للإرث ومواكبة التجديد والتغيير اللذان توجبهما وتفرضهما حركة الزمن” [17]وكأن خطابَ مبروك يستجيب لهذا النداء الآتي من التسعينات، من عشرية الجزائر السوداء ومن صحوة الإسلام السياسي في كل الربوع العربية والإسلامية. وما احوجنا اليوم بالذات والأشكال المتغيرة من الاستعمار تهددنا أنْ نهتمَ بتجديد القيم والمعاني والخطابات عبر الإنصات إلى ما خبره السابقون وما عمل عليه الناس بصدق وبأمانة وحب للأوطان. وإذا كان مبروكُ موضوعَ هذه الدراسة، فلأنه لبى نداء التجديد والوطن، ولأنه ترك الأمانة لأجيال تحمل المِشْعَل عنه لتواصل الحلم: حلم القرآن الحي، أو لنقل العقل الحي، الإنسان الحي، فلم يكتب على جبين المسلم أن يولد للموت والتضحية بحياته، بل من حقه أنْ يحيا وأن يعيش وأن يبني حضارة معاصرة وأن يجمع بين الايمان، والعلم، والدين والدنيا. هذا حق لا بديل عنه ولا فرار منه، وليصمت تجار الموت أعداء الحياة كما يقول الشابي.

إن الرّهانَ الذي يفتحه هذا المشروع لا يَكْمُنُ في تبِنيه أو رفضه، بل في القدرة على مواصلة ما بدأه، وهو يستأنف بدوره عمل مدرسة القاهرة الفلسفية، مدرسة لم تكنْ فريدة في طرحها لو قارناها بالفكر التونسي أو المغربي المعاصر، ولكنها فريدة في مواجهة الجمود بكل تأكيد وفي مواجهة قوى الظلام، ألم يكُ مبروكٌ للرمق الأخير في حياته مُحاطًا بطلبةِ العلم يواجه بقرآنه الحي قوًى حررتها الثورة التونسية والمصرية من قُمقمها الحزين: تطالب بقطع يد السارق وتعدد الزوجات وإقامة ما تسميه بـ “دولة الإسلام”؟  إن مشروعًا للقرآن الحي إذن هو بناءُ مقاربة قادرة على الجمع بين تاريخية المعنى وأفقه التوجيهي، بين انفتاح التأويل ومسؤوليته، دون الوقوع في اختزال أي من الطرفين. ومن ثم فإن مستقبلَ الدراسات القرآنية لا يتحدد في تجاوز مبروك، بل في التفكير معه، ومع هذه المشاريع جميعا من علي عبد الرازق والطاهر الحداد إلى الطالبي والشرفي ومحمد الجابري ومحمد أركون والشرفي ونائلة السليني ومبروك ونصر حامد أبو زيد وغيرهم كثير، إن هؤلاء يحملون الحلم عينه: حلمُ الإنسانِ الحيّ  القادرُ على بناء حضارة حية، وإذا لم يكنْ بد من مركزية “القرآن”، فهو إذن “القرآن الحي” أي الحامل للنَفَسِ المبدع عينه، المريد لعلاقة تقوم على التحرّر والتجديد الدائمين من ربقة السلطة المهيمنة وانغلاق المعنى وانغلاق النص.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

عبد المجيد الشرفي، المصحف وقراءاته، مؤمنون بلا حدود للنشر، 2016.

علي مبروك، أنثروبولوجيا العقل في الإسلام، عقل الإسلام أم عقل البداوة؟  مؤمنون بلا حدود، 2025.

علي مبروك، نصوص في السعي وراء القرآن الحي، نسخة متاحة على موقع هنداوي

https://www.hindawi.org/books/61968404/

محمد الطالبي، أمة الوسط الإسلام وتحديات المعاصرة، دار سيراس للنشر، 1996.

Jacqueline Chabbi, Le Coran des Lumières L’histoire, les concepts, le divin et le Prophète, Grasset, Paris, 2025

Jacqueline Chabbi, Le coran décrypté, Figures bibliques en Arabie, Paris, CNRS,2022.

Jérôme Lamy, Ouvrage Manuel d’anthropologie historique, Armand colin, 2025.

Le Coran des Historiens, Sous la direction de: Mohammad Ali Amir-Moezzi et Guillaume Dye, Paris, 2019

*[1]  لم يسبق لي معرفة علي مبروك معرفة شخصية، لقد تابعته لأول مرة ضمن لقاء عقدته مؤمنون بلا حدود حول تجديد الخطاب الديني حينئذ سمعته وانتبهت إلى ما يحمله من قيمة مضافة وصدق في التعبير عن دفاعه عن المدنية والعيش المشترك والإسلام العصري الإنساني الممكن، شعرت بضرورة ان اطلع على كتاباته، ولكن فات الأوان فقد بلغني خبر وفاته حين شرعت أقرأ له. انتبهت إلى فرادة علي مبروك فهو يعبر عن النموذج المطلوب للمثقف اليوم: مثال للمثقف الآتي من الشعب يعي انتماءه الطبقي، ويكافح بصدق لأجل وطنه رغم كل الصعوبات التي تواجهه ولا يخفي آراءه رغم المخاطر المحيطة به. علي مبروك يستحق محبة أصدقائه وطلبته وقراءه تمنيت ان يكون حيا لأناقشه في غياب مرجعيات تونسية عديدة في كتبه مع حضور مفاهيمها، وتمنيت لو كان حيا لنخبره أنه قدم خطابا مهما سيضيئ طريق الانسان المسلم الصعب في الزمن القاسي الذي نحن فيه. أحيي أصدقاءه -وأصدقائي- بصالون تفكير على الوفاء لمبروك وعلى الحلم الذي يبقونه حيا بما ينتجونه ويقيمونه من ندوات، وللحلم بقية كما يقول صديقه جمال عمر وكما قال مبروك في كتابه عن القرآن الحي: الحلم الذي لا يموت.

[2]انظر مثلا: كتب فرنسية تقدم قراءة مختلفة للإسلام consulté le 23 mars 2026, https://aawsat.com/node/5210595.

[3] يُعرّف علي مبروك في عدد من المنصات الفكرية العربية، ومنها موقع هنداوي ومنصة “مؤمنون بلا حدود”، بأنه من أبرز ممثلي الجيل المعاصر في تجديد النظر إلى التراث الإسلامي، حيث يجمع بين التكوين الفلسفي الصارم والانشغال النقدي بأسئلة الدين والمعرفة. فقد تدرّج في جامعة القاهرة أستاذًا للفلسفة الإسلامية والفكر العربي الحديث، ضمن ما يُعرف بـ “مدرسة القاهرة الفلسفية”، التي ارتبطت بأسماء مثل نصر حامد أبو زيد وحسن حنفي، وهو ما يضع مشروعه ضمن سياق فكري يسعى إلى إعادة قراءة التراث خارج الأطر التقليدية. غير أن أهمية مبروك لا تنحصر في موقعه الأكاديمي، بل تتجلى أساسًا في طبيعة مشروعه النقدي، الذي يهدف إلى تفكيك القراءات الأيديولوجيّة للتراث، والكشف عن الشروط التاريخية والمعرفية التي تشكّل في ظلها الخطاب الديني. وفي هذا الإطار، لا يتعامل مع النصوص المقدسة كمعطى ثابت، إنما نتاجًا لسيرورات تاريخية متشابكة، تتداخل فيها المعرفة بالسلطة، والتأويل بالسّياق. ومن ثم، فإن دعوته إلى قراءة التراث لا تقوم على استعادته أو الدفاع عنه، بل على إعادة إدراجه ضمن سياقاته، لفهمه بناءً تاريخيًا قابلًا للتحليل والنقد. كما يبرز في مشروعه توظيف واضح لأدوات منهجية حديثة، مثل تحليل الخطاب، والمقاربة الأنثروبولوجية، والاستفادة من مناهج العلوم الإنسانية المعاصرة، وهو ما يمنحه طابعًا إبستمولوجيًا متميزًا داخل حقل الدراسات الإسلامية. غير أن هذا التوظيف لا يأتي في صورة إحالات صريحة إلى تلك المرجعيات، بل يُدمج ضمن خطاب يبدو في ظاهره منغرسًا في التراث، وهو ما يعكس استراتيجية فكرية تقوم على الاشتغال من الداخل، مع توظيف أدوات تحليلية حديثة بصورة ضمنية.

وبذلك، يمكن القول إن علي مبروك لا يقتصر على كونه أستاذًا جامعيًا أو مفكرًا في التراث، بل يكشف عن مشروع نقدي يسعى إلى إعادة بناء العلاقة بين النص والتاريخ، عبر تفكيك البنى التي جعلت من الخطاب الديني سلطة معرفية مغلقة، وفتح أفق جديد للفهم يقوم على التاريخية والتحليل النقدي. انظر مثلا: https://www.hindawi.org/contributors/58164026/

[4] علي مبروك، نصوص في السعي وراء القرآن الحي، نسخة متاحة على موقع هنداوي، ص 14.

[5] هولاند تايلورHolland Taylor   يمثل نموذجًا خاصًا من الفاعلين الذين يجمعون بين الخبرة العملية والانخراط الفكري في قضايا الإسلام المعاصر. فقد راكم خبرة تتجاوز أربعة عقود في العالم الإسلامي، واشتغل على قضايا الإسلام في جنوب شرق آسيا، خاصة في السياق الإندونيسي، حيث ارتبط بمؤسسات كبرى مثل نهضة العلماء، أكبر منظمة إسلامية في العالم من حيث عدد الأعضاء. وقد أسس تايلور منظمة تحولت تحت إدارته إلى فاعل دولي بارز في تطوير استراتيجيات مواجهة التطرف، مع التركيز على إعادة تأويل الإسلام ضمن أفق إنساني قائم على الحرية والتسامح. كما شارك في تأسيس مبادرات مثل “الإسلام الإنساني” ومركز القيم الحضارية المشتركة، وهي مشاريع تسعى إلى إعادة صياغة الخطاب الإسلامي بما يجعله منفتحًا على القيم الكونية، دون القطيعة مع تراثه. ويرتبط عمله بشكل وثيق بشخصيات محورية في الإسلام الإندونيسي، وعلى رأسها عبد الرحمان وحيد، الذي مثّل نموذجًا لإسلام منفتح ومتسامح، أحد أبرز الأصوات الداعية إلى إسلام إنساني وروحي في جنوب شرق آسيا. ومن خلال هذا الارتباط، مشروع تايلور لا يقوم فقط على تحليل الإسلام، بل على الانخراط في إعادة تشكيله داخل سياق عالمي يتسم بصراع الخطابات حول الدين. وفي هذا الإطار، يمكن فهم حضور هولاند تايلور في إهداء علي مبروك بوصفه دالًا على بُعد مهم في مشروع “القرآن الحي”، يتمثل في انتقال هذا المشروع من حقل التنظير الأكاديمي إلى فضاء الفعل الثقافي والمؤسسي العالمي. فتايلور لا يمثل مجرد قارئ أو مفسر، بل فاعل يسعى إلى تجسيد هذا “الحلم” داخل الواقع، عبر مبادرات تهدف إلى إعادة تعريف العلاقة بين الإسلام والعالم المعاصر. ومن ثم، فإن إدراجه في الإهداء لا يُفهم بوصفه إحالة علمية، بل بوصفه إشارة إلى مستوى آخر من اشتغال الفكرة، حيث تتحول من موضوع للنقاش النظري إلى مشروع يُراد له أن يُترجم إلى ممارسات وخطابات فاعلة داخل المجال العام.

[6]يمثل فكري أندراوس نموذجا مغايرًا للفاعل داخل مشروع “القرآن الحي”، إذ لا ينتمي إلى الحقل الأكاديمي المؤسسي، بل يندرج ضمن فئة المثقفين المستقلين الذين يجمعون بين التكوين العلمي والانشغال الفكري بقضايا الدين والتاريخ. فقد تلقى تكوينه العلمي في الولايات المتحدة، وعمل في وكالة الفضاء الأمريكية، قبل أن يتجه إلى الكتابة في موضوعات تتعلق بالعلاقة بين المسلمين والأقباط، وبإعادة قراءة التاريخ المصري في أبعاده الدينية والسياسية. ويكشف اهتمامه الواضح بأعمال نصر حامد أبو زيد عن انخراطه في أفق فكري نقدي يسعى إلى إعادة التفكير في النص الديني خارج الأطر التقليدية. غير أن خصوصيته تكمن في كونه لا يشتغل من داخل المؤسسة الأكاديمية، بل من موقع المثقف الذي يتحرك بدافع الشغف المعرفي، وهو ما يفسر إدراجه في إهداء علي مبروك شريكًا في “الحلم”، لا مرجعًا نظريًا أو فاعلًا مؤسساتيًا. وبذلك، فإن حضوره يكشف عن بعد مهم في مشروع “القرآن الحي”، يتمثل في انفتاحه على فاعلين خارج الجامعة، بما يجعله يتجاوز كونه مشروعًا نظريًا إلى كونه أفقًا ثقافيًا يجذب أنماطًا متعددة من الانخراط الفكري. وقد ذكر بعض المقالات علاقته بجمال عمر الذي أسس صحبة مجموعة من المثقفين والأكاديميين المصريين مجموعة فكرية يمكن اعتبارها تواصلا لهذا الحلم الذي يتحدث عنه علي مبروك في الإهداء: حلم القرآن الحي. تحمل المجموعة اسم تفكير وهي تسهم في تنشيط الحياة الثقافية المصرية والعربية والدولية عبر مقالات وندوات ولقاءات فكرية حول مواضيع تفكيك التراث وفهمه ومشاريع يمكن اعتبارها امتدادا لهذه الذاكرة الفكرية التي يحيل إليها الاهداء. انظر التعريف في: https://www.almasryalyoum.com/news/details/1105143

[7] أنثروبولوجيا العقل في الإسلام، عقل الإسلام أم عقل البداوة؟  مؤمنون بلا حدود، 2025.

[8] نصوص من أجل القرآن الحي، ص13.

[9] انثروبولوجيا العقل في الإسلام، ص 205.

[10] في السعي وراء القرآن الحي، ص15.

[11] المرجع نفسه

[12]  Jérôme Lamy, Ouvrage Manuel d’anthropologie historique, Armand colin, 2025.

[13] المشروع يعتمد أساسا الفيلولولوجيا:

Le Coran des Historiens, Sous la direction de: Mohammad Ali Amir-Moezzi et Guillaume Dye, Paris, 2019

[14] Le Coran des Lumières L’histoire, les concepts, le divin et le Prophète Jacqueline Chabbi, Grasset, Paris, 2025.

[15] يقول الطالبي شارحا مفهومه: “يجب أن نكون طموحين في نموذجنا التقدمي الحركي الذي ندعو إليه. يجب أن نقدم لأبنائنا الذين خلقوا لزمان غير زماننا زمان الغد وللعالم الذي يراقبنا شيئا آخر غير العنف، يجب أن نوفر البديل النموذج الذي يغري، لا ينفر، النموذج الذي يعيد إلى الإسلام صفاءه واحترامه للإنسان وحركيته التي دفعته زمن الوحي وجعلته يجلب الناس إليه لا بحد السيف “لا اكراه في الدين” البقرة 2- 256 وإنما بقوة الإقناع ودفع الحضارة إلى الأمام وتفجير دفقها” محمد الطالبي، أمة الوسط الإسلام وتحديات المعاصرة، دار سيراس للنشر، ص 9.

[16] جاكلين الشابي مستعربة فرنسية معاصرة اهتمت بقضايا القرآن وفهمه بأدوات حديثة في سياق معاصر كثيرا ما يسيء استعمال النص القرآني ويحمّله ما لا طاقة لمعانيه به من فنون في الدّلالة والمعنى. عرفت خاصّة بكتابها المترجم إلى العربية رب القبائل، إسلام محمد، ومفهوم المعنى المطمور يظهر أكثر في كتابها التالي:

Le coran décrypté, Figures bibliques en Arabie, Paris, CNRS,2022.

[17] أمة الوسط، ص 8.

اقرأ ايضا

المزيد من المقالات

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete