تكوين
مقدمة
يُعد كتاب سبينوزا البحث اللاهوتي السياسي Tractatus Theologico-Politicus والمعروف في العربية باسم “رسالة في اللاهوت والسياسة”[1]، من أهم وأخطر الكتب التي تتناول العلاقة بين الدين والسياسة في تاريخ الفكر الإنساني؛ أولًا لموضوعه المهم، وثانيًا للتأثير الذي أحدثه والذي يشبه الزلزال، في أوروبا أولًا ثم في العالم من بعد. وليس في الأمر مبالغة، لأن هذا التأثير كان حقيقيًا وإن لم يكن مُعترفًا به من قِبَل الكثيرين[2]. وقد ترجمه حسن حنفي سنة 1970.
وإنني أفضل ترجمة العنوان إلى البحث اللاهوتي – السياسي، فالكتاب لا يتكلم عن شيئين “لاهوت” و”سياسة”، بل عن شيء واحد: اللاهوت السياسي. لكن فصل حسن حنفي عبارة Theologico-Politicus وصارت كلمتين، وفصل بينهما بحرف العطف “و”، وصارت العبارة “اللاهوت والسياسة”. سأسعى في هذه الدراسة إلى إثبات أن موضوع كتاب سبينوزا هو شيء واحد، اللاهوت السياسي، وليس شيئين؛ وسأوضح السبب الذي جاءت به ترجمة حسن حنفي على هذا النحو بالبحث في السياق التاريخي والسياسي الذي تمت فيه الترجمة، والسياق الفكري لحسن حنفي.
وكان فؤاد زكريا في كتابه اسبينوزا قد ترجم العنوان إلى البحث اللاهوتي السياسي سنة 1962[3]، وكان هو مُراجِع ترجمة حسن حنفي، ووافق على ترجمة حنفي العنوان إلى رسالة في اللاهوت والسياسة!!! وسوف أحاول معرفة أسباب هذا التفضيل في سياقه. كما فضَّل عبد الجواد ياسين ترجمة العنوان إلى البحث اللاهوتي السياسي في كتابه اللاهوت، وكتب في هامش التوثيق: “اسبينوزا، البحث اللاهوتي السياسي، الترجمة العربية تحت عنوان “رسالة في اللاهوت والسياسة”[4]. لكن لم يبرر عبد الجواد ياسين تفضيله لترجمة العنوان إلى البحث اللاهوتي السياسي، مفضلًا له عن الترجمة المعروفة إلى رسالة في اللاهوت والسياسة. وربما شعر عبد الجواد ياسين أن ترجمته للعنوان أفضل، وهي كذلك بالفعل، وأقول إن هذا الشعور يبدو أنه كان نابعًا من إحساس عميق وإدراك مسبق من ياسين بأن موضوع كتاب سبينوزا هو “اللاهوتي السياسي” أو بمعنى أدق “اللاهوت السياسي”، كما سوف أبين لاحقًا. سأحاول في هذه الدراسة تبرير الترجمة إلى البحث اللاهوتي السياسي، وكيف أنها الأدق والأكثر تعبيرًا عن مضمون الكتاب، ولماذا فضَّل حنفي الترجمة إلى رسالة في اللاهوت والسياسة. ومعرفة تفضيله هذا لا يمكن أن نتوصل إليها من مجرد توجيه سؤال لحسن حنفي، لأن هذا التفضيل كان مرتبطًا بالسياق التاريخي، الأيديولوجي والسياسي، الذي ترجم فيه حنفي كتاب سبينوزا، والذي ربما لم يكن حنفي على وعي به بما فيه الكفاية.
الترجمات السابقة للعنوان
لم يكن هناك إجماع بين المؤلفين في الفلسفة قبل حسن حنفي حول ترجمة عنوان كتاب سبينوزا. فعلى سبيل المثال، ترجم أحمد أمين وزكي نجيب محمود عنوان الكتاب إلى “رسالة في الدين والدولة”، في كتابهما قصة الفلسفة الحديثة، الصادر سنة 1936[5]؛ وهي ترجمة خاطئة تمامًا. والسبب في هذا الخطأ، اعتمادهما على كتاب ويل ديورانت قصة الفلسفة، الصادر سنة 1926[6]. كتب ديورانت عنوانًا فرعيًا للفقرة التي تناول فيها كتاب سبينوزا تحت عنوان The Treatise on Religion and the State، وعنوان الفقرة ليس ترجمة لعنوان الكتاب بل هو وصف ديورانت لموضوع الكتاب، لكنه في الفقرة ذاتها كتب عنوان الكتاب باللاتينية. لقد فهم ديورانت موضوع كتاب سبينوزا على أنه يتحدث عن شيئين: الدين والدولة. وفي سنة 1949 صدر كتاب يوسف كرم تاريخ الفلسفة الحديثة، وترجم العنوان إلى “الرسالة اللاهوتية السياسية”[7]؛ فلم يفصل بين اللاهوت والسياسة، بل احتفظ بالصيغة اللاتينية Theologico-Politicus وترجمها حرفيًا، وكان هذا اختيارًا صائبًا. لكن يُحسب لأحمد أمين وزكي نجيب محمود ويوسف كرم أنهم كتبوا اسم سبينوزا بغير الألف (اسبينوزا) التي سوف يضيفها من بعدهم فؤاد زكريا وحسن حنفي.
التلقي المتأخر لكتاب سبينوزا
نشر سبينوزا كتابه سنة 1670، وترجمه حسن حنفي إلى العربية سنة 1970، أي بعد صدور الأصل بثلاثة قرون. لقد تأخر كتاب سبينوزا الخطير كثيرًا حتى يصل إلى القارئ العربي. ما أسباب هذا التأخر؟ وماذا كانت أسباب ترجمته في ذلك الوقت بالتحديد؟ ومن قِبَل حسن حنفي بالذات؟ الأمر يتعلق بالاستقبال العربي للفلاسفة الغربيين، وبالأخص للتنوير الراديكالي الأوروبي. لقد تعرف حسن حنفي على سبينوزا وهو في باريس[8]، وكان رفاعة الطهطاوي هناك قبله بقرن ونيف، وتعرف الطهطاوي هناك على فلاسفة آخرين، لم يكن سبينوزا من بينهم بالطبع، وترجم لبعضهم. لم يكن الطهطاوي على معرفة كبيرة بفلاسفة التنوير الراديكالي في ذلك الوقت، بل كان على معرفة بفلاسفة التنوير المعتدل، أمثال مونتسكيو وفولتير وروسو. وكان على سبينوزا الانتظار مائة سنة حتى يتعرف عليه مفكر، مصري أيضًا، وينقله إلى العربية.
إن السياق التاريخي والسياسي لرفاعة الطهطاوي هو الذي حتَّم عليه تلقي فلاسفة معينين، واختلاف السياق أيضًا هو الذي حتَّم على حسن حنفي تلقي فلاسفة آخرين غيرهم. ففرنسا التي عرفها الطهطاوي كانت قد تركت وراءها الثورة الفرنسية ونظمها السياسية، ودخلت في عصر عودة الملكية ومحاولات تثبيت أركانها بضم بعض المكتسبات الديمقراطية والحقوق السياسية والمدنية التي حققتها الثورة إلى النظام الملكي. واختفى الفكر التنويري الراديكالي الذي كان قد أشعل الثورة الفرنسية منذ البداية، وكان هذا الفكر عائدًا بصفة أساسية إلى سبينوزا. لقد تعرف الطهطاوي على تلاميذ سبينوزا الفرنسيين لكن لم يكن يعرف سبينوزا نفسه. وكانت مصر في ذلك الوقت في حال يشبه حال فرنسا، فقد كانت تحت حكم محمد علي، وهو حكم أوتوقراطي يشبه عصر عودة الملكية في فرنسا، ويحاول تحديث البلاد بجرعة قليلة من التنوير المعتدل.
ورغم أن الطهطاوي لم يكن يعرف سبينوزا، إلا أنه تعرف على آثار أفكاره في فرنسا في عصره. فالملفت للنظر أن الطهطاوي لمس بنفسه وهو في باريس الأثر الاجتماعي والفكري للعلمانية التي بدأها سبينوزا وتأثر بها كل فلاسفة عصر التنوير الفرنسي، لكن لم يكن الطهطاوي يعرف أن سبينوزا هو الأصل الفكري لما رآه من آثار اجتماعية وفكرية علمانية أمام عينيه. يقول الطهطاوي في تخليص الإبريز في تلخيص باريز: “وقد أسلفنا أن الفرنساوية على الإطلاق ليس لهم من دين النصرانية غير الاسم، فهم يدخلون في اسم الكتابيين، فلا يعتنون بما حرمه دينهم، أو أوجبه، أو نحو ذلك”[9].
إن ما شاهده الطهطاوي في باريس من مظاهر علمانية في الفكر والمجتمع في العقود الأولى من القرن التاسع عشر، هو من أثر عصر التنوير في القرن الثامن عشر، وعصر التنوير مدين بالكثير من أفكاره إلى سبينوزا في القرن السابع عشر، وهو ما دفع الكثير من الباحثين الآن إلى القول إن فلسفته كانت هي البداية الحقيقية لعصر التنوير وقوة الدفع الأساسية له[10]، من حجم التأثير الضخم الذي مارسه على كل فلاسفة التنوير في القرن الثامن عشر. ففي وصف الطهطاوي لباريس التي عاش فيها بين 1826 و1831 نستطيع تلمس أفكار سبينوزا. يقول الطهطلوي:
“وقد أسلفنا أن الفرنساوية من الفرق التي تعتبر التحسين والتقبيح العقليين، وأقول هنا: إنهم ينكرون خوارق العادات، ويعتقدون أنه لا تخلف الأمور الطبيعية أصلًا، وأن الأديان إنما جاءت لتدل الإنسان على فعل الخير واجتناب ضده، وأن عمارة البلاد وتطرق الناس وتقدمهم في الآداب والظرافة تسد مسد الأديان، وأن الممالك العامرة تصنع فيها الأمور السياسية كالأمور الشرعية”[11].
ومعنى هذا أن الطهطاوي شاهد ولمس بنفسه أحد أوجه آثار العلمانية التي تعود إلى فكر سبينوزا في فرنسا، قبل أن تتم ترجمة كتاب سبينوزا إلى اللغة العربية بحوالي مائة وخمسين سنة. وبالطبع لم تؤد الترجمة العربية لكتاب سبينوزا الآثار التي أحدثها في الغرب، نظرًا لاختلاف الأزمنة التاريخية والسياقات الحضارية والثقافية.
قصة حسن حنفي مع كتاب سبينوزا “البحث اللاهوتي السياسي”
كانت بداية تعرف حسن حنفي على سبينوزا من أستاذه الفرنسي جيتون، حوالي سنة 1965، عندما كان يعد رسالته للدكتوراه في فرنسا، إذ طلب منه جيتون أن يعرض على طلبة الليسانس فلسفة سبينوزا، فقام بذلك مع وضع فلسفة سبينوزا في سياقها الأوروبي العام وفي السياق العام لتاريخ الفلسفة وأدخل فيه الفلسفة الإسلامية[12]. وكان حنفي قد قرأ البحث اللاهوتي السياسي في باريس[13]، وكان يأخذ العنوان الفرعي للكتاب شعاراً وبداية لكل محاضراته للطلاب في الفلسفة الحديثة. وكانت الترجمة من بين الإنتاج العلمي الذي قدمه حنفي للترقية أستاذاً مساعداً سنة 1973[14]، وعانى في ترقيته من نفس ما عانى منه كل من نقل سبينوزا إلى لغته، من اضطهاد وتشويه سمعة وكأن كتاب سبينوزا لعنة ظلت تصاحب مترجميه لثلاثة قرون. فبعد قدمه ضمن الأعمال التي قدمها للترقية إلى درجة أستاذ مساعد، وقامت اللجنة العلمية بترقيته، لكنه لاقى صعوبات في القبول الإداري لقرار اللجنة، وانتهى الأمر بموافقة رئيس جامعة القاهرة على قرار اللجنة بالترقية، وذلك بعد أحداث كثيرة هدفت إعاقة الترقية، وبعد اتهامات باطلة ضده[15]. لقد أصابت لعنة كتاب سبينوزا مترجمه كما أصابت الكثيرين من الذين تبنوا فكره في أوروبا.
عيوب الترجمة الشائعة
كان أول ظهور لترجمة حسن حنفي لعنوان كتاب سبينوزا، ليس في الترجمة ذاتها بل في مقال نشره سنة 1969، عنوانه “رسالة في اللاهوت والسياسة لاسبينوزا”[16]، وهو عرض للكتاب في مجلة “تراث الإنسانية”. الملاحظ أن حنفي قد كتب اسم سبينوزا بالألف (إسبينوزا) في عنوان هذا المقال، لكنه حذفها في المقال نفسه. والأمر نفسه تكرر في ترجمة الكتاب، ففي العنوان كتب حنفي اسم سبينوزا بالألف ولم يكتبها داخل الكتاب نفسه[17]. المشكلة إذن لا تتعلق بمجرد خلاف واختلاف في ترجمة عنوان الكتاب، بل تصل إلى تردد في طريقة كتابة اسم سبينوزا نفسه. والسبب في ذلك في رأيي يرجع إلى أن سبينوزا كان حديثًا على الثقافة العربية بالنسبة إلى غيره من المفكرين الأوروبيين؛ فقد كُتِب عنه قبل ترجمة حنفي لكتابه، وظهر في كتب تاريخ الفلسفة، لكن لم يترجم أحد أي شيء من أعماله حتى 1970، وهو تاريخ متأخر جدًا في تلقي مفكر أوروبي من القرن السابع عشر؛ ولذلك كان حتى هذه السنة حديثًا على الثقافة العربية. وبالتالي لم يكن هناك إجماع على طريقة كتابة اسمه، بل وكان هناك تردد في الطريقة من قِبَل الكاتب الواحد كما نرى مع حنفي.
تفصل الترجمة العربية الشائعة بين “اللاهوت” و”السياسة”، وكأن الكتاب يتكلم عن شيئين: لاهوت وسياسة، والكتاب ليس كذلك، بل هو يتكلم عن شيء واحد: اللاهوت السياسي، على شاكلة ما كان يقصده كارل شميت[18] ومن بعده ليو شتراوس[19]. واللاهوت السياسي هو الدين السياسي، الذي يهدف السيطرة على العامة بالدين لأغراض سياسية. هذا هو المستهدف من كتاب سبينوزا. لكنني أعتقد أن المترجمين العرب وعلى رأسهم حسن حنفي ومن قبله فؤاد زكريا الذي سبق له أن ترجم عنوان الكتاب في كتابه عن سبينوزا، كانت في أذهانهم فكرة الفصل بين الدين والدولة، وقد كانت مطلبًا مُلحًا للمثقفين العرب في فترة ترجمة الكتاب، ففصلوا اللاهوت والسياسة في عنوان الكتاب وفق ما كانوا يريدونه من فصل الدين عن الدولة، وهو ما يتناقض مع هدف سبينوزا نفسه، إذ كان يريد سيطرة الدولة على الدين، بل إنه كان ضد الفصل أساسًا، لأن هذا الفصل يجعل من المؤسسة الدينية منفصلة عن الدولة، مُشَكِّلة لسلطة داخل سلطة؛ وإذا فصلنا بينهما نكون قد صنعنا سلطتين: سلطة الدين وسلطة الدولة، في حين أن سبينوزا لم يكن يريد هذا الفصل، لأن هذا الفصل يصنع ازدواجية في السلطة وثنائية واضحة بين الدين والسياسة لم يكن يريدها. وبتنحية هذا الفهم لغرض سبينوزا، يتضح أن “الدين السياسي” هو المستهدف من كتابه.
اللاهوت السياسي لدى العبرانيين القدماء
والدليل على أن سبينوزا يدرس في كتابه ويقصد شيئًا واحدًا لا شيئين، وهو اللاهوت السياسي، هو أنه يدرس اليهودية بوصفها الدين المتكيف مع عقلية شعب ما والمناسب لمستواه الثقافي والحضاري، ويقول إن الدين والسياسة عند العبرانيين كانا شيئًا واحدًا، وهذا الشيء الواحد هو دين سياسي، أي الدين الذي كيَّفه النبي موسى مع عقلية وحال العبرانيين بعد خروجهم من مصر، كي يضع لهم النظام السياسي والاجتماعي المناسب لهم في هذه المرحلة. يذهب سبينوزا إلى أن العبرانيين بعد خروجهم من مصر لم يتمكنوا من وضع تشريع لهم بناءً على الحكمة، أي على قواعد عقلية وأخلاق إنسانية عامة، ولم يستطيعوا ممارسة السلطة بوصفهم كيانًا جمعيًا، أي مجتمعًا كامل الأهلية وكيانًا مستقلًا، فاحتاجوا من ثم إلى سلطة أعلى من سلطة العقل والأخلاق الإنسانية والسيادة الشعبية كي يؤسسوا كيانهم السياسي. وكان موسى يعرف حالهم هذه جيدًا، فأعطاهم الشريعة الإلهية التي تضمن لهم كيانًا سياسيًا لم يستطيعوا تأسيسه بأنفسهم.
ونفهم من تحليل سبينوزا السابق أن العبرانيين بعد خروجه من مصر كانوا في وضع مثيل لوضع الحالة الأولى السابقة على تأسيس الدولة وعلى القانون، وأنه كان من الممكن لهم أن يؤسسوا السلطة فيهم بالحكمة، أي بقوانين العقل الكلية، تلك التي أسس بها الكثير من الأمم سلطاتهم، وربما كان سبينوزا يقصد تأسيس اليونان والرومان دولهم على أساس التشريع العقلاني والحكمة الإنسانية العادية. ومن ثم تطلبت الحالة الاستثنائية للعبرانيين تشريعًا استثنائيًا وهو الشريعة الإلهية الموسوية، التي كانت دينًا وقانونًا مدنيًا وأساسًا سياسيًا لمجتمعهم في الوقت نفسه. يقول سبينوزا في ذلك:
“ولهذا السبب أدخل موسى الدين في الدولة بسلطته الإلهية، وبناء على أمر إلهي، حتى يقوم الشعب بواجبه بإخلاص، لا عن رهبة”[20].
والحقيقة أنه اتفاقًا مع خط تفكير سبينوزا ومع سير حجته، فالأصح أن نقول إن موسى أعطى للعبرانيين دينًا ودولة في الوقت نفسه، لأنهم لم يستطيعوا إقامة دولة على أساس مدني صرف وباتباع الحكمة الإنسانية، فاحتاج موسى إلى السلطة الإلهية لتأسيس الدولة.
ولم تكن الشعائر الدينية اليهودية في نظر سبينوزا سوى وسيلة لتنظيم الحياة لدى العبرانيين، “الذين اعتادوا العبودية”، لأن إقامتهم بمصر قرونًا عديدة عملت على تثبيت عادات العبودية بينهم حتى صارت طبيعة فيهم، وبالتالي فعندما خرجوا من مصر لم يستطيعوا حكم أنفسهم، فكان يجب على هذا الشعب أن يلتزم بقانون تفرضه سلطة أعلى منه، يذعن إليها وينفذه أوامرها عن طاعة وخضوع. ويقول سبينوزا عن شعب العبرانيين إنه
“لم يكن مسموحًا له أن يفعل شيئًا بمحض رغبته، وكان عليه أن يراعي طقسًا دينيًا معينًا للفلاحة والبذر والحصاد، ولم يكن باستطاعته أن يتناول طعامه ويلبس ويعنى بشعر رأسه ولحيته ويلهو أو يفعل أي شيء إلا بالامتثال لشعائر دينية إجبارية ولأوامر تفرضها القوانين”[21].
ومن ثم صارت الشريعة الدينية وما تحمله من طقوس قانونًا مدنيًا وقواعد للحياة الشخصية معًا، وكانت بهذه الصفة مرتبطة بالعبرانيين القدماء وحدهم، وفق حالتهم ومستواهم العقلي والحضاري: “… الطقوس الدينية [لدى العبرانيين القدماء] لا توصل إلى السعادة الروحية، و… طقوس العهد القديم، بل وشريعة موسى كلها، تتعلق بدولة العبرانيين وحدها…”[22].
لقد كان نقد سبينوزا منصبًا حول حالة التطابق والهوية الكاملة بين الدين والسياسة عند العبرانيين القدماء، تلك الهوية التي أقول عنها إنها هي “اللاهوت السياسي”، والهدف من نقده التاريخي التفصيلي لهذه الحالة هو توضيح ارتباطها بالعبرانيين القدماء وحدهم، وأنه ليس بالإمكان تعميم هذه التجربة التاريخية الاستثنائية على باقي الأمم. يذهب سبينوزا إلى أن العبرانيين بعد خروجهم من مصر كانوا في حالة الطبيعة الأولى، وكان يمكنهم أن يؤسسوا تجمعهم السياسي كيفما شائوا، وباتباع القانون الطبيعي والعقد الاجتماعي، لكنهم تنازلوا بأنفسهم عن هذا الحق وتخلوا عن حقوقهم وفوضوا كل أمورهم إلى الله؛ وبذلك كان الله رأس دولتهم ومَلِكَهم:
“ومنذ ذلك الحين أصبحت سلطة الحاكم عند العبرانيين لله وحده، وأصبحت الدولة التي قامت على هذا النحو هي وحدها التي تستحق، بفضل هذا العهد، اسم مملكة الله، كما أصبح الله يُسَمى بحق ملك العبرانيين”[23]
وصارت الشريعة الإلهية هي قانون الدولة والقانون المدني معًا. وهذا التطابق التام بين الديني والسياسي أدى في نظر سبينوزا إلى أن صار أعداء هذه الدولة أعداء لله نفسه، وصار الخروج عن هذه الدولة هو خروج عن الله، “فمن ترك دينه لا يعود مواطنًا، ومن ضحى بحياته في سبيل الدين يكون شهيدًا للوطن”[24]. وفي نظر سبينوزا فإن هذه الحالة هي حالة دولة ثيوقراطية، لا بمعنى أنها دولة يحكمها رجال الدين، بل بمعنى دولة يكون على رأسها الله نفسه، ويكون فيها الله هو صاحب السيادة العليا والحق الأعلى، وتكون فيها الشريعة الدينية قانونًا سياسيًا ومدنيًا.
يؤمن سبينوزا بأن السيادة الحقيقية هي السيادة الشعبية، وبأن الحق الأصلي هو الحق الطبيعي، وقال إن العبرانيين كانوا في الحالة الأولى بعد خروجهم من مصر، وكان يمكنهم أن يؤسسوا تجمعهم السياسي والمدني وفق خطوط السيادة الشعبية والحق الطبيعي، لكنه برهن على أن العبرانيين قد تخلوا عن سيادتهم بمحض إرادتهم، إلى الأبد، وصارت الحقوق الطبيعية هي حقوق الله. وهذا الخلط الشديد بين الدين والدولة، وبين الدين والسياسة، هو “اللاهوت السياسي”، أي الدين المتكيف مع حالة سياسية معينة، وهو تكييف تصور الله مع تلك الحالة السياسية التي كان عليها العبرانيون بعد خروجهم من مصر، فقد فهموا الله من منطلق حالتهم السياسية والاجتماعية ووفق مستواهم الثقافي ودرجتهم الحضارية. مما يعني أن الشريعة اليهودية بوصفها دينًا سياسيًا ولاهوتًا سياسيًا كانت مرتبطة بحالة اجتماعية وتاريخية معينة لشعب معين في فترة خاصة من تاريخه، ومن ثم لا يمكن تعميم هذه الشريعة على كل الشعوب، ولا على اليهود أنفسهم بعد أن فقدوا استقلالهم السياسي مع السبي البابلي أولًا، ثم مع تدمير الرومان لأورشليم ثانيًا.
وأوضح دليل على أن سبيوزا يقصد من كتابه اللاهوت السياسي، أنه خصص كتابًا آخر تاليًا، بحث فيه في السياسة وحدها بالمعنى الدقيق، غير المختلطة بالدين، وهو كتاب البحث السياسي[25] Tractatus Politicus، ودرس فيه أفضل طرق حكم شعب حر، بطريقة تضمن عدم وقوعه في الطغيان، بصرف النظر عن شكل الحكم وما إذا كان ملكيًا أم ديمقراطيًا أم أرستقراطيًا، وكيفية صيانة نظام الحكم للحريات ولسلامة المجتمع وأمانه. وتعرض فيه للأساس الطبيعي للحقوق والحريات، وكيفية ضمان النظام السياسي لها، وكيفية إقامة الحدود على السلطة السياسية حتى لا تنقلب إلى الطغيان، عن طريق توازنات داخل أجنحة السلطة وضمانات لحقوق المواطنين تلتزم بها. ويشدد سبينوزا فيه على القيادة الحكيمة للدولة، وعلى ضرورة توزع السلطة كضمانة لعدم تركيزها. في هذا الكتاب لا يتعرض سبينوزا للدين ولا لاختلاطه بالسياسة، بل يفكر في الدولة الحرة التي تضمن حرية مواطنيها.
السياق التاريخي للترجمة
كي نفهم السبب الذي أتت به ترجمة عنوان كتاب سبينوزا إلى رسالة في اللاهوت والسياسة، يجب التعرف على الخلفية التاريخية للترجمة، وعلى السياق التاريخي للمترجم الدكتور حسن حنفي، وكذلك المُراِجع الدكتور فؤاد زكريا؛ ذلك لأن فؤاد زكريا كان قد سبق وأن ترجم عنوان كتاب سبينوزا إلى البحث اللاهوتي السياسي في كتابه إسبينوزا الصادر سنة 1962. أي أن فؤاد زكريا قد ترجم العنوان ترجمة صحيحة متفقة مع الأصل اللاتيني؛ والمفارقة هنا هي أن فؤاد زكريا كان هو المراجع لترجمة حسن حنفي للكتاب. لماذا إذن فضل حسن حنفي ترجمة العنوان إلى رسالة في اللاهوت والسياسة بدلًا من البحث اللاهوتي السياسي، رغم أن فؤاد زكريا هو المراجع؟ ولماذا وافق فؤاد زكريا على ترجمة حسن حنفي للعنوان وهو قد ترجمه الترجمة الصحيحة؟ والملفت للنظر أيضًا أنه لم يكن هناك فاصل زمني طويل بين كتاب فؤاد زكريا عن سبينوزا (1962) وصدور ترجمة حسن حنفي للكتاب (1971)، بل إن حسن حنفي قد بدأ في ترجمة الكتاب سنة 1967 فور عودته من فرنسا، وكان قد قرأه هناك أثناء البعثة، أي تقريبًا من 1957 إلى 1965، وهي فترة تتقاطع مع فترة تأليف فؤاد زكريا لكتابه عن سبينوزا.
الأمر إذن ليس مجرد كتاب ومترجم ومُراِجع؛ إنه حول ملابسات وسياق عملية التلقي العربي والترجمة العربية لكتاب يؤسس للعلمانية الحديثة وللدولة الديمقراطية المحايدة تجاه الأديان. والسياق التاريخي مهم للغاية، لأنه هو نفس سياق انهيار المشروع القومي بعد هزيمة 1967 وصعود تيارات الإسلام السياسي، أو بالأحرى المحاولات الأولى لإحياء حركة الإخوان المسلمين في مصر.
كانت لحسن حنفي ميول إخوانية في مطلع شبابه، لكنه تحول فكريًا فيما بعد، ومن بين العوامل التي حولته عن توجهاته الأولى، قراءته كتاب سبينوزا وهو في باريس. يقول حنفي: “وقد هزَّني الكتاب هزٍّا عندما قرأته وأنا في باريس، ونويت أن أترجمه فور عودتي إلى مصر”[26]. ولم تكن تلميحاته الكثيرة حول انجذابه لحسن البنا وسيد قطب في شبابه سوى ذكريات، لم يذكر معها رجوعه عن ذلك الانجذاب الأول وتغييره أفكاره، مراعاة لزمانه ومكانه وسياقه الاجتماعي. سبينوزا هو الذي خلَّص حسن حنفي من تأثير البنا وقطب، وهذا هو معنى “الهزَّة” التي تعرض لها من قراءته لكتاب سبينوزا وهو في باريس.
كان حسن حنفي دائمًا ما يذكر ميوله المبكرة في مراهقته ومطلع شبابه إلى فكر حسن البنا وسيد قطب[27]، وكيف أن أفكارهما كانت تحفزه فكريًا وتملأه حماسًا. وأحيانًا ما كان يذكر حنفي كذلك أنه كان زميلًا لمهدي عاكف (مرشد جماعة الإخوان من 2004 إلى 2010)[28]؛ وفي أحاديثه وفي بعض محاضراته المسجلة ولقاءاته التليفزيونية كان يتندر بأنه كان معروفًا بالإخواني الماركسي. لكن لم يذكر حسن حنفي أبدًا أي شيء عن تحولاته الفكرية اللاحقة والتي جعلته ينقلب تمامًا على الفكر الإخواني والقطبي، فنادرًا ما يتحدث المفكر عن فترات انقلابه الفكرية. وإذا كان حنفي قد بدأ حياته بالإعجاب بأيديولوجيا الإسلام السياسي والانجذاب إليها في نسختيها البناوية (نسبة إلى حسن البنا) والقطبية معًا، إلا أنني أعتقد أن نقطة تحوله بدأت في بعثته في فرنسا، وكان قد تهيأ لها قبل فرنسا من دراسته للفلسفة؛ فالذي يدرس الفلسفة بالعمق والجدية كحنفي لن يظل متبنيًا الإسلام السياسي طويلًا. تمكن حنفي من التخلص من بداياته الإخوانية بفضل دراسته للفلسفة وبعثته إلى فرنسا، وأضيف إلى ذلك: بفضل تعرفه على فلسفة سبينوزا هناك وبالأخص على كتابه البحث اللاهوتي – السياسي. لن تتكرر حالة حسن حنفي كثيرًا ولن يحدث ذلك التخلص من الأيديولوجيات المذهبية والسياسية الدينية مع كل من درس الفلسفة وسافر في بعثة للخارج. وما يهمنا في الأمر هو مضمون كتاب سبينوزا الذي كان من أهم عوامل تراجع حنفي عن أيديولوجيا الإسلام السياسي التي كان يتبناها في مطلع شبابه.
“رسالة” أم “بحث”؟
يجب ابتداءً فهم معنى كلمة Tractatus الواردة في عنوان كتاب سبينوزا الأصلي Tractatus theologico-politicus. المعنى الحرفي لهذه الكلمة اللاتينية هو “بحث” أو “معالجة” أو “فحص”، أي الدراسة المتعمقة الشاملة لموضوع ما والتي تشبعه تقصيًا وتحقيقًا وعرضًا. ولم يستخدم سبينوزا هذه الكلمة في كتابه “البحث اللاهوتي – السياسي” وحده، بل في كتابين آخرين لم ينشرهما في حياته ونشرهما أصدقاءه بعد وفاته، أولهما سابق على “البحث اللاهوتي – السياسي” وهو “بحث في إصلاح العقل” Tractatus de Intellectus Emendatione؛ وثانيهما كتبه بعده، وهو “البحث السياسي” Tractatus Politicus. ظهرت هذه الكلمة Tractatus كعنوان للعديد من المؤلفات في العصور الوسطى وعصر النهضة، وعندما استخدمها سبينوزا كان قد مر وقت طويل دون أن تظهر في عناوين الكتب، مما يعني أن سبينوزا هو الذي أحياها وأعادها إلى التداول.
وبعد سبينوزا استخدم فتجنشتاين (1889 – 1951) الكلمة في عنوان كتابه الشهير “البحث المنطقي – الفلسفي” Tractatus Logico-Philosophicus، والتي ترجمها عزمي إسلام إلى “رسالة منطقية – فلسفية”؛ وكان فتجنشتاين يستوحي عنوان كتاب سبينوزا ويستعير منه كلمة Tractatus، كما أكد على هذا عدد من الباحثين[29]؛ رغم أن كتاب الأخلاق لسبينوزا وليس البحث اللاهوتي – السياسي هو الذي تمت مقارنته بكتاب فتجنشتاين البحث المنطقي – الفلسفي.
أما كلمة “رسالة” فقد استخدمها الفلاسفة العرب المسلمون كثيرًا في عناوين مؤلفاتهم. فإلى جانب المعنى الشائع لكلمة “رسالة” والذي يعني رسالة من شخص إلى آخر، و”المراسلات” بينهما، فقد تم استخدامها في عناوين كتب شهيرة جدًا. إذ نجد عند ابن الفارابي “رسالة في العقل”، و”رسالة في السياسة”، و”رسالة في إثبات المفارقات”، و”رسالة في فضيلة العلوم والصناعات”، و”رسالة في التنبيه على سبيل السعادة”، وغيرها؛ وعند ابن سينا نجد “رسالة في ماهية العشق”، و”رسالة في الفعل والانفعال”، و”رسالة في سر القدر”، و”رسالة في السعادة”، و”رسالة في الموسيقى”، وغيرها كثير. ونجد عند ابن باجة “رسالة في اتصال العقل بالإنسان”، وعند ابن طفيل “رسالة حي بن يقظان”، ونجد عند ابن رشد، “رسالة في النفس”، و”رسالة في هل يعلم الله الجزئيات”، و”رسالة في جوهر الأجرام السماوية”، و”رسالة في الاتصال بالعقل الفعال”[30].
وعند ترجمة أعمال الفلاسفة العرب المسلمين إلى اللاتينية، تمت ترجمة كلمة “رسالة” إلى Epistola. والرسالة هي دراسة مركزة وقصيرة حول موضوع واحد بعينه، كما يتضح من العناوين السابقة. ومن ثم فمعيار الحكم على عمل ما بأنه رسالة هو أن يكون: 1) قصيرًا؛ 2) في موضوع واحد؛ 3) أن يكون الموضوع محل خلاف بين الفلاسفة؛ 4) أن يتناول إشكالية فرعية من مذهب فلسفي أكبر. وإذا حاولنا فهم الرسالة وفق فكرة النموذج أو البارادايم paradigm عند توماس كون، قلنا إن هدف الرسالة هو معالجة موضوع ما، لم تتم معالجته في النصوص التأسيسية الكبرى لعلم ما أو لمذهب فلسفي، ويُدرَس فيها كي يُفهم في إطار ذلك المذهب الفلسفي، مما يمثل توسيعًا لهذا المذهب وامتدادًا له لم يكن موجودًا لدى مؤسس العلم ومؤلفاته التأسيسية.
والواضح أن كل الرسائل المذكورة تهدف البحث في الموضوعات المذكورة في عناوينها داخل إطار العلم الأرسطي، أو الرؤية المشائية، أو الرؤية الأفلاطونية المحدثة المدعمة بعناصر من المنظومة الأرسطية. ووفق هذه التوصيفات، فكتاب سبينوزا ليس “رسالة” بهذا المعنى السابق المفهوم من الكلمة في الأعمال الفلسفية في العصور الوسطى، الإسلامية والمسيحية على السواء. إنه ليس Epistola، بل Tractatus. وإذا ما أردنا التمسك بكلمة “رسالة” في عنوان كتاب سبينوزا، فيجب أن نعيد فهم كلمة Tractatus، كي يعطي معنى لكلمة “رسالة” غير موجود في معناها الأصلي.
ولأن كتاب سبينوزا هو عمل كبير ويتناول موضوعات كثيرة جدًا (النبوة والنبي والمعجزات، ونقد أسفار العهد القديم بالمنهج التاريخي النقدي، وإشكالية تأويل النصوص المقدسة، والفرق بين الفهم المجازي والفهم الحرفي، وطبيعة الكيان الاجتماعي والسياسي للعبرانيين القدماء، والبحث في القانون الطبيعي والقانون المدني، والسيادة والسلطة ووضع الدين في إطارهما)، فالواضح أنه ليس رسالة قصيرة في موضوع محدد، ومن ثم فهذا المعنى الجديد لكلمة “رسالة” إن أردنا الاحتفاظ بها هو أقرب إلى كلمة “رسالة” بمعنى أطروحة جامعية Thesis، أي رسالة ماجستير أو رسالة دكتوراه. وهو كذلك أقرب إلى تعبير “رسالة في الحياة” أو “رسالتي في الحياة”، بمعنى مشروعي الذي خصصت له حياتي والذي كانت توجهه أهداف معينة، أي أن كتاب سبينوزا هو “رسالته”، أي مشروعه الفكري.
وقد ذاعت كلمة أخرى في عناوين المؤلفات في العصور الوسطى وحتى العصر الحديث، وهي كلمة Discourse. فنجد عند مكيافيلي مقال في الكتب العشرة الأولى من تاريخ تيتوس ليفيوس Discorsi sopra la prima deca di Tito Livio، ونجد لدى ديكارت مقال في المنهج Discours de la Méthode. ولدى روسو مقال في أصل التفاوت بين الناس Discours sur l’origine et les fondements de l’inégalité parmi les hommes. ولم تظهر هذه الكلمة في أي من مؤلفات سبينوزا. و”المقال” هي أفضل كلمة لترجمتها، لأن “المقال” من “قول” وهو المخاطبة أو الخطاب، وهي المعاني الموجودة للأصل اللاتيني للكلمة.
كيف فهم حسن حنفي كتاب سبينوزا؟
لقد فهم فؤاد زكريا وحسن حنفي كتاب سبينوزا على أنه يسعى إلى “فصل الدين عن الدولة”[31]، وهذا غير صحيح. فسبينوزا يريد من الدولة السيطرة على المجال الديني وأن تكون المؤسسة الدينية تحت السيادة السياسية، ذلك لأن المشكلة التي تعامل معها سبينوزا هي هذا الانفصال نفسه، أي وجود سلطتين داخل المجتمع تتنازعان القوة والسيادة، سلطة دينية وسلطة سياسية، وكذلك مشكلة اكتساب المؤسسة الدينية سلطة سياسية دون وجه حق، حتى تتحول إلى دولة داخل الدولة، أو أن تستفحل الأمور إلى وجود دولتين داخل المجتمع الواحد. كان هدف سبينوزا هو نزع ما تدعيه المؤسسة الدينية من امتيازات سياسية ليست لها.
لكن لماذا فهم فؤاد زكريا وحسن حنفي سبينوزا بهذه الطريقة؟ أي على أن كتاب سبينوزا هو “فصل بين الدين والدولة”؟ لأن هذا الفصل كان أحد أهم مطالبات الاتجاهات المدنية والعلمانية واليسارية والليبرالية في مصر في عصرهما، أي الفترة من الخمسينيات إلى ما بعدها وربما حتى الآن. لقد كان مطلب الفصل هو مطلب كل التيارات السياسية والاتجاهات الأيديولوجية ماعدا الاتجاهات الدينية والأصولية، في مواجهة الإسلام السياسي تحديدًا، ولا ننسى أن مصر هي بلد المنشأ لجماعة الإخوان المسلمين ولكل الحركات السلفية السياسية والجهادية الحديثة في القرن العشرين. فكان مطلب “الفصل بين الدين والدولة” هو مطلب الزمان والمكان، ويكاد يكون مطلبًا مصريًا في بلد نشأة الإسلام السياسي الحديث. ولهذا السبب ووفق هذه الخلفية، جاءت ترجمة حسن حنفي لعنوان كتاب سبينوزا فاصلة بين الدين والسياسة: “رسالة في اللاهوت والسياسة”، فكان على حنفي وربما تلقائيًا ودون وعي منه أن يفصل الكلمتين، ويصلهما بحرف العطف “و”، وهو غير موجود في الأصل اللاتيني، فهذا الأصل اللاتيني يتحدث عن شيء واحد وهو وصف الكتاب بأنه كتاب في اللاهوت السياسي Theologico-Politicus. وهو يترجم إلى الإنجليزية بطريقة لا تفصل بين اللاهوت والسياسة بل تقدمهما على أنهما شيء واحد: Theologico-Political Treatise.
وليس الكتاب وحده هو بحث “لاهوتي – سياسي”، بل موضوعه نفسه “لاهوتي – سياسي؛ إنه اللاهوت السياسي. واللاهوت السياسي هو الدين السياسي، الدين الذي يدعي لنفسه سلطة سياسية ويحمل مشروعًا سياسيًا ويسعى لحكم الناس حكمًا سياسيًا بغلاف ديني. والمقصود في كتاب سبينوزا هو اليهودية. إنه لا يريد من الدين كما يمارس في بلده هولندا أن يصير دينًا سياسيًا على شاكلة اليهودية القديمة، لأن الشريعة اليهودية انتهت في جانبها السياسي بعد انتهاء دولة العبرانيين القديمة، ولم يبق من هذه الشريعة سوى جانبها الأخلاقي، الذي تشترك فيه مع كل الشرائع والأديان الأخرى لا فرق. إن رسالة سبينوزا هي: إذا أردتم الاحتفاظ بالدين في العصر الحديث، احتفظوا به كأخلاق فقط، لا كسياسة؛ وإذا أردتم دولة ديمقراطية حديثة، فيجب أن تسيطر على الدين وتكون لها وحدها السيادة العليا.
على الرغم من أن فؤاد زكريا قد ألف كتابًا في فلسفة سبينوزا وخصص لكتابه البحث اللاهوتي – السياسي فصلًا من عشرين صفحة[32] (وهي مساحة قصيرة جدًا بالنسبة إلى أهمية الكتاب ومركزيته في فلسفة سبينوزا، لكن يبدو أن رغبة فؤاد زكريا في تقديم كتاب يضم كل فلسفة سبيوزا حتَّم عليه الاختصار)، إلا أنه لم يناقش العنوان، ولم يبرره، ومن ثم لم يشرح التركيب اللغوي في عبارة “اللاهوتي – السياسي”. والتركيب اللغوي مهم جدًا لمعرفة غرض ومقصود سبينوزا من الكتاب. هذا علاوة على أنه هو وحسن حنفي كتبا اسم سبينوزا بالألف (إسبينوزا). ربما لأن اللسان العربي لا ينطق ساكنين في بداية الكلمة، فلزم عليه التوقف بقطعهما بزيادة الألف، ولكن هذا مخالف للكتابة والنطق الأصلي الذي يبدأ بحرف السين: Spinoza. صحيح أن الاسم الأصلي لسبينوزا هو Espinoza Baruch de، إلا أنه غيره إلى Benedictus Spinoza، بعد صدور قرار الجماعة اليهودية في أمستردام بحرمانه، وصار سبينوزا يوقع باسمه الجديد بدون E. ونحن نحترم قرار سبينوزا بتعديل اسمه.
************
صرح حنفي في مطلع مقدمته للترجمة بأن اختياره لكتاب سبينوزا بالذات كان بهدف إيصال شيء إلى القارئ العربي لا يستطيع أن يكتبه بنفسه، فاختار ترجمة هذا الكتاب كنوع من التأليف غير المباشر، أو ربما كنوع من التخفي وراء فيلسوف شهير. يقول حنفي: “إن اختيار نصوص بعينها للترجمة في حد ذاته تأليف، ويكون المترجم في هذه الحالة مؤلفًا بطريق غير مباشر. قد يكون الدافع… حساسية الموضوع بالنسبة لبعض الطوائف التي ترى فيه تعديًا صارخًا على حقوقها أو جرأة على عقلية مجتمع لم يبلغ بعد من التطور والتنوير ما يستطيع به تقبل الموضوع الجديد بسهولة ويسر، أو تعبيرًا للمترجم عن نفسه من خلال الآخرين، حتى تتحول القضية من الذاتية إلى الموضوعية”[33]. ثم يذكر حنفي بعد ذلك أن كل ترجمة تأتي في سياق احتياجات العصر وترتكز على التاريخ الحضاري، أي على اللحظة الحضارية للأمة التي ينتمي إليها المترجم. حنفي إذن على وعي تام ببواعثه إلى ترجمة كتاب سبينوزا، لكنه لا يصرح بها في فقرته السابقة وإن كان قد ألمح إليها: إنها مواجهة التيارات الأصولية والإسلام السياسي الذي كان قد بدأ في الظهور في عصر حنفي. وترجمته لكتاب سبينوزا هي كما قال، تأليف غير مباشر. وهنا بالضبط يكمن سبب ترجمته العنوان إلى رسالة في اللاهوت والسياسة، وليس إلى البحث اللاهوتي – السياسي، وهي العبارة التي كان يعرفها حنفي جيدًا من كتاب فؤاد زكريا. والسبب هو أجندة الفصل بين اللاهوت أي الدين، والسياسة أو الدولة. سيطر هذا الفصل على تفكير حنفي حتى ظهر في ترجمته للعنوان، لأن الترجمة كما قال هي “تأليف غير مباشر”.
العلمانية والدين والدولة
ترجم حسن حنفي كتاب سبينوزا من الترجمة الفرنسية التي أعدتها مادلين فرنسيس والصادرة سنة 1954، وتأثر فيها بالمقدمة التي وضعتها فرنسيس لكتاب سبينوزا والتي تبرر فيها ترجمتها للعنوان إلى “بحث في السلطات الدينية والسياسية”Traité des autorités théologique et politique[34]. إذن مادلين فرنسيس فصلت هي الأخرى بين الدين والسياسة، وبررت هذا الفصل في مقدمتها بذهابها إلى أن موضوع الكتاب هو السلطات الدينية والسلطات السياسية وضرورة الفصل بينهما. لكن ليس هذا هو مقصود سبينوزا الأساسي، صحيح أنه يتعرض لهذا الموضوع في الفصول الأخيرة، إلا أن هدفه راديكالي أكثر من ذلك، فهو ينقد الدين السياسي نفسه ولا يهدف الفصل بين سلطتين، دينية وسياسية؛ بل إن هدفه الحقيقي هو سيطرة الدولة على الدين، لا الفصل بينهما، ووضع الدين تحت السيادة السياسية للدولة.
وهنا يتبين لنا معنى آخر للعلمانية مختلف عن المعنى الشائع. تُفهم العلمانية الآن على أنها هي الفصل بين الدين والدولة، ولم يكن مشروع سبينوزا يتمحور حول هذا المبدأ وحده، بل العلمانية عنده هي سيطرة الدولة على الدين، وألا تكون للدين من سلطة على الناس لأن السلطة هي للدولة وحدها والتي هي عنده ممثلة للسيادة الشعبية. يقول سبينوزا: “الدين لا تكون له قوة القانون إلا بإرادة من لهم الحق في الحكم.. ليس هناك حكم خاص يمارسه الله على البشر ويتميز عن ذلك الذي تمارسه السلطة السياسية.. ممارسة العبادات الشرعية وأفعال التقوى الظاهرة يجب أن تتفق مع سلامة الدولة ومصلحتها”[35]. إن سبينوزا صريح للغاية في الإعلان عن ضرورة سيطرة الدولة على الدين، لا مجرد الفصل بينهما، ذلك الفصل الذي يصنع سلطتين داخل الدولة الواحدة. وهو يؤكد على أن المؤسسات الدينية لا تكون لها سلطة إلا بموافقة الدولة، مما يعني أن أي سلطة لهذه المؤسسات هي نتيجة ضعف للدولة، واقتطاع من سلطاتها، فقد كان سبينوزا على وعي تام بأن لأي مؤسسة دينية سلطة سياسية ونزوعًا طبيعيًا نحو حيازة سلطة سياسية مقتطعة من سلطة الدولة، فقد كان هذا هو حال الكنيسة مع الدولة في التاريخ الأوروبي، منذ انهيار الإمبراطورية الرومانية في أواخر العصر القديم، وطوال العصور الوسطى وحتى مطلع العصر الحديث.
بل إن سبينوزا يضع الدولة بوصفها صاحبة الحق الوحيد في تفسير الدين!! ساحبًا هذا الحق من السلطات الدينية. يقول سبينوزا: “فما دام العقل والتجربة يشهدان بأن القانون الإلهي يقوم على مشيئة السلطات العليا الحاكمة وحدها، ينتج عن ذلك أن لهذه السلطات نفسها حق تفسيره”[36]. فبما أن سبينوزا قد وضع الأمور الدينية كلها في حيز المجال العام، ووضع شئون العبادات الظاهرة والشعائر الدينية في المجال المدني وحده، فقد صار تفسير الدين في يد السلطة السياسية للدولة، المسئولة عن تنظيم كل ما هو عام وكل ما هو مدني يخص المجتمع كله. والمبدأ الأساسي الذي وجه سبينوزا في رأيه حول حق الدولة في تفسير الدين هو قوله: “لا يمكن لأحد أن يطيع الله حقًا إلا إذا اتفق سلوكه الديني مع المصلحة العامة، وأطاع جميع قرارات السلطة العليا”[37]. فإذا كانت هناك طائفة دينية في المجتمع تتعارض ممارساتها الدينية مع المصلحة العامة وسلامة الدولة، فسوف تكون هذه الممارسات باطلة ومُضِرَّة بالمجتمع والدولة ومن ثم يكون للدولة الحق في منعها؛ وقبل منعها يجب على الدولة أن تفسر ما هي تلك الممارسات الدينية المضرة، وتميز بين النافع والضار للدولة. ومن ثم فسلطة تفسير الدين هي للدولة عند سبينوزا، بما أن الدين هو شأن عام ويؤثر في المجال العام.
أثر العلمانية الفرنسية
والواضح مما سبق أن مشروع سبينوزا هو سيطرة الدولة على الدين، وتحويل أمور الدين كلها إلى السيادة السياسية للدولة، لا الفصل بينهما. لكن يبدو أن المترجمة مادلين فرنسيس قد تأثرت بتراث العلمنة الفرنسي Laïcité، صاحب مبدأ الفصل بين الدين والدولة، أو بالأحرى الكنيسة الكاثوليكية الرومانية والجمهورية الفرنسية، والذي تم البدء فيه منذ السنوات الأولى من الجمهورية الثالثة (1871 – 1874)، وتم تقنينه بصدور قانون الفصل بين الكنيسة والدولة سنة 1905 Loi du 9 décembre 1905 concernant la séparation des Églises et de l’État. كان حنفي يعيش في سياق مشابه، فبالإضافة إلى حياته في فرنسا فترة بعثته وتأثره هناك بالصيغة الفرنسية من العلمانية، فقد كان يشعر باحتياج مصر في عصره إلى مثل هذا الفصل ذي الأصل الفرنسي بين الدين والدولة، إذ كانت مصر ولا تزال تعاني من ازدواجية السلطتين الدينية والمدنية، وازدواجية نظام التعليم بين التعليم الديني والتعليم المدني. ومن أسباب ازدواجية السلطتين الدينية والمدنية، وجود سلطة كبيرة للمؤسسات الدينية على الشعب تزاحم وتنافس سلطة الدولة، وربما كان هذا يرجع إلى تراث محمد علي باشا؛ فشيوخ الأزهر هم الذين أتوا بمحمد علي إلى السلطة!! ربما وفق مبدأ فقهي قديم هو شرعية ولاية المتغلب، ذي الشوكة والجند الوفير. صحيح أنه انقلب عليهم بعد ذلك، إلا أن المؤسسة الدينية ظلت سلطة موازية في التاريخ المصري الحديث. وأما عن ازدواجية التعليم فيتمثل في تعليم ديني يشرف عليه الأزهر، وتعليم مدني تشرف عليه الدولة؛ المسألة إذن هي: الأزهر والدولة، اللاهوت والسياسة.
ورغم ما قيل عن نابليون وأنه هو الذي انقلب على علمانية الجمهورية الأولى وفصلها بين الدين والدولة، وأعاد العلاقة مع الكنيسة الكاثوليكية الرومانية في اتفاق يسمى “التوافق” Concordat سنة 1801، إلا أن هذا الاتفاق في حد ذاته يتفق تمامًا مع ما دعا إليه سبينوزا من سيطرة الدولة على الدين. فقد نص على أن الكاثوليكية هي ديانة الأغلبية من مواطني فرنسا، أي أنه لم يعترف بأن الكاثوليكية هي الدين الرسمي للدولة كما كان الحال قبل الثورة الفرنسية، وبذلك حافظ على الحريات الدينية وخاصة للطوائف البروتستانتية واليهود. كما نص على أن مرتبات رجال الدين تدفعها الدولة ويقسم هؤلاء قسم الولاء للدولة، وعلى الكنيسة أن تسقط مطالبتها بالأراضي والممتلكات التي صادرتها حكومات الثورة الفرنسية. وهذا هو مبدأ سيطرة الدولة على الدين وعلى المؤسسات الدينية كما أعلنه سبينوزا. لكن ترك الاتفاق سلطات كثيرة للكنيسة الكاثوليكية، منها الإشراف على مدارس ومستشفيات وجمعيات خيرية كثيرة، مما حافظ على وضع متميز لها في المجتمع والدولة الفرنسية. ربما كان نابليون متأثرًا بتجربته مع الأزهر في مصر وما لمسه هناك من أثر كبير له على المصريين؛ فمثلما يوجد الأزهر في مصر فيجب أن توجد الكنيسة في فرنسا، فهي التي كان يحتاجها لتبرير شرعيته المُفتقدة وهو الذي انقلب على الثورة الفرنسية وحكومة المُدَراء فور عودته من مصر سنة 1799. ولكن استأنفت الجمهورية الثالثة مشروع العلمنة الذي بدأته الثورة، وأحبطه نابليون بمعاهدة التوافق، واستعادت مبدأ الفصل بين الكنيسة والدولة، الذي بدأت في تطبيقه مباشرة من 1871 حتى صدور قانون سنة 1905، والذي أنهى معاهدة التوافق التي ظلت فاعلة في فرنسا منذ 1801.
لم يكن سبينوزا في مناداته بسيطرة الدولة على الدين بغريب عن السياق الأوروبي، ذلك لأن مبدأ “حاكم الإقليم يختار الدين” Cujus regio, ejus religio هو المبدأ الذي اعترفت به وأقرته كل الدول الأوروبية من أجل إنهاء الحروب الدينية بين الكاثوليك والبروتستانت، وذلك في معاهدة أوغسبورغ سنة 1555. فحسب هذا المبدأ، صار من حق كل حاكم اختيار الدين السائد في منطقة حكمه، وكان هذا المبدأ هو البداية الأولى للعلمنة والتي وضعت المؤسسات الدينية تحت سيادة الدولة. وبعد سبينوزا ظهر مبدأ سيطرة الدولة على الدين في حكومات الثورة الفرنسية، ثم مع نابليون، وأخيرًا مع مشاريع العلمنة التي نفذتها الجمهورية الثالثة ابتداءً من 1871 وحتى صدور قانون سنة 1905 والمعروف بـ”قانون الفصل بين الكنيسة والدولة” Loi du 9 décembre 1905 concernant la séparation des Églises et de l’État؛ والذي كان في حقيقته قانون سيطرة الدولة على الكنيسة[38].
فالذي حدث في فرنسا ليس هو فصل بين الدين والدولة، بل هو سيطرة الدولة على الدين، تمامًا كما قال سبينوزا، لكن تم تقديم هذه السيطرة على أنها فصل، للتحفيف من حدة هذا المشروع، الذي كان في حقيقته سحب سلطات الكنيسة على التعليم ورعايتها للمستشفيات والأعمال الخيرية، ووضعها تحت إشراف ورقابة الدولة مباشرة.
خاتمة
عندما أقول إن الموضوع الحقيقي لكتاب سبينوزا هو اللاهوت السياسي، فإن ما أعنيه هو الدين كما يتمفصل مع السياسة وكما تشكله السياسة وتتسبب في تكوينه التاريخي، بحيث يصير الدين لاحقة للسياسة. إن اللاهوت السياسي ليس هو الدين في ذاته مستقلًا عن أي شيء آخر، بل الدين كما يظهر للوعي السياسي أو الوعي الذي تشكله الحياة السياسية، أي تَشَكُّل الدين نفسه سياسيًا. وليس المقصود من اللاهوت السياسي التوظيف السياسي للدين، بل المقصود هو الوعي السياسي بالموضوع الديني، أو السياسي بوصفه الشرط القبلي للوعي بالديني. لقد أوَّل الفلاسفة اليهود في العصور الوسطى وعصر النهضة التصور التوراتي عن الإله بوصفه تصورًا سياسيًا، فالإله في التوراة يُقَدَّم كملك ولديه جنود ويظهر بوصفه حاكمًا، للأرض والسماء. ويقول هؤلاء الفلاسفة إن تقديم الإله بهذه الصورة ليس مجرد تمثيل بلاغي ولا يقتصر الهدف منه على كونه مجرد وسيلة لتقريب معنى الألوهية من أفهام العامة، بتمثيل الإله بشيء يعرفه البشر في حياتهم كالملك وجنوده، بل إن تأويلهم ينص على أن هذه الطريقة في إدراك الألوهية تأتي من اختلاط الدين بالسياسة عند العبرانيين القدماء، وكون السياسة هي الشرط القبلي للوعي بالموضوع الديني. هذه الرؤية السياسية لموضوع الديني هي التي ينقدها سبينوزا، ولاشك أنه استفاد من التأويلات العقلانية التي قدمها الفلاسفة اليهود للتصور التوراتي عن الألوهية، فهذا التصور هو “اللاهوت السياسي” بعينه. ويريد سبينوزا نقد هذا اللاهوت السياسي لأنه في نظره لا يمكن الاستمرار فيه في العصر الحديث، وأن مستقبل الدين سيكون في جانبه الأخلاقي وجانب المعاملات الصالحة بين الناس، وهذه حسب سبينوزا هي الطريقة التي يمكن أن يستمر فيها الدين في الحياة في العصر العلماني.
ولما كان حسن حنفي قد قال بنفسه إن كتاب رسالة في اللاهوت والسياسة قد هزه هزًا عنيفًا وهو في فرنسا، فإن هذه الهزة العنيفة، التي كانت فكرية ووجدانية معًا، هي هزة لمسلماته السابقة، وأثرت فيه بعمق، حتى صار إنسانًا جديدًا بعدها، فأعتقد أن تجربة حنفي مع كتاب سبينوزا قد جعلته يراجع الكثير من مسلماته الدينية والأيديولوجية ويرجع عن الفكر الإخواني القطبي الذي كان يتبناه في مراهقته ومطلع شبابه. ورغم أن حنفي كان صريحًا إلى حد الإحراج في مذكراته التي أباح فيها بالكثير من مكنونات صدره، إلا أنه لم يُفَصِّل ولم يشرح كيف غيره كتاب سبينوزا من داخله وما هي المسلمات التي هزها وكيف قلبه كتاب سبينوزا بالكامل، إذ ربما احتفظ بحياته العقلية لنفسه، وأظهر حياته الاجتماعية والوظيفية بكثير من التفصيل. ولم يظهر التحول الفكري الذي حدث لحنفي إلا لاحقًا، ويمثل كتابه من العقيدة إلى الثورة (1988) المثال الأبرز على أثر سبينوزا في تفكيره، حتى أننا يمكن أن نعثر على آثار سبينوزية واضحة في هذا الكتاب.
وربما أدرك عبد الجواد ياسين المعنى الحقيقي لعنوان كتاب سبينوزا نظرًا لأنه كان يبحث في موضوعات قريبة للغاية منه في كتابه اللاهوت. ولم يكن ياسين ببعيد عن تيارات الإسلام السياسي، إذ كان في الوسط منها في مطلع حياته، وربما كان منخرطًا فيها إلى حد أبعد بكثير من مجرد إعجاب حنفي بالبنا وقطب وانجذابه الفكري لهما. ولأن ياسين قد اشتبك فكريًا مع الأيديولوجيا السياسية للأصوليات الدينية، فقد كان أكثر وعيًا من حنفي بالمحتوى الحقيقي لكتاب سبينوزا ومن ثم بالترجمة الأصح لكتابه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر والمراجع:
[1]) اسبينوزا، رسالة في اللاهوت والسياسة، ترجمة حسن حنفي، مراجعة فؤاد زكريا، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1971.
[2]) ويعد جوناثان إسرائيل الباحث الإنجليزي المخضرم من أهم الذين كرسوا حياتهم في سبيل الكشف عن حجم ذلك التأثير، وتأثير مجمل فلسفة سبينوزا، في عصر التنوير على وجه الخصوص، إذ خصص لهذا الموضوع موسوعته عن عصر التنوير المكونة من أربعة مجلدات ضخمة:
Jonathan Israel. Radical Enlightenment. Philosophy and the Making of Modernity 1650-1750. (Oxford: Oxford University Press, 2001); Enlightenment Contested. Philosophy, Modernity, and the Emancipation of Man 1670 – 1752 (New York: Oxford University Press, 2006) Democratic Enlightenment. Philosophy, Revolution, and Human Rights 1750 – 1790. (New York: Oxford University Press, 2011); The Enlightenment That Failed: Ideas, Revolution, and Democratic Defeat, 1748-1830. (Oxford: Oxford University Press, 2019).
[3]) فؤاد كريا، اسبينوزا، دار التنوير، الطبعة الثانية، بيروت، 1983، ص 31.
[4]) عبد الجواد ياسين، اللاهوت: أنثروبولوجيا التوحيد الكتابي، مؤمنون بلا حدود للنشر والتوزيع، الرباط/ بيروت، 2019، ص 158.
[5]) أحمد أمين وزكي نجيب محمود، قصة الفلسفة الحديثة، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1936، ص 136. وقد قال المؤلفان أنهما اعتمدا في كتابته على كتاب ويل ديورانت قصة الفلسفة.
[6]) Will Durant, The Story of Philosophy: The Lives and Opinions of the Greater Philosophers (New York: Simon & Schuster, 1926), p. 162.
[7]) يوسف كرم، تاريخ الفلسفة الحديثة، دار المعارف، القاهرة، 1949، ص 103.
[8]) حسن حنفي، ذكريات، الجزء الأول (1935 – 2018)، مؤسسة هنداوي، 2019، ص 99.
[9]) رفاعة الطهطاوي، تخليص الإبريز في تلخيص باريز، في الأعمال الكاملة لرفاعة رافع الطهطاوي، تحقيق محمد عمارة، دار الشروق والهيئة المصرية العامة للكتاب، مشروع مكتبة الأسرة، القاهرة، 2010، المجلد الثاني، ص 183.
[10]) انظر أعمال جوناثان إسرائيل السابق ذكرها، بالإضافة إلى
Steven Nadler. A Book Forged in Hell: Spinoza’s Scandalous Treatise and the Birth of the Secular Age. (Princeton, N.J.: Princeton University Press, 2011); id, Spinoza’s Heresy: Immortality and the Jewish Mind. (Oxford, New York: Clarendon; Oxford University Press, 2004); Willi Goetschel. Spinoza’s Modernity: Mendelssohn, Lessing, and Heine. Madison, Wis.: University of Wisconsin Press, 2004). Yirmiyahu Yovel. Spinoza and Other Heretics, Volume 1: The Marrano of Reason. (Princeton, N.J.: Princeton University Press, 1989).
[11]) المرجع السابق، ص 98.
[12]) حسن حنفي، ذكريات، الجزء الأول: 1935 – 2018، مؤسسة هنداوي، 2019، ص 73
[13]) المرجع السابق، ص 99.
[14]) المرجع السابق، ص 108.
[15]) حسن حنفي، ذكريات، الجزء الثاني، 1935 – 2021، ص 169.
[16]) حسن حنفي، “رسالة في اللاهوت والسياسة لاسبينوزا”، تراث الإنسانية، المجلد السابع (1)، مارس 1969. أعيد نشره في، حسن حنفي، في الفكر الغربي المعاصر، دار الفكر العربي، القاهرة، 1977.
[17]) واستمر حنفي يكتب اسم سبيوزا بالألف في كتابه مقدمة في علم الاستغراب، الدار الفنية للنشر والتوزيع، القاهرة، 1991، ص 262 – 265.
[18]) Carl Schmitt. Political Theology: Four Chapters on the Concept of Sovereignty. (Chicago: University of Chicago Press, 2005).
[19]) Heinrich Meier. Leo Strauss and the Theological-Political Problem. (Cambridge: Cambridge University Press, 2006).
[20]) اسبينوزا، رسالة في اللاهوت والسياسة، ص 204.
[21]) المرجع السابق، ص 204 – 205.
[22]) المرجع السابق، ص 205.
[23]) المرجع السابق، ص 388.
[24]) المرجع السابق، ص 389. .
[25]) Spinoza. Political Treatise, trans. Samuel Shirley, with introduction and notes by Steven Barbone and Lee Rice (Indianapolis: Hackett, 2000)
سبينوزا، رسالة في السياسة، ترجمة عمر مهيبل، مؤمنون بلا حدود، الرباط/ بيروت، 2018.
[26]) حسن حنفي، ذكريات، الجزء الثاني (1935 – 2021)، مؤسسة هندوي، 2022، ص 127
[27]) أحيانًا ما كان حسن حنفي يقول “الشهيد سيد قطب”، انظر، حسن حنفي، “أثر الإمام الشهيد سيد قطب على الحركات الدينية المعاصرة”، دراسة قدمت في المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، وحدة بحث السلوك الإجرامي، القسم الثالث من ندوة “الحركات الاجتماعية المتطرفة” (الحركات الدينية)، القاهرة ١٩٨٠ م، ونشرت في: الدين والثورة في مصر (1952 – 1981)، الجزء الخامس؛ الحركات الدينية المعاصرة، مؤسسة هنداوي، 2025، 113 – 202؛ حسن حنفي، دراسات فلسفية (الجزء الأول)، في الفكر الإسلامي المعاصر، مؤسسة هنداوي، 2020 (الطبعة الأولى 1987)، ص 34، 238.
[28]) من حديث لحسن حنفي معي سنة 2012.
[29]) Aristides Balta. Peeling Potatoes or Grinding Lenses: Spinoza and Young Wittgenstein Converse on Immanence and Its Logic. (University of Pittsburgh Press, 2012); Lemoine, Roy E. “WITTGENSTEIN AND SPINOZA”. The Anagogic Theory of Wittgenstein’s “Tractatus”, Berlin, Boston: De Gruyter Mouton, 1975, pp. 96-114.
[30]) للمزيد حول هذه الرسائل، انظر: جورج شحاتة قنواتي، مؤلفات ابن رشد، مهرجان ابن رشد في الذكرى المئوية لوفاته، إدارة الثقافة، جامعة الدول العربية، المطبعة العربية الحديثة، القاهرة، 1978؛ جمال الدين العلوي، المتن الرشدي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، 1986.
[31]) فؤاد كريا، اسبينوزا، ص 32.
[32]) فؤاد زكريا، اسبينوزا، ص 173 – 195.
[33]) مقدمة حسن حنفي لترجمة كتاب رسالة في اللاهوت والسياسة، ص 5.
[34]) Benedictus de Spinoza. Traité Des Autorités Théologique et Politique. Traduit et annoté par Madeleine Francès (Paris: Gallimard, 1954).
[35]) اسبينوزا، رسالة في اللاهوت والسياسة، ص 422.
[36]) اسبينوزا، رسالة في اللاهوت والسياسة، ص 425.
[37]) اسبينوزا، رسالة في اللاهوت والسياسة، ص 426.
[38]) Raphael Liogier. “Laïcité on the Edge in France: Between the Theory of Church-State Separation and the Praxis of State-Church Confusion”, Macquarie Law Journal (2009) Vol 9, pp. 25 – 45.