تكوين

استغرب الكثيرون من عودة الشعارات والأساطير الدينية في الحرب الحالية الدائرة رحاها بين أمريكا وإسرائيل وإيران، وإذا لم يكنْ مُستغربًا اعتماد نظام الملالي الثيوقراطي على بعض الشعارات والرموز الدينية من أجل التعبئة والطَمْأنَةِ، إلا أن ظهورَ تعابير مباشرة ومشابهة عند الطرف الأمريكي والإسرائيلي وعلى لسان شخصيات قيادية كبرى، يطرح أكثر من سؤال حول دلالتها. فقد صرّح نتنياهو قائلًا:

“ليست قُوَّتُنا من تضرب إيران، بل يدُ الربِّ من تُساندنا”

كما جاء في بيان لمجتبي خامنئي:

“قوةُ الله ستهدُّ جبروت أمريكا، وأدعو المسلمين السنة إلى الوقوف إلى جانبنا، لينالوا جزءًا من ثواب الجهاد الذي نخوضه”

كما صار لافتًا للانتباه الاستعمالُ المفرط للخطابِ الديني من طرف شخصيات من محيط البيت الأبيض وحتى من ضباط الجيش الأمريكي، معتمدين نبوءاتِ “نهاية الزمان” و”سفر الرؤيا” في العهد الجديد، مع عودة كلمة “أرمجدون” Armageddon ورموزها، بل ومن وزير الخارجية الأمريكي نفسه عبر القول، بإن أمريكا تُدافع عن “العالم المسيحي“، وسفير أمريكا بإسرائيل الذي برَّر حروبَ الدولة العبرية بالوعد الإلهي لليهود، وهو أمرٌ غيرُ مسبوقٍ بهذه الحدة الهذيانية في الحروب السابقة التي شهدها القرن العشرون والربعُ الأول من القرن الواحد والعشرين.

إن ظاهرةَ استحضار الآلهة في الحروب قديمةٌ ومشتركة بين أغلب الحضارات، ويمكن فهمها بوصفها جزءًا من تصور الإنسان القديم للعالم، إذ لم يكن ثمة فصلٌ بين الدين والسياسة والسلطة الاجتماعية، هذا الفصلُ الذي لم يظهرْ إلا بعد ترقي الإنسان في مدارج الحضارة.

ففي حضارات بلاد الرافدين ومصر القديمة واليونان القديمة، كان يُعتقد أن لكل شعب إلهه الحامي، ولم تكنْ الحربُ بين جيوش البشر فقط، وإنما كان الاعتقادُ سائدًا في وجود “حرب موازية” بين الآلهة أيضًا، كما تذكر “إلياذة هوميروس” في حرب طروادة. وبينما كان المنتصرُ يُفهم بأنه حَظِيَ بدعم مباشر من إلهه، ينظر إلى المهزوم كأنه تم التخلي عنه من طرفه عقابًا له. ويفسر هذا لماذا كان الملوكُ والقادة العسكريون يقومون بتقديم القرابين وطلب النصر من الآلهة. ففي اليونان القديمة أو روما مثلا، كان القادةُ يستشيرون الكهنةَ ويفحصون “علاماتٍ” معينةً في بعض الظواهر المحيطة، قبل اتخاذ قرار الحرب، وذلك لمعرفة إن كان الإلهُ قد سمح بإعلان الحرب أم لا. وبما أن الآلهةَ كان لها تماثيلُ ورموزٌ مادية، فقد كانت تُستعمل استعمالًا كبيرًا في الحرب النفسية ضدّ الخصوم أو للتعبئة الداخلية. وكانت الابتهالاتُ والأدعيةُ الجماعية بمنزلة استدرار لعطف الآلهة، وتطمينًا نفسيًا للاتباع.

وفي التاريخ الإسلامي، عَرفت الحروبُ بين المسلمين استعمالًا مفرطًا لمنابر المساجد التي لعبت أدوارًا كبيرةً في الفتن التي كان الدينُ فيها أهمَّ وسيلة للإقناع والتبرير والشرعنة، وأحيانًا ما كانت النصوص نفسها تُستعمل من الأطراف المتناحرة لتأكيد مصالح متضاربة.

ولأن الحربَ ـ مهما كانت أهدافها الحقيقية ـ كانت تُقدَّم بوصفها تنفيذًا لإرادة إلهية، فقد كان ذلك من أكبر وسائل شرعنة العنف المنظم، كما نجد في النصوص الدينية القديمة، عندما يصبح القتال “واجبًا” مقدسًا. وهكذا كانت الأطرافُ المتناحرة تسقط صراعاتها على العالم الميتافيزيقي لتمنحها معنًى وشرعية في نفوس الأتباع.

ويبدو أن هذا ما يحدث حاليًا في الحرب على إيران، إذ يُستحضرُ الدينُ في خطاب الحرب من الأطراف الثلاثة، دون أنْ يعني ذلك بالضرورة بأن هؤلاء القادة “يؤمنون” فعلًا بأن اللهَ يقف في صفهم، وإنما يعكس توظيفًا سياسيًا ورمزيًا للدين يخدم أهدافًا ظرفية متناقضة بين أطراف الحرب. يمكن تفسير ذلك بأن الدينَ يظل رغم كل التقدم العلمي والفكري والتِقْني أداةَ تعبئةٍ وشرعنة، يقدم بها كلُ طرف نفسه بوصفه مدافعًا عن “قضية عادلة” أو “رسالة مقدسة”، ما يمنحه شرعيةً أخلاقية أمام شعبه. في هذا السياق، يُختزل اللهُ في خطاب تعبوي يُبرر الحربَ ويحوّلها إلى واجب أخلاقي. فالله سيساعد أمريكا على تخليص العالم من الشر الإيراني الذي تسعى به نظام العمائم في امتلاك السلاح النووي للسيطرة على المحيط الإقليمي كله، كما سيساعد الله إسرائيل على النجاة من الإبادة التي يُخطط لها النظام الإيراني، كي تتكرر مأساة اليهود في السبي العظيم. وسيقف الله حتمًا إلى جانب إيران التي تتعرض لهجوم آثم من قوى الاستكبار العالمي والتي يحكمها رجال دين مقربون إلى الله ويحكمون وهم في خدمته وطبقا لشرائعه.

وتلعب النصوصُ الدينية دورًا مهمًا في الصراع القائم، كما كان عليه الأمرُ من قبل، وهي بطبيعتها نصوصٌ قابلة للتأويل في كل الاتجاهات، كما ينتقي منها كل طرف ما يخدم روايته: إيران تستند إلى خطاب “المقاومة”، إسرائيل إلى “أرض الميعاد” و”معاداة السامية“، والولايات المتحدة إلى فكرة “الرسالة الكونية” أو الدفاع عن النظام العالمي الذي تقوده. وفي هذه الرواياتُ الثلاث لا يكون اللهُ موضوعَ اتفاق، بل موضوعُ تأويلٍ وتصرف.

وحين تختلطُ العقيدةُ بالطموحات السياسية والمخططات العسكرية، تتحول المصالحُ إلى “حق إلهي”، وهذا ما يجعل كل طرف يعتقد ضمنيًا أن اللهَ معه، لأن تصوراته عن الله صيغت أصلًا بما يخدم تلك المصالح.

وفي جميع الأحوال، يبدو أن عودةَ الدين في الحرب الحالية ترافقها عودة كل سلبيات الماضي البشري، في شرعنة العنف والعدوان باسم السماء، وهي آليةٌ دفاعية في التحليل النفسي يتخذ فيها الدينُ والحرب التفسير نفسه، بوصفها معًا نتيجةَ غرائز العدوان الكامنة في النفس البشرية، التي تُكبتُ لتتمظهر في مظاهر مختلفة، وقد عبَّر فرويد في أربعة كتب له ما بين 1913 و 1939 عن أن الدينَ تعبيرٌ عن الرغبة في الحماية الأبوية المكبوتة منذ الطفولة، وأنه يُستعمل في كبت الغرائز والانضباط للجماعة، كما يستعمل في تبرير الحروب ومظاهر العدوان.

لقد كانت القوةُ الميتافيزيقية المطلقة تُستعمل من أجل الاحتماء وتفسير الظواهر المحيطة وإيجاد التوازن المطلوب مع عناصر الطبيعة التي تسحقُ الإنسان بجبروتها، لكن تلك القوة نفسها ويا للمفارقة! هي التي اعتمدها الإنسان ويعتمدها في إعلان الحروب على غيره، وهو مؤشرٌ سلبي قد يسير بعالمنا المعاصر في اتجاه المجهول.

اقرأ ايضا

المزيد من المقالات

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete