تكوين
تقديم: عن اللحظات الأولى للحضارة الحديثة:
أعتقدُ أن عصر الأنوار الغربي الحديث ابتدأ بـ “رينيه ديكارت” وانتهي بـ “فردريك نيتشه“[1]. أو يمكنني القول بلغة أخرى: إذا أردتُ التأشير على نقطتين مركزيتين في الحضارة الغربية فإني أضع كل من “رينيه ديكارت” و”فردريك نيتشه” في مركز تلك النقطتين[2]. ما قبل ديكارت تحضيرات عميقة وطويلة[3] لما وصل إليه ديكارت وسطَّره في منهاجه الفلسفي، وما بعد نيتشه تنويعات معرفية مختلفة ومتعددة، على الأفكار الكبرى التي وضعت خُطوطها الرئيسية على مدار الأربعة قرون الماضية[4].
وأعتقد، مرة أخرى، أن الميزة الكبرى للعصر (الديكارتي – النيتشوي) بامتداداته الزمانية الطويلة، أنه عصر أعاد إنتاج ثُلاثية: 1- الإله. 2- الإنسان. 3- العالَم، ومنحها مفاهيميات جديدة غير تلك التي كانت قد قرَّت وتثبتَّت في عقول الناس لقرون طويلة، وهو ما انعكس على رؤية الإنسان الغربي للوجود كاملاً، من صُغرياته إلى كُبرياته، أو من الإلكترون إلى الإله. فخلال هذه الفترة المفصلية من تاريخ البشرية تكثفت قدرة العقل على تجديد نفسه وتطوير آلياته، وهو ما جعله يُقدِم على خطوات جريئة ومصيرية في تمثلاته المعرفية، ما أوصله إلى الوحدات الأساسية التي يقوم عليها معمار الوجود كاملاً. بمعنى أنه توصَّل، عبر عملية بحث وتقصٍ طويلة ومعقدة وشاملة، إلى الأساسات أو المونادات أو الوحدات الصغيرة التي يمكن أن تُغيِّر كل شيء دفعة واحدة، أو تلك الجواهر التي تُفسِّر كل الظواهر في الوجود. وقد كان لهذا العقل أن يُعيد مَفْهَمَة مصطلحات: 1- الإله. و2- الإنسان. و3- العالَم، بما هي الجواهر التي تقوم وتستند على أركانها كل العوارض والإحداثيات في الوجود، من أصغر الأشياء إلى أكبرها، أو من الإلكترون إلى الإله كما أسلفت. وبناء على إعادة إنتاج هذه المصطلحات التأسيسية، عبر منحها مفاهيميات جديدة، تغيرت رؤية الإنسان الغربي لوجوده وتعالقاته في هذا الوجود بإزاء الأفكار والأشخاص والأشياء، ما حدا به إلى إنتاج مجموعة من الأدوات التي تبلور رؤيته الجديدة، ابتداءً من الكشوفات الجغرافية، على سبيل المثال، وصولاً إلى الذكاء الاصطناعي والأسلحة النووية، مرورا باختراع المطبعة وموجات الراديو وصناعة السينما والكشوفات الطبية وصناعة السيارات وتطوير الأدوات الزراعية…إلخ.
وعليه، فقد أحدث التبدُّل الكبير، تغيُّراً في مفهوم الكودات أو الخوارزميات الداخلية الأصلية التي يمكن أن يُبنى عليها كل في الخارج، ما جعل من اللحظات الأولى لتلك الحضارة على درجة عالية من الأهمية القصوى في مسيرة العقل البشري ومواضعاته في الوجود. فمما لا شك فيه أنّ اللحظات الأولى للحضارة الحديثة كانت لحظات فارقة في تطوُّر العقل البشري عموماً، والغربي خصوصاً، إلى حدٍّ أثَّر معه هذا التطوُّر على جميع مناحي الحياة: النفسية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعسكرية والثقافية والدينية…إلخ. فلقد “أقام أبناء أوروبا الغربية، في الفترة الواقعة بين مطلع القرن الثاني عشر ونهاية القرن الثالث عشر حضارة كانت إلى حد بعيد شاملة ومتسعة[5]. وهو ما أثَّر على البشرية جمعاء، إن لم يكن عاجلاً فآجلاً[6]. أي أنَّ المُنجز العقلي الذي أعاد النظر، بشكلٍ جوهري وحاسم، في ثلاثية: 1- الإله. و2- الإنسان. و3- العالَم، بدأ ينعكس، لا سيما بعد أن تمظهر على هيئة تطبيقات عملية في الاجتماع البشري. وهو ما أثرى، بدوره، البشرية بمنتجات وابتكارات واكتشافات مذهلة، نقلته نقلات كبيرة وعظيمة على المستويين الزماني والمكاني، وهو ما زال الأمر مستمراً حتَّى اللحظة، لكن في العقود الأخيرة من القرن العشرين وبدايات الألفية الجديدة، أخذ الأمر منحى آخر، تحاول هذه المقالة الاجتهاد في التأشير عليه، أو بالأحرى على لحظاته الأخيرة، نظراً لأهميته البالغة ليس على الجنس البشري فحسب، بل وعلى عالمنا الذي نعيش فيه أيضاً[7].
عن اللحظات الأخيرة للحضارة الحديثة:
تنطوي جُملة (اللحظات الأخيرة) في العنوان الفرعي أعلاه (عن اللحظات الأخيرة في حضارتنا البشرية) على معنى مزدوج ضمن السياق الذي تشتغل عليه هذه المقالة.
- المعنى الأول: متعلق بالسياق الزمني لآخر اللحظات التي وصلت إليها هذه الحضارة، فشيء طبيعي أن تكون الآن هي اللحظة الأخيرة في سلسلة لحظات هذه الحضارة، على أن تكون اللحظة القادمة هي اللحظة التالية في الترتيب الزمني من ثمَّ. فالحضارة ضمن نسقيتها العُمرية، هي سلسلة من اللحظات المُتلاحقة، آخرها هي اللحظة القائمة في الزمن الآن.
- والمعنى الثاني الذي يمكن أن يُؤشر إليه العنوان أعلاه، مُتعلق باللحظة الأخيرة لهذه الحضارة، أي بما لحظة تُؤشر على موت هذه الحضارة، أو تنبئ بأنها في طريقها إلى الموت. فأي حضارة تبدأ من نقطة ما في مسيرتها إلى أن تستنفد أغراضها، فتبدأ بالتقهقر والانهيار والتفكُّك والموت بالتالي. وهذا درس من دروس التاريخ الكبيرة التي يمكن أن يطلّع عليها المرء[8]، كما حدث للحضارة الكنعانية أو الفرعونية أو حضارة ما بين النهرين أو الحضارة اليونانية أو الرومانية أو الإسلامية، وضرورة سيحدث للحضارة الحديثة، فهي تخضع في الأخير لوعي بشري لا يمكن له أن يُقيم أي معمار أو يُولِّد أي منظومة أو يُخلِّق أي شيء، دون أن ينطوي هذا المعمار أو المنظومة أو الشيء على أسباب موته في كودات Codes ولادته أو تخليقه أو بناءه، فالوعي البشري، سواء تجسّد في فرد أم في مجتمع أم في أمة أم في حضارة، محكوم أصلاً بمتلازمة: (الولادة/ الموت)، ولا يمكن له، حتى يتمكن من إحداث إزاحة أنطولوجية في جيناته ومنظومته البيولوجية ويتحوَّل إلى كائن أبدي من ثمَّ، إلا أن يخضع في تمظهراته إلى هذا الشرط التأسيسي، فطالما ولد إذن سيموت.
بإزاء هاتين اللحظتين، أي منهما تنطبق أكثر على الحضارة الحديثة؟
كلاهما! فاللحظة الأولى، تنطبق على الحضارة من الناحيتين الواقعية والمنطقية. أي أنها لحظة لا تتعارض مع السياقين الزماني والمعرفي للنسق الحضاري الحديث؛ فالتدرُّج الزماني لتسلسل اللحظات لنسقٍ حضاري يجعل من اللحظة الآنية هي اللحظة الأخيرة لهذه الحضارة، والتدرُّج المعرفي يجعل من سؤال: هل ينطوي النسق الحضاري على لحظة أخيرة في تدرُّجه الزماني، سؤالاً مشروعاً على مستوى البناء المنطقي للأشياء، فهو سؤال لا ينطوي على أي تشوّه أو خلل في بنائه المنطقي. وهذه اللحظة تنطبق تماماً على الحضارة الحديثة، كما تنطبق على أي حضارة أخرى، أو حتى على أي سياق آخر يتدرج في الزمن أو بالأحرى يُولد في الزمن.
أما اللحظة الثانية فهي لحظة عقلانية، لكن هناك شك في كونها لحظة واقعية، أي أن العقل يمكن أن يُؤطِّر طبيعة العلاقة داخل الحضارة بما هي بنية داخلية أو معمار داخلي، لهذا المعمار بداية وحتماً ستكون له نهاية. فالعقل يسأل: هل يمكن أن تنطوي الحضارة الحديثة على لحظة أخيرة في مسيرتها، وتموت بعدها؟ يُجيب: نعم تنطوي على لحظة أخيرة، بناء على استقراء لكل الأنساق الحضارية السابقة، لناحية العوامل المُنشئة لتلك الحضارات والعوامل المُميتة لها. لكن في كون أن هذه اللحظة، التي تعيشها الآن، هي اللحظة الأخيرة في هذه الحضارة، وأن ما بعدها هو تقهقر وموت لهذه الحضارة، فهو أمر مشكوك فيه على المستوى الواقعي، لأن النسق الحضاري، عادة، يكون على درجة عالية من التعقيد، لذا من الصعب إطلاق حُكم على هذه اللحظة الحاسمة والمصيرية، دون تبصُّر عميق للنسق الحضاري ككل. وبجميع الأحوال، حتى في حال حدث وتبصَّر المرء النسق الحضاري، فإن إطلاق حُكم على هذه اللحظة يبقى حُكما تقريبياً، وليس حُكماً قاطعاً، نظراً للطبيعة المعقدة للنسق الحضاري من جهة، ونظراً لطبيعة العمل المعرفي الذي يرفض أحكام القيمة النهائية من جهة ثانية.
وعليه، فاللحظتان السابقتان تنطبقان على الحضارة الحديثة بدرجة متفاوتة، وأنا أريد في هذا المقام أن أركّز على اللحظة الأخيرة من لحظات هذه الحضارة بما يُؤشر على معناها الأول صراحة، وضمناً على معناها الثاني.
ماهية اللحظة الأخيرة في الحضارة الحديثة:
أحد أبرز مظاهر حضارتنا الحديثة، هي الابتكارات والاكتشافات العلمية التي غيّرت طبيعة الحياة البشرية، ونقلتها إلى آفاق لم تكن تحلم بها من قبل، وعلى مختلف المجالات المرتبطة بحياة الناس، نفسياً واجتماعياً وطبياً وبيئياً واقتصادياً وعسكرياً وسياسياً ودينياً…إلخ. وإذا كان الإنسان لديه بعض الوقت، فيما مضى، لكي يفهم ما الذي حدث ولماذا حدث وكيف حدث، إن أراد ذلك، وإمكانية الاستفادة من هذا الذي حدث في الواقع العملي؛ فإنّ هذا الوقت لم يعد مُتاحاً الآن بالقدر الكافي، نظراً لضخامة المُنتجات وكثرتها وسرعة انتشارها. وإذا شئنا تأطيراً أكثر منهجية لسياق اللحظة الأخيرة في حضارتنا الحديثة، فإني سأؤشر على ملمحين رئيسيين من ملامح ما قبل اللحظة الأخيرة، بصفتها لحظة دالة ومُرشدة لما بعدها، أي للحظة الأخيرة:
الملمح الأول: قدرة العقل على استيعاب هذا التدفُّق العلمي، رغم تسارعه الكبير، فما بين اكتشاف وآخر أو اختراع وآخر، كان ثمة وقت، كان بمقدور المرء أن يستثمره في استيعاب هذا الاكتشاف أو الاختراع، وتخزين إحداثياته في العقل، بانتظار معاينة تمظهراته في الواقع المعيش. فالتسارع بين اكتشاف وآخر أو بين اختراع وآخر كان تسارعاً معقولاً ومنتظماً، ولا يخضع لطفرات مُنهكة لقدرات العقل وقوة مُحركاته.
الملمح الثاني: قدرة الإنسان على الاختيار بين الاستخدام لهذا الاكتشاف أو الاختراع، من عدمه. فثمة أناس استخدموا الراديو في حياتهم وآخرين لم يستخدموه، فالأمر كان منوطاً بقرار الفرد في استخدام الشيء من عدمه، وهو ما أبقى على حُرية الاختيار فاعلة، إلى حدٍّ كبير في هذا المجال، في الاجتماع البشري.
أما اللحظة الأخيرة من الحضارة الحديثة، فهي لحظة تنطوي، كما أقدِّر، على أربع ركائز أساسية، تُجمل كينونتها أو ماهيتها في نسق واحد، وهذه الركائز الأربع هي:
الركيزة الأولى: مُتعلقة بالتدفُّق الهائل للمعلومات وتطبيقاتها في الواقع المعيش، وعدم قدرة العقل على استيعاب هذا التدفق، بحيث يتحوّل إلى جزء من سيرورة العقل المعرفية. وعدم القدرة هذه ناتجة عن السرعات الهائلة للتطبيقات العلمية الحديثة، وكثرتها وتنوعها. فمثلاً عندما تطرح شركة Apple نسخة من هواتفها الجديدة فإنها تطرح أربع نسخ من كل جيل، فمثلاً جهاز آيفون 16 يكون منه:
I Phone
I Phone Plus
I Phone pro
I Phone Pro Max
وهذا الأمر يتكرر كل سنة أو سنتين، ليس بالنسبة لشركة Apple، بل لمعظم الشركات التي تعمل في المجال نفسه أو في مجالات أخرى[9]. وهذا بدوره أثَّر على قدرة العقل على استيعاب هذا التدفُّق الهائل الهائل للمعلومات وتطبيقاتها في الاجتماع البشري[10]، وتحويل هذا الاستيعاب إلى سياق معرفي عاقل ومنطقي ومفهوم.
عندما انتقلت البشرية من الراديو إلى التلفزيون، على سبيل المثال، كان ثمة وقت لاستيعاب هذه الانتقالة على المستوى الجمعي، ما مكَّن العقل من القدرة على الفرز بين عمل الراديو وعمل التلفزيون، وإنزال كل منهما المنزلة التي تتسق مع نسقيته العلمية. لكن هذا الأمر أصبح عسيراً وصعباً هذه الأيام، حتى على أصحاب العقول الكبيرة والفريدة، فالمرء لا يستطيع التفريق بين موديلات السيارات أو الهواتف أو الدفاتر الإلكترونية…إلخ، وما هي الفروق الحقيقية بين جيل وآخر، أو بين موديل وآخر، وهذا عائد في جوهره الأساسي إلى السرعة الهائلة التي تنتشر بها هذه التطبيقات وتبدُّل أجيالها، والتي لا يستطيع العقل مهما كان متطوراً، أن يتعامل معها تعاملاً علمياً وقابلاً للفهم. فهو بحاجةٍ إلى أن يتوقف ويُفكّك سياقاتها، لفهمها واستيعابها. وهذا ما لا يحدث الآن، وهو ما يُنذر بعواقب وخيمة، يمكن أن نتلمس طريقها في الركيزة الثانية من ركائز اللحظة الأخيرة لحضارتنا الحديثة.
الركيزة الثانية: استنزاف موارد الكوكب. فالتدفُّق الهائل للتطبيقات العلمية، وتكرار إنتاج أجيال جديدة من المُنتج نفسه وبكميات كبيرة، وفي فترات متقاربة، مع ما يستلزمه هذا الإنتاج الجديد من إلغاء وشطب للأجيال السابقة، أو على الأقل الحدّ من استخدامها، وتحويلها بالتالي إلى نفايات غير معادة التدوير، جعل الكوكب يفقد الكثير من موارده الأساسية، وهو ما يُنذر بعواقب أشد وأخطر. فـ “وفقاً للتقرير الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU)[11] ومعهد الأمم المتحدة للتدريب والبحث (UNITAR)[12]، فإن كمية المخلفات الإلكترونية التي تم توليدها في عام 2022 بلغت 62 مليون طن من المخلفات” وهي نسبة زادت بنسة 82% عن عام 2010، وهذا الرقم مُرشّح للزيادة حيث سيبلغ حوالي 82 مليون طن في العام 2030، أي بزيادة تقدر نسبتها بحوالي 32% مقارنة بالعام 2022[13]. مع العلم أن ما يُعاد تدويره لا تزيد نسبته عن 1%! فزيادة الإنتاج الكبيرة، مع قصر عُمر دورة حياة هذه المُنتجات، ما يُساهم في زيادة الطلب عليها كلما تلفت، إضافة إلى خيارات الإصلاح المحدودة، والقصور في التصميم، والتدوير البطيء للتالف من هذه المنتجات، كل ذلك يزيد الضغط على موارد الكوكب، ويُساهم في استنزاف موارده[14]، لا سيما إذا عرفنا أن الكثير من هذه المنتجات تعتمد على عناصر نادرة[15]، ولا توجد إلا في مناطق محدودة في العالَم.
الركيزة الثالثة: أشرتُ آنفاً إلى أن استخدام الراديو أو التلفاز من عدمه، كان رهناً بخيار المرء. أي أن المرء كان لديه القدرة على الاختيار بين أن يقتني جهاز راديو أو جهاز تلفزيون من عدمه، لكن الوضع اختلف الآن بشكلٍ جذري، فقد سُحب هذا الامتياز منه، لا سيما مع التطبيقات العلمية الجديدة، إذ أنتجت برامج لم يعد لحياة الناس أن تسير إلا وفقاً لمعاييرها، أي لم يعد المرء قادراً على الاختيار، بل أصبح مفروضاً عليه أن يستخدم هذه البرامج، في معظم شؤونه، وإلا توقفت حياته بشكل شبه كامل. ليس هذا فحسب، بل أصبح مفروضاً عليه أيضاً أن يحصل على هاتف جديد كل فترة، لأن البرامج تدعم برمجيات الهواتف الجديدة، وهو ما حدَّ من خيارات الناس أيضاً، بل وساهم في تعميق قلقهم المادي والنفسي، هذا إضافة إلى القلق الوجودي الذي يتجاوزهم ويطال الكوكب كاملاً، وذلك باستنزاف موارده كما أسلفت. فالكثير من التطبيقات الأساسية في حياة الناس، أصبحت لا تتعامل إلا مع هواتف حديثة جداً، ما يجعلهم يتخلون عن هواتفهم القديمة رغماً عنهم. فالكثير من أجيال الهواتف التي لا يزيد عُمرها عن 5 سنوات، على سبيل المثال، لا تدعم تطبيقات مثل تطبيق Whatsup أو تطبيقات محلية مثل تطبيقات بعض البنوك أو الوزارات أو الدوائر، وهو ما يضغط أكثر على الناس ويحدّ من خياراتهم، بل يعيشون حالة من الإكراه التي تصل إلى حد استلاب حرياتهم بشكلٍ منهجي. وهذا شيء يتنافى مع ما يفترض أن تدعمه خيارات الحضارة الحديثة التي أسَّست لمفهوم جديد للإنسان وعلاقته بالأشياء والأفكار والأشخاص. أي ثمة إنكار، غير واع، لأحد الأصول التي بنيت عليها اللحظة الأولى من لحظات الحضارة الحديثة، فاللحظة الأخيرة تحمل بين طياتها إنكاراً لتلك اللحظة الفارقة والمهمة في تاريخ الفكر البشري، وذلك بالاستهانة بحرية الإنسان وإجباره على اختيارات، اصطلحت عليها شركات ودول كبرى، رغماً عنه وقهراً لإمكاناته النفسية والمادية والعقلية.
الركيزة الرابعة: وهي ركيزة متعالقة بشكلٍ جوهري مع الركيزة الثالثة، إذ تمَّ الحدّ من خيارات الإنسان بسبب سيطرة بضعة أشخاص على مقدرات هائلة، لا سيما في مجال التكنولوجيات الحديثة. فالأمبرطوريات الحديثة مثل شركات: NVIDIA – Microsoft – Apple – Alphabet – Amazon – Meta، يتحكم في مساراتها أشخاص بعينهم، بثروات تصل إلى ترليونات الدولارات[16]، فالذي يُقرره أصحاب هذه الشركات يُصبح نافذاً، دون أن يكون للإنسان حرية الاختيار بشكلٍ عام. وهذا نهج غير صحي وغير سليم، ويُشكّل خطراً على فكرة الحضارة الحديثة برمّتها، إذ تنتقل من طور ديموقراطي تشاركي، إلى طور ديكتاتوري أحادي.
إذا، بناء على ما سبق، ثمة أربع ركائز تستند عليها اللحظة الأخيرة من لحظات حضارتنا الحديثة:
- التدفُّق الهائل للمعلومات.
- استنزاف مقدرات الكوكب.
- انعدام حرية الاختيار لدى الإنسان الحديث.
- تركّز السُّلطة بأيدي أشخاص محددين، وبثروات طائلة وكبيرة.
لكن هذا الوصف لا يعني أي تقييم أخلاقي لهذه اللحظة وركائزها، بقدر ما هو تحليل معرفي، ولما هي عليه الآن. فالمقالة هذه لا تدعم أي بُعد طهراني يُريد تقييم هذه اللحظة تقييماً أخلاقياً من وجهة نظرنا، بقدر ما يُريد أن يدخل في حالة نقاش معرفي صحي وراشد حول ما نحن عليه، وما يمكن أن نكون عليه آجلاً.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش والمراجع:
[1] هذا ليس حقيقة بقر ما هو رأي قابل للنقاش، أناقشه باستفاضة في كتابي (التفلسف الحضاري: إعادة إنتاج العالَم)، وهو كتاب قيد الإعداد.
