تكوين
قبل أن نبدأ:
مثَّلت علاقة الدين بالدولة في مصر منذ أواخر القرن التاسع عشر أحد المحددات الأصيلة لفهم تَكون المجالين: السياسي والاجتماعي للجماعة الوطنية، خاصة مع التحولات العميقة التي شهدتها البلاد عقب الاحتلال البريطاني عام 1882. فقد أدرك البريطانيون مبكّرًا أن السيطرة على مصر لا يمكن أن تعتمد على القوة العسكرية وحدها، وأن تثبيت نفوذهم يتطلب إعادة هندسة العلاقة بين: الدين والدولة، ما يسمح بإدارة المجتمع والتأثير في توازناته الفاعلة على نحو يخدم أهدافهم الاستعمارية.
ولم يقتصر هذا التوظيف على الإسلام ومؤسساته فقط، ولكنْ شمل المسيحية المصرية والكنيسة القبطية أيضًا، إذ تعاملت سلطات الاحتلال مع الجماعة الوطنية بمكوِّناتها كُلها، موظِّفة الحالة الدينية — توظيفًا مباشرًا أو غير مباشر — في تثبيت بنية الاحتلال، مستفيدة من الخبرة التي راكمها البريطانيون في إدارة المجتمعات متعددة الأديان في مستعمراتهم، وعلى رأسها الهند.
ولم يكن هذا التوظيف إجراءً مؤقتا، بل جزءٌ من استراتيجية استعمارية متكاملة تهدف إلى إعادة خلق بنية الدولة والمجتمع، وضبط مسارات التحديث ضبطًا يخدم المشروع الإمبراطوري البريطاني.
مدخل تاريخي:
كان الثالث عشر من شهر أيلول / سبتمبر عام 1882 اليوم الذي تأكّد فيه الاحتلال البريطاني لمصر، بعد هزيمة الجيش المصري في معركة التل الكبير، وانهيار الثورة العرابية. أُعتقل زعماء الثورة وحُكم عليهم بالإعدام، ثم خُفف الحكم إلى النفي المؤبد في جزيرة سيلان، مع تجريدهم من الرتب والألقاب ومصادرة ممتلكاتهم.
وفي 19 أيلول سبتمبر 1882 أصدر الخديوي توفيق مرسومًا يقضي بتسريح الجيش المصري، وتجريد الضباط الذين شاركوا في الثورة من رتبهم، ومحاكمة كبارهم. ثم استعان الخديوي بالضابط البريطاني السير “بيكر باشا” لتنظيم جيش جديد، فيما تولَّى قائد جيش الاحتلال، السير إيفلين وود، منصب القائد العام للجيش المصري.
أُغلقت المدارس الحربية، وعُطلت الترسانة البحرية، ومع مطلع عام 1883 كان خمسة وعشرون ضابطًا بريطانيًا يشغلون أهم المناصب القيادية في الجيش المصري. وأصبح اختيار صغار الضباط مقصورًا على الأسر الموالية للإنجليز والخديوي. وفي عام 1886 أُقرَّ البدل النقدي، فصار التجنيد فعليًّا مقتصرًا على طبقات الفقراء.
وبالتوازي مع حلِّ الجيش، أُلغيت المجالس النيابية التي ظهرت في عهد الخديوي إسماعيل، واستُحدث نظام برلماني جديد في شهر آيار / مايو 1883، اتخذ هيئة مجالس استشارية عضويتها محصورة في الأعيان وكبار المُلّاك. وقد اشترطت سلطات الاحتلال لقبول الأعضاء، رسم عضوية قدره خمسون جنيهًا، ما يضمن ربط المصالح السياسية والاقتصادية لهذه الفئة بالسياسة البريطانية.
وفي شهر أيلول/سبتمبر 1883 تولَّى “سير إدوارد بيرنج” منصب المندوب السامي البريطاني، وهو الذي عُرف لاحقًا باسم اللورد كرومر (لقّبته الملكة فيكتوريا في 1892). وكان كرومر مطَّلعًا على الأوضاع المصرية من قبل، كونه مُمثلَ بريطانيا في “صندوق الدين”. وقد لعب دورًا حاسمًا في إعادة صناعة مؤسسات الدولة ما يكرِّسُ الهيمنة البريطانية.
الكنيسة القبطية والسياق الديني العام
تعدُّ الكنيسة القبطية الأرثوذكسية واحدة من أقدم الكنائس الرسولية في العالم، أسسها القديس مارمرقس في القرن الأول الميلادي. وقد أدَّى مجمع خلقيدونية عام 451م إلى انقسام الكنيسة العالمية، بعد تمسُّك الكنيسة القبطية بعقيدة “الطبيعة الواحدة للمسيح”، مقابل عقيدة “الطبيعتين” التي تبنَّتها روما وكنائس أخرى، ما جعل الكنيسة القبطية في حالة عزلة كنسية طويلة عن الغرب.1
وفي القرن التاسع عشر شهدت مصر نشاطًا تبشيريًا متزايدًا، خصوصًا في عهد الوالي محمد سعيد باشا. فقد دخلت الإرساليات البروتستانتية — الأمريكية والبريطانية — في ركاب رأس المال الغربي الذي تدفق بعد معاهدة لندن 1840. وصلت الإرسالية الأمريكية من دمشق إلى مصر عام 1854، وتمتع المبشرون بحماية الامتيازات الأجنبية التي فرضتها القوى الأوروبية على الدولة العثمانية.2
عام 1860 أسس المبشرون الأمريكيون أول مجمع مشيخي لهم في مصر، وتولى رئاسته جيمس بارنيت، في حين قاد المبشر الأسكتلندي جون هوج نشاط الإرسالية ابتداءً من عام 1865، واتخذ من أسيوط مركزًا لنشاطه، مع التركيز على إنشاء المدارس بفهمها المدخل الرئيس للتأثير في المجتمع القبطي.
ومع اندلاع الثورة العرابية عام 1881، غادر معظم المبشرين البلاد خوفًا من توسع العداء للأجانب، لكنهم عادوا مجددًا عقب الاحتلال البريطاني، مستفيدين من الحماية السياسية المباشرة. ويذكر الباحث أندرو واتسون أن بريطانيا كانت تُقدِّم أهدافها السياسية على أي شؤون دينية، وأنها رأت في إصلاح الكنيسة القبطية — أو اختراقها — أداة أكثر أهمية من نجاح التبشير ذاته.3
الموقف البريطاني من الكنيسة بعد الاحتلال
كانت سلطات الاحتلال تدرك أن الأغلبية الساحقة من الأقباط، ورجال الكنيسة تحديدًا، قد دعموا الثورة العرابية سياسيًا ومعنويًا، وأن الاحتلال لم يلق ترحيبًا داخل الأوساط القبطية. ولهذا تعاملت الإدارة البريطانية بحذر وريبة مع الكنيسة، وسعت في استثمار الاختلافات الدينية — بين المسلمين والمسيحيين، وداخل الطوائف المسيحية نفسها — بهدف تفكيك اللحمة الوطنية، وكبح أي إمكان لعودة حركة سياسية جامعة يُمكن أن تهدد الوجود البريطاني.
كما دعَّمت الإرساليات البروتستانتية في مسعاها للتأثير في الكنيسة القبطية، سواء عبر المدارس أو من طريق محاولات إقناع الدولة بضرورة “إصلاح” البنية الإدارية داخل الكنيسة، وهو ما أثار توترات متكررة بين الكنيسة وسلطات الاحتلال طوال أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين.4
الإخوان المسلمون:
في المقابل، جاء تأسيس جماعة الإخوان المسلمين سنة 1928 في سياق تاريخي بالغ الخصوصية في مصر والمنطقة الإسلامية، اتسم بهيمنة الاستعمار الأوروبي وعلى رأسه الاحتلال البريطاني لمصر. وقد شهدت البلاد في العقدين الأولين من القرن العشرين تحولات اجتماعية واقتصادية وسياسية عميقة، أسهمت في خلق بيئة خصبة لظهور حركات ذات طابع ديني ـ سياسي، من بينها التيار الذي مثّلته الجماعة لاحقًا في إطار ما عُرف بـ حركات الإسلام السياسي.
سقوط الخلافة العثمانية
ومَثَّل سقوط الخلافة العثمانية عام 1924 حدثًا محوريًا في الوعي الإسلامي العام، لما مثَّلته الخلافة من رمز ديني وسياسي. وقد أدى هذا السقوط إلى فراغ رمزي ومرجعي حاولت تيارات متعددة ملأه، وكان من بينها جماعة الإخوان المسلمين، التي نشأت في خضم صراع فكري وسياسي بين تيارات ليبرالية ويسارية وقومية، إضافة إلى تيارات إصلاحية إسلامية وسلفية كان لها حضورٌ مؤثر في مصر آنذاك.
وتزامن ظهور الجماعة مع تغيرات ديموغرافية واجتماعية عميقة: نمو المدن، تصاعد الطبقة الوسطى الحديثة، تفاقم الأزمات الاقتصادية بعد الحرب العالمية الأولى، وصراع دولي محتدم في فترة ما بين الحربين العالميتين. كما تأثر مؤسس الجماعة حسن البنا ـ تأثيرًا مباشرًا وغير مباشر ـ بحالة النشاط الفكري والدعوي السلفي الذي مثَّلته كتابات محمد رشيد رضا وجمعية الشبان المسلمين وغيرها من التيارات التي دعت إلى «إحياء» الإسلام السياسي والاجتماعي.
التأسيس والمجال العام:
قبل عام واحد من تأسيس جماعة الإخوان المسلمين في مدينة الإسماعيلية، شهدت مصر رحيل ثلاثة من أبرز الرموز السياسية والدينية في حياتها العامة. فقد غيَّب الموت في عام 1927 كلاً من: سعد زغلول زعيم الحركة الوطنية، والبابا كيرلس الخامس بطريرك الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، والشيخ محمد أبو الفضل الجيزاوي شيخ الجامع الأزهر.
مثَّل عام 1927 لحظة مفصلية في التاريخ المصري؛ إذ أدَّى غياب هؤلاء الثلاثة إلى جملة من النتائج المباشرة على المجال السياسي والديني. فقد كان سعد زغلول رمزًا لثورة العام ١٩١٩ ولحزب الوفد بوصفه ممثلاً لتجربة حزبية مهمة ودالة في التاريخ المصري، وكان البابا كيرلس الخامس أحد أهم الشخصيات في تاريخ الكنيسة القبطية الحديثة وأكثرهم تأثيرًا، فيما مثَّل الشيخ الجيزاوي أحد أعلام الأزهر المحافظين في فترة شديدة الحساسية من تاريخ المؤسسة الدينية.
وقد جاء تأسيس جماعة الإخوان المسلمين بعد هذه اللحظة بعام واحد فقط، ليعبِّر عن تحوِّل في البنية الفكرية والاجتماعية والسياسية التي مهَّد لها غياب تلك الرموز الثلاثة، وفتح الباب أمام قوى وتيارات جديدة للتمدد والظهور في المجال العام.
الكنيسة الأرثوذكسية والإخوان المسلمون
كان عقدٌ واحد من الزمان كفيلاً بحدوث جملة من التحوّلات التي دفعت جماعة الإخوان المسلمين — كما ظهر في رسالة المؤتمر الخامس عام 1938 — إلى الانخراط انخراطًا كاملاً وفاعلاً في المجال السياسي المصري. وقد عبَّر المؤتمر الخامس بدلالاته الزمانية والسياسية كلها عن انتقال الجماعة من العمل الدعوي والاجتماعي إلى تبنِّي مشروع سياسي صريح يقوم على تأسيس “دولة إسلامية” ومواجهة القوى السياسية الأخرى.
هكذا، بحلول منتصف الثلاثينيات، صارت الجماعة طرفًا نشطًا في الساحة السياسية، ودخلت مباشرة إلى جانب الملك فاروق في الصراع السياسي بين القصر والوفد، وهو صراع كانت تستغله سلطات الاحتلال البريطاني لترسيخ نفوذها. وقد اتخذت الجماعة في تلك المرحلة مواقف اتُّهمت فيها بالاقتراب من القصر الملكي وتوظيفها طرفًا فاعلاً ومؤثرًا في مواجهة الوفد، الحزب الذي كان يُمثل التيار المدني الوطني الأكثر شعبية وحيازة للسلطة. أسهم ذلك في إدخال الأيديولوجيا الدينية والتنظيم الحركي إلى قلب لعبة السياسة المصرية، وفتح الباب أمام توظيف الجماعات الأيديولوجية في الصراعات الحزبية والسلطوية.
وفي المقابل، كانت عقود قد مضت على تأسيس الأرشيدياكون حبيب جرجس حركة مدارس الأحد (بدأ نشاطه منذ مطلع القرن العشرين وتبلور رسميًا عام 1918)، التي استقبلت آلافًا من أبناء الجماعة القبطية. وقد جاء هذا النشاط الواسع استجابة لمخاوف عميقة عند المسيحيين المصريين من حجم التحديات التي كانت تواجه الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، سواء بسبب نشاط الإرساليات التبشيرية الأجنبية، أو بفعل محاولات القصر الملكي التأثير في عملية اختيار البطريرك والتدخُّل في شؤون الكنيسة باستخدام المجلس الملي.
وقد لعبت مدارس الأحد — بفضل رؤيتها التعليمية والروحية المنظمة — دورًا محوريًا في إعادة صناعة الوعي الديني والاجتماعي عند أجيال من الأقباط، ورسَّخت حضورًا قبطيًا مدنيًا وروحيًا عزَّز قدرة الكنيسة على مواجهة ضغوط الدولة ومحاولات التدخل السياسي في شؤونها الداخلية.
لم تكن مدارس الأحد في الكنيسة الأرثوذكسية محض بيئة حاضنة للوعي القبطي وحافظة للقيم والتعاليم الأرثوذكسية بين الأجيال، وإنما أضحت ممرًا مهمًا وتاريخيًا لأهم جيل قاد الكنيسة في تاريخها الحديث والمعاصر، سواء عبر كرسي البطريرك أو الرتب العليا والكهنوتية داخل الكنيسة.
الكنيسة والإخوان: خطوط متوازية
نجا الإسلامُ السياسي، ممثَّلاً في تنظيم الإخوان المسلمين وبالتحديد التنظيم الخاص، والكنيسةُ القبطية، مُمثَّلةً في تيار مدارس الأحد والرهبان الجامعيين، في خطوطٍ متوازية منذ نهاية الأربعينيات وحتى مطلع السبعينيات، إلى أن جاءت فترة الرئيس الراحل أنور السادات وبطريركية البابا شنودة، فواجه الطرفان بعضُهما بعضًا مواجهة مباشرة.
وفي وقتٍ سابق، وفي أثناء بدايات ثورة 23 يوليو 1952، كان مسارُ المواجهة أحدَ الخيارات الراديكالية التي تبنَّاها ممثلو الكنيسة الأرثوذكسية — جماعةُ الأمة القبطية — متأثرين إلى حدٍّ كبير بجماعات العنف التي نشطت في الأربعينيات، وخاصة جماعة الإخوان المسلمين. وقد عكست الشعارات التي رفعتها جماعة الأمة القبطية آنذاك بعضَ مقولات الإخوان، ولكن بصياغةٍ وهُوية مسيحية.
وكان من اللافت في هذه المرحلة من الناحية التاريخية، أن مقتل حسن البنا والقرار الأول لحظر جماعة الإخوان المسلمين جاء مع نهاية العام 1948 وكان القرار الثاني لحظر الجماعة في نهاية شهر أكتوبر تشرين الأول من العام 1954 في حين كانت جماعة الأمة القبطية في نهايات العام 1952 وبعد شهور قليلة من اندلاع ثورة يوليو/ تموز 1952 تَظهر للعلن في خُطوة دالة تُبرز التصور السياسي للإصلاح الكنسي وتترجمه في خطوة عملية عبر عدد من شباب الاقباط الذين تأثروا كثيرًا وعميقًا بفلسفة العمل الحركي للجماعات الإيديولوجية وحراك الضباط الأحرار ضد الملك وقرار عزله .
التنظيم الخاص للإخوان المسلمين:
كانت الأعوام التي تلت عام 1936، وللدقة بعد إتمام المعاهدة بين حزب الوفد والإنجليز، ستشهد جملةً من التداعيات المرتبطة بالوضع الداخلي؛ حينما جلس الملك فاروق على كرسي حكم مصر خلفًا لوالده الملك فؤاد، لتبدأ موجة من “العسكرة” والتنظيمات المسلحة التابعة للأحزاب، فضلاً عن الجماعات الأيديولوجية، مما مهد تمهيدًا كبيرًا لانطلاق العمليات الميدانية التي تبنتها الأحزاب السياسية بمختلف أطيافها ضد الاحتلال الإنجليزي.
كان ذلك عتبة رئيسة ارتكز عليها حسن البنا ورفاقه ليستكمل منظومة الجماعة ويتمم مشروعه الكبير بتأسيس الجناح العسكري للجماعة، انطلاقًا من فهمه الخاص للدعوة الإسلامية ومفهوم الجهاد، حين يقول:
“إن الحق جميل رائع لا يحتاج إلى شيء في ذاته، ولكنه يحتاج إلى القوة، ولن يعيب الحق أن تسنده القوة، وأن الحق والقوة سلطان لا يُقهر، والحق الضعيف خفي لا يظهر… وما كانت القوة إلا كالدواء المر الذي تُحمل عليه الإنسانية العابثة المتهالكة حَمْلاً ليرد جماحها ويكسر جبروتها وطغيانها”(5).
هذا السلوك النفسي العنيف ترعرع عليه حسن البنا عندما أسَّس، إلى جانب أقرانه، جمعية منع المحرمات، ونصَّب نفسه مسؤولاً عن تقويم السلوك الديني للمسلمين، ليُقرر هذا المنهج العنيف في مذكراته، فيقول: “إن من يشق عصا الجمع فاضربوه بالسيف كائنًا من كان” (6).
نظام الجوالة:
في سياق الصراع حول السلطة وتحصين التنظيم الإخواني، بدأ حسن البنا في إنشاء ما أسماه “نظام الجوالة”، وهو اختراق للحركة الكشفية عبر تجنيد شباب الإخوان وانضمامهم إليها. هذا التنظيم شبه العسكري، ولو أنه كان معترفًا به، إلا أنه سيكون المَفْرخة التي ستنتج وحداتٍ من خيرة الأفراد انضباطًا والتزامًا لتلتحق بالنظام الخاص أو الجهاز السري.
وتذهب مختلف الشهادات المتقاطعة إلى أن حسن البنا طور فرق الرحلات إلى فرق “الجوالة” لتكون مقدمة لتأسيس تنظيم عسكري مسلح قادر على مواكبة “الدعوة” في صراعها الوجودي للوصول إلى السلطة. ومن أجل ذلك، سيتم اختيار الأفراد المرشحين لفرق الرحلات من بين الإخوان الذين وصلوا إلى مرتبة “الأخ العامل” وتوافرت فيهم مجموعة من الشروط الجسدية والنفسية، ليرتقوا بعد ذلك إلى مرتبة “الأخ المجاهد”، التي بقيت حكرًا على العناصر التي سيتكوَّن منها النظام الخاص للإخوان المسلمين، سواء في شقه المدني أو العسكري.
والثابت أن الصورة التي رسمها حسن البنا في ذهنه، حسب شهادة مؤرخ التنظيم محمود عبد الحليم، لم تكن فريق الرحلات أو فريق الجوالة، وإنما كانت “فريقًا عسكريًا يحقق فكرة الجهاد في الإسلام… كان الأستاذ يتحرق شوقًا إلى إبراز النشاط العسكري لتجلية فكرة الجهاد” (7).
اغتيال حسن البنا
دفع حسن البنا ثمن هذا العمل، وجراء هذا الطموح غير المشروع، وتلك الأعمال العنيفة وسلسلة الاغتيالات التي شقَّت طريقها في جسد الوطن منذ منتصف الأربعينيات، بدءًا من قضية سيارة الجيب ومرورًا باغتيال النقراشي باشا والقاضي أحمد الخازندار. وكان ختام ذلك تصفية حسن البنا نفسه، بعد أن اخترقت جسده عدة رصاصات في شارع رمسيس، عقب اجتماع كان قد حضره في جمعية الشبان المسلمين في شهر شباط فبراير العام ١٩٤٩. وكان البنا مدركًا تمامًا أنه ذاهب إلى نهايته المحتومة، نتيجة ما اقترفه النظام الخاص بتعليماته المباشرة أو بإشاراته التي فهمها تلامذته على أنها أوامر واجبة التنفيذ.
حبيب جرجس:
غيَّب الموت القديس حبيب جرجس، مؤسس مدارس الأحد، في شهر آب/أغسطس 1951، بعدما بعث النهضة في أركان الكنيسة القبطية وسلَّم جيلاً جديدًا راية التحديث. وقد عقدت اللجنة العليا لمدارس الأحد اجتماعًا تم فيه اختيار الأستاذ وهيب عطا الله، وكيل الإكليريكية بالقاهرة (الأنبا غريغوريوس، أسقف الدراسات القبطية والبحث العلمي)، نائبًا للرئيس العام لمدارس الأحد، فأضحى المسؤول عن تلك المدارس.
وفي تلك الأثناء انخرط في بنية الكنيسة الأرثوذكسية عدد من الرهبان الجامعيين، كان من أبرزهم: نظير جيد (الأنبا شنودة الثالث)، الذي دخل عالم الرهبنة بدير السريان باسم الراهب أنطونيوس السرياني، وسعد عزيز (القمص مكاري السرياني، الأنبا صموئيل فيما بعد)، ويوسف إسكندر (الأب متى المسكين)، ليبرز بذلك جيل جديد من خدام مدارس الأحد يعمل على نهضة الكنيسة الأرثوذكسية بحسب كمال زاخر “قراءة في واقعنا الكنسي” ٢٠١٥. (8)
في تلك الفترة، دبَّ الصراع عميقًا بين تيارين: أولهما رأى نفسه ممثلاً لتيار الإصلاح والمجلس الملي، والآخر تمثّل في رجال الدين (الإكليروس). وعبر هذين التيارين، مضت الكنيسة في طريق الآلام ثلاث مرات متتالية إبان اختيار البطريرك: أولها مع البابا يوأنس التاسع عشر مطران البحيرة، ثم مع البابا مكاريوس الذي انتُخب في شباط/فبراير 1944، ولم يدم على كرسي مارمرقس الرسول سوى عام ونصف العام. وقد شهدت تلك المدة خلافات وصراعات بين المجلس الملي والمجمع المقدس، اضطر على إثرها الأنبا مكاريوس إلى هجر مقر البطريركية والاعتكاف في الدير، الأمر الذي أحدث أثرًا سلبيًا بالغًا في أوساط الأقباط، تمثَّل في تنامي الشعور بالفراغ الديني على المستوى المؤسسي، حتى تُوفيَ الأنبا مكاريوس في نهاية شهر آب/أغسطس 1945.
البابا يوساب
كان اعتكاف الأنبا مكاريوس دلالة واقعية على عمق الأزمة المؤسسية التي ترسخت عبر العقود الفائتة بين المجلس الملي والإكليروس، الأمر الذي ولَّدَ فراغًا كنسيًا انعكس على الأقباط بوصفهم جماعة، ورسَّخ شعورًا بضرورة إصلاح البنية الإدارية للكنيسة.
لم يختلف الأمر كثيرًا إبان حبرية البابا يوساب الثاني التي لم تطل كثيرًا، إذ فشلت جميع محاولات الإصلاح بين البابا والمجلس الملي، وتلفت عديدٌ من المصادر إلى أن “ملك جرجس” رفيق البطريرك كان سببًا رئيسًا في ذلك الخلاف والتوتر بدعوى ما عُرف عنه من فرض إتاوات على الكنائس والأديرة، والتدخل في تعيين الكهنة والأساقفة والمطارنة مما أدى إلى احتجازه بدير البنات وتوقيعه على التنازل عن البطريركية عبر جماعة الأمة القبطية في العام 1954.
إلى ذلك، يمكن القول إن هذا الجيل عبَّر بوضوح عن صيغة احتجاج تبلورت من داخل الكنيسة وكانت إصلاحية في جوهرها، حين كانت الثانية سياسية ومن خارج الكنيسة وتمثَّلت عبر “جماعة الأمة القبطية”.
جماعة الأمة القبطية: عتبة التفاعلات
بدا حراك الاحتجاج حول ما آلت إليه الكنيسة في الفترة التي تلت وفاة البابا كيرلس الخامس وحتى لحظة عزل البابا يوساب عبر “جماعة الأمة القبطية” التي تأسست في شهر تشرين الثاني/أكتوبر 1952 وكان على رأس المؤسسين شاب في العشرين من عمره اسمه إبراهيم فهمي هلال.
دعت الجماعة “الأمة القبطية” إلى التكلم باللغة القبطية والتمسك بالكتاب المقدس، وتنفيذ جميع أحكامه، ودراسته دراسة علمية حديثة، وطالبت الحكومة بإنشاء محطة إذاعية خاصة بالأمة القبطية. وقد نصت المادة الخامسة من قانون تأسيسها على أن تعمل الجماعة في سبيل تحقيق غرضها على إصلاح شؤون الكنيسة القبطية عبر تقديم المساعدة للمحتاجين، ونشر تعاليم الكتاب المقدس والتمسك بجميع أحكامه، وكذلك توجيه الشباب القبطي وجهة صالحة في حياته، والاهتمام بالنواحي الروحية والعلمية والرياضية وفقا لأبو سيف يوسف(9).
ثمة دهشة أن المؤسس إبراهيم فهمي هلال كان ثاني اثنين مشيًا في جنازة مؤسس جماعة الإخوان المسلمين حسن البنا، وأن الأمة القبطية في شعاراتها وأساليبها تأثرت كثيرًا بالإخوان، وسجلت نفسها في وزارة الشؤون الاجتماعية لتصير جمعية دينية لا تشتغل بالسياسة، وجاء شعارها: “اتخذت من الله مليكًا، ومن مصر بلدًا، ومن الإنجيل شريعة، ومن الصليب علامة، ومن الشهادة على اسم مسيحها غاية الرجاء”، وكان للأمة القبطية فريق كشافة، وملابس خاصة يلبسونها في الاستعراض، وعلمٌ رُسِم عليه الصليب الفرعوني.
يتسق ذلك مع مطالب الجماعة حين اقتحموا المقر البابوي وأرغموا البابا تحت تهديد السلاح على توقيع وثيقتين: إحداهما تعلن تنازله عن منصبه، والأخرى تتضمن دعوة المجلس المقدس والمجلس الملي العام للاجتماع والإعداد لانتخابات جديدة، مع التوصية بإعادة النظر في لائحة انتخاب البابا ما يسمح لغالبية الأقباط بالمشاركة في عملية الانتخاب.
انعقد المجمع المقدس في الخامس من سبتمبر/أيلول 1955 وأصدر قرارًا بإعفاء البابا يوساب الثاني من منصبه، وتشكيل لجنة ثلاثية لإدارة الكنيسة، وأخطر المجمع المقدس المجلس الملي بقراره.
على أية حال، يمكن القول إن الجماعة “الأمة القبطية” اختلفت مع البطريرك لوقوفه مع الحكومة ضد أهداف التنظيم الذي يهدف نحو إقامة مستقلة من الأقباط، واختلفت مع النظام الجديد – ثورة يوليو – عندما طالبت بأن يكون الدستور وطنيًا لا دينيًا، مصريًا لا عربيًا.
في المجمل، ذهبت السلطات المصرية آنذاك إلى إلقاء القبض على الفاعلين وقدمتهم إلى المحاكمة، وذهبت وزارة الداخلية باستصدار أمر قضائي بحل التنظيم.
رغم إن الجماعة انتهت بوصفها تنظيمًا في وقت وجيز، إلا أن أثرها ظل طويلاً وممتدًا سواء بين جنبات الكنيسة أو دهاليز السياسة وعقول الثورة مما تبلور لاحقًا نحو نظام انتخابي لكرسي البابوية.
1954: أزمه السياسة والدين
خَبرت مصر في العام 1954 ثلاث محطات رئيسة ارتبطت جميعها بالمشهدين السياسي والديني، كما أنها تقاطعت بين المجالين وانخرطت فيما بينها انخراطًا فاعلاً ومباشرًا. ففي مارس من ذلك العام انفجرت الأزمة بين محمد نجيب وجمال عبد الناصر، وتمحورت حول طبيعة الحكم وحدود السلطة ودور الديمقراطية بعد سقوط الملكية، وانتهت بإقصاء نجيب وترسيخ قيادة عبد الناصر. وفي العام نفسه، وعلى خلفية هذا الصراع الكبير والعميق، تفجَّر خلاف آخر أكثر حدَّة بين رجال ثورة يوليو وجماعة الإخوان المسلمين، التي سعت بقوة في توجيه مسار الثورة وطالبت بدور سياسي أوسع. كما شهد عام 1954 في الكنيسة القبطية حدثًا لافتًا تمثَّل في عزل البابا يوساب من جماعة الأمة القبطية.
وهكذا احتشد عام 1954 بسلسلة من الأحداث التي خلقت ما يشبه “متلازمة تاريخية”: عامٌ واحد اجتمعت فيه صراعات السلطة داخل الثورة وصداماتها مع القوى المجتمعية.
لم تكن أزمة البابا يوساب والجماعة القبطية في العام 1954 وليدة لحظتها، بل امتدادٌ لصراع أقدم بدأ مع تأسيس المجلس الملي في القرن التاسع عشر، حين بدأ العلمانيون يطالبون بدور أكبر في إدارة شؤون الكنيسة، وبإصلاح مؤسساتها المالية والتعليمية. وقد تجدد هذا الصراع عبر العقود بين البطريرك والمجالس المنتخبة، وبين تيار كهنوتي محافظ وتيار علماني إصلاحي.
مع ثورة يوليو 1952، تغيَّرت طبيعة العلاقة بين الدولة والكنيسة. فقد سعت السلطة الجديدة في إعادة تنظيم المؤسسات الدينية جميعها، الإسلامية والمسيحية على السواء، تنظيمًا يضمن خضوعها للرقابة السياسية. وهكذا أُقيل البابا يوساب الثاني بقرار من المجلس الملي، وبتشجيع غير مباشر من الدولة، في سابقة لم تعرفها الكنيسة القبطية من قبل. وكان ذلك الحدث تتويجًا لمسار طويل من الاحتجاجات التي قادها مثقفون وأقباط علمانيون، رأوا أن الإصلاح لا يتحقق إلا بإعادة توزيع السلطة داخل الكنيسة.
عقد السبعينيات: طريق الآلام
تميَّز نظير جيد، الأنبا شنودة ـ عن غيره من جيل الرهبان الجامعيين بعدد من السمات الشخصية، وانخراطه العميق في الشأن العام، سواء عبر التجربة الحزبية أو العمل الصحفي، مما يدفع البعض لرؤية البابا شنودة أنه قد وصل إلى كرسي البطريركية وهو يحمل مشروعه ورؤيته الكاملة لإدارة شؤون الأقباط والكنيسة.
إذ تميَّز قبل انخراطه في عالم الرهبنة بخبرته في العمل السياسي، ومرافقته للسياسي المصري العتيد مكرم عبيد، والتحاقه بصفوف حزب الكتلة الوفدية. ولولا أن خلاص الكنيسة كان هدفه الأول، لكنا أمام سياسي بارع وقدير.
نقطة أخرى خبرها البابا شنودة، وكان لها تأثيرٌ كبير في مجريات الأمور الكنسية وردود أفعالها عبر مواقف عديدة في ملف علاقتها بالدولة، هي صعود تيارات الإسلام السياسي منذ مطلع السبعينيات وطيلة العقود التالية، وما شهدته تلك الحقبة من موجات عنف ضد الأقباط فيما يخص سلامة حياتهم وأملاكهم، وخاصة فيما يتصل بملف بناء الكنائس.
تلك السمات وغيرها صاغت فكر البطريرك؛ مرة فيما يخص فكره الكنسي لاهوتيًا، وأخرى في مسار علاقته بالدولة وكيف يكون السبيل نحو إدارة ملف العلاقة بين الكنيسة والدولة، وثالثة: كيف يحافظ على الأقباط المصريين داخل حدود الكنيسة الأرثوذكسية، وأن يظل محتفظًا بخيوط قيادتهم كافة، ومن ثم يظل الصوت الوحيد الذي له حق التحدث باسمهم أمام الدولة.
وعبْر ذلك يمكنك أن تقرأ مسيرة البطريرك الراحل منذ سيامته أسقفًا للتعليم العام سنة 1962، وعلاقته بالبابا كيرلس السادس، وصراعاته مع أبناء جيله؛ الأنبا غريغوريوس على خلفية منازعته في أسقفية التعليم عندما سُيم أسقفًا للبحث العلمي، والقمص متى المسكين على وقع الخلاف اللاهوتي بينهما، وكذلك إدارته لملف الكنيسة والأقباط مع الدولة المصرية.
في المقابل، بدت تلك الفترة وكأنها تعبِّر عن علاقة تصالحية بين الرئيس الراحل محمد أنور السادات والجماعة عبر الحراك الطلابي والثقافي والسياسي، الأمر الذي بدا واضحًا في قرارات الإفراج عن المسجونين والتيسير على حركتهم في الجامعات والاتحادات الطلابية أمام التيارات الأخرى.
ومثلما كان الإخوان أداة في يد الملك فاروق لمواجهة حزب الوفد، كان الإخوان عصا السادات لمواجهة اليسار والناصريين في سنوات حكمه.
تقاطعت قرارات السادات في الداخل المصري، وخاصة فيما يتصل بقضايا الإسلام السياسي، مع مسارات الحالة الدولية والإقليمية، وتوجه الرئيس الراحل أنور السادات نحو منهج السلام بعد انتصارات حرب أكتوبر 1973، مما بدا له منطقيًا أن يكون مفهوم التصالح مع الإسلام السياسي ممرًا لتعزيز العلاقات مع واشنطن.
كان السادات يبصر أن التضييق على الاتحاد السوفيتي واليسار المصري عمومًا، والسماح للجماعة بالحركة، سيسهم إسهامًا كبيرًا في تعزيز العلاقات الثنائية بينه وبين الولايات المتحدة.
الرئيس السادات واستدعاء الإسلام السياسي
استطاع الرئيس السادات، وبعد شهور قليلة من تولّيه منصب الرئيس، أن ينتصر في أولى معاركه ويزيح رجال عبد الناصر، الذين رأى أنهم يمارسون الضغط عليه ويخضعونه لإرادتهم. إلا أن السادات تمكن من عزلهم عن طريقه والانفراد بالحكم، فأودع سامي شرف وعلي صبري وشعراوي جمعة وغيرهم السجن، موجِّهًا بنجاح رسالته الأولى إلى حلفائه الجدد.
كانت تلك القرارات محلّ اهتمام الجميع، وكانت موسكو تحاول أن ترصد ما يجري في القاهرة، وتتابع مدى تأثيرها على العلاقات المصرية–السوفيتية. وتكشف الوثائق الأمريكية أن أحداث مايو 1971 أحدثت صدمة لدى موسكو تقترب من صدمة وفاة جمال عبد الناصر المفاجئة في سبتمبر 1970، إلى أن وصلت الأمور لاحقًا إلى قرار السادات بطرد الخبراء الروس من البلاد.
وجاء اعتصام الكعكة الحجرية في ميدان التحرير عام 1972، الذي نظَّمه عدد من اليساريين والناصريين والمثقفين، والذي استمر لمدة ثمانٍ وأربعين ساعة، مما دفع قوات الأمن في ذلك الوقت إلى التدخل واقتحام الميدان وتفريق المعتصمين وإنهاء الأزمة التي هددت استقرار حكم السادات. وقد مثَّل ذلك ذروة التوتر والقلق من الحركات الطلابية اليسارية، وكانت الضرورة ملحَّة للوصول إلى صيغة موازية تُبدِّد هذا القلق وتقضي عليه.
وبدت ملامح توجهات الرئيس السادات واضحة حين ظهرت انحيازاته نحو المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة، وتوجَّه بالإفراج عن قيادات الإخوان المسلمين وعودة الشخصيات التي خرجت عقب أحداث عام 1954. وبدا أن مواجهة المشروع القومي وأفكار المعسكر الاشتراكي ستُودَع إلى الإسلام السياسي بمسؤولية مباشرة من الدولة.
وعن ظهور الجماعات الإسلامية، يكتب مصطفى كمال مُراَد، رئيس حزب الأحرار:
“بدأ ظهور الجماعات الإسلامية عام 1972، إثر اجتماع عقده الرئيس السادات في قاعة اللجنة المركزية مع رؤساء اللجان الدائمة بمجلس الشعب، على خلفية المظاهرات الصاخبة التي قام بها الطلاب احتجاجًا على سياسة الحكومة. وقد اقترح بعض الأعضاء، مثل: عثمان أحمد عثمان ومحمد عثمان إسماعيل، إنشاء تنظيم للجماعات الإسلامية في الجامعات ليكون ردَّ فعل على التيارات اليسارية”.
غير أن مصادر أخرى تشير إلى أن لقاءات حدثت عقب وفاة عبد الناصر مباشرة، بين السادات وعدد من قيادات الإخوان المسلمين، لترتيب عودتهم إلى الحياة السياسية مرة أخرى. وقد أشار محمد حسنين هيكل في كتابه خريف الغصب إلى اجتماع حصلَ بجناكليس بالإسكندرية، ترتب عليه الإفراج المرحلي عن قيادات الجماعة، وتخفيف إجراءات السجن على من بقي منهم ونقلهم إلى مستشفيات تابعة للسجون لتسهيل اللقاء معهم وترتيب أوضاع عملهم بعد الإفراج، الذي تحقق تحققًا كاملاً عقب حرب أكتوبر 1973.
البابا شنودة والرئيس السادات
جاءت محددات المرحلة الأولى من حبرية البابا شنودة الثالث، عبر مرتكز مهم تمثل في محاولة الرئيس السادات امتصاص كل ردود الفعل، التي خرجت من الكنيسة والبابا صوب الأحداث التي بدت أنَّها تمثل خطرًا حقيقيًا على الأقباط، وتجلى ذلك عند وضع الدستور الدائم بعد أحداث 15 مايو 1971، حين نصت مادته الثانية على القول بالشريعة الإسلامية مصدرًا للتشريع، في مقابل عَقْد رجال الدين المسيحي مؤتمر يومي 17 و18 تمّوز /يوليو 1972ـ وأعربوا في قراراتهم عن أهمية حماية حقوقهم وعقيدتهم المسيحية، وأنّه دون ذلك يكون الاستشهاد أفضل من حياة ذليلة.
على خلفية ذلك واستنادًا لفرضية توجه الرئيس والدولة في تلك المرحلة إلى مبدأ امتصاص ردود الفعل الغاضبة، دعا السادات المؤتمر القومي للاتحاد الاشتراكي العربي، بهدف بحث موضوع الوحدة الوطنية وما يعتريها من مخاطر في تمّوز /يوليو 1972، وتمّ إقرار القانون رقم 34 لسنة 1972 بشأن حماية الوحدة الوطنية، وذهب القانون إلى أنّ الوحدة الوطنية هي القائمة على احترام المقومات الأساسية للمجتمع، كما حدَّدها الدستور، ومنها حرية العقيدة وحرية الرأي بما لا يمسُّ حريات الآخرين، أو المقومات الأساسية للمجتمع.
في كبد تلك المرحلة نزفت خلايا الوطن مرارًا عبر مصادمات بين المسيحيين والمسلمين في صعيد مصر، وبخاصة في المنيا وأسيوط. ونتج عن ذلك إحراق عدد من الكنائس ومهاجمة بعض رجال الدين المسيحي، فضلاً عن الاعتداء على ممتلكات الأقباط وعلى الطلبة المسيحيين في الجامعات والمدن الجامعية.
تموضع نفوذ الإسلام السياسي، واعتمدت الدولة على مرتكز الدين في سياساتها طيلة السبعينيات وفي عهد السادات، ما انعكس على مجمل الأحداث التي دارت بين الكنيسة والدولة. وإزاء استدعاء المطالبة مرة أخرى باستعجال قانون الردة، جاء رد فعل البابا بمعارضته أن تكون الشريعة الإسلامية أساسًا لقوانين تُطبَّق على غير المسلمين، الأمر الذي دعا المجمع المقدس إلى إصدار بيان في 26 آذار/ مارس 1980 يقول فيه:
“إننا أمام ضمائرنا لن نستطيع أن نقبل مشروع الردة ولن نخضع له إذا نُفِّذ.”
وترتَّب على ذلك أن قرر المجمع المقدس عدم إقامة احتفالات عيد القيامة المجيد، وذهاب البابا والأساقفة إلى الدير، مع الامتناع عن تقبل التهاني بعيد القيامة. وقد جعل ذلك الصدام بين البابا والرئيس على فوهة بركان يوشك أن ينفجر، ولم يلبث الأمر طويلاً، إذ أعلن الرئيس في خطابه أمام مجلس الشعب في الرابع عشر من أيّار/ مايو سنة 1980 أنّ لديه معلوماتٍ عن “المطامع السياسية للبابا”، الذي بحسب تعبيره، يريد أن يكون زعيمًا سياسيًا للأقباط في مصر. ثم قال بغضب شديد:
“إنّ البابا يجب أن يعلم أنني رئيسٌ مسلمٌ لدولةٍ مسلمة.”
وعلى وقع ذلك كله، لم يضِفْ حادث الزاوية الحمراء إلا مزيدًا من الاشتعال، ليثور المشهد وينفجر في قرارات سبتمبر، وإلغاء قرار تعيين البابا، وتحديد إقامته بدير الأنبا بيشوي بوادي النطرون. ومن ثمّ، جرى تشكيل لجنة خماسية للقيام بالمهام البابوية، وهي اللجنة المكوَّنة من: الأنبا مكسيموس أسقف القليوبية، والأنبا صموئيل أسقف الخدمات، والأنبا غريغوريوس، والأنبا أثناسيوس أسقف بني سويف، والأنبا يوأنس أسقف الغربية وسكرتير المجمع المقدس آنذاك، لتنتهي بذلك المرحلة الثانية من حبرية البابا شنودة.
البابا شنودة ومرحلة الرئيس محمد حسني مبارك
تولَّى الرئيس محمد حسني مبارك حكم مصر مع نهايات عام 1981، وبدأ حكمه بعدد من الإجراءات تمثَّلت في الإفراج عن جميع معتقلي قرارات أيلول /سبتمبر 1981، باستثناء البابا شنودة الثالث، الذي ظل في الدير حتى شهر يناير 1985. وفي هذه الفترة، جرت بعض المفاوضات بهدف إنهاء قرار تحديد إقامة البابا شنودة، وكان من بينها مبادرة عُقدت في منزل الأستاذة ميريت غالي، بحضور كلٍّ من: أمين فخري عبد النور، جورج بباوي، القس صموئيل حبيب، وأمين فهيم.
انطلقت المبادرة من طرح التحديات التي تواجه البلاد، وخطر الانقسام والتشدّد، والتنبيه إلى أنّ الوضع القائم لا يهدِّد الكنيسة والأقباط فحسب، وإنما الدولة والإنسان المصري عمومًا. ولذلك، فإنّ الكنائس المختلفة تدرك أبعاد مسؤوليتها الوطنية. وأشارت المبادرة إلى الحل المقترح بقولها:
“يتحتَّم علينا أن نخرج سريعًا من هذا المأزق، وبطريقة تحافظ على كرامة الأطراف المعنيَّة كافة، وفي الوقت ذاته ينبغي أن يكون الحل نقطة تحول نحو إعادة بناء الوحدة الوطنية بعد كل ما مرَّت به من محن، مع إعادة الثقة بين الجميع.”
قضى البابا ما يقرب من أربع سنوات في دير الأنبا بيشوي، وهي فترة احتاجتها الدولة لإعادة طرح مسألة علاقة الأقباط بالدولة من خلال علاقة الكنيسة بها، والسماح بهامش من الحرية لبلورة الصوت القبطي عبر البطريرك. وقد تجلَّى ذلك في وقائع عديدة في عصر الرئيس مبارك، خاصّة في قضية وفاء قسطنطين، عندما طالبت الكنيسة بإصرار أجهزة الدولة بإعادة وفاء التي أُشيع أنها تحوَّلت إلى الإسلام. وربما يكمن المعنى الأكثر دلالة في مطالبة الكنيسة للدولة بتسليم وفاء، وهو ما يتماهى مع فرضيَّة تلك المرحلة التي تشير إلى مساحة الحركة التي أتاحتها الدولة للبطريرك في إدارة شؤون الأقباط.
وفي هذا السياق، أعاد البابا طرح تصرُّفات الأمس على طاولة الحاضر عندما لجأ إلى الاعتكاف مرة أخرى، في حين كانت الدولة وأجهزتها تتحرك دومًا وفق قناعة مفادها أنّ شرعية الولاية على الأقباط المصريين هي حق تكفله الدولة للكنيسة والبطريرك.
كانت ملامح العلاقات بين الرئيس مبارك والبابا شنودة الثالث محصورة في إطار ضيِّق من اللقاءات المباشرة، وغالبًا ما جاءت ضمن لقاءات عامة أو مناسبات وطنية، مثل لقاءاتهما عقب نجاة الرئيس من محاولة الاغتيال في أديس أبابا. واستمرَّت العلاقات بينهما حتى تنحَّي الرئيس عام 2011 عبر القنوات الرسمية أو بواسطة شخصيات مختارة بعناية من الدولة، مثل تدخل الدكتور مصطفى الفقي بعد أحداث العمرانية عام 2010.
لا يمكن قراءة تفاعل مباشر بين الجماعة والكنيسة الأرثوذكسية والبابا شنودة في فترة الرئيس الراحل حسني مبارك، إلا أنّ التأثير وحقيقته بدت واضحة فيما تراكم في بنية المجتمع من نمط تدين خشن وهُوية بعيدة عن رُوح الأرض المصرية. وقد دفع هذا التعصب ليصبح فرضية رئيسة لأي أزمة بين المصريين، وأصبحت القضايا الطائفية، سواء عبر بناء الكنائس أو العلاقات العاطفية، عنوانًا رئيسا لهذه السنوات.
2011: يناير والسيولة على صفيح ساخن
صاغت أحداث الخامس والعشرين من كانون الثاني/يناير انسلاخَ عدد كبير من جموع الأقباط عن بنية سلطتهم الكهنوتية، كما أسهمت تلك الأحداث في تبيان الأغراض الحقيقية لتنظيمات الإسلام السياسي وعملها بوضوح نحو التمكين والتغلغل في محددات السلطة. كما أسهمت هذه الأحداث في خروج الأقباط بعيدًا عن أسوار الكنيسة، بعد أن كانت الناطق باسمهم والمتفاوض الوحيد مع نظام الرئيس الراحل محمد حسني مبارك. ولعل خروج الأقباط للتظاهر والاعتصام بعد أحداث كنائسية، أصبح بداية واضحة لهذا الانفصال السياسي عن السلطة الكنسية. كما أسهمت الثورة في صناعة عشرات التنظيمات والتشكيلات والاتحادات القبطية، التي لم تتبلور أهدافها بعد على المستوى السياسي، لكنها تؤكد الاستقلالية عن الكنيسة والانفصال السياسي عنها.
وتبرز أهمية صوت الأقباط في المعادلة السياسية من حجم الزيارات التي قام بها أعضاء المجلس العسكري في المناسبات المختلفة لقداسة البابا شنودة ولقيادات الكنيسة. فالمؤكد أن استعادة مصر لأبنائها المقيمين في العزلة سوف تعيد الحياة إلى المشهد السياسي، وتبني مستقبل مصر على أساس من التوافق والتوازن بين جميع الأطراف.
وفي إطار المعطيات المتواترة في الساحتين السياسية والاجتماعية المصرية، هناك حقيقتان عند التعرض إلى موقف الأقباط من الحياة السياسية عمومًا:
أولاً: إن الأقباط لا يكونون “جماعة مستقلة” أو “كتلة مغلقة متجانسة”. فالأقباط غير متماثلين في الانتماء الاجتماعي والسياسي، فهم منتشرون في جسم المجتمع رأسيًا، ومنهم العامل، والفلاح، والمهني، والحرفي، ورجال الأعمال، والتجار، ولا يربط بينهم سوى الانتماء إلى مصر من جانب، والانتماء الديني من جانب آخر، وبين هذين الانتماءين تفترق المصالح والتحيزات والرؤى.
ثانيًا: إن التركيز على الأقباط الأرثوذكس دون البروتستانت أو الكاثوليك يتضمن نوعًا من افتراض أن المواقف الكاثوليكية والبروتستانتية على الجانب السياسي والاجتماعي مختلفة، وهذا غير صحيح. فالاختلاف العقائدي بين الطوائف الثلاث لم يؤثر في المواقف السياسية والاجتماعية لها بالطريقة نفسها التي يؤثر بها على الجانب العبادي. ومن ثم، فإن الموقف السياسي به قدر من التجانس بين الطوائف، مما يجعل الحديث عن الأقباط يشمل جميع طوائفهم.
لم تكن الفترة الزمنية التي جاءت بعد أحداث ثورة الثلاثين من حزيران/يونية حزيران العام ٢٠١٣ بسيطة في أحداثها وتداعياتها على جموع المصريين خاصة الأقباط منهم وبحسب إسحق إبراهيم في مقاله الذي جاء تحت عنوان “من يتحمل مسؤولية ما جرى للأقباط؟” والمنشور 10 سبتمبر 2013 الذي قال فيه:
عقب فض اعتصامي رابعة والنهضة بالقوة صباح الأربعاء 14 أغسطس، اندلعت موجة من الاعتداءات التي استهدفت الأقباط وكنائسهم. هذه الموجة غير المسبوقة في مصر الحديثة أسفرت عن حرق 44 كنيسة ونهبها، إضافة إلى عشرات المباني التابعة لمؤسسات مسيحية وأقباط، وسقط فيها سبعة قتلى وعشرات المصابين.
وقد وُجهت سهام الاتهام مباشرة إلى جماعة الإخوان المسلمين وأنصارها من تيارات الإسلام السياسي، ما دعا الجماعة، على لسان المتحدث الرسمي لها أحمد عارف، إلى نفي أي علاقة لها بحرق الكنائس والمنشآت التابعة لها. كذلك هرعت الجماعة الإسلامية لنفي صلتها بالاعتداءات، خصوصًا بعدما نَقلت وكالات الأنباء العالمية والفضائيات حجم التدمير الهائل الذي طال بعض الكنائس.
الحقيقة أنه لا يمكن إسناد المسؤولية عن هذه الأفعال وتحديد الجاني فيها دون الوقوف على حالة الاستقطاب التي انتجت خطاب كراهية شديد الحدة، عبأ نفوس من قاموا مباشرة بالاعتداء بتلك الرغبة الشديدة في ممارسة العنف بحق الأقباط.
لا يمكن نفي دور الإخوان المسلمين في هذا السياق، نظرًا للكم الهائل من التحريض الذي احتواه خطاب قيادات الجماعة، ولا يمكن تجاهل الرسائل المباشرة الموجهة لقواعد الجماعة وأنصارها من التيارات الإسلامية والمجتمع عمومًا.
ولعل القراءة الواعية لهذا النوع التحريضي من الخطاب الذي اعتمدته تيارات الإسلام السياسي، تُحتم العودة إلى بدايات ثورة 25 يناير، وبزوغ روح الاستقطاب على محك الدين خلال الاستحقاقات السياسية التي تلت عزل مبارك، بدءًا من الاستفتاء على الإعلان الدستوري في مارس 2011، مرورًا بالانتخابات التشريعية، ثم الانتخابات الرئاسية. لقد حفل مشهد الاستفتاء على الإعلان الدستوري بخطاب ديماغوجي طائفي ارتكز على ميراث من التوتر الطائفي الموروث من النظام السابق، وجنت الجماعة وأنصارها ثماره بتحجيم خطاب الجامعية السياسية والتآلف في هذه الاستحقاقات لصالح صعود الجماعة.
من جهة أخرى، تولدت عند الأقباط هواجس متزايدة ازدادت مع الوقت ومع تنامي الطائفية، غلفها شعور بالخوف من التوجهات السياسية والاجتماعية للحكام الجدد، لا سيما أن الخطاب الصادر عن القيادات ظل إقصائيًا وداعيًا للتمييز ضد المخالفين بوضوح وصراحة.
الإخوان وأحلام السلطة
مثَّل صعود جماعة الإخوان إلى الحكم في مصر عام 2012 لحظة فارقة في العلاقة بين الدين والسياسة داخل المجال العام. فمع وصول محمد مرسي إلى الرئاسة، بدا أن الجماعة تحاول إعادة صياغة المجال السياسي على أسس أيديولوجية مؤطَّرة بمنطق “التمكين” و”الحاكمية” و”وحدة الصف الإسلامي”، وهو ما انعكس مباشرة على خطابها تجاه القوى السياسية المدنية، وخصوصًا تجاه المكوّن المسيحي الذي أصبح، في سردية الجماعة، أحد “الخصوم” أو “العقبات” أمام مشروعها السياسي. وقد ازدادت حدَّة هذا الخطاب مع اقتراب لحظة 30 يونيو، ومع اعتصامي رابعة والنهضة، فقد تحوَّلت لغة الجماعة من محض خطاب تعبوي إلى خطاب حشد ديني طائفي يقدِّم الصراع السياسي في صورة مواجهة بين “الإسلام” و”أعداء الدعوة”، ويُحمِّل المسيحيين والكنيسة القبطية مسؤولية إسقاط الحكم “الديني” أو “المشروع الإسلامي” ومعاداة “الشريعة”.
مسارات الفكر والتأثير
هذا التحول في الخطاب لم يكن منعزلاً عن بنية أيديولوجية أعمق ترسخت داخل الجماعة منذ تسعة عقود، بل كان امتدادًا مباشرًا لتراث طويل من إنتاج المعاني والسياسات، التي تقوم على ثنائية “نحن/هم”، إذ ينطلق الخطاب الإخواني من تصور يرى المجتمع رؤية تكوينٍ هرمي تُحدِّد فيه “العقيدة” موقع الفرد داخل المجال السياسي. فوثائق الجماعة وأدبياتها الفكرية والنظرية لا تشتمل على مفردات مثل: المواطنة أو المدنية كما تنظر بتشكك دائم للدور المسيحي في المجال العام. وفي المقابل، تتضمن إشارات متكررة إلى مفهوم “الولاء والبراء” الذي ينطوي عقائديًا ومن الناحية التراثية على كل من هو خارج إطار الجماعة الدينية، وإلى “تميّز الجماعة المؤمنة” مقابل المجتمع الذي قد يُنظر إليه نظرة “الجاهلي”.
هذا الهيكل الفكري يُنتج تلقائيًا وضعًا هامشيًا للمكون المسيحي، إذ يظل بعيدًا ولا يمكن إدماجه إلا إذا قبل زعامة الصف الإسلامي. وعليه، يصبح المسيحي في مخيال الخطاب الإخواني شريكًا مشروطًا، وليس فاعلاً أصيلاً في المجال السياسي.
تميَّزت الجماعة تاريخيًا بازدواجية خطابها، خطاب خارجي مطمئن، يؤكد احترام المواطنة ووحدة الشعب. وخطاب داخلي تعبوي الذي طالما يظهر في لحظات الانسداد السياسي أو لحظات التأزم كما في خطاب منصة رابعة. هو نفسه الخطاب الذي يقدم المسيحيين بوصفهم يمثلون قوة ضغط على هُوية الأمة الدينية والإسلامية، ويحذر من “تحالفاتهم” مع القوى المحلية من العلمانيين والليبراليين أو النظام القديم/ الفلول. مع وصول الإخوان إلى الحكم، بدأت هذه الازدواجية تميل لصالح الخطاب الداخلي، بسبب ضغط القواعد التنظيمية وتنامي الشعور بالفرصة التاريخية للتمكين.
في العام الذي حكم فيه مرسي، برزت ملامح خطاب مؤدلج تجاه المسيحيين رغم محاولات الرئاسة تقديم نفسها بطريقة توافقية. فكلما حدث خلاف سياسي أو احتجاج اجتماعي، كان الإعلام الإخواني—الرسمي وغير الرسمي—يعود إلى تفسيره بنبرة طائفية.
على سبيل المثال، اعتُبر موقف الكنيسة الرافض للتعديلات الدستورية في كانون الأول/ديسمبر 2012 بمنزلة “مؤامرة على المشروع الإسلامي”. وجرى تصوير المعارضين من المسيحيين بأنهم “يتلقون تعليمات خارجية”.
كما ظهرت في لقاءات ما عرف بـ “دعم الشرعية” لغة تستدعي التراث بحمولته الجهادية ولو رمزيًا عن طريق خطاب يُحمِّل “النصارى” جزءًا من مسؤولية تعطيل المشروع الإسلامي. وكان من أبرز الأمثلة: استخدام آيات قرآنية وسياقات تاريخية عن “تحالفات النصارى مع قوى الكفر”.
هذه اللغة لم تُبنَ على وقائع سياسية، بل على تأويل ديني للصراع السياسي جعل المسيحيين يظهرون ظهور الطرف المعادي للإسلام نفسه.
من التفاعلات إلى المواجهة
مع توسُّع الاحتجاجات ضد حكم الإخوان، قرأت الجماعة المشهد قراءةَ تهديدٍ وجوديٍ، فبدأت عملية صناعة عدو بهدف الحشد. وهنا استُخدم العنصر الديني أداةً مركزية. كما عاد الخطاب الإخواني إلى مقولات تاريخية مثل: “الكنيسة تتدخل في السياسة”.
عندما ظهرت الأعداد الكبيرة من المسيحيين في مظاهرات 30 حزيران/يونيو، صورت وسائل الإعلام الإخوانية ذلك ليكون ـدليلاً على أن الثورة موجهة ضد “الشرعية الإسلامية”. هذا الربط كان مقصودًا: تحويل الاحتجاج السياسي إلى “عداء ديني” يسمح بحشد القواعد، ويمنح الجماعة مبررًا للقول بأن صراعها وجودي وليس سياسيًا فقط.
يُمثِّل اعتصاما: رابعة والنهضة ذروة الخطاب الديني المؤدلج. ففي هذه المرحلة، تجاوز الخطاب الإخواني التلميح الطائفي، إلى إنتاج سردية كاملة تتهم المسيحيين بدور مركزي في إسقاط مرسي، وقد برزت جملة رسائل رئيسة في خطاب رابعة تجاه المسيحيين، أن إسقاط مرسي مؤامرة من “أعداء الشريعة والدين” وهم العلمانيون والليبراليون ومعهم بطبيعة الحال المسيحيون. في حين جرى تقديم 30 حزيران/يونيو على أنها تحالف بين “جبهة العلمانيين والنصارى” والجيش. وقد كرر عدد من الدعاة المشاركين في الاعتصام هذا المعنى بتعبيرات مختلفة.
وفي ظل خطاب الكراهية الذي مارسه الإخوان وحلفائهم من التيارات الإسلامية السلفية والسلفية الجهادية، فإنه بعد فض رابعة، شهدت عددٌ من المحافظات اعتداءات ممنهجة على كنائس المسيحيين وممتلكاتهم. ورغم أن الجماعة لم تعلن رسميًا تبني هذه الأحداث، فإن البيئة الخطابية التي أنتجتها لعبت دورًا في تأجيج هذه الممارسات. فالخطاب الذي قدَّم المسيحيين بوصفهم “سببَ الانقلاب” جعلهم في نظر بعض المتعاطفين هدفًا مشروعًا للانتقام.
كما أسهم الخطاب العدائي ضد المسيحيين في توليد شعور المظلومية الذي يولد بالعنف رغبة انتقامية وثأرية ضمن استراتيجية دينية خلاصية قائمة على مواجهة خصم باشر في تهديد الجماعة الدينية وجوديًا وليس فقط من الناحية السياسية. فقد عملت الجماعة على تقديم رواية ترى كل ما جرى بعد 30 حزيران/يونيو بأنه “إقصاء للمشروع الإسلامي لصالح تحالف بين الجيش والكنيسة”.
إذ تستند الجماعة إلى شعور تاريخي بالمظلومية منذ عام 1954، وهذا الشعور يجعل أي خسارة سياسية تُفسر بفهمها “استهدافًا للإسلام” ذاته. لذلك، لا يعد موقف الإخوان الأخير أمرًا مباغتًا، إن الجماعة في السوابق تكشف عن بنية مغلقة، ما يجعلها تنتج وعيًا جماعاتيًا مأزومًا يعاود تكرار نفسه ويبدل صفات الاتهام من طرف لآخر. هذه البنية تعيد تدوير التحيزات، وتضخم أي حادثة فردية لتصبح دليلاً على فكرة المؤامرة ضد “حكم الله” و”الشرعية”. قال جو ستورك، القائم بأعمال المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش: “طوال أسابيع كان بوسع الجميع توقع هذه الاعتداءات، فقد قام أعضاء الإخوان المسلمين باتهام المسيحيين بأن لهم دورًا في عزل محمد مرسي، إلا أن السلطات لم تفعل ما يذكر لمنعها. وها هي عشرات الكنائس قد تحولت إلى أنقاض ينبعث منها الدخان، والمسيحيون في أرجاء البلاد يختبئون في منازلهم، خوفًا على حياتهم” (10).
تحدثت هيومن رايتس ووتش مع 43 من الشهود ورجال الدين المسيحي ونشطاء الأقباط، الذين أكدوا الاعتداء على 42 كنيسة، وعشرات المنشآت والمدارس المسيحية، والمحال والمنازل المملوكة لأقباط. كما زارت المنظمة الحقوقية الأممية 11 موقعًا في محافظتي المنيا وبني سويف، حيث وقعت الاعتداءات. وفي عصر يوم 14 أغسطس/آب 2013، نشر فرع حلوان لحزب الحرية والعدالة على صفحة فيسبوك الخاصة بالجماعة تصريحًا يتهم البابا تواضروس، بالمشاركة في خلع مرسي وتحريض الأقباط على قطع الطرق ومحاصرة المساجد واقتحامها، وفق المنظمة الحقوقية الأممية، وانتهت الرسالة بعبارة، “لكل فعل رد فعل” (11).
كما في 16 أغسطس/آب، نشر موقع الإخوان المسلمين الإلكتروني تحقيقًا تحت العنوان الرئيس، “الشرطة والكنيسة يطلقون النار على مسيرة الجيزة في نفق الهرم وشارع مراد”. قال عددٌ من السكان ورجال الدين في المناطق التي شهدت اعتداءات على الكنائس، إن القادة الدينيين المحليين حرضوا مجموعات على مهاجمة الكنائس (12).
من ثم، فقد جاءت هذه الأحداث الدموية والهمجية في سياق خطاب تعبوي أخذ يتصاعد منذ الإطاحة بمرسي، وتحول تدريجيًا إلى سردية تتهم الأقباط بالمسؤولية عن إسقاط حكم الإخوان. وتصاعد هذا العنف وتزامن مع انتشار خطاب يكيل الاتهامات المباشرة للكنيسة القبطية وللبابا تواضروس الثاني، إذ حمَّل عددٌ من المتحدثين الإسلاميين الكنيسة مسؤولية الانقلاب على مرسي، لظهور البابا إلى جانب وزير الدفاع آنذاك عبد الفتاح السيسي حين إعلان عزله، إلى جانب حضور شيخ الأزهر وعدد من القيادات السياسية والدينية الأخرى. وفي اعتصام رابعة العدوية، كانت المنصات تبث يوميًا خطابًا يتهم الأقباط بالتآمر على “الشرعية”، ويقدِّمهم بوصفهم قوة محركة وحاسمة في تحريض الشارع ضد حكم الإخوان. وقد تجلَّى هذا الخطاب بوضوح في تصريحات عاصم عبد الماجد في 24 يوليو 2013، حين وجَّه تهديدات صريحة للبابا تواضروس، قائلاً: “تريد أن تتحدى إرادة الله؟ جرب يا تواضروس، جرب يا كشافة الكنيسة” .
وتشير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية إلى أن هذا الخطاب لعب دورًا مركزيًا في خلق مناخ يدفع نحو العنف. ففي بيان مشترك مع عدد من منظمات المجتمع المدني صدر في 7 أغسطس، أدانت المبادرة “التحريض الواضح على العنف والكراهية الدينية” الذي استخدمه قادة الإخوان وحلفاؤهم سعيًا في تحقيق مكاسب سياسية، رغم ما يحمله ذلك من مخاطر عميقة على السلم الاجتماعي.
ويرى مايكل حنّا، الباحث في مؤسسة القرن بنيويورك، أنه رغم غياب الأدلة المباشرة التي تربط الإخوان أو الجماعات الإسلامية المسلحة بالاعتداءات، فإن الخطاب التعبوي الذي تبنَّوه أسَّس بيئة خصبة تسمح بوقوع تلك الهجمات. ويضيف: “إن الاحتجاجات التي يطلقها الإسلاميون تُنتج قدرًا من العنف، لهذا فإنهم يتحملون جزءًا من المسؤولية في نظر الرأي العام”.
بدأت موجة الانتقام من الأقباط مباشرة بعد 3 يوليو، إذ شهدت الكنائس وممتلكات المسيحيين هجمات متفرقة كان أشدُّها في محافظات الصعيد، قبل أن تبلغ ذروتها عقب الفض الأمني لاعتصامي: رابعة والنهضة في منتصف أغسطس. ووفقًا للمبادرة المصرية، تعرَّض ما لا يقل عن 45 كنيسة لهجمات متزامنة، وأسفرت الأعمال عن مقتل سبعة أشخاص، إضافة إلى إحراق مدارس وجمعيات ومبانٍ تابعة للكنيسة.
ويقول يوسف سيدهم، رئيس تحرير جريدة “وطني”، إن الإسلام السياسي يتحمل مسؤولية معنوية عن هذه الهجمات، بحكم المناخ التعبوي الذي صنعه خطابهم. وقد تطوّر هذا الخطاب بالتوازي مع الاحتجاجات المتصاعدة ضد مرسي، حتى بلغ مستويات غير مسبوقة في ديسمبر 2012، عندما هاجم الداعية صفوت حجازي الكنيسة متهمًا إياها بالمشاركة في إسقاط “الشرعية”.
ورغم نفي الإخوان وحزب الحرية والعدالة صلتهم بالهجمات، فإن تهمة “الخطاب المزدوج” ظلت ملازمة لهم. فكما تشير الباحثة ميريز تادرس، كان خطابهم الداخلي لاتباعهم متخمًا بالعداء للأقباط، واصفًا إياهم بأنهم جزء من “حملة صليبية” تستهدف الإسلام، وكان خطابهم الموجّه للرأي العام يتحدث عن المواطنة والوحدة الوطنية.
وفي سياق رغبة الإخوان اتهام الحكومة بالإخفاق في حماية الأقباط، استثمر الإخوان في مشهد الاعتداءات، واتهموا السلطات الانتقالية “بغض الطرف” عن الحرائق والاعتداءات. وقال موقعهم الإنجليزي “إخوان ويب” إن السلطات أخفقت في حماية المواطنين دون تمييز، معتبرين ذلك دليلاً على فشل السلطة الجديدة.
غير أن الباحثة حنا تادرس تشير إلى أن الرسالة التي أراد الإخوان إيصالها إلى الأقباط كانت واضحة: “أنتم المسؤولون عما يجري لكم، لأنكم وقفتم ضد مرسي”. وقد تجسّد هذا التوجُّه في بيان فرع حزب الحرية والعدالة بحلوان الذي برَّر ضمنيًا الهجمات قائلاً: “وبعد كل ذلك يتساءل الناس لماذا تُحرق الكنائس؟ لكل فعل رد فعل”.
لم يكن التدين في خطاب الإخوان تدينًا عاديًا، بل تديُّنُ هُوية وسياسة. لذا أصبح التشكيك في حكم مرسي بمكانة “تشكيك في الإسلام” نفسه، ما سهل اتهام المسيحيين بأنهم يحاربون “الشريعة”. ويمكن القول إنه منذ منتصف عام 2012 وحتى نهاية 2013، مثَّل الخطاب الإخواني تجاه المسيحيين أحد أبرز ملامح الاستقطاب السياسي الديني في مصر. فمع تصاعد الضغوط على حكم محمد مرسي، اتجهت الجماعة إلى تأطير الصراع السياسي بوصفه صراعًا دينيًا، وهو ما انعكس في سيل من الاتهامات المباشرة وغير المباشرة للمكون المسيحي.
هذه الاتهامات كانت جزءًا من بنية أيديولوجية تُعيد تفسير الواقع وفق محددات لخلق خطابها التعبوي، وإعادة بناء زوايا وعناصر المشهد، بما يخفف من وطأة الأزمات وتصديرها، وبناء الوضع التعبوي الذي سيخلق شرعية العنف الدموية التي ستضطلع ويتورط فيها الإخوان والرديف السياسي لهم من لفيف الإسلام السياسي.
بدأت الجماعة تروِّج لفكرة أن رموز النظام السابق “يعقدون صفقات مع الكنيسة”، وأن رجال الأعمال المسيحيين يمولون المعارضة، وأن رجال أعمال مسيحيين يمولون الصحف المحسوبة على المعارضة “لتشويه الرئيس الإسلامي”، وأن “الكنيسة تحشد الأقباط للنزول لإسقاط الشرعية”.
خاتمة:
هكذا بدت رحلة الكنيسة الأرثوذكسية والإسلام السياسي في مصر: من الخطوط المتوازية إلى التفاعلات المباشرة، عبر العقود الفائتة تمضي على خطين متوازيين؛ الأول الخط السياسي وتطوّره منذ لحظة الاحتلال البريطاني، وتوطئة متلازمة الدين والدولة في المجال العام، والثاني عن طريق تسييس الدين وظهور جماعات الإسلام السياسي، وبزوغ جيل جديد في الكنيسة يبحث نهضتها، الأمر الذي أنتج صوتًا جديدًا عبر ضفتي النهر؛ مرة من خلال صحوة إسلامية، وأخرى عبر تيار قبطي استطاع منذ حبرية البابا شنودة الثالث أن يقبض الصوت القبطي داخل جدران الكنيسة وبين حناجر الإكليروس، وبالأحرى البطريرك نفسه.
مما استدعى أن تنتقل العلاقة بين الكنيسة والإسلام السياسي من الخطوط المتوازية إلى التفاعلات المباشرة منذ عقد السبعينيات، وصولاً إلى لحظات المواجهة الكاملة بعد أحداث يناير/كانون الثاني 2011، وحتى ثورة الثلاثين من حزيران يونيو 2013.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر:
1- مصر القبطية، سليمان نسيم، مركز ابن خلدون للتنمية سنة 2000، ص 13و14
2- الكنيسة تواجه الاستعمار والصهيونية، وليام سليمان، ص 24
3- طارق البشري ،المسلمون والأقباط في اطار الجماعة الوطنية ،ص 558 و559
4- سميرة بحر، الاقباط في الحياة السياسية المصرية، مكتبة الانجلو المصرية ،1979، ص 20
(5) جريدة النذير العدد 25، 22 رمضان 1357 (نوفمبر 1938) ص 6/7
(6) حسن البنا، مذكرات الدعوة والداعية، ص 141
(7) محمود عبد الحليم: الإخوان المسلمون، احداث صنعت التاريخ، ج1، ص 161/162.
(8) كمال زاخر، قراءة في واقعنا الكنسي، 2005، ص 105
(9) ابو سيف يوسف، الأقباط والقومية العربية، ص 150
10-مصر ـ اعتداءات جماعية على الكنائس، هيومان رايتس ووتش، الموقع الرسمي، بتاريخ: 22 أغسطس 2013. رابط:
اضغط هنا
(11) المصدر ذاته، هيومان رايتس ووتش
رابط: اضغط هنا
(12) مرجع سابق: Islamists using attacks against Copts in Egypt’s power struggle: Analysts
رابط: اضغط هنا