الكهنوت الديني وديمومة التخلف

  • كيف تحصن الثقافة نفسها؟

في جزء كبير من ثقافتنا ترسو العديد من حصون التخلف، تلك الحصون أو لنقل الجدران الفكرية هي من تمنح الثقافة مناعتها، وتسمح لها بالاستمرار قدر الإمكان، وربما هذه هي وظيفتها التي خلقت أو صنعت من أجلها. المشكلة ليست في هذه الحصون، فهي في نهاية المطاف تعبير ذكي من الثقافة وحراسها وسدنتها على أن الأولوية بالنسبة إليهم على مدار التاريخ هو البقاء أكثر فأكثر جاثمين على عقول الناس وقلوبهم، وحتى من يريد أن يجرؤ على اقتحام الحمى، فيكفي أن تسمع اسم الحصون كي تعترف ذاتيا بصعوبة الأمر، وخطورة المحاولة، فالحصن يدل دوما على هذه المناعة التي تجعل من عملية الاختراق أمرا غير ممكن، أو على الأقل غير متاح بالصورة التي يعتقد البعض بسهولتها. هنا مستوى آخر تقوم به الثقافة على مدار تاريخ طويل من التلبيس والتغليط والتخويف، وهي لا تقوم به بشكل آلي، بل هناك جيش من الحرس القديم من يحمي الحصون، ويقف على أبوابها شاهرا سيفه ولسانه وكل ما أوتي من قوة لإيقاف أي حركة تهدف إلى الاقتراب من الحمى، بله أن يتجرأ الفرد أو الجماعة ويخوض حربا ضد الأفكار والثقافة والمعارف التي تلتبس بالمعرفة والعلم والحقيقة. هذه حقيقة الكهنوت الديني، وهذه صورة الكهنة عبر التاريخ، هم أكبر من بشر، أو رجال دين، أو علماء يحملون حقائقهم في عقولهم. إنهم أباطيل تمشي على الأرض كما كان يصفهم رشاد سلام، وكما كتب عنهم في كتابه المشهور كهنة في كل العصور أباطيل تمشي على الأرض.

وإذا كانت الثقافة تتوسل بالكهنة باعتبارهم سدنتها وخدام مصالحها، فإن الفكرة التي ينطلقون منها تبدو فكرة بسيطة في شكلها، ولكنها خطيرة في أبعادها وامتداداتها. وكي نفهم الأمر بشكل جيد لنعد إلى ما كتبه رشاد سلام[1]. معنى ذلك أن الكاهن ابن بيئته شأنه شأن أي إنسان يحيى وسط مجتمع، ويتطبع بطباعه، ويتأثر بسلوكياته. وهنا تكمن خطورة الكاهن فهذا الاندماج، وهذه المعرفة التامة والمسبقة تمنح الكاهن وخادم الثقافة والمعبد معرفة بالبيئة التي ينتمي إليها، ومستحضرا كل الأبعاد التي من شأنها أن تخضع له رقاب هؤلاء، ومن بين الأشياء التي يقرؤها الكاهن وربما يتفوق فيها على غيره من الناس هو معرفته الدقيقة بنقاط الضعف التي يعاني منها المجتمع، أو نقاط القوة التي يتميز بها. وهذه هي قوته وخطورته في الآن ذاته، إنسان عادي، ولكنه ممسك بدواليب الحركة داخل المجتمع، كما يمسك بخيوط اللعبة، ويتقن تحريك عناصرها بكل خبث ودهاء. وقد ضرب لنا رشاد سلام بعض الأمثلة التوضيحية على هذا النوع من التفكير. فمثلا إذا كانت نقطة ضعف الإنسان في واقع معين هي الحاجة أو العوز، أو الفقر، فوظيفة الكاهن هنا هو تحريضه على التمرّد، والاحتجاج، وإنْ كانت نقطة ضعفه في واقع آخر، هي الرّغبة في التسيّد واستعباد الآخر، فإنّ وظيفة الكاهن هنا هي الدّعوة إلى الإغارة صبحاً، والوعد بالسّبايا، والمغانم. هكذا هم الكهّان، وهكذا هي وظيفتهم في كلّ زمان ومكان.

