تكوين
تتسارع التساؤلات الأنطولوجية والوجودية حول مفاهيم الايمان المتصارع مع اللاإيمان، والشكوكية المتمادية في اللامبالاة، واللاأدرية الموسومة بالقلق… لتتسلّل إلى ذوات البشر السائرين، وسط الظلمة والظلم، نحو غدٍ سيكون في الغالب صادماً، تصعق إطلالته غالبيّة انتظاراتهم، وبخاصة أولئك الذين “قُدّر” لهم أن تتحدّد حياتهم ضمن أطرٍ منغلقة على الصراعات والصدامات العنفية، وكأنهم في نفقٍ لم يعودوا يعلمون كيف دخلوه ولماذا، ولا كيف يخرجون منه وبأيّ توقيت!
تحت رهبة هذا الواقع المفروض قسراً على الانسان، نراه يطرح، تارةً بجرأةٍ وقوّة وطوراً بخجلٍ وتردّد، مسألة “الله”، ذاك اللامحسوس الذي ينحني البعض أمامه إجلالاً، ويسائله البعض الآخر من باب الحقّ في تبيّن “حقيقته” وما وراء تلك الحقيقة.. في وقتٍ يذهب آخرون إلى إنكاره حضوراً ووجوداً.
ولا شكّ في أنه كان للعديد من الفلاسفة دورهم الأوّلي في طرح هذه المسألة حيث تباينت مواقفهم إزاء الله، بعد مِحَنهم وتجاربهم المنعقدة على المرارة والألم.
أولاً: الانكسار وإعلان “موت الله”
يتعرّض الفرد، خلال مراحل حياته، لجملةٍ من الظروف التي تضعه في مواجهةٍ مع ذاته ومع معتقداته وقد حفرها فيه عميقاً التلقين الديني والمجتمعي في البيئة التي ينتمي إليها. وفي هذه الحال، يتحوّل الله إلى “إشكاليةٍ” متأرجحة بين الوضوح الذي يفرضه الايمان، والغموض الذي تغذّيه الشكوك.. وتتفاقم تبعات هذه الاشكالية لتؤرق الانسان في أزماته الحياتية.
وعندما يشهد تاريخ الأحداث تراكماتٍ متواصلةٍ من الانكسارات، يبرز شرْخٌ واسعٌ بين من يُلقي باللائمة على الله، وبين من يجد فيه ملاذاً وحُضناً “أبوياً”.
في انكسار جبران خليل جبران عند وفاة شقيقته، صرخ قائلاً:
“لقد مات ربّي عندما أمات سلطانة”.
واهتزّت تقليدية إيمانه حينما تلت هذا الحدث الأليم ضربةٌ أخرى بفقدانه والدته.. فكأنه استجمع أحاسيس الغضب كلّها ليُطلقها في وجه الله، ويُعلن موته باعتباره المسؤول عن رحيل أحبّته.
وكان آرثر شوبنهاور قد عاش هذا الانكسار إثر انتحار والده وإصابة جدّته بلوثةٍ عقلية، وتوتُّر علاقته بمَن ولدته في عالمٍ “من الشقاء والتعاسة”.. فرفض فكرة أن يكون العالم من صنع كائنٍ رحوم، بل اعتبره تجلّياً لإرادةٍ عمياء غارقةٍ في الألم.
وأمّا فريدريك نيتشه الذي فقد والده في سنّ الخامسة، وعانى من نوبات الصداع النصفي واضطرابات المعدة وقصر النظر الشديد منذ طفولته، ما لبث أن اكتشف النزعة الشوبنهاورية التشاؤمية وتأثّر بالفلسفة الأبيقورية وبمفكّري التوجّهات الالحادية.. فأعلن “موت الله”، وهلّل “للانسان المتفوّق”، وكان الباحث الدائم عمّا “وراء الخير والشرّ” و “في الارادة الحرّة والقدر”، إلى أن وقع، في نهاية حياته، فريسة الذهان والهوس الاكتئابي.
وها هو إميل سيوران، المنطلق من تأمّلاتٍ في اليأس والعزلة والعدم، يحاكم الله متّهماً إيّاه بفقدان الاهتمام بالانسان وبعدم منحه نعمته. فكان، بحسب تصوّره، ذاك الاله الذي “يُبقي نفسه بعيداً”، ذاك “الحلّ الوحيد”، إنّما المفقود، لمعاناة الانسان ووجوده في عالمٍ عبثي. فكأنّ سيوران كان يستحضر صرخة نيتشه الفلسفية المدوّية حول موت الله ليوصّف يأسه بالنار الضاربة في وجوده كإنسان، وهو الذي كان فيلسوفاً “مستاءّ من كلّ شيء”1 ، حتى ولو تمّ تنصيبه إلهاً، كما قال، لسارع إلى تقديم استقالته، وهو لم يُرِد تمرّداً نسبياً ضدّ اللاعدالة، بل أراده تمرّداً أبدياً، “لأنّ بؤس البشرية أبدي.”2
إقرأ أيضًا: في استحالة قتل الرب: الجزء الأول
ونصل إلى لودفيغ فيتغنشتاين الذي عاش تناقضاتٍ عدّة في حياته، داخل قصرٍ عائليٍّ مليءٍ بالبيانوهات الكبيرة، حيث كانت رقّة الموسيقى ودقّتها تصدحان في أرجائه، في كنف أمّ عانت من القلق النفسي وعدم الوثوق بالذات، وأب صارم إفتقر دوماً إلى التعاطف مع الآخرين، ومع أحداثٍ مأساويةٍ تمثّلت بانتحار ثلاثةٍ من إخوته، وبانتحار أوتو فينيغر، الفيلسوف النمساوي الذي كان متاثّراً بكتابه “الجنس والشخصية”… فقد خلُص فيتغنشتاين إلى أنه مهما كان الاعتقاد بالله،
“فلا يمكن أن يكون اعتقاداً في شيءٍ يمكن اختباره، أو يمكن أن نجد له إجراءاتٍ لاختباره.”3
ولا يمكن بالتالي مناقشة الأمور المتعلّقة بالله منطقياً، وإنّما ينبغي التعامل معها بالصمت لأنها تقع خارج نطاق اللغة الوصفية الدقيقة.
ثانياً: الانكسار.. طريقٌ نحو الله
فيما تهزم الحياة كبار المفكّرين والفلاسفة فيغرقون في مساءلة الله حتى بلوغ إنكاره.. نرى آخرين منهم يرزحون كذلك تحت ثقل أزماتٍ وجوديةٍ مجدولةٍ على يأسٍ مطلق.. وإنّما يكون ركونهم إلى الله وإلى محاولة اكتشافٍ متجدّدٍ للاختبار الايمانيّ.
يحضر أمامنا هنا القديس أغوسطينوس، رمزاً للانسان الذي حوّلت مجرى حياته بكاملها حالة الارتداد إلى الله، وانتقاله الاراديّ الواعي من انجذابٍ إلى المانوية وانغماسٍ في تعاليمها ومعتقداتها، نحو انتماءٍ كلّيانيٍّ إلى المسيحية، وإلى الكنيسة كمدينةٍ روحانيةٍ متمايزة عن مادّية المدينة الأرضية.
إلى جانب أمٍّ مسيحيّةٍ مؤمنةٍ كانت تلوذ إلى الوحدة والتأمّل، وأب وثنيّ إعتنق المسيحية على فراش الموت.. لم يهتدِ أغوسطينوس إلاّ بعد مرحلة حياةٍ صاخبة جعلته يسعى وراء تنقية قلبه وروحه ليكون جديراً باستفاقة الله، مصدر كلّ خيرٍ وحقٍّ، داخل ذاته المنتفضة على ما عاشته والمصمّمة على المضيّ وفق سلوكٍ تديّنيٍّ حقيقيّ. فناجى الله في كتابه “الاعترافات” قائلاً: “من أنا؟ وأيّ شرٍّ لم آته فعلاً أو قولاً أو إرادةً؟ أمّا أنت أيها الربّ الصالح والرحيم، فقد سبرتَ بنظرك لجّة موتي، ومن عمق قلبي إستأصلتَ الفساد، فكفرتُ بكلّ ما كنتُ أريد واعتنقتُ كلّ ما تريد.”4
إقرأ أيضًا: البحث عن الفلسفة بين ثنايا التاريخ
وبعد سنواتٍ طوال، أطلّ علينا بليز باسكال الذي عاش تسعةً وثلاثين عاماً يتيم الأمّ (فقدها وهو في سنّ الثالثة)، وتحت وطأة آلامٍ مزمنة وصراعٍ متّقد مع ثقل المعاناة الجسدية والنفسية معاً، ما جعله يستشعر محدودية الكائن الانساني ووجوب توقه نحو الخالق.
وقد انطلق دون تردّد، وهو الفيلسوف والباحث في الهندسة الرياضية وفي الفيزياء والميكانيك والحساب، وصاحب الانجازات العلمية الكبيرة، نحو الخيار الايماني الذي رسّخ فيه قناعةً بأنّ علينا “أن نحيا لله وحده”، وأنّ في أعماق كلّ منّا “فراغاً على شكل الله” لا يملأه إلاّ الله، ذاك الذي يسطع في تواضعنا وصدقيّتنا، ويحتجب عنا في غرورنا وأنويّتنا، وينتشلنا من ضياعنا في اتّساع الكون ولانهائيته. وهو أتقن فنّ الارتقاء نحو الله بالتوازي مع وطأة جلجثته المأساوية التي رافقته، كما اعترف بنفسه، مدّة عشرين عاماً من شبابه وحتى إسلامه الروح، فامتزجت في شخصه عبقرية المتألّم مع التصميم على الدفاع عن الدين.
وصُدم البعض بقوله “إنّ البيرونية هي الحقيقة”5 ، لكنه أكمل الشرح معتبراً أنّ “البشر، قبل المسيح، لم يكونوا يعرفون مكانتهم، ولا إن كانوا عظماء أم صغاراً.”6 ومن حاول منهم أن يؤكّد شيئاً، كان فقط يخمّن بالصدفة وبعيداً عن أيّ منطق. لقد حداه إيمانه إلى رؤية ما لم يره أحدٌ قبله في مذهب الشكوكية، فأعطى معنىً خاصّاً ومميّزاً “لتعليق الأحكام” لدى الشكوكيين.
ومن باسكال إلى سورين كيركيجارد الذي حمل عبئاً روحياً وبسيكولوجياً ثقيلاّ إذ نشأ في كنف والدٍ مكتئبٍ وصارمٍ في آن، وأصابه التردّد في خيارات حياته الشخصية ففسَخَ خطوبته بريجين أولسن بعد حبٍّ كبير رفضاً نكاد نقول مَرّضياً للزواج التقليدي. ودخل حالة صراعٍ مع الكنيسة الدانماركية، محتجّاً على محاولة تحويل الديانة المسيحية إلى مجرّد كمٍّ من الطقوس الفارغة…
وقد ولّد انكساره، على المستويَيْن العاطفي والاجتماعي، فلسفةَ وعيٍ لديه بالذات الحقيقية وبالقدرة على اكتشاف الربّ في ملكوتنا الذاتاني، لأنّ الخروج من اليأس، ذلك “المرض حتى الموت”7 لا يتمّ إلاّ بوثبةٍ إيمانيةٍ تسلّم لله متجاوزةً كلّ عقلٍ ومنطق.
لقد أرادنا كيركيجارد أن ندرك، من خلال إدخالنا دائرة التأمّل الأنتروبولوجي/الميتافيزيقي، أنّ المؤمن يمتلك “الترياق الناجح الوحيد ضدّ اليأس – أي الامكانية – لأنّ كلّ شيءٍ ممكن لدى الله في كلّ لحظة.”8
ثالثاً: شعوب العالم اليوم ومحنة زمن الانكسارات الكبرى
بعدما تناولنا تبعات الانكسار في الحياة الشخصية للأفراد، وتحديداً لبعض الفلاسفة الذين عاشوا ضغوط تلك الحالة وانعكاساتها السلبيّة والايجابيّة على نظرتهم لله وعلاقتهم به.. نأتي إلى طرح المسألة على مستوى الجماعات التي تجد نفسها اليوم رهينةَ حروبٍ وصداماتٍ وصراعاتٍ يحرّكها الأقوى في وجه الأضعف.
إزاء هذا الواقع، تنقسم الشعوب إلى فئتَيْن: فئةٌ تحلم بالتحرّر من ربقة العبودية التي طالت عقوداً بفعل الدكتاتورية المسيطرة أو التيوقراطية المستبدّة أو الاثنتَيْن معاً، وترغب في أن تتقاطع أحلامها في التغيير مع ما ترسمه مصالح الدول الكبرى.. وفئةٌ أخرى معاندة تريد المحافظة على الستاتوكو القائم لأنه يلائم استمرارها في التحكّم بالشعب.
وفي المحصّلة، حيث تهبّ العواصف تنهمر الدماء بدلاً من المطر، وتبلغ قوّتها حدّ أعاصير تخلّف أشلاء عائلاتٍ وأشلاء حكاياتٍ ماضية.. فيجثو مسنّ فوق ركام منزله المدمّر لتقتله الحسرة بعد أيامٍ قليلة، وتنام طفلةٌ بين ذراعيّ والدتها لتصحو الإثنتان صباحاً في “عالمٍ ما بين العوالم”، في انتظار الرحلة الأخيرة..
إقرأ أيضًا: بِنيَة التَّساؤل الفلسفي عن الميتافيزيقا
أيّاً يكن دين هؤلاء الأشخاص، أيّاً يكن ما يعتقدون وبمن يؤمنون، إنهم صورةٌ مصغّرة عن شعوبٍ بأكملها تسعى وراء “ثقافة الحياة” وتنبذ الرضوخ “لثقافة الموت”.
إنها المحنة القدرية الأبدية التي لا تلبث أن تتكرّر في حروبٍ لامتناهية… وكأنه كُتب علينا أن تردّد أذهاننا في وعينا وفي لاوعينا، صدى مناجاة من فقدناهم، فندخل زمن انكساراتٍ كبرى تتخطّى خطورتها كسر أفئدةٍ تماهت مع الأوجاع وتعوّدت الاسترسال في تلقّي حتميّة الأحداث، على نحو ما كان يدعو إليه الرواقيون. “فلماذا نولد؟ ولماذا نموت؟ وما الذي يجعل هذه الحياة تستحقّ أن تُعاش إذا كانت نهايتها هكذا، دون موعدٍ، دون معنى، دون عدالة؟”9 أهو الالحاد؟ لا، هو “إحتجاجٌ وجوديٌّ على إلهٍ لا يُصغي، وعلى كونٍ لا يُعوّض، وعلى حياةٍ لا تعتذر.”10 على حدّ ما اعتبر الكاتب اللبناني أنطوان مظلوم في معرض معاتبته الله بعدما خطف الموت شقيقه الأكبر خلال الحرب اللبنانية.
خاتمة
أين الله “من” و “في” كلّ ما يجري؟ إن كان الله إله العقل أو إله الايمان، الإله-السؤال أو الإله-الجواب، كما وصّفه رينيه حبشي.. فأين نجده؟ ومن يكون؟
هل هو كامنٌ أو ظاهر؟ هل هو تلك المحبة الخالصة الخارجة عن أيّ توصيف، أو ذاك السيف القاطع الذي تستخدمه “الأنا” في وجه “الآخر” لمجرّد وقوع الاختلاف بينهما؟
هل هو “الخير المطلق” الأفلاطوني، أو “المحرّك الأول” الأرسطي، أو “الواحد” الأفلوطيني الفائض محبة ً وإشراقاً؟.. أم أنه الجوهر الوحيد اللانهائي، المتماهي تماماً مع الطبيعة، ذاك الجوهر المحايث والموجود بالضرورة كما في الفلسفة السبينوزية؟
هل هو الذي يتوسّله المرضى والضعفاء وضحايا القنوط لاستجداء رحمته عن نحو ما رآه نيتشه، أو هو إسقاطٌ للأوهام لدى الانسان الساعي إلى التخلّص من ذنبه الأوديبي؟
هل هو “صانع” الأرواح ومُطلقها إلى العالم، والمنتظِر أن يكون مآلها الأخير إليه؟.. وماذا لو تاهت تلك الأرواح؟ ماذا لو غضبت وثارت؟ ماذا لو لم تتحمّل تلك المرارة الضاربة في الأعماق؟
في زمن الانكسار، قد يكون لله تعريفٌ جديد وصورةٌ جديدة، في ظلّ تصارعٍ متمادٍ لثنائية الخير والشرّ في نفوس البشر.
في زمن الانكسار سؤالٌ خافتٌ، خجولٌ وقلِق حول صمت الله، ما يُخرج الروحانية من غفلتها، والشكوكية من لامبالاتها، واللاأدرية من سُباتها الفلسفي العميق!!
__________________________________________
المراجع:
[1] – إميل سيوران، على مرتفعات اليأس، ترجمة عبد الوهاب الملوح، الطبعة الأولى، مكتبة/702، 2020، ص. 108.
[2] – المرجع نفسه، ص. 133.
[3] – Ludwig Wittgenstein, Philosophical Occasion, 1912-1951, ed. By James Carl Klagge and Alfred Nordmann, Indianopolis: Hackett Publishing, 1993, p. 40.
[4] – القديس أغوسطينوس، الاعترافات، نقلها إلى العربية الخوري يوحنا الحلو، الطبعة الثالثة، دار المشرق، بيروت، لبنان، 1986، ص. 168.
[5] – Blaise Pascal, Pensées, J. Delmas et Cie, 1967, p. 186.
[6] – Ibidem
[7] – “المرض حتى الموت” أو “المرض طريق الموات”: كتاب لكيركيجارد (العام 1949)، طرح فيه سؤالاً جوهرياً: من هو الانسان؟ ساعياً وراء معالجة قضايا اليأس والخطيئة والضعف والايمان، وما تتضمّنه من إشكالاتٍ وجوديةٍ وأخلاقية.
[8] – سورين كيركيجارد، المرض طريق الموات، عرض مسيحي نفسي للتنوير والبناء، ترجمة د. أسامة القفاش، مكتبة دار الكلمة، الطبعة الأولى، القاهرة، 2013، ص. 55.
[9] – أنطوان بديع مظلوم، البحث عن اليقين، سيرة فلسفية، دار سائر المشرق، الطبعة الأولى، بيروت، 2026، ص. 65.
[10] – المرجع نفسه، ص. 67.