تكوين
- تمهيد
القَسَم في الخطاب القرآني ليس أسلوبَ توكيدٍ بيانيٍّ فحسب، بل آلية توجيه للوعي واستنفارٍ إدراكي. فهو يُستعمل حين يكون المقسَم عليه حقيقةً تُنكِرها النفس أو تُهملها، فيُستدعى مشهدٌ كونيّ أو إنسانيّ ليكون حجة برهانية حيّة وغير ذهنية. وبذلك ينتقل المعنى من مستوى التقرير إلى مستوى الإلزام، ويغدو القَسَم جسرًا بين المشهد والحُكم، وبين الحسّ والمعنى، فهو أداةٌ لإحداث صدمة دلالية توقظ المتلقي على ما اعتاد تجاهله.
القَسَم في سورة العاديات أداة كشف. فهو يهيّئ الوعي لاستقبال حكمٍ أخلاقيٍّ صادم، ويُخرِج المعنى من التجريد إلى المقارنة. إذ يُستدعى مشهد العاديات بما فيه من اندفاعٍ وبذلٍ وطاعةٍ كاملة، ليُوضَع الإنسان في موضع المساءلة: كيف يبذل غير العاقل أقصى طاقته لغيره، بينما يكنُد الإنسان لربّه وهو العارف المُختار؟ هكذا يصبح القَسَم ضرورة دلالية تُدين السلوك بالفعل لا بالخطاب، وتحوّل الحكم إلى محاكمة وجودية.
تُعدّ سورة العاديات من أكثر السور القصار إثارةً للالتباس التأويلي ـــــــــ مع أنّها ليست غامضة ـــــــــ لشدّة وضوحها الحركي الذي يدفع المتلقي ـــــــــ منذ الوهلة الأولى ـــــــــ إلى إسقاط تصوّرات جاهزة عن الحرب والبطولة والعنف المشروع. فالمشهد الافتتاحي، بإيقاعه المتسارع وصوره الصاخبة، يوهم بأننا أمام نصٍّ يحتفي بالفعل القتالي أو يستدعي أمجاد الفروسية الأولى. غير أنّ هذا الوهم سرعان ما يتبدّد إذا ما أُخضعت السورة لتحليل أسلوبي دلالي يتجاوز ظاهر المشهد إلى منطق بنائه، ويقرأ المفردة والتركيب والإيقاع بوصفها عناصر تابعة للمعنى لا حوامل محايدة له.
-
العنف بنية نفسية
الفرضية التي تقوم عليها هذه المقالة هي أنّ سورة العاديات لا تتناول الحرب بوصفها حدثًا تاريخيًا معيّنًا، ولا بوصفها ضرورة تشريعية مرتبطة بسياق نزولي مخصوص، بل تتجه إلى معالجة أعمق للعنف من حيث هو بنية نفسية وقيمية متكرّرة في التجربة الإنسانية. ويستند هذا الفهم إلى ملاحظة أسلوبية أولى مفادها أنّ السورة، على قصرها، تخلو تمامًا من أي تحديد زماني أو مكاني أو سببي يمكن أن يحيلها على واقعة بعينها، كما تخلو من أي تقويم فقهي أو توجيه عملي يتصل بالقتال من حيث هو فعل مشروع أو غير مشروع. إنّ هذا التجريد المقصود من الملابسات التاريخية لا يمكن اعتباره نقصًا في البيان، بل هو شرط دلالي يسمح للنص بأن يتحوّل من توصيف واقعة إلى تشريح منطق.
وانطلاقًا من هذا التجريد، يتبيّن أنّ السورة لا تنشغل بالفعل الحربي من حيث نتائجه أو مآلاته الخارجية، بل من حيث ديناميته الداخلية، أي من حيث كونه حركة اندفاعية تُنتج ذاتها بذاتها. فاختيار لغة الحركة المكثّفة، والإيقاع المتسارع، وتراكم الأفعال الدالة على الجري والاقتحام والاحتكاك، لا يهدف إلى إحياء مشهد القتال في الذاكرة الجمعية، بقدر ما يهدف إلى إدخال المتلقي في منطق العنف نفسه، بوصفه حالة نفسية تتقدّم فيها الحركة على المعنى، والفعل على السؤال، والقوة على القيمة.
ومن هنا تتمايز هذه القراءة عن المقاربات التي تقف خارج العنف لتدينَه أو تبرّرَه، إذ إنّ النص، في بنيته الأسلوبية، لا يعتمد موقع المراقب الأخلاقي المفارق، بل يختار أن يدخل منطق العنف الإيقاعي ذاته، وأن يستثمر لغته الحركية بوصفها أداة كشف لا أداة تمجيد. فالسورة لا تصف الحرب من الخارج، ولا تحاكمها بلغة القيم المباشرة، بل تترك إيقاعها يتكشّف تدريجيًا بوصفه إيقاع فراغ، يفضي في النهاية إلى سؤال الدافع والباطن والنية.
وبذلك، فإنّ العنف في سورة العاديات لا يُفهم بوصفه استجابة ظرفية لعدوان، ولا بوصفه حالة استثنائية في التاريخ، بل بوصفه تعبيرًا عن خلل متكرر في علاقة الإنسان بمعناه، خلل يظهر كلما تحوّلت القوة إلى غاية، والحركة إلى شهوة، والفعل إلى بديل عن المساءلة. ومن هنا يصبح توظيف لغة الحركة ذاتها، لا لنفي العنف بل لاختراق منطقه، هو الخيار الأسلوبي الأعمق للنص، لأنّه يسمح بتفكيك العنف من داخله، لا عبر خطاب وعظي أو تقرير أخلاقي، بل عبر كشف خوائه القيمي لحظة بلوغه أقصى درجات اندفاعه.
- إيقاع الحركة وتفكيك العنف
منذ الآية الأولى، يُلقى القارئ في قلب حركة لا تتيح له مسافة تأمّل، غير أنّ هذه الحركة لا تُقدَّم في صيغة فعلٍ طارئ، بل في صيغة وصفٍ ملازم. فالتعبير بـ«العاديات» لا يحيل إلى حدثٍ وقع، بل إلى هيئة مستقرة، وإلى كائن عُرِّف بالحركة نفسها. إنّ اسم الفاعل هنا لا يصف ما تفعل الخيل، بل ما هي عليه؛ فالجري ليس فعلًا يُمارَس، بل وظيفة قائمة، وهوية حركية تُسند إلى آلة الحرب بوصفها كذلك.
ويأتي «ضبحًا» ليكثّف هذا المعنى، لا بإضافة صورة صوتية محايدة، بل بإدخال المتلقي في أفق إنهاكٍ داخلي. فالضبح لا يحيل إلى صهيل القوة أو نشيد الانتصار، بل إلى لهاث متقطّع، صوت تعبٍ واستنفاد، كأنّ الحركة نفسها تُفصح عن توتّرها وفراغها. وهنا تتجلّى أسلوبية المعنى بوضوح، إذ لا تُختار المفردة لطاقتها التصويرية فحسب، بل لوظيفتها الدلالية في نقل الإحساس بالاندفاع المستمر الذي لا يستريح إلى غاية.
ويتعمّق هذا الأفق الدلالي مع تتابع الأوصاف المشتقّة: «فالموريات قدحًا» و«فالمغيرات صبحًا». فالاحتكاك هنا يولّد شررًا لا نورًا، ويُنتج فعل مباغتة لا مواجهة. ولا يُقرأ هذا التتابع بوصفه سردًا لأفعال متعاقبة، بل بوصفه تراكمًا لصفات تؤكّد الطابع الوظيفي للحركة، وتحوّلها إلى نسق مغلق على ذاته. إنّ هذه الألفاظ، في تبعيتها المتبادلة، تشكّل حقلًا دلاليًا واحدًا قوامه الاندفاع الأعمى، حيث تتقدّم الحركة على المقصد، والسرعة على السؤال.
الآية ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ لا تُركز على الفعل البشري، بل على الحركة نفسها بوصفها صفة ملازمة للخيول أو آلة الحرب. المفردة “أثرن” تشير إلى ترك أثر محسوس على الأرض، و”نقعًا” تحيل على تفاعل الحركة مع الوسط المحيط، كما لو كانت الخيل تنخرط في الغبار الذي تثيره، والغبار يتلاشى ويعود ليتجمع في كل خطوة. إنّ هذا التوصيف يبرز الطبيعة الإيقاعية–الحسية للحركة: كل خطوة، كل تحرك، له وقع يسمع ويُحسّ، ويعيد إنتاج اندفاع مستمر ومتكرر؛ فالنص هنا لا يكتفي بالوصف الواقعي، بل يجعل من الحركة تجربة محسوسة تكتشف اندفاعها ذاته، ويحوّل الفعل الحربي إلى إيقاع داخلي للكائن نفسه، يتجلى في غبار المعركة وانعكاسه على الأرض. بهذا المعنى، تظل الحركة قوة قائمة بذاتها، لا تحتاج إلى فاعل بشري يديرها أخلاقيًا أو يبرّرها، وفي الوقت نفسه تحافظ على صلتها بالواقع الظاهر الذي تحيل عليه الآية.
أما الآية التالية ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ فتضيف بعدًا آخر للحركة؛ فـ”وسطن” يحدد مركز الانتشار، و”جمعًا” يدل على انتظام الصفوف أو تراصها، أي أنّ الحركة لم تعد مجرد اندفاع عشوائي، بل نسق متماسك داخل الفضاء، مع تأثير واضح على البيئة المحيطة. وهكذا، تكتمل صورة الحركة بوصفها سياقًا إيقاعيًا كاملًا، يمارس تأثيره على الأرض والفضاء والغبار، من دون أي إسناد مباشر للإنسان، ويستمر النص في تفكيك العنف من الداخل، بوصفه اندفاعًا قائمًا بذاته، مشغولًا بالشهوة والحركة قبل المعنى أو المسؤولية.
وهنا بالذات يبدأ التفكيك. فغياب الفاعل الإنساني ليس نقصًا في البيان، بل إشارة دلالية دقيقة. إذ لا يظهر في المشهد فارس يُسمّى، ولا محارب يُمدح، ولا ذات تُنسب إليها البطولة. إنّ اللغة نفسها ترفض إسناد الحركة إلى إنسان، وتُبقيها معلّقة بوصفها صفةً لآلة، أو لوظيفة، أو لإيقاع. وبهذا، تُصوَّر الحرب بعيدة عن أي قرار أخلاقي، وتقدّمُ بوصفها نسقًا اندفاعيًا يذيب الإنسان في حركته، ويحوّله من فاعل مسؤول إلى عنصر داخل منظومة انفعالية أكبر منه. وكأنّ النص يقول إنّ العنف، حين يبلغ هذا المستوى من الرسوخ والتسارع، يفقد صلته بالمسؤولية الفردية، ويغدو بنيةً تعمل بذاتها.
-
الانقلاب الأخلاقي من الحركة إلى المحاسبة
غير أنّ السورة لا تكتفي بإغراق المتلقي في هذا الإيقاع، بل تقطع فجأة هذا التيار الحركي بانتقال أسلوبي حاد. يأتي جواب القسم في نبرة تقريرية جافة: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾. هنا ينقلب المشهد رأسًا على عقب. فبعد كل ذلك الجري والصخب، لا نتحدّث عن انتصار أو غنيمة أو مجد، بل عن “كنود”. وهذه المفردة، في عمقها الدلالي، لا تشير إلى خطأ سلوكي عابر، بل إلى بنية جحود راسخة، وتدلّ على خلل كبير في علاقة الإنسان بالمصدر الأعلى للمعنى.
الكَنود ليس جاهلًا بما يفعل، ولا غافلًا عن نتائجه. ولهذا يضيف النص مباشرة: ﴿وَإِنَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ لَشَهِيدٌ﴾. إنّ الشهادة هنا ليست شهادة تبرئة، بل شهادة إدانة ذاتية. الإنسان يعرف، ويشهد على نفسه، ومع ذلك يندفع. وهذا التوتر بين الوعي والفعل هو قلب العنف الحضاري في كل عصوره. فالعنف لا ينبع غالبًا من الجهل، بل من تعطيل الوعي الأخلاقي أمام إغراء الحركة والقوة.
-
شهوة القوة من العنف التاريخي إلى المعاصر
ويبلغ التحليل ذروته حين يصرّح النص بدافع هذا الاندفاع: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾. هنا تظهر دقّة القرآن في اختيار المفردة، إذ لا يتحدّث عن حب الخير بوصفه قيمة، بل بوصفه تعلّقًا شديدًا. فالشدّة تحيل على التصلّب، على استبداد الرغبة، وتغييب فضيلة الحرص أو حسن التدبير. والخير، في السياق، لا يمكن فهمه إلا بوصفه مالًا، أو غنيمة، أو موردًا للسيطرة. في هذا الموضع نفهم “الحب الشديد” على أنه شهوة أعمق من الجشع والطمع، هي نسيج رغبة تعيد إنتاج نفسها عبر التاريخ ، وتبرّر العنف باسم المصالح، وتحوّل الحركة إلى غاية مستقلة عن المعنى. وبذلك، لا تكون الحرب انفجارًا عرضيًا، بل تعبيرٌ منظّمٌ عن شهوة امتلاك لا تعرف الاكتفاء.
وإذا نُقلت هذه البنية الدلالية إلى الواقع المعاصر، تتكشّف راهنية السورة على نحو لافت؛ فالحروب الحديثة لم تعد تقوم على الفروسية ولا على المواجهة المباشرة، بل على الآلة، والتقنية، والخوارزمية. لم تعد الخيل تضبح، بل الطائرات المسيّرة، ولم يعد الاحتكاك يولّد شررًا ماديًا فحسب، بل بيانات وإحداثيات. غير أنّ الإيقاع العميق لم يتغيّر. فما يزال الاندفاع هو السيّد، وما تزال الشهوة هي المحرّك، وما يزال تغييب الفاعل الأخلاقي هو القاعدة.
إنّ أخطر ما في العنف المعاصر أنّه فقد حتى وهم البطولة. فهو يُدار عن بُعد، ببرود تقني، وبخطاب عقلاني يختزل الإنسان إلى “هدف”. وهذا بالضبط ما تنبّهت إليه سورة العاديات في بنيتها الأسلوبية، حين ألغت اسم الفاعل، وركّزت على الحركة بوصفها نظامًا مستقلًا. لقد سبق النص القرآني النقدَ الحديث للحرب التقنية، حين كشف أنّ العنف حين يحتدم الشعور، لا يبلغ الذروة المرذولة، بل حين يتجرّد الفعل من الشعور أصلًا.
- خاتمة وجودية
وتأتي خاتمة السورة لتغلق هذا التفكيك على مستوى وجودي حاسم: ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾. فالمحاسبة النهائية لا تتعلّق بالسلاح ولا بالفعل الظاهر، بل بما استقرّ في الداخل من دوافع ورغبات. هنا يعود النص إلى مركزه القيمي: العنف لا يُدان لأنه عنيف فحسب، بل لأنه نتاج صدر امتلأ بالشهوة وفرغ من المعنى.
بهذا المعنى، تتجاوز سورة العاديات الخطاب الأخلاقيّ المباشرَ ضد الحرب، أو التنظير السياسيّ للعنف أو ضدّه، إلى تفكيكٍ أسلوبيٍّ عميقٍ لمنطقه الداخلي. إنّها تكشف أنّ الحرب ليست قدرًا تاريخيًا، بل نتيجة خلل قيمي متكرّر، وأنّ أخطر أشكالها هي تلك التي تتقن إخفاء شهواتها خلف لغة التقنية والعقلانية. فهي تفضح منطق العنف، وتعيد توجيه السؤال من “كيف نقاتل” ؟إلى “لماذا نندفع”؟.
وهكذا، تغدو سورة العاديات نصًا مفتوحًا على كل الأزمنة، يفكّك شهوة القوة التي تعيد إنتاجها بأشكال جديدة. وفي عالمٍ تتقدّم فيه الآلة على الضمير، وتَسبق فيه الحركة ُالمعنى، تبدو هذه السورة وكأنها كُتبت لتُقرأ اليوم.