هذه بعض الأمثلة التوضيحية التي ساقها رشاد سلام وأراد من خلالها أن يبين بأن الكاهن دائما يسعى إلى اختراق المجموعات الصغيرة التي تعيش على هامش المجتمع، وهو بذلك يمارس هنا لعبته المفضلة وهي سهولة الاستقطاب والاستغلال. لأنه يعلم يقينا بأن المجموعات البشرية التي تعيش في مراكز المجتمع لا تحتاج أصلا إلى كهنة، وإذا احتاجتهم فلن تعدو أن تكون تلك الحاجة مجرد وسيلة لتلبية بعض الرغبات النفسية. أما المجموعات البشرية الهامشية فذلك مطمح الكهنة، وهدفهم المباشر، لأن العوز والحاجة التي يعيشونها تجعل منهم هدفا آمنا يعبث به كل كاهن، يريد أن يحقق رغباته ومصالحه على حساب المستضعفين في الأرض. هكذا يفكر الكاهن فهو شخص براغماتي إلى أبعد الحدود بحيث تغلب المصلحة على تفكيره، ويصبح كل شيء مباح في عرفه.  هنا يصبح الكاهن يؤدي وظيفة المؤدلج أو الإيديولوجيا. وحينما نتحدث عن الإيديولوجيا فإننا نتحدث عنها باعتبارها وعيا زائفا، هذا الوعي حسب ديفيد هوكس[2] ينشأ من خلل في التوازن بين علاقة ثلاثية الأطراف. الأولى هي الذات: وهي مجال الأفكار. الثانية هي الموضوع: وهو عالم الأشياء المادية والواقعية. والثالثة هي وسائط التمثيل التي تتوسط بين هذين القطبين. بمعنى أدق فحينما نقول عن خطاب ما بأنه زائف فهذا يعني أننا نقصد بأنه أساء فهم العلاقات بين الأجزاء الثلاثة لهذا الكل. هذا التقليد له امتداده في الفلسفة اليونانية القديمة، حيث شبه أفلاطون صاحب نظرية أسطورة الكهف، بأن الطريقة التي يدرك بها الكائن البشري العالم تشبه إلى حد بعيد رؤية سجناء تم تقييدهم من الأعناق في كهف منذ الطفولة، ووراءهم نار مشتعلة، وأمامهم جدار بينهم وبين النار. هؤلاء السجناء لم يكونوا قادرين على رؤية الظلال الملقاة على الجدار، فكانوا يعتقدون بأن هذه الظلال أشياء حقيقية وأن أصوات البشر منبعثة من الظلال، وأي سجين تمكن من الهرب وأراد أن يحكي لزملائه حقيقة الأشياء فسيعامل بوصفه مجنونا شريرا من قاطني الكهف. والفكرة التي يريد تمريرها أفلاطون من خلال هذه القصة هي أن العالم المرئي يتألف من ظلال لا سبيل للإدراك الإنساني المعتاد إلى بلوغها.

إذن الكاهن يمارس وعيا زائفا من أساسه وهي وظيفة الإيديولوجيا، ولكي نفهم بشكل أيسر طبيعة الإيديولوجيا والمهام التي قد تؤديها في الحياة الاجتماعية والفكرية والثقافية للكاهن يمكننا أن نعرج قليلا عما تحدث عنه داريوش شايغان عن الإيديولوجيا. لكن قبل ذلك أود الإشارة إلى مقدمة وضعها هنري ديفيد أيكن[3] في كتابه عصر الإيديولوجية تبدو لي بأنها مهمة لفهم سياق هذا المفهوم. يقول هذا المؤلف الأمريكي بأن فترة الفلسفة الحديثة الواقعة بين إمانويل كانت وبين إرنست ماخ تميزت بإحياء الميتافزيقا التي أجهزت عليها الفلسفة المادية مع ديفيد هيوم وظهرت من جديد في المثالية المطلقة لدى فشته وهيجل، وفي المذهب الطبيعي التطوري مع هربرت سبنسر واستقرت ربما في المادية الديالكتية عند كارل ماركس. كذلك كان عصر الأيديولوجية فترةً بلغت فيها فلسفة التاريخ بوصفها امتدادا للفكر الميتافزيقي أقصى مراحل الازدهار.

هذه مقدمة نلج من خلالها إلى موضوعنا الرئيسي ما الإيديولوجيا عند داريوش شايغان؟

يمكن الإجابة عن هذا السؤال من خلال النقاط التالية:

  • تؤدي الإيديولوجيا اليوم ما كانت تقوم به الميثولوجيات القديمة
  • ترضي الروح الجماعية لمعتنقيها برؤيتها لمجتمع منغلق
  • تزعم أنها علمية ومطابقة للواقع
  • تتوفر على شحنة انفعالية كبيرة تقربها من العاطفة الدينية
  • تتوفر على جهاز عقلي منطقي يعطيها مظهرا فلسفيا وعلميا
  • تسلم بمقدماتها على أنها حقائق غير قابلة للتكذيب

إذا كانت هذه هي توصيفاتها ومميزاتها بشكل واضح فهل يمكن أن نعتبرها علما؟، هذا يجرنا إلى أن نعرف أولا العلم بالشيء المطابق للواقع والمؤسس على الملاحظة والتجربة، فهذا يجعل الإيديولوجيا بعيدة كل البعد عن كل ما هو علمي، على اعتبار أن الإيديولوجيا لا تكلف نفسها عناء وضع الأشياء التي تقر بها أو تجمع عليها الناس محل تجربة أو إثبات. كذلك إذا لم تكن الإيديولوجيا علما فهل يمكن أن تكون فلسفة؟ للجواب أيضا عن هذا السؤال لا بد من إيضاح أن الفلسفة هي تساؤل عن مسألة وجودية وعن وضعية الإنسان ومكانته، بمعنى أن أسئلة الفلسفة هي أسئلة مفتوحة وليست نهائية في حين أن الإيديولوجيا نسق مغلق ومقفل على نفسه، بحيث يصعب اختراقه أو المساس به. كما أن الإيديولوجيا ليست فكرا جدليا فهي تكتفي من المنطق فقط بتماسك الأفكار المسبقة وما تفرزه من نتائج. وقد تنبهت لهذا الأمر حنة آرندت حيث تقول بأن الإيديولوجيا تعني حرفيا ما يعنيه اسمها فهي منطق فكرة ما…فهي تعالج تسلسل وقائع كما لو كان يخضع للقانون نفسه الذي تخضع له طريقتها هي في عرض الأفكار[4]. لناخذ الأمثلة التوضيحية التالية:

إذا كانت الإيديولوجيا مثلا تقول بأن الجنس الأرقى هو وحده الذي يجب أن يستمر، وبأن الطبقة التي يجب أن تسود هي التي حملتها الطبيعة تلك المهمة التاريخية، وبأن الحقيقة الكاملة هي ما تضمنته الكتب المقدسة. فإن نتيجة هذه المقدمات الإيديولوجية ستكون كارثية لا محالة، حيث تزول من الوجود الأجناس العاجزة والدونية، وتضمحل وتختفي الطبقات المتخلفة، ويباد في الحالة الثالثة الكفار المنكرين للكتب المقدسة.

لنعد إلى طرح السؤال من جديد إذا لم تكن الإيديولوجيا علما ولا فلسفة فهل يمكن أن تكون دينا؟ أيضا لا يمكن اعتبارها دينا لأنها تنفي كل تعالٍ وكل وحي. وهنا يمكن أن نقول بأن الإيديولوجيا هي وليدة الأنوار وهي تلبي حاجيات الإنسان المتمثلة في: الحاجة إلى الاعتقاد، والحاجة إلى تبرير هذه المعتقدات. وهذا يجرنا إلى الحديث عنها باعتبارها وعيا زائفا.

هناك تعريف ل غابل يقول فيه بأن الإيديولوجيا هي منظومة أفكار مرتبطة اجتماعيا بمجموعة اقتصادية أو عرقية أو غيرهما، تعبر من دون أن يكون العكس صحيحا عن المصالح الواعية بهذا القدر أو ذاك لهذه المجموعة على شكل نزعة مضادة للتاريخ ورافضة للتغيير ومفككة للكليات. إنها تشكل إذن التبلور النظري لشكل من أشكال الوعي الزائف. وهذا يفضي بنا حسب هذا التعريف إلى مجموعة من النتائج نجملها فيما يلي:

  • هناك تصور للتاريخ تلعب فيه المماهاة دورا أساسيا،
  • تفسير التاريخ على أنه تجسيد لمؤامرة فوق تاريخية
  • المماهاة تتناقض مع الفكر الجدلي
  • بفعل نزوعها نحو فكرة المماهاة تشبه الإيديولوجيا الفكر الأسطوري
  • الإيديولوجيا تعبر عن نفسها بطرق ملتوية تخلق وعيا زائفا أي وعيا فصاميا متمركزا حول الذات ومنقطعا عن الواقع التاريخي.
  • الإيديولوجيا فكر منغلق على ذاته ودوغمائي مستعص على التجربة.

وفي الختام يمكننا أن نخلص إلى النتائج التالية:

  • الإيديولوجيا ثنائية النزعة إذا ما قارناها ببنى الفكر التقليدي
  • الإيديولوجيا لا تظهر إلا في عالم انهارت دساتيره الثقافية وتظهر فيه الموجودات العاكسة للوجود وكأنها مرايا مهشمة.
  • الإيديولوجيا فكر مشحون بالعاطفة مهما اختفى وراء العقلنة
  • سيكولوجية الكاهن:

الإنسان كائن معقد ومركب ومتعدد الأبعاد، وعبثا نحاول أن نتعامل معه بشكل اختزالي. لهذا كان لزاما أن يكون بحثنا ونحن نقارب الكهنوت الديني أن نستحضر بعض الأبعاد الغائبة أو المخفية، ومن بينها البعد النفسي في الكاهن، وهو بعد يعطينا انطباعا بأن ما يحرك الإنسان أو الكاهن ليس بالضرورة دوما الجانب الاقتصادي على أهميته، وإنما أيضا هو التعبيرات النفسية التي تتضمنها سلوكياته وأقواله وأخلاقه. ولنبحث عن ذلك في بعض التصورات الكهنوتية القديمة. فعلى مر التاريخ كان الكهنة يتقاضون أجورا عالية لأنهم يساعدون المتعبد على أداء طقوسه بالشكل المتعارف عليه. وبالتالي فهي خدمة مؤداة عنها، وقد عرفت كل الحضارات هذا الجانب المؤثر في الحياة الإنسانية، خاصة الحضارة المصرية القديمة وتاريخ الهند ثم الحضارة الغربية. وقد تعددت أشكال الكهانة في هذه الحضارات. ففي عقيدة الفيدا الهندية تلقى روح الميت بعد الموت إما عذابا أو نعيما، أما حضارة المايا فما زالت هناك بقايا معابد الشمس على الهضاب. المشكلة ليست في هذه الطقوس ولا في هذه العقائد، ولكن المشكلة الحقيقية هي أن هناك دماء قد أريقت شرقا وغربا، ومن حضارات مختلفة إيمانا بطقوس روج لها الكهنة من مختلف الأزمنة وألبسوها ثوب المقدس، فكان مصير من يعارضها الموت حتى حدود عالمنا المعاصر. هل الكاهن إنسان سوي؟ بكل تأكيد كما أشار رشاد سلام هو إنسان مريض بمعاداة الناس وحب السيطرة عليهم، كما هو مستعد للكذب عليهم والترويج لكل ما يغالطهم مقابل أن يبقى على رأس الهرم يتحكم في رقابهم ومصائرهم ومآلاتهم. وهكذا فالكهانة ليست مجرد وظيفة كما قلنا سابقا، بل هي جرثومة متعفنة قادرة على نشر سمومها بين الناس، إذا لم تكن لهم المناعة الكافية لمواجهتها، أو تشخيص أعراضها أو الرغبة في التخلص من تداعياتها. والتاريخ يشهد على أن هذه الجرثومة قد أدارت مؤسسات أنتجت طرحا مغاليا في الدين وفي الثقافة وفي الفكر، والناظر في كل الثقافات سيجد هذا البعد النفسي الفصامي في شخصية الكهنوت الديني حاضرا بشكل قوي، لهذا ظل الناس يتعبدون ويقومون بطقوس مختلفة، دون أن يقدروا على طرح السؤال. فالمصريون القدامى استمروا في عبادة أمون وراع وحورس لمده 3000 سنة، والبابليون عبدوا عشتار ومردوخ، والهنود ذبحوا قرابين لآلهتهم. لكن لا أحد استطاع أن يسأل السؤال الأخطر. كيف يستطيع الكهنوت الديني أن يمسح ذاكرة البشر ويضع فيها المعتقدات التي شاء وكيفما شاء؟ [5]

هنا يمكننا أن نستعين قليلا بما كتبه مصطفى حجازي[6] عن الإنسان المهدور، وكيف تحول العصبيات والأصوليات والاستبداد بمستوياته المختلفة الإنسان إلى طاقة مهدورة لا طائل منه، وإلى آلة لإنتاج الفراغ والخواء. قد يبدو أن هذا الهدر يأتي يشكل تلقائي، أو برغبة من الشخص المعني، غير أن هذا العمل الكهنوتي عمل ممنهج ويخضع لآليات دقيقة تهدف لإفراغ الإنسان من محتواه، ليصل في الأخير إلى إنسان مقهور أو إنسان مهدور. ولعل أهم الآليات المستعملة هنا في هذا الصدد نجد:

