تكوين
جاء صدور قانون بناء الكنائس وترميمها في عام 2016، ليضع حدًّا فاصلًا من الناحية القانونية والإجرائية للعلاقة المتجذرة بين أزمات العنف الطائفي، ومحاولات بِناء كنيسة جديدة أو ترميم كنيسة قائمة. غير أنَّ الأمر على أرض الواقع يتجاوز مسألة القوانين والإجراءات المُنَظِّمَةِ له، نحو الإطار المجتمعي ومخاوف أن تصير مظاهر التشدد ورفض الآخر، هي السمة المسيطرة على قوى المجتمع الفاعل، بوصفها نتيجة مباشرة لانتشار التأويلات الفاسدة لبعض النصوص الدينية التي تستقر في نفوس البعض وأذهانهم، نحو تحريم بناء دور العبادة لغير المسلمين.
قانون بناء الكنائس النظرية والتطبيق.. المعيار الصادق
في شهر كانون الثاني/يناير 2014 صدر الدستور المصري، وجاء نصُّ المادة 235 من الأحكام العامة والانتقالية منه لينصَّ على أن:
«يُصْدِرُ مجلس النواب في أول دور انعقاد له بعد العمل بهذا الدستور قانونًا، لتنظيم بناء الكنائس وترميمها، بما يكفل حرية ممارسة المسيحيين لشعائرهم الدينية». ١
وإعمالًا لهذه المادة، صَدر قرار رئيس الجمهورية رقم 80 لسنة 2016، بإصدار قانون بشأن تنظيم بناء الكنائس وترميمها.٢
يُعَدُّ القانون بداية وخُطوة جيدة في صالح تطبيق منظومة المواطنة المصرية، لتثبيت قاعدة قانونية ودستورية، على الأقل من الناحية الإجرائية والتنظيمية، بعيدًا عن الملاحظات التي لا يُمكن أن تُغفلها بصيرة بضرورة السير قُدُمًا في مواكبة المجتمع لهذا التطور الإجرائي، فضلًا عن ضرورة متابعة القرارات والإجراءات التنفيذية لمواد القانون، واختبار الأمر كله على أرض الواقع باعتباره المعيار الصادق لنجاح تطبيق هذا القانون.
المسألة القبطية: هل ثمَّة مسألة؟
تفور المسألة القبطية في الفضاء المصري عبر العقود الماضية على خلفية عدة إشكاليات ترتبط جميعها بالسياق السياسي والاقتصادي والاجتماعي، فضلًا عن السياق الأمني الذي يضطلع منذ عقود طويلة بمهام خاصة في وَأد الأزمات بين المسلمين والأقباط عن طريق رعاية الجلسات العرفية، التي تبتعد بالأزمة عن الانفجار وتترك كل مفاعيلها رهينة زمن آخرَ، لتعلن من جديد عن نمط حضورها.
إلى ذلك، يقول “محمد حسنين هيكل” في كتابه “خريف الغضب” بالفصل الخامس تحت عنوان ” الراهب المقاتل”: وحين يَنْظُرُ أي مراقب الآن إلى الوراء ويستعرض ما كان، فإنه يبدو أن صدامًا مُحتمًا بين السادات وشنودة… ولم يتأخر الصدام كثيرًا ، فقد بدأ أول احتكاك بين الإثنين بعد ستة أشهر من انتخاب البابا شنودة. كان سبب الاحتكاك هو السبب التقليدي القديم: كنيسة قامت بغير ترخيص في الخانكة… وطبقت وزارة الداخلية أحكام الخط الهمايوني القديم. فأزالت وزارة الداخلية بواسطة البوليس بعض المنشآت، ومنعت استعمالها للغرض الذي كان مُقررًا لها .٣
بدت “المسألة القبطية” تفتتح أعمالها مع بداية عصر جديد في مصر: كنيسة تنطلق، ورئيس يواجه حقائق الحرب وأحلام السلام.
ارتأى “هيكل”، في “خريف الغضب”، أنَّ السادات والبابا شنودة قريبان من بعضهما البعض، عبر قيمة الإحساس بالذات، ولذلك قدَّر أنَّ مسارات الصدام بينهما لم يكن خيارًا حرًّا.
ثمَّة اعتبارات وعوامل كثيرة دفعت العلاقة بين الرئيس والبابا، ومن ثمَّ بين الكنيسة والدولة -عن طريق قضية بِناء الكنائس وترميمها وحرية العبادة- نحو الصدام.
تأتي في مقدمتها السماح لتيارات الإسلام السياسي بالعمل والنشاط في طول البلاد وعرضها في تلك الفترة، مما دفع البابا والكنيسة إلى رفع درجة التحدي، والدخول في مواجهة مباشرة مع الرئيس ومؤسسات الدولة، فهو “الراهب المقاتل”، طبقَ وصفِ صاحب “خريف الغضب”.
الخط الهمايوني *
ثمة اشتباك بين عدد من العوامل السياسية والقانونية والظروف التاريخية، وقضية بِناء الكنائس وترميمها منذ لحظة صدور قرارات “الخط الهمايوني” في عهد السلطان “عبد المجيد الأول” عام 1856، وكان الغرض منها تنظيم بِناء دور العبادة في جميع الولايات التابعة للدولة العثمانية، وتُطَبَّقُ على كل الملل والأديان غير الإسلامية. وكذلك قرارات وكيل الداخلية المصري “محمد العزبي باشا” في شباط/فبراير 1934، إبان وزارة “عبد الفتاح باشا يحيى”، بوضع عشرة شروط لبناء الكنائس، جاءت جميعها على الجانب المناقض لكل المبادئ الدستورية الخاصة بحرية العبادة والمساواة بين المواطنين، وارتبط الأمر كله بمدى العلاقة بين البابا والرئيس.
لم يمنع “الخط الهمايوني” المواطنين المسيحيين المصريين من بِناء الكنائس ومن حرية ممارسة شعائرهم الدينية، ولكنه قَصَدَ كفالة حقوق المواطنين المسيحيين المصريين وتأكيدها في الولايات التابعة للباب العالي العثماني. ولكن في المقابل، نجد أنَّ المشكلة الحقيقية تكمن في أسلوب تطبيق “الخط الهمايوني”، والذي حوله إلى مشكلة في سبيل تحقيق الحرية الدينية. وهو ما اعتمد عليه “العزبي باشا”، وكيل وزارة الداخلية فيما بعد، في إصداره الشروط العشرة “المتعسفة” لبناء الكنائس، والتي ظلَّت السبب الحقيقي وراء منع ترميم الكنائس وبنائها حتى صدور القرارات الجمهورية الخاصة بالكنائس سنة ١٩٩٨. رغم أنَّ تقرير لجنة تقصي الحقائق بمجلس الشعب للمستشار “جمال العطيفى” سنة ١٩٧٢، أوصى بضرورة إعادة النظر في “الخط الهمايوني” وشروط “العزبي باشا”، لأنَّهما من أهم الأسباب المؤدية إلى التفرقة بين أبناء الوطن الواحد من المصريين.٤
البطريرك كيرلس الرابع يواجه البعثات التبشيرية
صدر “الخط الهمايوني” من الباب العالي بعد عامين من تولي “سعيد باشا” الحكم، الذي امتد من عام 1854 حتى عام 1863 إبان حبريَّة البابا “كيرلس الرابع” “أبو الإصلاح”، والذي اعترض على مساواة بنود “الخط الهمايوني” لجميع الطوائف والملل في بِناء الكنائس وترميمها. كما صدر في عهده فرمان الباب العالي باعتبار البروتستانت طائفة مستقلة، وبدأ توافدهم إلى مصر وأُنْشِئَ أول مَجْمَع مشيخي إنجيلي في عام 1860.
مَثَّلَت قرارات “الخط الهمايوني” نقطة ارتكاز لقرارات بناء الكنائس وترميمها واستقرارها في قبضة رئيس الدولة، التي امتدت هكذا عقودًا طويلة تتحكم فيها السلطة الفوقية، دون مراعاة الأبعاد الاجتماعية والثقافية وما يعتريها من تغيرات.
الأنبا يوأنس والشروط العشرة لبناء الكنائس
بعد وفاة البابا “كيرلس الخامس” عام 1927، اختارت الكنيسة القبطية الأنبا “يوأنس التاسع عشر” قائمقام للكنيسة، ثم تبوأ الكرسي البابوي بترحيب من الملك “فؤاد” وبعض رجال الدين، في حين اصطفَّ آخرون بجانب الأنبا “مكاريوس” أسقف أسيوط الذي وافق على مطالب المجلس المِلِّي. وامتدت حبريته في عصر الملك “فؤاد” وبعض سنوات الملك “فاروق”، وشهدت تلك الفترة مشاهد ارتبطت بتاريخ مصر والتغيرات السياسية التي تركت آثارًا واضحة٥
اصطف الأنبا “يوأنس التاسع عشر” داخل خندق الملك “فؤاد” والحكومة ضد حزب الوفد والمجلس المِلِّي، الذي أرَّقَ حبريَّة البابا “كيرلس الخامس” ووضعه مع الأنبا “يوأنس التاسع عشر” في المنفى. وعلى خلفية ذلك الاصطفاف رحب الأنبا “يوأنس” بدستور “إسماعيل صدقي” المعروف بدستور 1930، ووافق على الشروط العشرة لبناء الكنائس وترميمها.
إقرأ أيضًا: الكنيسة والسياسة: إشكاليات الزواج والطلاق وتأثيرها على أوضاع الأقباط في مصر الحديثة
كانت أولى الإجراءات الإدارية المتعارف عليها لتنظيم بناء الكنائس فكانت تلك التي وضعها وكيل وزارة الداخلية “العزبي باشا” عام 1934 والمعروفة بشروط العزبي باشا العشرة، والتي وُضِعَت بعد الانقلاب على دستور 1923 إبان رئاسة “إسماعيل صدقي” للحكومة وإقرار دستور 1930. وجاءت الشروط العشرة انعكاسًا لهذه المرحلة، فكانت أقرب إلى منع بناء الكنائس منها إلى إتاحة البناء.
ويمكن تقسيم شروط العزبي باشا، التي تعيق بناء الكنائس، إلى أربعة أنواع من الشروط على النحو التالي:
- أولًا، شروط خاصة بالمسيحيين، منها: عدد أفراد الطائفة التي ترغب في بناء الكنيسة، وهل توجد للطائفة المذكورة كنيسة أخرى في البلدة بخلاف الكنيسة المطلوب بناؤها، وإذا لم تكن هناك كنيسة، فما المسافة بين البلدة وأقرب كنيسة لهذه الطائفة.
- ثانيًا، شروط تتعلق بالمسلمين في المنطقة، منها: مقدار المسافة بين الكنيسة والمساجد والأضرحة في الناحية، وإذا كانت الأرض فضاء، فهل تقع وسط أماكن سَكْنَى المسلمين أو المسيحيين، وإذا كانت وسط أماكن المسلمين، فهل يوجد مانع من بنائها.
- ثالثًا، شروط خاصة بالأرض المقرر بناء الكنيسة عليها، وهل هي من الأراضي الفضاء أو أراضٍ زراعية، وهل تقع بالقرب من الجسور والترع، مع ضرورة أخذ رأي الهيئات المختصة في هذا الشأن.
- رابعًا، شروط خاصة بالإجراءات، كأن يُقدم رئيس الطائفة والمهندس طلبًا مرفقًا بالرسم الهندسي، وأن يُحَرَّرَ محضرٌ رسمي بالتحريات.
تغير نظام الحكم في مصر في العقود التي تلت عهد “العزبي باشا”، من النظام الملكي إلى الجمهوري، وتعاقب على البلاد رؤساء جمهوريات ورؤساء حكومات عدة، لكن أيًّا منهم لم يضع قانونًا مُنصفًا لبناء الكنائس، أو حتى يُلغِ شروط “العزبي باشا”، التي ما ظلت تُستخدم لتعقيد عملية البناء.
أما فيما يخص ترميم الكنائس وهدمها وإعادة بنائها، فقد صدرت عدة قرارات جمهورية للتسهيل -نظريًّا- على المواطنين، أهمها:
- القرار الجمهوري رقم 13 لسنة 1998، الذي فوَّضَ المحافظين، كلٌّ في نطاق محافظته، بمباشرة اختصاصات رئيس الجمهورية الخاصة بالترخيص للطوائف الدينية بتدعيم الكنائس وترميمها.
- القرار الجمهوري رقم 453 لسنة 1999، الذي منح الجهة الإدارية المختصة بشؤون التنظيم في كل محافظة حق إصدار التراخيص لترميم دور العبادة.
- القرار الجمهوري رقم 291 لسنة 2005، الذي فوَّض المحافظين بإصدار تراخيص البناء، أو إجراء توسعات في الكنائس.
أما فيما يخص الأحكام القضائية المتعلقة ببناء الكنائس وترميمها، فقد جاء بعضها مؤيدًا لحق المسيحيين في ممارسة شعائرهم الدينية، وانتقد ممارسات وزارة الداخلية المُقَيِّدَةِ للبناء، في حين أيَّدَ بعضها الآخر ممارسات الوزارة استنادًا إلى “الخط الهمايوني” وشروط “العزبي باشا”.
نعرض فيما يلي عددًا من هذه الأحكام والفتاوى الصادرة عن مجلس الدولة في هذا الشأن:
فتوى رقم 145-3-23 بتاريخ 20 إبريل 1949: رأت أن الاجتماعات التي يعقدها بعض أفراد الأقباط لدراسة الكتاب المقدس أو لإلقاء محاضرات دينية لا يختلف حالها عن حال الكنائس والمعابد التي تُقام فيها الشعائر الدينية، في وجوب استصدار أمر ملكي بها.
الحكم رقم 269 لسنة 4 قضائية بتاريخ 26 فبراير 1952: قضى بإلغاء قرار وزير الداخلية برفض الترخيص بإنشاء كنيسة بمدينة بور فؤاد بمحافظة بورسعيد، بحجة قِلة عدد أفراد الطائفة. وأكد الحكم أنه لا يوجد حد أدنى لعدد الأفراد الذين يحق لهم إقامة كنيسة. وكانت الوزارة قد امتنعت عن مواصلة إجراءات استصدار المرسوم الملكي وفق “الخط الهمايوني”. وأشار الحكم إلى أن إقامة الشعائر الدينية لجميع الطوائف مكفولة بموجب الدستور في حدود القوانين والعادات المرعية، دون الإشارة إلى “الخط الهمايوني”.
الحكم في القضية رقم 615 لسنة 5 قضائية بتاريخ 16 ديسمبر 1952: أكَّد أن الترخيص مطلوب لتغيير صفة المبنى إلى معبد ديني، لكنه ليس ذريعة لوقف النشاط الديني والاجتماعات الدينية المكفولة وفق الدستور، حتى ولو لم يصدر الترخيص، إذ قضى بإلغاء قرار وزارة الداخلية بوقف الاجتماعات الدينية في كنيسة لم تحصل على الترخيص الملكي٦
زمن آخر
في زمن آخر، كان مسار التفاهمات التي انعقدت بين مؤسسة الرئاسة في عهد الرئيس الراحل “جمال عبد الناصر” وبطريرك الكنيسة القبطية “البابا كيرلس السادس” على استلام عدد معلوم من تراخيص الكنائس، يتحرك في تشييدها بالشكل والزمن اللذين يراهما ملائمين، يعكس طبيعة العلاقة الجديدة التي بدت عليها الأمور عقب ثورة 23 يوليو 1952.
بَيْدَ أنَّ الأمور اتخذت مسارًا مختلفًا عقب تولي الرئيس الراحل “محمد أنور السادات” حكم مصر، وجلوس “البابا شنودة”؛ إذ شهدت مدينة الخانكة أطراف العاصمة القاهرة في تشرين الثاني/نوفمبر 1972 حادث حرق جمعية الكتاب المقدس في أثناء تأدية الشعائر الدينية. وعلى إثر ذلك بدا للجميع أنَّ ثمة أزمة تتجمع وقابلة للانفجار في وجه الجميع. وعلى خلفية ذلك استجاب الرئيس الراحل “محمد أنور السادات” لنصيحة الكاتب الكبير الراحل “محمد حسنين هيكل”، بمنح البطريرك “البابا شنودة الثالث” تصريحًا ببناء خمسين كنيسة٧، وهو ما أعاد الأمر كله مرة أخرى إلى قبضة الرئيس، دون الالتفات إلى قدرات الأجهزة التنفيذية ورؤيتها حيال تنفيذ القرارات الخاصة بالبناء والترميم.
الإسلام السياسي
ربما كانت تلك اللحظات ترسم بداية جديدة للمشهد السياسي المصري، ومدى تداخل الإسلام السياسي على تخومه وداخل تفاصيله، متشابكًا ومعقدًا لكثيرٍ من ملامحه في العقود التالية من حكم الرئيس الراحل “أنور السادات” والرئيس الراحل “حسني مبارك”، الذي أَسَّسَ علاقته مع البطريرك “البابا شنودة الثالث” بعدما خرج من مقر الإقامة الجبرية بدير الأنبا بيشوي في مطلع عام 1985، على أنَّ الطريق بينهما يسير دومًا في خطوط متوازية ينبغي لها عدم اللقاء ويفرض بالضرورة البعد عن مقدمات الصراع وسيناريوهات الصدام. وهو الأمر الذي تَمَثَّلَ في صدور القرار الجمهوري رقم 13 لسنة 1998 في 11 كانون الثاني/يناير 1998 بتفويض المحافظين في سلطات ترميم الكنائس وتدعيمها، ثم صدور القرار الجمهوري رقم 453 في 28 كانون الاول/ديسمبر 1999، بنقل اختصاص المحافظين في الموافقة على قرارات تدعيم دور العبادة وترميمها إلى إدارات التنظيم والمباني بالمحليات.
سلطة بناء الكنائس وترميمها تنتقل إلى سلطة المحافظين
أسهمت التطورات الإقليمية والدولية التي جرت في السنوات الأولى من الألفية الجديدة، في حدوث انفراجة شملت قطاعات عديدة في مفاصل الدولة، تركت أثرها في أزمة بِناء الكنائس وترميمها. إذ جاء قرار الرئيس الراحل “حسني مبارك” رقم 291 لسنة 2005 بحصر الأمر برمته عند سلطة المحافظين، في الموافقة على بناء أو إقامة أو إجراء تعديلات أو توسعات في كنيسة قائمة، ووجوب البت في طلب الترخيص بعد أخذ رأي الجهات المعنية في ثلاثين يومًا من تاريخ تقديمه، مشفوعًا بالأوراق اللازمة، ولا يجوز رفض الطلب إلا بقرار مسبب.
فضلًا عن ضرورة أنْ يكون ترميم أو تدعيم منشآت كنسية قائمة، بموجب إخطار كتابي من مسؤولي الكنيسة إلى الجهات الإدارية المختصة بشؤون التنظيم في كل محافظة. والقرار بهذا الشكل يُلقي بكرة اللهب بعيدًا عن سلطة الرئيس، ويضمن أن تسير الأمور وفق الإطار الكبير الذي ارتأت فيه السلطة السياسية حدود العلاقة بين البابا والرئيس، وضرورة أن تبقى داخل خطوطها المتوازية وبعيدًا عن حدية المواجهة.
دارت مناقشات عديدة داخل البرلمان المصري بشأن ضرورة صدور قانون لدور العبادة الموحد، بوصفه الملاذ الآمن -من الناحية الإجرائية والقانونية– للمساواة بين المواطنين فيما يختص بشؤون العبادة وتأدية الفروض الدينية.
بناء الكنائس والأزمات الطائفية في مصر
قبل أحداث شهر كانون الثان/يناير ٢٠١١، كان بناء أو ترميم كنيسة يؤدي في كثير من الأحيان إلى مصادمات بين سكان المنطقة من المسلمين والمسيحيين. إذ كانت الفترة التي امتدت من حادث الخانكة مطلع السبعينيات وبداية عهد الرئيس الراحل “محمد أنور السادات”، وحتى حادث العمرانية في العام ٢٠١٠ نهاية حكم الرئيس الراحل “محمد حسني مبارك”، تقع معظم الأحداث الطائفية على خلفية محاولة بناء كنيسة جديدة أو ترميمها، وجميع تلك الأحداث سواء في مدن الوجه البحري والدلتا أو قرى الصعيد خاصة محافظة المنيا مثل: أحداث قرية نزلة البدرمان في شهر تشرين الأول أكتوبر 2009، تدر حول احتجاج عدد من مسلمي القرية على تجديد منارة كنيسة أو محاولة بناء أخرى، بغض النظر عن وضعية الحصول على تصريح مسبق بالترميم أو البناء من الجهات المختصة.
الأمر بعد 2011: على سبيل المثال، وقعت أحداث قرية المريناب بمحافظة أسوان في أكتوبر 2011، حيث اعترض متشددون عند إعادة بناء كنيسة “مارجرجس” على وجود جرس ومنارة وصليب أعلى المبنى، وطالبوا بهدم القباب الموجودة فوق المبنى الخرساني. ورغم استجابة الكنيسة لهذه الطلبات، اعتدى المئات على الكنيسة بإشعال النيران فيها وهدم القباب والحوائط وأجزاء من الأعمدة الخرسانية. كذلك اعتدى متشددون في تشرين الثاني/نوفمبر 2012 على أراضٍ تابعة لمطرانية شبرا الخيمة بمنطقة منطاي بمركز قليوب، لمنع استكمال مبنى خدمات باسم السيدة العذراء والشهيد أبانوب، مع توعد القيادات السلفية بتحويل المبنى الكنسي إلى مسجد، وإقامة الصلاة فعليًا داخل الأرض لمدة يومين.
وعلى جانب آخرَ، ذهبت أجهزة الدولة قبل العام ٢٠١١ وتحت ضغط الأوضاع الأمنية، لتنفيذ عدة إجراءات يُمكن رؤيتها عبر منسوب التمييز في إقامة الشعائر الدينية.
فعلى سبيل المثال، في شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2010، تم وقف أعمال بناء كنيسة في منطقة الطالبية بالجيزة. وعند اعتراض المواطنون المسيحيون، تعاملت قوات الأمن معهم. كما قام حي الخليفة بالقاهرة في شهر تشرين الأول/أكتوبر 2009 بهدم مبنى خدمات تابع لجمعية “مارمينا العجايبي” بمنطقة الإباجية؛ تحت مبرر أنَّ المبنى قائمٌ دون ترخيص.
إقرأ أيضًا: حبرية البابا شنودة.. الكنيسة والجماعة القبطية بين الدين والدولة.. مسارات الاندماج والعزلة
تعكس هذه الأمثلة صورًا من أزمة بِناء الكنائس الجديدة أو ترميم جزء منها أو إعادة تطوير مبنى قائم بذاته قبل صدور القانون، الأمر الذي راكم مشاعر غضب مكتوم لدى المسيحيين المصريين ومدى التعنت الذي يقابلونه من جماعات متشددة عند ممارستهم لشعائرهم الدينية، والانتهاكات التي تتعرض لها الكنائس ودور العبادة بسبب غياب قانون منظم لبنائها وإعادة ترميمها وتوسيعها. ويُضاف إلى ذلك سلطة الدولة التقديرية التي تتحكم في تراخيص البناء والترميم، بدلاً من تطبيق القانون وكفالة حق المواطنين المسيحيين في ممارسة شعائرهم٨
بناء الكنائس: الدين والدولة.. البطريرك والرئيس
على هامش الاعتبارات والعوامل الاجتماعية والاقتصادية التي مَثَّلت عائقًا رئيسًا أمام تنفيذ حزمة القرارات والقوانين التي يصدرها الرئيس وتترجمها الدولة في صورة مراسيم تنفيذية أو قوانين، تبدو علاقة البطريرك والرئيس في ذاتها، واحدة من أهم المرتكزات التي مرت عن طريقها إشكالية بناء الكنائس وترميمها في مصر، خاصة في الفترات الرئاسية التي أعقبت ثورة يوليو 1952، إذ كانت إيجابية العلاقة بين الرئيس “جمال عبد الناصر” والبابا “كيرلس السادس” مَمرًا مُهمًا، مكَّن الأول من منح الأخير تصريحًا ببناء خمس وعشرين كنيسة، يتصرف فيها بالصورة التي يقدرها.
بينما كان القرار المماثل من الرئيس “السادات” للبابا، ناتجًا عن سخونة الأحداث قبيل حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973، ورؤية الرئيس في امتصاص غضب الكنيسة والبطريرك عقب أحداث الخانكة، وبُغية كسب وُدّ الكنيسة والبطريرك في هذا التوقيت الدال.
ثمّة خيط متصل من هذه الرؤية امتدَّ إلى ما تلا ذلك في عقود نظام الرئيس الراحل “محمد حسني مبارك” و”البابا شنودة”، إذ كانت القرارات تُقنِّن أزمة بناء الكنائس وتحيلها إلى سلطة المحافظين في مناطقهم وتلزمهم بالرد المسبب في حالة الامتناع، غير أن الوضع المجتمعي وتمدد قوى الإسلام السياسي كانا دائمًا يحولان دون التنفيذ.
وظلت محاولات بناء الكنائس وترميمها في القاهرة والمحافظات سببًا مباشرًا لاندلاع أزمات طائفية، وباتت سطور وتوصيات الدكتور “جمال العطيفي” ماثلة في كل حادثة تمرُّ بالبلاد.
البابا تواضروس الثاني:
مع تبوؤ البابا “تواضروس الثاني” كرسي مار مرقس الرسول في فترة حكم الإخوان المسلمين وممثلهم “محمد مرسي”، كانت الكنيسة الأرثوذكسية والأقباط جميعًا على موعد مع تحدٍّ كبير، مما جعل احتشادهم في ثورة الثلاثين من يونيو خلف مؤسسات الدولة عاملًا فاصلًا في صياغة العلاقة بين البابا والرئيس والكنيسة والمواطنين الأقباط، لا سيما بعد تحرر الأقباط من سيطرة رجال الدين في تلك الفترة.
إلى ذلك، كان لتبعات تلك العلاقة الإيجابية آثارها الواضحة في توجه الدولة نحو حلِّ عديدٍ من الأزمات التي اشتبكت بحياة المواطنين في العقود الماضية، خاصة فيما يرتبط بقانون بناء الكنائس وترميمها، وهو ما بدا في مواد دستور 2014 والقوانين المُفصِّلة لتلك الرؤية.
كما كانت تلك العلاقة مُعَزِّزَةً لرؤية البابا “تواضروس” في مواجهة الرؤى المخالفة لتوجهاته، لا سيما مع الشخصيات المحسوبة على تيار “البابا شنودة”، والتي ظهرت مساراتها في بعض الأحداث وعبر الفضاء الإلكتروني في مواقف متعددة، خاصة واقعة زيت الميرون وقرارات الصلاة إبان وباء كورونا وغيرها.
ذلك كله كان مؤداه أن تدعم الدولة مؤسسة الكنيسة وبطريركها في بِناء الكنائس بِناءً منهجيًّا ومستدامًا في المدن الجديدة، وبناء بطريركية جديدة في العاصمة الإدارية الجديدة، لتكون رمزًا يُجَسِّدُ العلاقة بين البابا تواضروس الثاني والرئيس.
إلى ذلك، كانت تلك المرحلة مُهمة وضرورية نحو تأسيس عقد اجتماعي جديد بين المواطن والدولة، خاصة الأقباط المصريين، عبر عدة نقاط ومستويات، كان من أبرزها صدور قانون بِناء الكنائس، واهتمام الدولة الرسمي ببناء كنيسة في المدن الجديدة إلى جانب المساجد، فضلًا عن الظهور المنتظم لرئيس الدولة في الكاتدرائية في الأعياد القبطية.
وباء كورونا وتحولات المشهد الديني في الكنيسة الأرثوذكسية:
دفع فيروس كورونا وتفشيه اللا محدود في دول العالم كافة، والتداعيات المترتبة على ذلك الانتشار، جميع مفاعيل التغيير نحو التفاعل داخل المجتمع، وتضع أغلب المؤسسات والتنظيمات في مواجهة الاضطرار إلى التفكير في الاستعداد لأنماط التغيير والتحول بما يتواءم ويتكيف مع متطلبات وسياقات الواقع الجديد، وما يطرأ بفعل تشابكات جماعات الضغط وأهدافها المتباينة، وكذلك التناقض بين رؤى البعض ومصالحهم وأهداف قادة المؤسسات والتنظيمات السياسية والاجتماعية والدينية.
تُمَثِّلُ المؤسسات الدينية واحدة من القطاعات التي تواجه تداعيات فيروس كورونا؛ إذ جرى -على نحو غير معتاد- تعليق أداء الطقوس الدينية كافة في دور العبادة الإسلامية والقبطية، مما أثار التململ والضجر في نفوس البعض، وذهب آخرون نحو محاولة أداء الصلاة بعيدًا عن عين السلطة وقبضتها، واستقر في نفوس آخرين، أن ثمة عقابٌ إلهيٌّ يتنزل عليهم، نتيجة ذنوبهم التي حالت بينهم وبين صلواتهم وطقوسهم الرُوحية التي تدعم تواصلهم بالسماء، وتمدهم بالطاقة.
صراع التأويل والشرعية داخل الكنيسة
في خِضَمِّ تلك الأحداث -ومن قبلها- تُعاني الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، ومعها البطريرك البابا تواضروس الثاني، صراعًا خفيًا تمتد سياقاته وأحداثه عبر وسائل التواصل الاجتماعي، التي مارست الدور نفسه مع الأنبا الراحل “أبيفانيوس” عندما قلَّدهُ البابا مسؤولية لجنة الإيمان والعقيدة، وبعدها، قُتِلَ في نهاية تمّوز/يوليو 2018. وثمَّة من دافع عن المتهمين في بيانات رسمية، ورأى أن الحكم يُمَثِّلُ فاجعة في صَدر بيانه، غير تلك المنشورات التي هاجمت الحكم والكنيسة بوصفها فرَّطت في أبنائها، ودفعتهم نحو مقصلة الإعدام بتجريد المتهمين من رتبهم الكهنوتية، فضلًا عن مسار الهجوم الذي طال البابا جراء تصريحاته ورؤاه في الطقوس الدينية وكيفية أدائها مع تفشي فيروس كورونا بطريقة تتنافى مع مضمون الطقس وقدسيته وهدفه الرئيس في نفوس البشر.
نحو طقوس حداثية: جدل الماستير وزيت الميرون
في نهاية شهر يونيو حزيران من العام ٢٠٢٠، ترأس البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، اللجنة الدائمة للمجمع المقدس لمناقشة عودة الصلوات الطقسية والخدمات التعليمية في ظل فيروس كورونا المستجد. وقرر المجمع المقدس استمرار غلق الكنائس في القاهرة والإسكندرية نظرًا لارتفاع حالات الإصابة بالعاصمة وإيبارشية البطريرك، ولتأسيس قاعدة القرارات اللا مركزية، أطلقت الكنيسة حرية اتخاذ قرار فتح دور العبادة لأساقفة الإيبارشيات وفق ظروف كل إيبارشية، على اعتبار أنَّ ثمَّة تباينًا في عدد الإصابات بين المحافظات المصرية مع ضرورة الالتزام بالإجراءات الاحترازية.
بَيْدَ أنَّ تصريحات البطريرك في حوار صحفي لجريدة “وطني”، أشار فيها بقوله:
“لم نفكر في هذا ولم نناقشه في اجتماعات اللجنة الدائمة للمجمع المقدس، ولكنه أمر وارد. وإن كان التناول بالماستير لم يتسبب في أي إصابة بمرض على امتداد تاريخ الكنيسة. ونحن في الظروف المرضية يناول الكاهن المريض دون استخدام الماستير. وفي ظل الظروف المرضية التي نعيشها هذه الأيام يُمكن أن يُطرح هذا للمناقشة. فمسيحتينا ليست جامدة، وطقوسنا لا تُستمد من أفكار، بل مما تسلمناه من الآباء، ومن إرشاد الرُوح القدس العامل فينا، وليس ثمة ما يمنع من استخدام نتاجات العقل والتطور والتقدم في تسيير أمور كنيستنا دون المساس بعقائدنا وأساس إيماننا المستقيم”.
إقرأ أيضًا: تطورُ لائحة انتخاب البطريرك: مسارات الكنيسة الأرثوذكسية
أثارت تلك التصريحات الغضب في نفوس البعض ومن ورائهم، ودَفعت أصوات جماعات الضغط نحو العلن مرة جديدة لمقاومة رؤى البطريرك التي تسعى دومًا نحو تأويل النصوص لصالح الإنسان وجودة حياته. الأمر الذي بدا واضحًا في تصريحات الأنبا “أغاثون” عبر صفحته الرسمية في مواقع التواصل الاجتماعي، إذ لَمَّحَ فيها على اعتراضه على حديث البابا، وأن التعرض لمثل هذه الأمور المقدسة يجب أن يتم بحرص شديد، عندما قال: “إن إيمان الأطفال أحسن من إيمان الإكليروس (رجال الدين) في هذا العصر”.
يرتبط هذا التوجه عند “البابا تواضروس الثاني” بذات أفكاره التي طبقها في العام 2014 عند إعداد زيت الميرون، الذي يُعَدُّ السر التالي في الكنيسة بعد سر المعمودية، بطريقة تأتي على خلاف الطريقة التقليدية التي توارثتها الكنيسة في تاريخها، وما عهدته في حبرية البابا شنودة الثالث، والتي صُنِعَ فيها زيت الميرون عدة مرات بالطريقة التقليدية ذاتها.
وقال البابا تواضروس، في كلمة له في طقس إعداد زيت الميرون:
“كانت عملية بدائية، وكانت تُسمى طبخًا من أجل استخلاص الزيوت، وهذه العملية لم تكن دقيقة، وعندما تناقشنا في المجمع المقدس بحضور الأساقفة، كانت الموافقة على العملية الفنية أمرًا ضروريًا جدًا”.
زيت الميرون
شَهِدَ عام 2014 المرة الأولى في صنع زيت الميرون في حبرية البابا “تواضروس الثاني”، الذي ارتأى أن تتم بطريقة حداثية تؤدي إلى أفضل النتائج، دون المساس بالطقس الذي يُعَدُّ الأصل في زيت الميرون.
يَمُرُّ إعداد زيت الميرون بمرحلتين: الأولى، التحضير والإعداد، والتي سعت فيها الكنيسة الأرثوذكسية والبطريرك البابا تواضروس للاستفادة من العلم والتكنولوجيا في طريقة التحضير والإعداد، ثم تأتي الخُطوة التالية، وهي خُطوة التقديس، والتي يرى البطريرك أنها لم يمسها تبديل، أو يطرأ عليها تعديل يستوجب موجات الغضب وتصاعد منسوب تيار المعارضة.
هناك ملاحظة تستوجب الانتباه في تقاطع كلا الموقفين عند وجه متباين؛ إذ يلتزم البابا، رأس الكنيسة، رؤى تُجدد أفق الكنيسة، وتسعى نحو تجاوز عدد من الأزمات التي طالت الأقباط في حياتهم، وما يختص بأمور الأحوال الشخصية من مسائل الزواج والطلاق، فضلًا عن تفاعله مع تداعيات فيروس كورونا، واتخاذ المواقف المسؤولة التي تقاوم أن تصبح المؤسسات الدينية بؤرًا لتفشي الفيروس. وأنَّ التغيير الذي يطرأ على بعض الطقوس الكنسية خشية العدوى، تغييرات في الشكل لا تَمَسُّ جوهر العقيدة.
في المقابل، يضطلع التيار الآخر بمعارضة قرارات البابا ورؤاه التحديثية بتصريحات لا تختلف أسماء وبيانات أصحابها، ولا محتواها ومضمونها في كل مرة، إذ دومًا ما تتمركز حول ضرورة الحفاظ على الشكل التقليدي للطقس وهيمنته على المضمون، مما يتبدى معه سطوة التدين ومغازلة العامة في نمطهم البسيط.
منذ جلوس البابا “تواضروس الثاني” على كرسي مارمرقس الرسول، وهو يسعى نحو تطبيق انحيازاته الإصلاحية على مسار الكنيسة وتطوير منظومتها في قضايا عديدة؛ جاء أبرزها على مستوى الفكر، حين أصدر كتابه “وكل ما يصنعه ينجح”، وتحدث في الكتاب عن العقل المنفتح ومسار بنائه، ووضع الخطوط الفاصلة بين العقل المحاور والعقل المبدع، ودور القراءة والتوعية في بناء العقل المنفتح. فضلًا عن مسعاه المستمر للانفتاح على الكنائس الأخرى وتقريب الكنيسة الأرثوذكسية منها، وتأكيده أن الوَحْدة هي الأصل في الكنيسة، وضرورة العودة إلى ذلك.
لا يُمكن النظر إلى سياق الأحداث داخل الكنيسة القبطية، منذ لحظة سيامة البابا تواضروس الثاني وحتى الآن، في قضايا زيت الميرون، طقس الماستير، قضايا الأحوال الشخصية، ومسار علاقة الكنيسة القبطية بالدولة المصرية، وما يستتبعه من قضايا الأقباط وأزماتهم مع الدولة، سوى عن طريق المساحات القائمة بين أفكار وسياسة البابا تواضروس وظل البابا شنودة الذي لم يَبرح الكنيسة وبعض قديسيها من ناحية، ونفوس معظم الأقباط من ناحية أخرى؛ إذ أضحت جملة أفكار البابا المتنيح شنودة الثالث ومقولاته وتوجهاته تيارًا أرثوذكسيًا يسري ويمتد في نفوس الأقباط وعقولهم.
قانون بناء الكنائس.. الدولة المصرية وتأويل الأزمة لصالح الكنيسة والبطريرك
لم يتضمن دستور 2012 أي نص صريح يُلْزِمُ الدولة بإصدار قانون لبناء الكنائس، بل اكتفى الدستور بالنص على حرية الاعتقاد والتزام الدولة بكفالة حرية ممارسة الشعائر الدينية وإقامة دور العبادة طِبقًا للقانون، إذ تنصُّ المادة 43 من دستور 2012 على: ”حرية الاعتقاد مصونة. وتكفل الدولة حرية ممارسة الشعائر الدينية وإقامة دور العبادة للأديان السماوية، وذلك على النحو الذي يُنظمه القانون”.
والأغلب أن ذلك يعود إلى استحواذ الأخوان المسلمون على أغلبية مقاعد اللجنة التأسيسية التي أَعَدَّت الدستور، بالإضافة إلى انسحاب مُمَثِّلِ الكنيسة من اللجنة. أما في دستور 2014، فقد تضمن الدستور نصًّا صريحًا يُلْزِمُ مجلس النواب بإصدار قانون يُنَظِّمُ بناء الكنائس وترميمها، بهدف ممارسة المسيحيين لشعائرهم الدينية بحرية٩.
كانت الشهور التي عرفتها مصر عمومًا في فترة حكم الإخوان المسلمين، وممثلهم “محمد مرسي”، عصيبةً على المجتمع المصري برمته، وعلى الأقباط والكنيسة القبطية تحديدًا، وذلك من خلال عدة أوجه، أبرزها تحدي الإسلام السياسي، وخطر غياب الهُوية المصرية الوطنية الجامعة لصالح هُوية دينية تمايزية تصوغ الأزمة بين طبقات المجتمع وجماعته الوطنية. كما أنها قد تعمل على تعزيز فكرة الجماعة الفرعية وعزلها كليًا عن لُحْمَتِها الوطنية.
وفضلًا عن ذلك، تزامنت تلك المرحلة مع تَنَيُّحِ البابا التاريخي للكنيسة الأرثوذكسية، “البابا شنودة الثالث”، وجلوس البابا “تواضروس الثاني” على كرسي مار مرقس الرسول، وما فرضته هذه اللحظة من حتمية مواجهة ممثلي تيار البابا شنودة داخل الكنيسة.
وأخيرًا، برز الموقف اللافت لأقباط مصر وهم يحتشدون في مواجهة الإخوان المسلمين في نهاية يونيو عام 2013 (ثورة 30 حزيران/يونيو)، وهو الأمر الذي عَمَّقَ من ضرورة أن يرتكز العهد الجديد على جملة من المكاسب الحقيقية، وأن تبدو الكنيسة، ويظهر البطريرك، موائمَين مع الدولة الجديدة وشعارات العلم والحداثة، خاصة في ظل ظروف استثنائية، مثل وباء كورونا أو مواجهة أزمات بنيوية عالقة، مثل: أزمة الطلاق وتصاريح الزواج الثاني، وقضية بناء دور العبادة وترميم الكنائس.
شهدت مصر -في الفترة التي سبقت صدور القانون- كثيرًا من النقاشات بين مؤسسات الدولة والكنيسة المصرية بشأن مشروع قانون بناء الكنائس وترميمها. ومع بدء انعقاد أولى جلسات البرلمان في كانون الثاني/يناير 2016، ازدادت مطالبات الكنيسة بضرورة إصدار القانون.
ثانيًا: مسار صدور القانون
عُقِدَ لقاء بين رئيس الدولة “عبد الفتاح السيسي” وبطريرك الكنيسة الأرثوذكسية “البابا تواضروس الثاني” في الثامن والعشرين من شهر تموز/يوليو 2016، أعلنت الكنيسة على إثره -في بيان رسمي- عن قرب صدور قانون بناء الكنائس، مشيرة إلى وعد من الرئيس بتمرير القانون بطريقة تُرضي الكنيسة.
وفي الأول من شهر آب/أغسطس 2016، أعلن وزير الشؤون القانونية ومجلس النواب حينها “مجدي العجاتي”، أنّ الكنائس المصرية الثلاث قد وافقت على المُسَوَّدة النهائية لمشروع القانون، تمهيدًا لتسليمها إلى مجلس الوزراء لمناقشتها.
وفي السابع عشر من شهر آب/أغسطس 2016، اجتمع ممثلو الكنائس المصرية مع ممثلي جهات الدولة لمناقشة المشروع، غير أنَّ الاجتماع لم يُسْفِر عن توافق، فأصدرت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في اليوم التالي بيانًا أعربت فيه عن رفضها التعديلات الحكومية، التي وصفتها بأنّها “غير مقبولة وتُمثل خطرًا على الوَحْدة الوطنية”.
إقرأ أيضًا: بنية السلطة الدينية داخل الكنيسة القبطية وتجلياتها.. مدارس الأحد أنموذجاً
ومع تصاعد حدة الخلاف، التقى “البابا تواضروس” رئيس الحكومة حينها، “شريف إسماعيل”، في الثاني والعشرين من شهر آب/أغسطس، إذ بدا أنَّ الحكومة تراجعت عن التعديلات المثيرة للاعتراض. ودعا البطريرك عقب اللقاء المجمع المقدس لاجتماع طارئ، بعد يومين من الشهر نفسه آب/أغسطس، وفي ساعة متأخرة من اليوم نفسه، وَقَّعَ رئيس الحكومة النسخة النهائية للقانون بعد التوافق على المواد الخلافية، وموافقة المجمع المقدس عليه.
في 25 آب/أغسطس، أقرَّ مجلس الوزراء مشروع القانون، على أن يُرسَل إلى مجلس الدولة لمراجعته تمهيدًا لعرضه على البرلمان. وفي 30 آب/أغسطس 2016، وافق مجلس النواب، في جلسته قبل الأخيرة من دورة الانعقاد الأولى، على مشروع قانون بناء الكنائس وترميمها بأغلبية ثلثي الأعضاء.
المواد الخلافية في القانون
أصرَّت الكنيسة على تضمين مادة تُلْزِمُ بتقنين أوضاع الكنائس غير المرخصة، ومنع تغيير طبيعة مبنى الكنيسة حال غلقه، وإصدار قرار المحافظ دون الرجوع للجهات المعنية، بالإضافة إلى حرية ممارسة الشعائر ووضع الصلبان والقباب.
كما كانت المادة الخامسة من مشروع القانون، الخاصة بإلزام الحصول على موافقة الجهات الرسمية لإصدار الترخيص، من أبرز نقاط الخلاف، وتم الاتفاق على حذف عبارة “التنسيق مع الجهات المعنية”.
وتمت زيادة مواد القانون من 8 إلى 10 مواد، لتنصَّ المادة الثامنة على تنظيم أوضاع الكنائس غير المرخصة، مع تكليف مجلس الوزراء بحصرها، شريطة مرور عام على إقامة الصلاة فيها، تمهيدًا لتقنين أوضاعها بعد صدور القانون، فيما حَظرت المادة السابعة تحويل مبنى الكنيسة المغلق لأي استخدام آخر.
إشكاليات التطبيق
رغم توافق الكنائس المصرية الثلاث على نصوص القانون، تظلُّ الشكوك قائمة حول إمكان تطبيقه عمليًا.
كما لم يُحدد القانون أسباب الرفض التي يُمكن أن يستند إليها المحافظ حال رفض طلب بناء كنيسة، ما يتيح مساحة واسعة للتقدير الشخصي دون ضوابط.
أما المادة التي تشترط تناسب مساحة الكنيسة مع عدد المواطنين المسيحيين في المنطقة، فهي مادة صعبة التطبيق فعليًّا في ظل غياب بيانات رسمية دقيقة بأعداد المسيحيين.
مُلحق: نص قانون بناء الكنائس بعد موافقة البرلمان عليه في 30 آب/أغسطس 2016
المادة الأولي: في تطبيق أحكام هذا القانون يقصد بالكلمات والعبارات التالية المعنى المبين قرين كل منها:
(1) الكنيسة: مبنىً مستقلًا قد تعلوه قبة أو أكثر، تُمارس فيه الصلاة والشعائر الدينية للطوائف المسيحية على نحو منتظم ولها الشكل التقليدي، يتكون من طابق واحد أو أكثر وله سقف واحد أو أكثر، على أن يُحاط المبنى بسور إذا زادت مساحة الأرض على 300 متر، ويجوز أن يشمل ما يلي:
(أ) هيكل أو مِنْبَر: المكان الذي يقوم فيه رجال الدين المختصون بأداء الصلاة والشعائر الدينية وفقًا للقواعد والتقاليد الكنسية.
(ب) صَحْنُ الكنيسة: المكان الذي يوجد فيه المصلون لأداء الصلاة والشعائر الدينية مع رجال الدين.
(ج) قاعة المعمودية: مكان يُستخدم في أداء طقس العماد ويكون مزودًا بالمرافق من ماء وكهرباء وصرف صحي.
(د) المنارة: جزء مُرتفع من مبنى الكنيسة على شكل مربع أو مستطيل أو مثمَّن الأضلاع أو على شكل أسطواني أو غيرها من الأشكال، يكون متصلًا بمبنى الكنيسة أو منفصلًا عنه، وفق التقاليد الدينية مثل: الجرس والصليب، مع مراعاة الارتفاع الملائم والتصميم الهندسي.
(2) مُلحق الكنيسة: مبنى للكنيسة يشمل بحسب الاحتياج على الأماكن اللازمة لإدارة الكنيسة وقيامها بخدماتها الدينية والاجتماعية والثقافية.
(3) مبنى الخدمات: مبنى تملكه الطائفة يُخصص لأغراض الخدمة المتنوعة ويشمل إقامة المغتربين والمسنين والمرضى وذوي الحاجة.
(4) بيت الخُلوة: مبنى تابع للكنيسة يشمل على أماكن للإقامة وأماكن لممارسة الأنشطة الرُوحية والثقافية والترفيهية.
(5) مكان صناعة القربان: مكان داخل الكنيسة أو مُلحق الكنيسة مُجَهَّزٌ لصناعة القربان، ومستوفٍ لكل الاشتراطات الصحية ومعايير السلامة والأمان على النحو المحدد بالقانون.
(6) الرئيس الديني المختص: الرئيس الديني الأعلى للطائفة المسيحية المعترف بها في جمهورية مصر العربية.
(7) المحافظ المختص: المحافظ الذي تقع في دائرة اختصاصه لأعمال محل الترخيص التي ينظمها هذا القانون.
(8) الطائفة: الطائفة الدينية التي تعترف لها الدولة بشخصية اعتبارية.
(9) المُمَثِّلُ القانوني للطائفة: شخصٌ طبيعيٌّ من غير رجال الدين، يختص دون غيره باتخاذ كل الإجراءات المتعلقة بأي من الأعمال المطلوب الترخيص بها وفق أحكام هذا القانون، ويحدده الرئيس الديني الأعلى لكل طائفة في كل حالة.
(10) الأعمال المطلوب الترخيص بها: بناء أو توسيع أو تعلية أو تعديل أو تدعيم أو ترميم أو هدم أو تشطيبات خارجية بالكنيسة أو ملحق الكنيسة أو مبنى الخدمات أو بيت الخلوة.
المادة الثانية: يُراعى أن تكون مساحة الكنيسة المطلوب الترخيص ببنائها وملحق الكنيسة على نحو يتوافق مع عدد مواطني الطائفة المسيحية وحاجاتهم في المنطقة التي تقام بها، مع مراعاة معدلات النمو السكاني، ويجوز أن تضم الكنيسة أكثر من هيكل أو منبر وأكثر من صحن وقاعة معمودية ومنارة.
المادة الثالثة: يتقدم المُمَثِّلُ القانوني للطائفة إلى المحافظ المختص بطلب للحصول على الموافقات المتطلبة قانونًا للقيام بأي من الأعمال المطلوب الترخيص بها، وعلى الجهة الإدارية إعطاء مقدم الطلب ما يُفيد استلام طلبه يوم تقديمه، ويجب أن يُرْفَق بهذا الطلب مستندات الملكية والمستندات اللازمة لبيان طبيعة الأعمال المطلوبة وموقعها وحدودها، وفي جميع الأحوال، لا يقبل الطلب غير المُسْتَوفى للمستندات المشار إليها.
المادة الرابعة: يجوز للمُمَثِّلِ القانوني للطائفة التقدم للمحافظ المختص بطلب للحصول على الموافقات المتطلبة قانونًا لهدم وإعادة بناء كنيسة مقامة بترخيص أو تم توفيق وضعها وفق أحكام هذا القانون، وذلك باتباع الإجراءات المنصوص عليها فيه.
المادة الخامسة: يلتزم المحافظ المختص في البت في الطلب المُشار إليه في المادتين (3)، (4) من هذا القانون، وإصدار الموافقة والتراخيص المطلوبة بعد التأكد من استيفاء كل الشروط المتطلبة قانونًا في مُدة لا تجاوز أربعة أشهر من تاريخ تقديمه، وإخطار مقدم الطلب بكتاب مسجل موصى عليه بعلم الوصول بنتيجة فحص طلبه. وفي حالة رفض الطلب يجب أن يكون قرار الرفض مُسببًا.
المادة السادسة: يُحْظَرُ القيام بأي من الأعمال المشار إليها في المادتين (3) و (4) من هذا القانون، بعد الحصول على ترخيص في ذلك من الجهة الإدارية المختصة بشؤون التخطيط والتنظيم وفق أحكام قانون البناء الصادر بالقانون رقم 119 لسنة 2008 ولائحته التنفيذية، بما لا يتعارض مع أحكام هذا القانون، ويصدر الترخيص باسم الطائفة الدينية.
المادة السابعة: لا يجوز تغيير الغرض من الكنيسة المُرخصة أو مُلحق الكنيسة المُرَخَّص إلى أي غرض آخرَ، ولو توقفت إقامة الصلاة والشعائر الدينية بها، ويقع باطلًا كل تصرف يتم على خلاف ذلك.
المادة الثامنة: يتقدم المُمَثِّلُ القانوني للطائفة بطلبات مُرفقًا بها كشوف بحصر المباني المُشار إليها في المادتين (9، 10) من هذا القانون في سنة من تاريخ العمل به إلى لجنة يصدر بتشكيلها ونظام عملها قرار من رئيس مجلس الوزراء تضم في عضويتها الوزراء والجهات المختصة ومُمَثِّلُ الطائفة المعنية، وتتولى اللجنة دراسة أوضاع هذه المباني واقتراح الحلول اللازمة لتوفيق أوضاعها، ولا يجوز للجنة النظر في أي طلبات ترد بعد الميعاد المشار إليه في الفقرة الأولى من هذه المادة، وعلى اللجنة تقديم تقرير برأيها يُعْرَضُ على مجلس الوزراء لاتخاذ ما يراه بشأنها من إجراءات لتوفيق أوضاع هذه المباني وحسم أي خلاف بشأنها، ويجوز لمجلس الوزراء، متى كانت هناك ضرورة لذلك وفق ما تعرضه اللجنة، إصدار ما يلزم من قرارات في هذا الشأن، وفي سائر الأحوال لا يجوز منع أو وقف ممارسة الشعائر والأنشطة الدينية في أي من المباني المشار إليها أو ملحقاتها لأي سبب.
المادة التاسعة: يعتبر مرخصًا ككنيسة كل مبنى قائمًا في تاريخ العمل بأحكام هذا القانون تُقام به الشعائر الدينية المسيحية، بشرط ثبوت سلامته الإنشائية وفق تقرير من مهندس استشاري معتمد من نقابة المهندسين، وإقامته وفقًا للاشتراطات البنائية المعتمدة، والتزامه بالضوابط والقواعد التي تتطلبها شؤون الدفاع عن الدولة والقوانين المنظمة لأملاك الدولة العامة والخاصة، وصدر قرار من مجلس الوزراء بتوفيق أوضاعه وفق حكم المادة (8) من هذا القانون.
المادة العاشرة: يعتبر مُرخصًا كل مبنى يُستخدم مُلحقَ كنيسة أو مبنى خدمات أو بيت خُلوة قائم في تاريخ العمل بهذا القانون، متى كان مملوكًا أو تابعًا للطائفة وتوفرت فيه الشروط والضوابط المنصوص عليها في المادة (9) من هذا القانون، وصدر قرار من مجلس الوزراء بتوفيق أوضاعه وفق حكم المادة (8) من هذا القانون.١٠
قانون بناء الكنائس: اشتباك من قريب
من الناحية التاريخية، يقطع قانون بناء الكنائس المصري وترميمها (رقم 80 لسنة 2016) مع عدد من التشريعات والإجراءات المُنَظِّمَةِ التي حاول المُشَرِّعُ المصري والإدارات السياسية المتعاقبة تنظيم هذا الأمر، خاصة “الخط الهمايوني” وشروط “العزبي باشا” التي كانت تفرض قيودًا على بناء الكنائس، فضلًا عن القرارات الفوقية التي كانت تصدر عن رئاسة الجمهورية في عهد “جمال عبد الناصر”، و”أنور السادات”، و”محمد حسني مبارك”، حتى قيام ثورة 30 يونيو في 2013 وصدور الدستور الجديد، مما اقتضى أن يكون القانون تلبية دستورية لهذه المرحلة السياسية التي سعت في تأسيس عقد اجتماعي جديد.
مَثَّلَ القانون في معظم مواده تطورًا إجرائيًا مُهمًا، فقد نقل السلطة للمحافظين، الأمر الذي اختصر كثيرًا من الإجراءات وكَرَّسَ مفهوم اللا مركزية في هذا الشأن، خاصة فيما يرتبط بالعمل على تقنين أوضاع الكنائس القائمة، لا سيما في محافظات صعيد مصر.
ترتب على القانون وتوجيهات رئيس الجمهورية “عبد الفتاح السيسي” دعم الدولة للبناء في المدن الجديدة، إذ خَصَّصَت الدولة أراضٍ لبناء عدد من الكنائس في المدن الجديدة، وقد شهدت العاصمة الإدارية كاتدرائية ميلاد المسيح لتكونَ رمزًا لعهد جديد يُماثل الكاتدرائية المرقسية في العباسية، التي ارتبطت بثورة يوليو والرئيس “عبد الناصر” والبابا “كيرلس السادس”.
غير أنَّ ذلك لا يمنع وجود بعض الثغرات في القانون، مثل اشتراط ربط المساحة بعدد المسيحيين وضرورة التناسب فيما بينهما، الأمر الذي يترك هذه النقطة لسلطة تقديرية، فضلًا عن تحديات التطبيق العملي لمواد القانون ومدى المرونة في تنفيذ أحكامه، خاصة في المدن داخل بعض المحافظات الدالة، مثل: المنيا وأسيوط بصعيد مصر.
ربما من المُهم أيضًا الإشارة إلى أن القانون لفت إلى أهمية تقنين أوضاع الكنائس مع شروط السلامة المهنية وإجراءات الدفاع المدني، خاصة وأن عديدًا من الكنائس كانت في البدء عبارة عن منازل طُوِّرَت معماريًا لتكون كنيسة، مما يستلزم مراجعة اعتبارات السلامة والأمان.
يستقر رأي عدد من الخبراء على أن القانون في صورته الحالية ينبغي أن يعمل على تقويض الأزمات الطائفية وحوادث العنف والاحتكاك بين المواطنين على خلفية بناء دور العبادة. وربما يدفع ذلك نحو ضرورة التفكير في إصدار تشريع مُتمم لقانون بناء دور العبادة يُجَرِّمُ الاعتداء على دور العبادة، بعيدًا عن مواد القانون العام الذي لا يتم اللجوء إليه غالبًا على خلفية توظيف الجلسات العُرْفية والصلح المجتمعي لإنهاء مثل هذه الأزمات، بعيدًا عن القانون العام والعقوبات المفروضة في نصوصه.
إذاً، يُمَثِّلُ القانون رقم 80 لسنة 2016 خطوة نوعية ودالة نحو الإقرار بحق المواطنة للمصريين المسيحيين عمومًا، والأقباط الأرثوذكس خاصة، حتى مع بعض الثغرات الطفيفة في بعض المواد وآليات التنفيذ، واستدامة الإيجابية في التعامل مع الطلبات، خاصة ما يرتبط بتجديد الكنائس القديمة أو التوسع في بعضها أو إنشاء الجديد منها.
خاتمة:
إذا كان صدور القانون في تلك اللحظة من عمر الدولة المصرية، في نسختها بعد الثلاثين من يونيو، دالًّا وكاشفًا عن لحظة استثنائية في مسار قضايا الأقباط والكنيسة المصرية، خاصة الأرثوذكسية، فإن ذلك يتجلى عبر مجموعة من الملاحظات:
إن ثمة إرادة حقيقية في تأويل بعض قضايا وإشكاليات الأقباط والكنيسة على نحو يُفضي إلى حل يدفع بالأزمة بعيدًا عن أي انفجار مجتمعي، أو غضب قبطي واسع، أو استغلال لأي حشود من أي جهة في تلك اللحظة.
إن كل ما جرى في تلك الأثناء خلال حبرية “البابا تواضروس” كان يُسهمُ إسهامًا كبيرًا، حتى وإن كان بصورة غير مباشرة، في دعم البابا الجديد مقابل التيار القديم، وأن يكون قانون بناء الكنائس وترميمها، وبعض الإجراءات الخاصة بقضايا الأحوال الشخصية، بمنزلة تدعيم لسلطته في هذا الظرف الاستثنائي.
كما أن تلك اللحظة لم تكن معزولة عن الرغبة في إعادة صياغة العلاقة بين الكنيسة والدولة على أسس جديدة، تتجاوز إرث التوتر التاريخي الذي تراكم في العقود السابقة، خاصة في ظل حكم جماعة الإخوان المسلمين وما سبقه من أزمات طائفية وأحداث عنف متفرقة. فقد بدا واضحًا أن الدولة المصرية كانت معنية بإرسال رسائل طمأنة للأقباط، وتأكيد حضورهم الوطني المتكافئ، وإشراك الكنيسة في مشروع الدولة الحديثة بوصفها شريكًا معنويًا واجتماعيًا يُسهم في تعزيز الاستقرار وإدارة التنوع الديني في إطار الهُوية المصرية الجامعة.
وقد انعكس هذا التوجه في سلسلة خُطوات رمزية وإجرائية، منها إصدار قانون بناء الكنائس وترميمها بوصفه خُطوة طال انتظارها لعقود، فضلًا عن اهتمام القيادة السياسية بالوجود العلني في المناسبات القبطية الكبرى وإبداء قدر عالٍ من الاحتفاء والتقدير للرموز الدينية المسيحية، بما أسهم في استعادة الثقة بين شريحة واسعة من الأقباط ومؤسسات الدولة، وفي إضعاف الخطابات التي طالما وَظَّفَت مظالم الأقباط لتكون ورقةَ ضغطٍ أو وسيلةً للتحريض الخارجي.
__________________________________
المراجع:
- الهيئة العامة للاستعلامات، الجمهورية الجديدة ترسخ مبادئ المواطنة والمساواة وعدم التمييز، السبت 5 يناير 2023.
الرابط: https://2u.pw/ZgxWYZm
- نص الدستور المصري، موقع برلماني، 21 يناير 2016.
- محمد حسنين هيكل: خريف الغضب، شركة المطبوعات، بيروت، ١٩٨٥، ط ١١، ص 355.
*كلمة همايون في التركية العثمانية تعني سلطاني أو إمبراطوري. إذا الخط الهمايوني يعني المرسوم السلطاني أو الأمر العالي.
- هاني لبيب: الكنيسة المصرية: توازنات الدين والدولة، نهضة مصر، القاهرة، 2012، ص 194.
- طارق البشري: المسلمون والأقباط في إطار الجماعة الوطنية، دار الشروق، القاهرة، 2004، ص 495.
- المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، التشريعات المنظمة لبناء وترميم الكنائس في مصر: نظرة تاريخية نقدية.
الرابط: https://2u.pw/xARD8EMo
- محمد حسنين هيكل: مرجع سابق، ص 358.
- منة عمر، قانون بناء وترميم الكنائس في مصر: تقنين التمييز والطائفية، موقع المفكرة القانونية، كانون الأول/ ديسمبر 2016.
- نفس المرجع السابق.
- قانون بناء الكنائس، الجريدة الرسمية، 30 آب/ أغسطس 2016.
الرابط: https://2u.pw/6glac