[2] تمثّل كتب “رينيه ديكارت”: 1- مبادئ الفلسفة. 2- مقال عن المنهج. 3- حديث الطريقة، كذلك كتاب: (هكذا تكلم زرادشت) لـ “فردريك نيتشه” علامات دالّة، بشكل قوي وواضح، على تلك النقطتين المفصليتين أو المركزيتين.
[3] بحسب كتاب (تكوين العقل الحديث) من تأليف “جون هرمان راندل)، فإن العقل الحديث بدا يتكون منذ القرن الثاني عشر الميلادي.
[4] أعود وأكرّر، كما أسلفت في الهامش رقم واحد من هذه المقالة، إلى أن فهم الحضارة الحديثة يتطلب جهداً كبيراً على المستوى المعرفي، لكن هناك علامات معرفية بارزة، أو يمكن اعتبارها أمهات كتب Masterpieces، يُشكّل الإطلاع عليها نقطة حاسمة، على المستوى المعرفي، في تحقيق فهم أعمق وأشمل لتلك الحضارة، مثل: كتب 1- الأورجانون الجديد لـ “فرنسيس بيكون”. 2- تحقيق في الذهن البشري لـ “ديفيد هيوم”. 3- رسالة في اللاهوت والسياسة لـ “باروخ أسبينوزا”. 4- ثروة الأمم لـ “آدم سميث”. 5- أصل الأنواع لـ “تشارلز داروين”. 6- رأس المال لـ “كارل ماركس”…إلخ.
[5] جون هرمان راندال، تكوين العقل الحديث، ترجمة جورج طعمه، المركز القومي للترجمة، القاهرة، مصر، العدد 2224، 2013، ص 56.
[6] أومن الاستعمار إلى سيطرة الدول والشركات الكبرى على مصير ومقدرات كثير من شعوب العالم، ولو من بعيد.
[7] قد تكون هذه الأهمية البالغة، ذات منحى سلبي، كما يمكن أن تكون ذات منحى إيجابي.
[8] مفكرون كبار تحدثوا ضمن نظريات قوية ومُحكمة عن هذا الدرس الكبير، كما فعل “ابن خلدون” في المقدمة، أو كما فعل “أرنولد توينبي” في كتابه (بحث في التاريخ)…وغيرهم من المفكرين.
[9] مثل شركات سامسونغ وهوواوي وغيرها.
[10] من مظاهر هذا التدفُّق الكبير والمُلفت أيضاً، هو كلمات السر الملطوبة للدخول إلى كثير من المواقع، فهناك كلمة سر للدخول إلى الفيسبووك وأخرى لموقع أكس وأخرى لموقع يوتيوب وأخرى للانستغرام، وغيرها الكثير من المواقع ذات الطابع المحلي [كالتطبيقات الخاصة بإنجاز المعاملات الحكومية على سبيل المثال] والأخرى ذات الطابع العالمي.
[11] وهي اختصار لكلمات: International Telecommunication Union
[12] وهي اختصار لكلمات: United Nation Institute for Training and Research
[13] Electronic waste rising five times faster than documented e-waste recycling: UN
يمكن العودة إلى التقرير كاملاً على موقع الاتحاد الدولي للاتصالات على الرابط التالي: من هنا
[14] لغية الحصول على معلومة واحدة من شبكة الانترنت المدعومة بالذكاء الاصطناعي، يتطلب استهلاك الكثير من المياه النظيفة، أي أن التكنولوجيات الحديثة تُساهم أيضاً بشكل مباشر في استنزاف موارد الكوكب.
للمزيد حول استهلاك الماء من قبل برمجيات الذكاء الاصطناعي، يمكن العودة إلى تقرير:
Making AI Less “Thirsty”: Uncovering and Addressing the Secret Water Footprint of AI Models
على الرابط التالي: من هنا
[15] هذا بدوره أدَّى إلى حروب اقتصادية بين أمريكا والصين، نظراً غلى تواجد بعض هذه العناصر في الصين، وإلى حروب عسكرية كالحرب بين روسيا وأوكرانيا نظراً لتواجد بعض هذه العناصر في أوكرانيا. أو الصراع القائم بين دول كبرى على خيرات القطب الشمالي.
[16] للمزيد حول ثروات الشركات الكبرى، يمكن الإطلاع على الرابط التالي: من هنا