  • القبول المشروط والهدر

تعتمد العصبيات على مجموعة من الأساليب الغاية منها الهدر الإنساني، الذي تمارسه على أفرادها وجماعتها، ومفاد هذه الاستراتيجية هو أنها تضع الفرد أمام الرعاية والحماية والحظ من الغنيمة شريطة الرضوخ للعصبية والولاء لها، وحينما يخرج الفرد على هذا الشرط يجد نفسه خارج الاعتراف الرسمي للجماعة. بل يكون معرضا في الكثير من الأحيان إلى سياسة ممنهجة من الإقصاء والنبذ وضياع الحقوق. فهنا يتحول الفرد من خلال قبوله المشروط إلى أسير وسجين لدى الجماعة والطائفة والمذهب، ويصبح ممنوعا من التفكير خارج صندوق الجماعة ومصالحها ورؤيتها للحياة والكون والذات. كما أن هذا القبول المشروط يفرض على الفرد المنتمي إلى جماعة معينة أن يقوم بتمجيدها ومدحها في السر والعلن، والطاعة لأصحاب الشوكة والنفوذ فيها، وعدم انتقادهم أو توجيه اللوم لهم. مما يجعل الفرد يسقط عن وعي أو دونه في ثقافه التقديس، لأن كل نقد حسب الجماعة يعتبر إضعافا لها وتشكيكا في نواياها. وبالتالي يمنع منعا كليا على كل فرد ممارسة النقد أو الاقتراب منه، وإلا تم إقصاؤه وتهميشه.

  • ثقافة الولاء بدلا من ثقافة الإنجاز

إذا كان الهدر الإنساني يتم بمستويات مختلفة فإن القبول المشروط بثقافة الجماعة وسياستها يرسخ ثقافة الولاء للجماعة عند أعضائها. هذا الولاء وهذه التبعية للجماعة يسعى من خلالها الفرد إلى التقرب من الجماعة، ولكنه ينسى أو يتناسى أنه يضيع فرصة استرجاع ذاته، وسيعيش ما يمكن تسميته بالاستلاب الذاتي، وذلك بأن يصبح الثواب وتحقيق المصلحة رهينان بالولاء والتبعية، وليس بالإنجاز والأداء، وهذا هو الذي يجعل كل أفراد الجماعة يتنافسون فيما بينهم، ويوظفون كامل طاقتهم في إثبات تبعيتهم وولائهم للجماعة، على حساب ثقافة الإنجاز. ولو تمعن المرء قليلا لوجد بأن ثقافة الإنجاز هي التي تعطي للمرء مكانته الأصلية وهويته الذاتية، وكل تقدم وتطور في بنية المجتمع لا يراعي المنجز الإنساني فمآله الفشل والاندحار.

  • التبعية وأخلاق الطاعة

في بنية العصبيات تقوم علاقات السلطة على ما يسمى أخلاق الطاعة، وهو ما يدين به الأتباع نحو سلطة الجماعة. هذا النوع من الالتزام ينتفي فيه الفرد والمرجعية الذاتية، وتحل محلها سلطة الجماعة بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى. وهنا ينتفي النقد والتساؤل. بمعنى أن الإنسان لا يستطيع أن يفكر أو يقرر أو يختار أو يبادر انطلاقا من إرادته الذاتية. لأن اخلاق الطاعة تفرض عليه الانصياع والتقيد والرضوخ. بمعنى أن المرجعية الذاتية هنا تصبح حالة ثابتة وجامدة تسد كل أبواب الإبداع والفكر الحر، ويصبح كل خروج عن هذه الحالة خروجا عن الأصول وقواعد اللعبة الأصولية.

المراجع:

[1] – رشاد، سلام. كهنة في كل العصور أباطيل تمشي على الأرض. الانتشار العربي, ص:7.

[2] – دفيد، هوكس. الإيديولوجيا, ترجمة إبراهيم فتحي. المشروع القومي للترجمة، ص: 14 .

[3]– هنري، ديفيد إيكن. عصر الإيديولوجيا. ترجمة فؤاد زكريا. مؤسسة هنداوي, ط1، 2022،ص: 17.

[4] – داريوش شايغان. ما الثورة الدينية؟ الحضارات التقليدية في مواجهة الحداثة. ترجمة محمد الرحموني. دار الساقي،ط1، 2004،ص: 217.

[5] -رشاد، سلام, المرجع السابق, ص: 17.

[6] – حجازي، مصطفى. الإنسان المهدور دراسة تحليلية نفسية اجتماعية. المركز الثقافي العربي.ط1، 2005، ص: 53.

    اقرأ ايضا

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete