المؤسسة الدينية الرسمية في مصر بعد 2013م.. الصراع – الحضور- التأثير

 تكوين

استطاع التيار الديني منذ سبعينيات القرن العشرين أن يتمدد في المجتمع المصري ويُحدِث تأثيرًا عميقًا، ويصبح الفاعل الأبرز في المجال الديني، ويصنع أنماطًا جديدة من التدين، ويساهم في إعادة صياغة الشخصية المصرية من خلال إكسابها عدد من السمات الجديدة، ويشكّل قاعدة شعبية كبيرة بين أعضاء ومؤيدين يتبنون أفكاره ومواقفه في القضايا المختلفة.

بعد الربيع العربي ومع وجود حالة الانفتاح والسيولة الناتجة عنه؛ ازداد هذا التمدد، وزادت مساحة الحضور والتأثير للتيار الديني، وفي مقابل ذلك كانت المؤسسة الدينية الرسمية تسعى إلى استعادة مكانتها كفاعل في المجال الديني بعد أن تراجع حضورها خلال العقود السابقة بفعل هذا التيار؛ من هنا شهدت السنوات بين 2011 – 2013م العديد من مظاهر الصراع بين التيار الديني من جهة وبين المؤسسة الدينية من جهة أخرى حول شرعية تمثيل الدين، وتعزيز المكانة داخل المجال الديني، ومن ثم القدرة على التأثير في المجتمع بشكل أكبر.

وبعد انتهاء تجربة التيار الديني في الحكم بسقوط جماعة الإخوان في العام 2013م، ودخول الجماعة، مع بعض مكونات التيار الديني الأخرى، في صراع مع الدولة؛ كانت الفرصة مواتية بشكل أكبر للمؤسسة الدينية لتعزيز مكانتها وزيادة مساحة حضورها وتأثيرها، وجاء ذلك مع رغبة السلطة في إعادة ضبط المجال الديني بعد أن أدركت أن جزءًا كبيرًا من أزمة المجتمع ناتج عن سيطرة التيار الديني وتمدده، ومن ثم أفسحت المجال أمام المؤسسة الدينية كي يكون لها دور أكبر تستطيع من خلاله ملء الفراغ الذي تركه التيار الديني، ولتعمل على إحداث تغيير، ولو على المدى الطويل، في الحالة الدينية التي ساهم هذا التيار في تشكيلها بدرجة كبيرة خلال سنوات ما قبل الربيع العربي.

 وتثير هذه الإشكالية عددًا من الأسئلة:

  • ما هي أبرز مظاهر الصراع بين المؤسسة الدينية الرسمية والتيار الديني الحركي بعد الربيع العربي؟
  • كيف سعى هذا التيار إلى السيطرة على المؤسسة الدينية والتمدد فيها، وكيف كان من أهم أسباب سعي المؤسسة الدينية إلى تعزيز مكانتها بعد ذلك؟
  • كيف سعت المؤسسة الدينية إلى تعزيز مكانتها وزيادة مساحة حضورها وتأثيرها بعد 2013م؟
  • ما هي أبرز الأنشطة التي قامت بها المؤسسة الدينية من أجل تحقيق هذا الهدف؟
  • ما هي أبرز التحديات التي تقف أمام المؤسسة الدينية في هذا الإطار؟
  • ما هو مستقبل الصراع بين المؤسسة الدينية والتيار الديني الحركي حول الشرعية والمكانة؟

سوف نعمل على الإجابة عن هذه الأسئلة من خلال أربعة محاور: الأول يتناول الصراع بين المؤسسة الدينية والتيار الديني الحركي بعد الربيع العربي، والثاني يتناول حضور المؤسسة الدينية بعد 2013م، والثالث يتناول أبرز التحديات التي تواجهها المؤسسة الدينية، والرابع يتناول مستقبل حضور كلًا من المؤسسة الدينية والتيار الحركي، ثم خاتمة نجمل فيها أبرز الأفكار والنتائج.

أولًا: الصراع بين الفاعلين بعد الربيع العربي (2011 – 2013م)

منذ ظهور التيار الديني الحركي ممثلًا في جماعة الإخوان خلال النصف الأول من القرن العشرين، وقد استطاع أن يُحدث تأثيرًا كبيرًا في المجتمع المصري فيما يخص الحالة الدينية من حيث مكانة الدين في المجتمع وأنماط التدين، وازداد هذا التأثير خلال النصف الثاني من ذلك القرن بعد ظهور تنظيمات وتيارات أخرى خلال مرحلة السبعينات وما بعدها؛ وقد استطاع هذا التيار أن يتمدد في المجتمع ويصبح هو الفاعل الأكثر قوة ونفوذًا داخل المجال الديني مقارنة بالمؤسسة الدينية الرسمية التي استطاع هذا التيار إفقادها جزء من قاعدتها الشعبية وتأثيرها من خلال صناعة صورة ذهنية عنها مفادها أنها مؤسسة تعمل من أجل مصلحة الأنظمة الحاكمة “تمتع كل من تيار الإخوان المسلمين والتيار السلفي بنفوذ كبير في المجال العام في مصر، خاصة في العقود الأخيرة السابقة على ثورة يناير، على حساب الأزهر والمنهج الأزهري، الذي انحسر في الخطب المنبرية، التي تحولت لواجبات وظيفية رتيبة لأئمة الأوقاف ووُعّاظ الأزهر”[1].

وظل هذا الحضور والتأثير للتيار الديني مستمرًا حتى الربيع العربي، الذي جاءت أحداثه وتداعياتها المتمثلة في سقوط نظام مبارك وضعف السيطرة الأمنية وحدوث حالة من السيولة في الدولة بشكل عام؛ لتساهم في إزالة القيود التي كانت تفرضها السلطة على التيار الديني، وترتب على ذلك أن انطلق هذا التيار، بمكوناته المختلفة الإخوانية والسلفية، للعمل في المجتمع بشكل علني من خلال العديد من الأنشطة الدعوية والسياسية والخدمية، وخلال تلك المرحلة استطاع استقطاب عدد كبير من الأفراد الجدد إلى صفوفه، واستمر هذا الانتشار والتأثير حتى وقوع الصدام مع الدولة في العام 2013م.

وخلال المرحلة من 2011 حتى 2013م شهد المجال الديني صراعًا قويًا حول الشرعية الدينية بين التيار الديني بمكوناته المختلفة من جانب وبين المؤسسة الدينية الرسمية بمكوناتها المختلفة من جانب آخر؛ فالتيار الديني كان يرى أن الربيع العربي وما أحدثه من تغيرات هو بداية لمرحلة يسميها “مرحلة التمكين”، حيث زوال العقبات السياسية والأمنية التي كانت تقف في طريقه في العقود السابقة، الأمر الذي يشكل تمهيدًا لطريقه نحو إقامة الدولة الإسلامية التي يسعى إليها على المستوى القُطري تمهيدًا لإقامة دولة الإسلام الكبرى “الخلافة”، أما المؤسسة الدينية الرسمية، خاصة الأزهر، فقد مثّل لها الربيع العربي فرصة لاستعادة مكانتها ودورها الذي تأثر خلال المرحلة السابقة بسبب دعاية التيار الديني ضدها، بجانب بعض السياسات والإجراءات التي اتخذتها السلطة منذ عقد الخمسنينات وساهمت في تحجيم نفوذ المؤسسة والتقليل من مكانتها.

ويأتي الصراع بين التيار الديني والمؤسسة الرسمية حول الشرعية الدينية كنتيجة لرؤية كل منهما للآخر؛ فالتيار الديني يرى أن المؤسسة الدينية تعبر عن الأنظمة الحاكمة وتوظف الدين في خدمة أهدافها ومصالحها، كما أن التيار السلفي بشكل خاص يتخذ موقفًا سلبيًا من المؤسسة الرسمية بسبب عقيدتها الأشعرية والمسحة الصوفية التي يتسم بها عدد من المنتمين للمؤسسة، هذا بجانب سبب رئيس وهو الطبيعة الثورية لهذا التيار التي تتمثل في سعيه لإحداث تغيير جذري في المجتمع، والناتجة عن تصوره للواقع بأنه بعيد عن الإسلام، وأنه لا أحد يفهم الإسلام على وجهه الصحيح سواه، وعلى الجانب الآخر ترفض المؤسسة الدينية فكر وخطاب التيار الحركي، حيث ترى فيه انعكاسًا لفهم غير دقيق للإسلام، وسببًا في عدم استقرار المجتمعات، ومصدرًا للتطرف الديني.

بدا في هذه المرحلة (2011 – 2013م)، من خلال العديد من المظاهر، رغبة وسعي التيار الديني إلى السيطرة على المجال الديني وتهميش المؤسسة الدينية، وهو ما كان له رد فعل مقابل من المؤسسة يهدف إلى تثبيت أقدامها وكسب مزيد من السلطة الدينية في ظل تمدد للتيار الديني ساعده عليه المناخ الذي خلقه الربيع العربي، ووصول جماعة الإخوان إلى الحكم بجانب استحواذ التيار الديني ممثلًا في جماعة الإخوان وحزب النور السلفي على الأغلبية البرلمانية وسيطرتها من ثم على السلطة التشريعية.

ومن مظاهر سعي التيار الديني للسيطرة على المجال الديني تلك المحاولات التي عمل خلالها على السيطرة على المساجد والأنشطة الدينية المختلفة التي تقام فيها، حيث كان المسجد من أهم المسارات التي يعمل بها التيار الديني قبل الربيع العربي، وكان يقوم من خلالها بالأنشطة المختلفة من دروس وخطب ومسابقات واعتكاف.. الخ، بهدف زيادة قاعدته الشعبية ونشر أفكاره على نطاق أوسع وضم أفارد جدد إليه، لذلك سعى بعد الربيع العربي، وفي ظل غياب القيود الأمنية التي كانت قائمة قبل ذلك، إلى بسط نفوذه وسيطرته على المساجد، وفي أحد التصريحات لوزير الأوقاف بعد الثورة قال بأن العديد من المساجد أصبحت تحت سيطرة تيارات سلفية وسياسية، ومن الأمثلة على محاولات السيطرة تلك ما حدث بعد الثورة مباشرة في مسجد النور بالعباسية، وهو أحد أكبر المساجد في القاهرة، حين قام شباب ينتمون إلى التيار السلفي بمنع الشيخ حسن الشافعي، أحد رموز الأزهر وعضو هيئة كبار العلماء فيما بعد، من اعتلاء المنبر، وإصرارهم، بعد تدخل وزير الأوقاف، على أن يلقي الداعية السلفي محمد حسان خطبة الجمعة[2].

وبعد وصول الإخوان إلى الحكم كانت فرصة التيار الديني أكبر للسيطرة على المساجد وعلى وزارة الأوقاف ذاتها، حيث كانت هناك في البداية محاولات لتعيين وزير للأوقاف ينتمي إلى التيار السلفي وهو محمد يسري إبراهيم الأمين العام للهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح، وهي إحدى المؤسسات الداعمة لجماعة الإخوان حتى بعد سقوطها من الحكم، لكن هذه المحاولة انتهت بالفشل نتيجة معارضة الأزهر لذلك، ثم تم تعيين وزير قريب من الإخوان أيضًا وهو الدكتور طلعت فهمي، وقد استطاعت جماعة الإخوان من خلال هذا الوزير أن تُحدث تغييرات في الأوقاف، حيث تم تعيين عدد من المنتمين إلى التيار الديني، سواء من جماعة الإخوان أو غيرها، قيادات في الوزارة، مثل تعيين جمال عبد الستار عضو جماعة الإخوان وكيلًا للوزارة ومديرًا للإدارة المركزية لشؤون الدعوة، وكذلك تعيين صلاح سلطان عضو الجماعة أمينًا عامًا للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، كما تم تعيين عدد من أئمة المساجد من المنتمين إلى الجماعة كذلك[3]، كما سعت الجماعة من خلال بعض الإجراءات الأخرى إلى بسط السيطرة على المساجد، ومن بين محاولاتها في ذلك ما سعت إليه من تنظيم قانون إنشاء ما يسمى بـ “مجالس إعمار المساجد”[4]، وهي فكرة كانت تسعى الجماعة من خلالها إلى تنظيم وشرعنة نشاطها في المساجد، حيث يتم انتخاب مجموعة من رواد كل مسجد في مصر ليتولوا شؤونه بما فيها تلك الخاصة بالنشاط الديني والخدمي والخيري والمالي المتعلق بالمسجد، وهي إحدى نتائج تصور التيار الديني عن المساجد من أنها لا ينبغي أن تقتصر على الصلاة فحسب، ولكن يجب أن يكون لها دور تعليمي وخدمي وسياسي، وهذه الفكرة ناتجة عن الطبيعة السلفية التي يتسم بها التيار الديني كله، والتي مفادها أن كل ما كان موجودًا في قرون الإسلام الأولى يجب أن يتم استعادته وتطبيقه كما هو، ومن ذلك أن يتم التوسع في دور ووظيفة المسجد على غرار ذلك العصر الذي لم تكن الدولة قد تطورت فيه بالشكل الذي هي عليه اليوم، ولم تكن قد ظهرت مؤسسات المجتمع المدني التي باتت تؤدي هذه الأدوار.

ومن مظاهر الصراع والرغبة في السيطرة من جانب التيار الديني كذلك تلك العلاقة المتوترة في تلك المرحلة بين التيار الديني وشيخ الأزهر والسعي بطرق مختلفة إلى التقليل من مكانته وتهميشه وعزله، ومن ذلك سعي التيار الديني إلى وضع مادة في الدستور الذي تم صياغته في العام 2012م بواسطة اللجنة التأسيسية التي كان يشكّل هذا التيار الغالبية فيها، تقضي بعزل كل من كان ينتمي إلى الحزب الوطني، وهي مادة لو تم إقرارها كانت ستطال شيخ الأزهر، ومن المواقف الدالة أيضًا عدم تمثيل الأزهر في هذه الجمعية التأسيسية تمثيلًا مناسبًا؛ مما اضطر الأزهر إلى الانسحاب منها، كذلك من مظاهر سعي التيار الديني للسيطرة محاولات التمدد داخل دار الإفتاء، حيث سعت جماعة الإخوان إلى تغيير نظام اختيار المفتي ليكون بالانتخاب والإعلان عن رغبتها في الدفع بمرشح لها وهو الدكتور عبد الرحمن البر، كذلك كانت للتيار السلفي محاولات عديدة لإقالة المفتي السابق الدكتور علي جمعة، ونظمت مظاهرات تطالب بذلك وبإقالة شيخ الأزهر نفسه[5].

ثانيًا: المؤسسة الدينية الرسمية بعد 2013م

بعد سقوط التيار الديني من الحكم في مصر عام 2013م؛ سعت المؤسسة الدينية الرسمية إلى تكثيف حضورها في المجتمع وزيادة حجم دورها وتأثيرها، وكان لذلك بعض الدوافع أهمها؛ أولًا استعادة مكانتها كفاعل في المجال الديني بعد أن تأثر سلبًا بحضور التيار الديني منذ السبعينات، وبعد أن سعى التيار الديني بعد الربيع العربي إلى تهميش المؤسسة الدينية والسيطرة على المجال الديني كما وضحنا في المحور السابق.

وثانيًا كان هناك عدد من المتغيرات التي حدثت منذ الربيع العربي وبعد سقوط هذا التيار من الحكم، منها تجربة الإخوان في الحكم وما كشفت عنه من عيوب بنيوية في أفكار الجماعة الرئيسية ومشروعها السياسي وما لها من تأثير سلبي على الدولة الوطنية، وكذلك حالة السيولة التي تميز بها الخطاب الديني الحركي، والذي نتج عنه حالة من الصراع والاستقطاب السياسي والديني كان لها تأثيرها الواضح على حالة الاستقرار في المجتمع؛ نتج عن هذه المتغيرات وجود رغبة للسلطة فيما بعد 2013م في ضبط المجال الديني بهدف مواجهة التيار الديني وتأثيره ومعالجة آثار حضوره، وقد تلاقت هذه الرغبة مع رغبة المؤسسة الدينية التي سعت لاستعادة مكانتها.

لذلك كان من الملاحظ في السنوات الأخيرة تزايد وتنوع الأنشطة التي تقوم بها المؤسسة الدينية الرسمية بهدف توسيع المساحة التي تعمل بها وزيادة الحضور والتأثير ومزاحمة التيار الديني، حيث بدأت المؤسسة في تفعيل بعض الأنشطة وابتكار أنشطة أخرى ليس في مجال الدعوة فقط، ولكن في المجالات الخيرية والخدمية والثقافية، وهي مجالات كان التيار الديني يعمل من خلالها على التغلغل في المجتمع والتمدد فيه ونشر أفكاره وتكوين قاعدة شعبية داعمة له.

فيما يلي سوف نستعرض مظاهر وآليات حضور المؤسسة الدينية الرسمية في المجال الديني بعد 2013م.

  • الأزهر الشريف:

يمثل الأزهر أحد أهم الفاعلين في المجال الديني كونه أقدم مؤسسة دينية في مصر ونظرًا لأهميته ورمزيته في العالم الإسلامي بشكل عام، وقد تعرض الأزهر للعديد من الانتقادات من جانب التيار الديني قبل الربيع العربي، كما أوضحنا سلفًا، بشكل ساهم في ضعف حضوره بدرجة ما في المجتمع، وهو الأمر الذي حرص الأزهر على إصلاحه بعد الربيع العربي، حيث سعى إلى تثبيت أقدامه بصفته مرجعية دينية وإمامًا لكل المصريين[6]، وما يهمنا في هذا السياق ليس ما ذكرته العديد من الدراسات بخصوص “وثائق الأزهر” التي أصدرها بعد الربيع العربي لتحقيق بعض الأهداف منها تثبيت هذه المرجعية، ولكننا سوف نركز على الآليات التي اتخذها الأزهر خلال هذه المرحلة بهدف زيادة مساحة حضوره وتأثيره في المجتمع ومزاحمة التيار الديني الذي رسخ أفكاره لعقود حتى أصبحت جزءًا من المنظومة الثقافية للمجتمع وأصبح نمط تدينه أحد أبرز الأنماط السائدة فيه، حيث اتخذت المؤسسة عددًا من الآليات منها الدعوي والتعليمي والاجتماعي والثقافي والخيري لتحقيق هذا الهدف.

ففيما يخص النشاط الدعوي بدأ الأزهر يزيد من حضوره في المجتمع سواء على مستوى الفضاء الإلكتروني أو الميداني، حيث قام بإنشاء العديد من الحسابات على وسائل التواصل الاجتماعي بهدف التواصل مع الجمهور بأشكال متنوعة ما بين الإصدارات المكتوبة والمرئية[7]، كما زاد من حضوره الميداني عبر إدارة الوعظ التابعة له، حيث يقوم أولًا من خلال “أكاديمية الأزهر العالمية لتدريب الأئمة والوعّاظ وباحثي الفتوى” بتدريب العديد من الدعاة الذين يتم تخريجهم وتوليهم مسؤولية الوعظ الميداني، ويتم ذلك من خلال القوافل الدعوية التي يقوم بها الأزهر في المحافظات المختلفة وعدد من المناطق النائية التي لم يكن له فيها حضور قوي قبل ذلك[8]، كما يقوم بعمل ما يُسمى بـ “الأسابيع الدعوية” في الجامعات، حيث ينظم خلال فترات زمنية متتالية برنامجًا ثقافيًا ودعويًا في الجامعات يمتد لمدة أسبوع ويشمل عددًا من المحاضرات في موضوعات دينية مختلفة[9]، كما يعمل الأزهر من خلال الوعّاظ والواعظات على التغلغل بشكل أعمق وعلى نطاق أوسع داخل المجتمع من خلال إقامة آلاف  القوافل الدعوية سنويًا في العديد من المؤسسات منها المدارس ومراكز الشباب والمستشفيات وقصور الثقافة ودور الرعاية والمقاهي والشركات ومراكز الشرطة وقطاع السجون[10]، كما تمثل الفتوى إحدى آليات الأزهر التي يقوم بممارستها في الجانب الدعوي سواء من خلال الموقع الإلكتروني أو من خلال عشرات اللجان التي يشكلها الأزهر في جميع المحافظات لتضطلع بمهمة الإفتاء، وكان الأزهر حريصًا على حيازة سلطة الفتوى باعتبارها مصدرًا للشرعية الدينية ولتثبيت فكرة المرجعية التي يحرص على تمثيلها، وقد دخل في سجال مع وزارة الأوقاف في العام 2025م في إطار الخلاف حول من له حق الفتوى، وذلك أثناء مناقشة مشروع قانون تنظيم الفتوى الذي تقدمت به الأوقاف إلى البرلمان، كذلك من الآليات في الجانب الدعوي، على الجانب المقابل، إنشاء الأزهر “وحدة بيان” في العام 2018م لمواجهة ما أسماه “شبهات الإلحاد والفكر اللاديني”، وفي هذا الإطار تقيم الوحدة عددًا من الندوات والمحاضرات في أماكن مختلفة أبرزها الجامعات لمناقشة القضايا المتعلقة بالأمر، كما تعتمد على اللقاءات المباشرة بمن لديه أسئلة في هذا الإطار داخل مقر مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية، وكذلك تتلقى الأسئلة عبر الهاتف في هذا الشأن.

وفيما يخص النشاط التعليمي تأتي الأروقة الأزهرية كأحد الآليات البارزة التي عمل الأزهر من خلالها على زيادة مساحة حضوره وتأثيره في المجتمع ومنافسة التيار الديني، حيث يمثل امتلاك المعرفة الدينية أحد أوجه الصراع بين الفاعلين داخل المجال الديني، وكان التيار الديني يعمل على أن يكون هو مصدر هذه المعرفة من خلال الإنتاج الفكري المتمثل في الكتب والمحاضرات والدروس والخطب التي كان يقوم بها قبل مرحلة الربيع العربي وبعده وحتى سقوط جماعة الإخوان من الحكم، ومن خلال ذلك الإدعاء بأنه يملك الفهم الصحيح للدين مقابل المؤسسة الدينية التي كان يتهمها بتوظيف الدين في خدمة الأنظمة الحاكمة، كما تمثل هذه الأروقة أحد أدوات المواجهة غير المباشرة مع التيار الديني، حيث يعمل هذا التيار على نشر الأفكار الخاصة به من خلال أدبياته ومناهجه التربوية، وكتبه الموجهة إلى العامة، وهو ما شكّل جزءًا مهمًا من الثقافة السائدة في المجتمع وساهم في انتشار أنماط التدين الخاصة به، لذلك جاءت فكرة هذه الأروقة لتكون أحد أدوات المنافسة وملء الفراغ الذي تسعى إليه المؤسسة الدينية بعد 2013م، ونشر نمط تدين بديل عن الأنماط الخاصة بالتيار الديني وهو ما يطرحه الأزهر تحت مسمى “نشر الفهم الأزهري الوسطي للإسلام”[11].

وقد بدأت فكرة الأروقة قبل الربيع العربي على يد الدكتور علي جمعة عندما فكر في إتاحة دراسة العلوم الشرعية لغير طلاب وخريجي الأزهر من خلال الدروس التي كان يلقيها في الجامع الأزهر، لكن في العام 2014م تبنى الأزهر كمؤسسة تنفيذ هذا المشروع تحت إشراف شيخ الأزهر[12]، وقام بتفعيل دوره بشكل أكبر، وقد استطاعت الأروقة الأزهرية أن تجتذب عددًا كبيرًا من الجمهور الراغب في الحصول على المعرفة الدينية من مصادر أخرى غير التيار الديني، وقد كان هذا الأمر مثار اهتمام من جانب التيار السلفي الذي رأى خطورة هذا المسار التعليمي الأزهري على حضوره وتأثيره في المجتمع[13]، وقد تم التوسع منذ ذلك الوقت في نشاط الأروقة الأزهرية لتشمل 12 رواقًا، هي: رواق القرآن الكريم وعلومه، ورواق العلوم الشرعية، ورواق الدعوة، ورواق المتون العلمية، ورواق اللغة العربية للناطقين بغيرها، ورواق الخطوط العربية، ورواق الفكر والثقافة، ورواق المكتبة، ورواق اللغات الأجنبية، ورواق التدريب والتنمية البشرية، ورواق التواصل الاجتماعي، ورواق البحوث والنشر والتحقيق، وهو ما يعكس تنوع الموضوعات والقضايا والأفكار التي يسعى الأزهر إلى ترسيخها لدى الأفراد الدارسين، حيث لا تقتصر فقط على العلوم الشرعية ولكن تتطرق إلى موضوعات فكرية بهدف إعادة تشكيل الوعي بصورة مغايرة لما تم من خلال التيار الديني خلال عقود سابقة، كما تم التوسع في فروع الأروقة في المحافظات، لتصل إلى سبعة أفرع، هي: الإسكندرية، والدقهلية، وأسيوط، والقليوبية، وحدائق الأهرام، وكرداسة، ودمياط وذلك حتى العام 2017م[14]، وقد زادت خلال السنوات التالية عدد الأروقة الأزهرية وانتشرت في العديد من المناطق والمحافظات منها فيصل وباسوس والأقصر وطنطا وكفر الشيخ وبني سويف والمنيا وسوهاج وغيرها حتى بلغ عدد 44 رواقًا حتى عام 2021م[15] وهو ما يعكس سعي الأزهر نحو التغلغل في المجتمع من خلال الانتشار في الأقاليم وعدد من المناطق التي تشهد حضورًا للتيار الديني بشكل كبير.

وفيما يتعلق بالجانب الاجتماعي الذي يمثل أحد أدوات الأزهر في زيادة مساحة حضوره وتأثيره ومزاحمة التيار الديني؛ فإنه يقوم خلال السنوات الأخيرة بعدد من الأنشطة التي تساهم في تحقيق هذا الهدف، ومن أبرزها حل النزاعات الاجتماعية بين الأفراد سواء فيما يتعلق بنزاعات الأسرة أو تلك التي تحدث بين الأفراد بشكل عام، ويأتي ذلك من خلال توظيف الفتوى لممارسة هذا الدور، حيث لا تقتصر وظيفة لجان الفتوى في بعض الأحيان على إصدار الفتوى فقط، ولكنها تتطرق إلى التدخل بين الأفراد في حال طلب فتوى متعلقة بنزاع اجتماعي مثل النزعات حول الميراث أو بين الأزواج أو الأقارب[16]، كما يأتي الدعم الذي يقدمه الأزهر للأسرة من خلال العديد من الوسائل والمبادرات التي يقوم بها ومن خلال التعاون مع بعض المؤسسات مثل المجلس القومي للمرأة، كأحد أبرز آليات ممارسة الدور الاجتماعي للأزهر والذي يمثل كذلك أحد أهم المساحات التي ينافس فيها التيار الديني، خاصة التيار السلفي، الذي يهتم بشكل كبير بهذه القضايا ويمارس دورًا اجتماعيًا يساهم في زيادة تأثيره في المجتمع، ومن أبرز الوسائل التي يقوم بها الأزهر في هذا الإطار تنظيمه لدورات تثقيفية مجانية للمقبلين على الزواج يطرح خلالها رؤيته للأسرة والعلاقة بين الرجل والمرأة وغيرها من الأمور التي تمثل قضايا شائكة ساهم التيار الديني في ترسيخ العديد من الأفكار الخاصة بها لدى شريحة كبيرة من الجمهور[17]، ومن الوسائل كذلك “وحدة لم الشمل” التي أسسها مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية في العام 2018م، وهي جهة معنية بتلقي المشكلات الأسرية والعائلية، ووفقًا لبيان المركز فإن الوحدة استفاد من جهودها نحو ثلاثة ملايين مواطن[18].

وفيما يتعلق بالجانب الثقافي فإن الأزهر يمارس عددًا من الأنشطة أبرزها إصدار الكتب والمشاركة في معارض الكتاب وإقامة الندوات خلالها[19]، كما يمارس هذ الدور من خلال إنشاء “مرصد الأزهر لمكافحة التطرف” في العام2015م، وهي إحدى الهيئات التي استحدثتها مؤسسة الأزهر للقيام بمجموعة من الأهداف على رأسها مكافحة الفكر المتطرف وتفنيده وبيان فساده، وسد جميع النوافذ التي تتسلل التنظيمات المتطرفة والجماعات الإرهابية من خلالها إلى عقول الشباب، وإذا كان المحتوى المتطرف مكتوبًا بلغة أجنبية يقوم المرصد بترجمته إلى اللغة العربية ثم عرض الترجمة على لجنة شرعية متخصصة للرد عليه، ثم إعادة ترجمة الردود إلى اللغات سالفة الذكر ونشرها على المنصات الإعلامية للأزهر حتى تعم الفائدة على الجميع[20].

وفيما يتعلق بالجانب الخيري يأتي “بيت الزكاة والصدقات المصري” الذي أسسه الأزهر في العام 2014م ليكون أهم الأدوات التي منحت الأزهر حضورًا في المجال الخيري والخدمي المتصل بالجمهور بشكل مباشر من خلال المشروعات والمبادرات التي يقوم بها في إطار دعم الفقراء والأيتام، والذي يعد من أهم المساحات التي كان يعمل فيها التيار الديني قبل 2013م وساهمت في قدرته على التغلغل والانتشار والتأثير في المجتمع وتكوين قاعدة شعبية داعمة له وحاملة لأفكاره وتصوراته.

  • دار الإفتاء:

تشكّل لدى دار الإفتاء بعد سقوط جماعة الإخوان من الحكم إدراك بأنها ينبغي أن يكون لها دور أكبر في المجال الديني، وأن ثمة فراغًا نشأ بعد هذا السقوط تبعه تراجعًا للحضور الميداني للتيار الديني بشكل عام، وهذا الفراغ لابد من ملئه بشكل يستعيد معه الحضور الأزهري، كمنهج تلتزم به المؤسسة الدينية بمكوناتها المختلفة، مكانته وتأثيره “بعد 2013م أدركت المؤسسة الدينية حقيقة أن الدنيا لا تعرف الفراغ، ومن ثم سعت إلى زيادة حضورها وتأثيرها في المجتمع”[21].

من هذا المنطلق أسست دار الإفتاء عملها في مرحلة ما بعد 2013م على عدد من الأسس، وهي: أولًا مأسسة العمل الإفتائي، حيث تعمل الدار، فيما يتعلق بوظيفة الإفتاء، من خلال وضع قواعد معينة يتم على أساسها إصدار الفتاوى في القضايا والمواقف المختلفة، بحيث يكون هناك رأيًا واحدًا للدار في كل شأن أيًا كان مُصدر الفتوى، فالدار لديها نحو مئة أمين للفتوى يتلقون طلبات الإفتاء من المواطنين عبر مسارات مختلفة سواء من خلال مقر الدار نفسها أو فروعها في المحافظات أو من خلال الهاتف أو الإنترنت. قبل ذلك كان أمناء الفتوى يعتمدون على الاجتهاد الشخصي في إصدار الفتاوى، لكن بداية العمل المؤسسي كانت في العام 2008م، ثم ترسخ مع الوقت من خلال إنشاء إدارة الأبحاث الشرعية التي تقوم بدراسة القضايا المختلفة وإصدار الرأي الشرعي فيها والذي يكون هو رأي الدار أيًا كان أمين الفتوى الذي يصدره[22]، وثاني هذه الأسس هو تطوير وظيفة الدار من الإفتاء فقط إلى العمل الاجتماعي والثقافي، فوفق تصريحات لمفتي الجمهورية، فإن دور الدار قد تطور ليتجاوز الفتوى التقليدية نحو التوعية الشاملة وبناء الإنسان[23]، وبناءً على ذلك تقوم دار الإفتاء خلال السنوات الأخيرة بدور اجتماعي وثقافي في المجتمع، وفق ما سوف نوضح لاحقًا، بهدف زيادة مساحة حضورها وتأثيرها، ثالثًا تطوير الخطاب الديني للدار والتنوع في أشكال التواصل مع الجمهور بما يتناسب مع التنوع الموجود في أنماطه، ورابعًا العمل على الوصول إلى طبقات وفئات اجتماعية مختلفة ومناطق جغرافية متنوعة بهدف زيادة القدرة عى التأثير، وخامسًا إنشاء هوية بصرية لدى الجمهور من خلال الحفاظ على الزي الأزهري لأمناء الفتوى بهدف التمييز بين الخطاب الديني للدار وبين الخطاب الديني للتيار الديني وترسيخ صورة ذهنية لدى الجمهور عن ذلك[24]، سابعًا الاعتماد على المبادرة في طرح الرؤى والأفكار وليس فقط رد الفعل على خطاب التيار الديني وعدم الخضوع دومًا لما يفرضه هذا التيار من افكار وقضايا[25]، ثامنًا عقد بروتوكلات تعاون مع عدد من المؤسسات في سبيل ممارسة الدور الاجتماعي والثقافي والذي يتيح للدار مساحة أكبر للوصول إلى شرائح متنوعة وأعداد أكبر من الجمهور، مثل وزارة التضامن الاجتماعي ومؤسسة “فاهم” للدعم النفسي ووزارة الشباب والرياضة، ومن الأسس أخيرًا توظيف الفتوى في مواجهة التيار الديني.

ووفق هذه الأسس تقوم الدار خلال السنوات الأخيرة بعدد من الأنشطة التي تساهم في تعزيز حضورها، وفي قدرتها على التأثير والمزاحمة للتيار الديني ولتأثيره في المجتمع؛ ومن هذه الأنشطة ما يتعلق بالجانب الاجتماعي وأبرزها إدارة فض المنازعات وهي إدارة تعتني بالتدخل في النزاعات الاجتماعية والمالية بكل صورها بعد طلب الأفراد لذلك، وإدارة الإرشاد الزواجي وهي تعتني بجانب الأسرة وما يتعلق بها، حيث تعقد دورات لتدريب المقبلين على الزواج والمتزوجين على كيفية التواصل وإدارة العلاقة الزوجية، وتقدم الاستشارات للأفراد مستعينة بمتخصصين في مجالات أخرى مثل علم النفس وعلم الاجتماع، وتقوم بالعديد من الندوات والمحاضرات والبث المباشر عبر حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي، أيضًا في إطار الدور الاجتماعي وتطوير وظيفة الدار لتجاوز الوظيفة التقليدية المتمثلة في الفتوى؛ تقوم الدار بتوظيف الفتوى في التعرف على الظواهر الاجتماعية التي تكشف عنها طلبات إصدار الفتاوى من الأفراد، وتعقد بروتوكولات تعاون مع المؤسسات المختلفة المعنية بهذه الظواهر مثل المجلس القومي للمرأة والمجلس القومي للأمومة والطفولة والمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية[26]، وتعمل الدار في دراسة هذه الظواهر فيما يتعلق بالجانب الديني، وتعمل المؤسسات الأخرى في الجانب الذي يعنيها سواء حقوقي أو اجتماعي أو نفسي.. الخ، ثم تقوم بإعداد ورقة بحثية تقدم إلى صانع القرار لاتخاذ إجراء تجاهها[27].

وفي الجانب الثقافي تقوم الدار بعدد من الأنشطة كذلك منها ما يتعلق بمواجهة التطرف الديني مثل “مرصد الفتاوى التكفيرية” التي ترصد من خلاله الدار فتاوى الجماعات الدينية وترد عليها وفق منطلقات شرعية وعلمية، وكذلك من خلال “المؤشر العالمي للفتوى”، وكذلك إعداد البحوث العلمية التي تتناول بعض القضايا التي تثيرها هذه الجماعات، حيث رصدت الدار نحو مئة قضية تستخدمها الجماعات الدينية في استقطاب الشباب مثل الحاكمية والجاهلية وتطبيق الشريعة.. الخ، وقامت الدار بإصدار العديد من المواد في صورة كتب وكتيبات ودراسات ومطويات منشورة على نظاق واسع تناقش كل هذه القضايا[28]، أيضًا أنشأت الدار وحدة للرسوم المتحركة تعمل من خلالها على نشر إصدارات مختلفة بحيث تناسب التنوع الموجود لدى الجمهور المخاطب، وقد أصدرت في شهر رمضان 2026م مسلسلًا تلفيزيونيًا موجهًا بشكل خاص للأطفال اسمه “أنس Ai” بالتعاون مع أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، كما تقدم الدار من خلال بعض أمناء الفتوى والعاملين في الدار بعض البرامج على قناة الناس الفضائية، كما تقيم العديد من الندوات في الجامعات والمكتبات ومراكز الشباب وفي مقر دار الإفتاء، وتعمل كذلك على التغلغل أكثر في المجتمع من خلال تنظيم قوافل دعوية ولقاءات ومحاضرات في مناطق عشوائية في القاهرة وبعض المناطق في محافظة شمال سيناء والتي شهدت حوادث عنف قبل ذلك، ولم يكن يستطيع أحد من الدعاة الرسميون الوصول إليها قبل 2013م[29]، كذلك أسست الدار وحدة حوار في العام 2017م وهي تهتم بالبحث العقدي والمعرفي والفكري وما يتقاطع معهم من إشكالات نفسية واجتماعية، وتقوم بعدد من الأنشطة منها الندوات والمحاضرات وتقديم الاستشارات للأفراد في مقر الدار من خلال جلسات ونقاش مباشر فيما يتعلق بالمشكلات النفسية والفكرية والاجتماعية التي لها علاقة بالدين بشكل أو بآخر.[30]

تقوم الدار كذلك بنشاط تعليمي يتمثل في مركز التعليم عن بُعد والذي تأسس في العام 2013م، ويتم التدريس فيه بشكل أكاديمي، لخريجي الأزهر والكليات المعادلة، للمناهج المتخصصة في مجال الإفتاء الشرعي، ومن خلال ذلك تستطيع الدار أن تتمدد بشكل كبير في المجتمع من خلال زيادة أعداد الأفراد المؤهلين للفتوى وفق المنهج الأزهري، بجانب ذلك أنشأت الدار منصة هداية وهي تقدم دورات في العلم الشرعي لغير المتخصصين، ويمثل هذا الجانب جزء من سياسة المؤسسة الدينية في مواجهة التيار الديني الذي تمثل مساحة العلم الشرعي، خاصة للتيار السلفي، إحدى المساحات التي يتمدد من خلالها في المجتمع ويكتسب قدرة على التأثير من خلال التواصل مع الأفراد وترسيخ المفاهيم والأفكار الخاصة به.

كما تعمل الدار على الانتشار بصورة أكبر سواء في الواقع الميداني حيث أنشأت في السنوات الأخيرة عددًا من الفروع في المحافظات، أو من خلال الفضاء الإلكتروني حيث تمتلك 23 حسابًا على مواقع التواصل الاجتماعي بعدة لغات مختلفة، وبإجمالي متابعين يبلغ نحو 15 مليون متابع “وقد زاد عدد متابعي الدار بشكل ملحوظ بعد 2013م وربما يعود إلى أن الدار لم تعد تقدم المحتوى الديني بشكل تقليدي كما كان في السابق”[31]، كما أنشأت الدار تطبيقًا إلكترونيًا يقدم كل الخدمات التي تقوم بها الدار كوسيلة للانتشار بصورة أكبر.

  • وزارة الأوقاف:

تأتي وزارة الأوقاف كأحد أبرز المؤسسات الدينية تجاوبًا مع سياسة الدولة في تحقيق هدف ضبط المجال الديني ومواجهة التيار الديني بعد 2013م، حيث كانت وزارة الأوقاف إحدى المؤسسات التي تمدد فيها التيار الديني بعد الربيع العربي وسعى لبسط نفوذه بداخلها “سيطرة التيارات الإسلامية على وزارة الأوقاف قبل 30 يونيو، دعا السلطة الجديدة إلى خوض معركة داخل الوزارة نفسها لاستعادة ضبطها”[32]، وتأتي رؤية الأوقاف في هذا الإطار من خلال عدة آليات؛ أهمها السيطرة على المساجد والخطاب الديني بها، وزيادة مساحة العمل والتأثير في المجتمع، ولكل من هاتين الآليتين أدوات ووسائل مختلفة.

فمن حيث العمل على السيطرة على المساجد والخطاب الديني والتي تنبع من كون المسجد أحد أبرز المسارات التي كان التيار الديني يعمل من خلالها ويوظفها في نشر أفكاره وجذب أفراد إليه، قامت الأوقاف بعد 2013م بعدد من الإجراءات التي تهدف إلى ذلك، ومنها ضم عدد كبير من المساجد والزوايا إليها لتعمل تحت إشرافها، ومنع العديد من المنتمين إلى التيار الديني من الخطابة في المساجد مثلما كان الحال قبل ذلك[33]، أيضًا من الأدوات توحيد خطبة الجمعة بحيث يلتزم كل الخطباء بما تفرضه الأوقاف من محددات خاصة بموضوع الخطبة وعناصرها الرئيسية، والهدف من ذلك ضبط الخطاب الديني الرسمي وضمان عدم التطرق إلى موضوعات ترى الدولة أنها تصب في اتجاه معاكس للمصلحة العامة التي تقتضيها المرحلة الزمنية والسياق السياسي، وتوظيف الخطبة في تشكيل وعي المجتمع بما يتماشى مع هذه الاعتبارات[34].

وفيما يتعلق بزيادة مساحة العمل والتأثير في المجتمع فإن الأوقاف عمدت في السنوات الأخيرة إلى تطوير خطابها بحيث يتناسب مع فئات اجتماعية أكثر، كما عملت على زيادة الانتشار والتغلغل في المجتمع ومحاولة الوصول إلى مناطق جغرافية لم يكن لها حضور فاعل فيها قبل ذلك، ومن الأدوات التي قامت بها في هذا الإطار تنظيم القوافل الدعوية بشكل مستمر وفي مناطق جغرافية مختلفة[35]، كما “أصبح هناك اهتمام أكثر بالأئمة والواعظات وأصبح هناك تنظيم للعمل الدعوى ومنصة الأوقاف الرقمية، وهناك قوافل دعوية أسبوعية وحملات رحمة ومواساة والتى هى زيارة لدور مسنين وأيتام، وأيضًا اهتمام باللقاءات الدعوية فى النوادى ومراكز الشباب، وهناك تدريبات بالتعاون مع المجلس القومى للمرأة ومجلس الدوار خصوصًا فى المناطق العشوائية، واهتمام بالمناطق الحدودية وسيناء وتسيير قوافل دعوية بالتنسيق بين الأوقاف والأزهر”[36]، ومن الأدوات كذلك إطلاق حملة بعنوان “صحح مفاهيمك”، وهي تهدف إلى ترسيخ مجموعة من القيم، وتصحيح عدد من المفاهيم التي رسّخها التيار الديني، ورصد لبعض الظواهر الاجتماعية في المجتمع وتناولها من منظور ديني يساهم في “بناء وعي مجتمعي راسخ، ويستند إلى فهم ديني وإنساني صحيح، ويحصّن الأفراد من الفكر المغلوط والسلوك المدمر”[37]، وذلك بالتعاون مع عدد من المؤسسات، مثل وزارة الشباب والرياضة ووزارة التربية والتعليم والمجلس القومي للمرأة والمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، ويتم تنفيذ ذلك من خلال عدد من الوسائل المتنوعة منها القوافل الدعوية والمقالات والأفلام القصيرة على وسائل التواصل الاجتماعي.

أيضًا قامت الأوقاف بتفعيل دور مراكز الثقافة الإسلامية والتوسع في نشاطها في كل المحافظات، وهي مراكز تم تأسيسها في العام 1988م تحت مسمى “مراكز إعداد الدعاة” ثم تغير إسمها فيما بعد إلى “مراكز الثقافة الإسلامية”، وهي تمثل أحد أدوات الأوقاف في ملء فراغ التيار الديني الذي يعمل من خلال معاهد وأكاديميات لتعليم العلوم الشرعية ويستطيع من خلالها الانتشار والتأثير بين شرائح مختلفة في المجتمع “يقوم بالتدريس بمراكز الثقافة الإسلامية نخبة من أساتذة جامعة الأزهر الشريف، وكبار العلماء والمتخصصين في العلوم الشرعية والعربية والفكرية، ممن يتمتعون بالكفاءة العلمية إلى جانب عدد من الأكاديميين والباحثين المؤهلين، بما يسهم في تحقيق رسالة المراكز في نشر صحيح الدين والفكر الوسطي المستنير، وتشمل مقررات الدراسة مواد: القرآن الكريم وتجويده، التفسير، الحديث، الفقه، العقيدة، أصول الفكر المتطرف، المدخل إلى العلوم، اللغة العربية، التصوف، السيرة، الأحوال الشخصية، مفاهيم وقضايا، والكتب المقررة بالمراكز من مطبوعات الوزارة، اشترك في تأليفها نخبة من أساتذة جامعة الأزهر الشرف والباحثين بالوزارة الحاصلين على الدكتوراه والماجستير، ويحصّل الدارسون والدارسات بمراكز الثقافة الإسلامية قدرًا قيما من الثقافة الإسلامية الأصيلة الوسطية البعيدة عن الإفراط والتفريط، وتستعين الوزارة بخريجيها للعمل كخطباء مكافأة، وبخريجاتها للعمل كواعظات متطوعات، وتحرص مراكز الثقافة الإسلامية على تنفيذ برنامج علمي وثقافي متكامل على مدار العام، حيث يتم تنظيم ما يقارب (150) ندوة سنويًا بمختلف المراكز الثقافية الإسلامية على مستوى الجمهورية، تتناول قضايا الفكر الوسطي، ومواجهة التطرف، وبناء الوعي، وترسيخ القيم الدينية والوطنية، بمشاركة نخبة من العلماء والمتخصصين”[38].

ثالثًا: تحديات المؤسسة الدينية

تقف العديد من التحديات أمام المؤسسة الدينية الرسمية في محاولاتها زيادة مساحة حضورها كفاعل ديني وزيادة درجة تأثيرها في المجتمع، بعض هذه التحديات نتيجة عوامل خارجية والبعض الآخر نتيجة عوامل داخلية في المؤسسة نفسها، ومن أبرز هذه التحديات:

  1. كان للسياق السياسي في المرحلة التالية لسقوط جماعة الإخوان من الحكم والصراع الناتج عنه، دور في عدم قدرة المؤسسات الرسمية، ومنها المؤسسة الدينية، في بعض الأحيان، على تناول القضايا الحيوية في المجتمع والتي تلامس هموم المواطن اليومية والناتجة عن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية؛ وهو ما يجعل المؤسسة الدينية تظهر في صورة ربما بعيدة عن حياة الناس ومشكلاتهم، وقد عمل التيار الديني على توظيف ذلك بما يخدم أهدافها وصراعها مع الدولة، حيث يوجه نقده للخطاب الديني الرسمي باعتباره معبرًا عن السلطة، وهو ما يضعف من مصداقية المؤسسة الدينية أمام شريحة من مستقبلي الخطاب الديني.
  2. ترتبط بالفكرة السابقة فكرة أخرى وهي تتعلق بالصورة الذهنية التي استطاع التيار الديني ترسيخها داخل شريحة من المجتمع خلال العقود السابقة، حيث رسّخ صورة عن المؤسسة الدينية بأنها ذراع للسلطة وأنها تقوم بتطويع خطابها وآراءها الفقهية في القضايا المختلفة لخدمة أهداف السلطة ومصالحها؛ وهو ما جعل هناك ضعف في الثقة لدى شريحة من المجتمع تجاه المؤسسة الدينية، مقابل ارتفاع في درجة الثقة في التيار الديني الذي يطرح نفسه بأنه صاحب الحق المطلق الذي يفهم الإسلام على وجهه الصحيح ويدافع عن الدين ضد أعداءه.
  3. كان لحضور التيار الديني طوال عقود في المجتمع اثر فكري كبير على العديد من الأفراد، وكان له حضور وتأثير داخل المؤسسة الدينية نفسها، من خلال الحضور داخل المعاهد والكليات الأزهرية سواء من خلال الطلبة أو أعضاء هيئة التدريس المنتمين إليه؛ وهو ما ساهم في أن يخرج العديد من أئمة المساجد منتمين إلى هذا التيار سواء فكرًا فقط أو فكرًا وتنظيمًا، كما كان له تأثير على شريحة من خريجي الأزهر والعاملين في المؤسسة الدينية نتيجة حضوره المؤثر في المجتمع بشكل عام، فالتيار السلفي له تأثير فكري على بعض المنتمين للمؤسسة الدينية، وكانت جماعة الإخوان قبل الربيع العربي أول من ابتكرت فكرة “خطبة الجمعة الموحدة”، حيث كانت تتواصل مع أئمة المساجد سواء المنتمين إليها تنظيميًا أو القريبين منها فكريًا وتعطيهم محاور للخطبة يلتزمون بها كأداة للتأثير في المجتمع وتوجيهه بشكل ما.
  4. يطرح التيار الديني نفسه، كما ذكرنا سابقًا، على أنه الذي يملك الفهم الصحيح للإسلام وأنه الذي يتولى مهمة الدفاع عنه وحمايته ومسؤولية إقامة الدولة الإسلامية واستعادة المجتمع المسلم المنشود، وهو بذلك يمنح نفسه شرعية تمثيل الدين أمام المجتمع وأمام أفراده بشكل أخصّ، بحيث يشعر الفرد المنتمي إلى جماعة من الجماعات بأنه يتولى الدفاع عن الإسلام وإنقاذه من الضياع؛ وهو ما يجعله يشعر بأنه صاحب قضية لا يمانع من التضحية في سبيلها بأي شيء، مهما كان درجة خطؤها في نظر الآخرين، لكن في أحيان كثيرة يتعامل المنتمون إلى المؤسسة الدينية مثل أئمة المساجد مع الأمر على أنه وظيفة يقومون بأداء واجبها، وهو ما يجعل القدرة على الانتشار والتأثير في الحالتين مختلف.
  5. على الرغم من حدوث تحول في طريقة عمل المؤسسة الدينية بعد 2013م وابتكار وسائل جديدة والحرص على التغلغل في المجتمع والوصول إلى فئات وطبقات اجتماعية ومناطق جغرافية جديدة؛ إلا أنه هناك بعض الوسائل التي يتم طرحها من جانب المؤسسة تتحول عند التنفيذ إلى عمل روتيني لا يؤدي الغرض منه وسرعان ما يفقد بريقه وقدرته على التأثير.

رابعًا: مستقبل حضور المؤسسة الدينية والتيار الحركي

ما حدث منذ العام 2013م لم يكن مجرد تحول في درجة الحضور لكل من المؤسسة الدينية الرسمية والتيار الديني الحركي، نتج عنه تزايد في حضور الأولى وتراجع الثانية، لكن الأمر كان بمثابة إعادة هيكلة للمجال الديني، أفرز تغيرات في مراكز الفاعلين ومكانتهم ومقدار ما يحوزه كلًا منهم من رأس مال ثقافي واجتماعي ورمزي.

لكن يظل مستقبل هذا المجال والفاعلين فيه مرهونًا بعدة عوامل قد تُحدث تغيرات أخرى ربما في ذات الاتجاه الحالي أو عكسه. ويمكننا هنا استشراف بعض ملامح مستقبل حضور وتأثير المؤسسة الدينية والتيار الحركي بناءً على عدد من المتغيرات، أولًا: نقاط القوة والضعف التي يتمتع بها كلًا منه، وثانيًا: مدى إمكانية حدوث تغير في الظروف السياسية في المستقبل القريب، وثالثًا: طبيعة الجمهور المتلقي للخطاب الديني.

أولًا: من حيث نقاط القوة والضعف: فإن من نقاط القوة التي تتمتع بها المؤسسة الدينية أنه أصبح لها السيطرة الكاملة على المساجد التي تعد أحد المسارات الرئيسية للعمل الحركي، كما أن لديها القدرة على العمل من خلال العديد من المؤسسات الأخرى بالتنسيق مع الأجهزة المختصة، مثل المدارس والجامعات ومراكز الشباب والجمعيات.. الخ، وهي كلها مسارات مهمة كان يعتمد عليها التيار الحركي في العمل والانتشار والتأثير، ومن نقاط القوة أيضًا أن فشل تجربة الإخوان في الحكم، والخطاب السياسي والديني للتيار الحركي بشكل عام بعد الربيع العربي، وخوض بعض مكوناته تجربة العنف بعد 2013م، وتجارب الربيع العربي في عدد من الدول الأخرى وما ترتب عليه من انقسامات وصراعات داخلية؛ كان لهم دور في تقوية مكانة المؤسسة الدينية باعتبار أن خطابها أكثر قدرة على الحفاظ على استقرار المجتمعات، أيضًا من نقاط القوة هنا قدرة المؤسسة الدينية على تطوير خطابها وأدوات حضورها بما يتناسب مع التطورات الحاصلة في المجتمع بشكل أكبر من قدرة التيار الحركي، وإن كان يظل من نقاط ضعف المؤسسة الدينية أن تطويرها للخطاب يظل محكومًا بأطر وحدود معينة لا تستطيع الخروج عنها.

أما التيار الديني فمن نقاط قوته هي قدرته على الحضور من خلال الفضاء الإلكتروني وتوظيفه لصالحه بصورة أكبر من المؤسسة الدينية، التي بدأت في زيادة حضورها عليه لكن بصورة أقل، كذلك من نقاط قوة التيار الحركي قدرته على استغلال وتوظيف الأوضاع السياسية والأزمات الاقتصادية للترويج لسرديته المتعلقة بتوصيف الواقع وآليات التغيير، لكن من نقاط ضعفه هي ما يتسم به من نمطية وجمود وعدم القدرة على تطوير خطابه بما يتناسب مع التطورات الحادثة في الواقع والأفكار الجديدة فيه، أيضًا من نقاط ضعفه والتي تعود إلى فشل تجربته في الحكم، هو ضعف مصداقيته في طرح نفسه بديلًا للأنظمة الحاكمة الموجودة كما كان يفعل قبل الربيع العربي، وهو ما كان يساعده في تلك المرحلة على كسب قاعدة شعبية كبيرة.

ثانيًا: من حيث مدى إمكانية حدوث تغير في الظروف السياسية: فإن قدرة التيار الحركي على إحداث تغيير في المشهد السياسي في مصر تبدو ضعيفة، نظرًا لافتقاد الرؤية تجاه عملية التغيير، ووجود الصراعات والانقسامات الداخلية في بعض مكوناته خاصة داخل جماعة الإخوان، وكذلك لضعف التنظيمات الراديكالية العالمية مثل القاعدة وداعش وبالتالي ضعف التنظيمات التابعة لها في مصر، أيضًا أصبحت النزعة لدى شريحة كبيرة من المجتمع تتجه نحو الرغبة في الاستقرار والحفاظ على الدولة الوطنية، في ظل تفكك وضعف دول أخرى إقليمية ووجود مخاطر وتهديدات خارجية.

ثالثًا: فيما يتعلق بطبيعة الجمهور المتلقي للخطاب الديني: فإن التأثير الفكري للتيار الحركي منذ سبعينيات القرن الماضي يبدو قويًا حتى مع تراجع الحضور الميداني له، فالكثير من أفكار هذا التيار وقناعاته وتصوراته تتبناها شريحة ليست بالقليلة من المجتمع حتى دون إدراك من بعضها لذلك، الأمر الذي يجعل خطاب هذا التيار قادرًا على التأثير بدرجة ما.

بناءً على هذا نرى أن المستقبل القريب سوف يشهد تزايدًا لحضور المؤسسة الدينية الرسمية، وتزايدًا لتأثيرها في المجتمع، وحدوث تحولات بدرجة ليست كبيرة لأنماط التدين السائدة، وسوف تتوقف درجة هذا التأثير على مدى قدرة الدولة على إجراء إصلاحات سياسية واجتماعية، ومدى قدرة المؤسسة الدينية على تطوير خطابها وأدواتها.

خاتمة

شهدت مرحلة ما بعد الربيع العربي تحولات مختلفة في كل المجالات ومنها المجال الديني، إذ كان الدين أحد أبرز العوامل تأثيرًا في المجتمع خلال العقود السابقة، وكان الفاعلون في المجال الديني من التيار غير الرسمي أحد أبرز المؤثرين في المشهد السياسي والديني قبل الربيع العربي وبعده.

وقد اتسمت هذه المرحلة بحدوث تغيرات في مكانة الفاعلين وحضورهم وتأثيرهم في المجال الديني، حيث كان التيار الحركي هو المسيطر والأكثر قدرة على الحضور والتأثير في الفترة من 2011 – 2013م، لكن كان للإخفاق السريع لتجربته في الحكم وما كشف عنه من عيوب بنيوية كامنة في بنية هذا التيار؛ دور في تراجع هذا الحضور، وفي منح الفرصة للمؤسسة الدينية الرسمية في إدراك ضرورة ملء الفراغ واستعادة مكانتها كفاعل رئيس في المجال الديني، وقد تلاقت هذه الرغبة لدى المؤسسة الدينية مع رغبة الدولة في ضبط المجال الديني بعد دخولها في صراع مع التيار الحركي على أسس هوياتية وسياسية من جانب الدولة، وأسس هوياتية ودينية من جانب هذا التيار.

واستطاعت المؤسسة الدينية أن تطور من خطابها ومن أدواتها بما يسمح لها بانتشار أكبر وتأثير أعمق في المجتمع عن ذي قبل، لكن الصراع بينها وبين التيار الحركي حول الشرعية والمكانة في المجال الديني لا يمكن حسمه بسهولة ووفق الضربة القاضية، فالصراع ممتد حيث لكلٍ منطقه وعوامل قوته وضعفه، لكن الفاعل القادر على تطوير ذاته هو الذي ربما سوف تكون له القدرة على السيطرة والتأثير بصورة أكبر، دون الجزم بقدرة أي طرف على إنهاء حضور الآخر بشكل نهائي.

 

__________________________________________________

 المصادر والمراجع:

[1] محمد جمال علي أحمد، دور الأزهر في المجال العام في ضوء تحولات الدولة والمجتمع في مصر (2011 – 2018م)، رسالة ماجستير غير منشورة، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، القاهرة، 2019م، ص 94.

[2] عمرو عزت، لمن المنابر اليوم: تحليل سياسة الدولة في إدارة المساجد، المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، القاهرة، ط1، 2014، ص 37.

[3] المصدر السابق، ص 42.

[4] محمود جمال عبد العال، سياسة إدارة المساجد والخطاب الديني: دراسة الحضور السياسي في الفضاء الديني بمصر بعد 2011م، رسالة ماجستير غير منشورة، معهد الدوحة للدراسات العليا، الدوحة، 2017، ص 44.

[5] أحمد زغلول شلاطة، الإسلاميون في السلطة: تجربة الإخوان المسلمين في مصر، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1، 2017م، ص 130 – 132.

[6] المصدر السابق، ص177.

[7]  «البحوث الإسلامية»: 8640 رسالة إلكترونية مكتوبة وفيديوهات مرئية لنشر القيم الأخلاقية وعلاج المشكلات المجتمعية، تقرير منشور على بوابة الأهرام بتاريخ 8 يناير 2022م، على الرابط التالي: https://h1.nu/1ttdG

[8]  تعزيزًا للحضور الميداني في نشر الوعي المجتمعي.. “البحوث الإسلاميَّة” يطلق قافلة دعويَّة وتوعويَّة جديدة إلى الواحات البحريَّة، خبر منشور على بوابة الأزهر بتاريخ 14 مايو 2026م، على الرابط التالي: https://h1.nu/1tteu

[9]  ضِمن الأسبوع الدعوي الـ21 في جامعة المنصورة.. ندوة البحوث الإسلاميَّة تبرز قيمة الأوطان في الإسلام ودورها في ترسيخ الانتماء والولاء، خبر منشور على بوابة الأزهر بتاريخ 22 أبريل 2026، على الرابط التالي: https://h1.nu/1z0Fe

[10] حصاد «البحوث الإسلامية» في مجال الدعوة خلال عام 2021م، تقرير منشور على بوابة الأزهر بتاريخ 19 ديسمبر 2021م، على الرابط التالي: https://h1.nu/1z0Fs

[11] من تقرير الرواق الأزهري لعام 2017م الصادر عن الأزهر الشريف، مذكور في: محمد جمال علي أحمد، دور الأزهر في المجال العام، مصدر سابق، ص 141.

[12] عمرو عبد الرحمن، نهاية الإحيائية الإسلامية.. التعليم الديني المستقل بعد 2011م: الخصائص والتناقضات ومسارات المستقبل، منشورات قانونية، 2019م، ص12.

[13] مقابلة للباحث مع الصحفي المختصص في الشأن الديني عبد السلام صلاح عبر إحدى وسائل التواصل الاجتماعي بتاريخ 28 مايو 2026.

[14] حصاد الخطاب الدعوى للأزهر في عام 2017م، تقرير منشور على موقع المجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة بتاريخ 1 ديسمبر 2017م، على الرابط التالي: https://h1.nu/1z0Hs

[15] مسعد حامد معوض، دور أروقة الأزهر الشريف في تعليم القرآن الكريم بمحافظات مصر، جامعة الأزهر بالقاهرة، كلية التربية، مجلة التربية، ع 194، ج 4، أبريل 2022م، ص 621.

[16] التقرير الرابع لحصاد «البحوث الإسلامية»: 650 ألف فتوى مباشرة وإلكترونية خلال عام 2021م، تقرير منشور على موقع مجمع البحوث الإسلامية بتاريخ 1 يناير 2022م، على الرابط التالي: https://h1.nu/1z0Ie

[17] «مركز الأزهر للفتوى» يختتم دورة تدريبية جديدة للمقبلين على الزواج بمشيخة الأزهر الشريف، خبر منشور على موقع مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية بتاريخ 4 ديسمبر 2025م، على الرابط التالي: https://h1.nu/1ttig

[18] في الذكرى الثامنة لإنشائها.. تعرف على أهم جهود وحدة لم الشمل وعناوين مقراتها بالجمهورية، تقرير منشور على موقع مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية بتاريخ 15 أبريل 2026م، على الرابط التالي: https://h1.nu/1z0II

[19] “البحوث الإسلامية”: 58 إصدارًا علميًّا جديدًا للمجمع وتنظيم 5 معارض للكتاب في 2021م، خبر منشور على موقع مجمع البحوث الإسلامية بتاريخ 23 ديسمبر 2021م، على الرابط التالي: https://h1.nu/1ttiX

[20] مقابلة للباحث مع الدكتور حمادة شعبان مشرف وحدة رصد اللغة التركية بمرصد الأزهر لمكافحة التطرف، عبر إحدى وسائل التواصل الاجتماعي، بتاريخ 11 فبراير 2026م.

[21] مقابلة للباحث مع الشيخ طاهر زيد أمين الفتوى بدار الإفتاء ومدير وحدة حوار في مقر الدار بتاريخ 8 فبراير 2026.

[22] المصدر السابق.

[23] جزء من تصريحات الدكتور نظير عياد مفتي الجمهورية في إطار توقيع مذكرة تفاهم مع وزيرة التضامن الاجتماعي بتاريخ 22 يناير 2026م، على الرابط التالي: https://h1.nu/1ttoW

[24] مقبالة مع الشيخ طاهر زيد، مصدر سابق.

[25] المصدر السابق.

[26] وفد مركز الإمام الليث بن سعد بدار الإفتاء يزور المركز القومي للبحوث الاجتماعية للاطلاع على أحدث إسهامات المركز في رصد القضايا المجتمعية وعلاجها، خبر منشور على صفحة الدار على موقع فيسبوك بتاريخ 3 نوفمبر 2025، على الرابط التالي: https://h1.nu/1ttpY

[27] مقابلة مع الشيخ طاهر زيد، مصدر سابق.

[28] المصدر السابق.

[29] المصدر السابق.

[30]  حصاد وحدة «حوار» التابعة لدار الإفتاء المصرية عام 2025م، تقرير منشور على صفحة الدار على موقع فيسبوك بتاريخ 25 ديسمبر 2025م، على الرابط التالي: https://h1.nu/1z0QD

[31] مقابلة مع الشيخ طاهر زيد، مصدر سابق.

[32] عمرو عزت، لمن المنابر اليوم، مصدر سابق، ص 54.

[33] وزير الأوقاف: ضم جميع المساجد والزوايا بجمهورية مصر العربية إلى وزارة الأوقاف، خبر منشور على موقع منبر الدعاة بتاريخ 11 مارس 2014م، على الرابط التالي: https://h1.nu/1ttru

[34] حكم نهائي.. «الإدارية العليا»: الخطبة الموحدة تحفظ لمصر والأمة وجودها وتحميها من الفكر المتطرف، خبر منشور على موقع نقابة المحامين المصرية بتاريخ 10 أغسطس 2021م، على الرابط التالي: https://h1.nu/1ttrk

[35] الأوقاف تُنظم ١٠٠٩ قوافل دعوية بمراكز الشباب حول “إدمان السوشيال ميديا وأثره على الأسرة، خبر منشور على منصة وزارة الأوقاف بتاريخ 10 يونيو 2026م، على الرابط التالي: https://h1.nu/1z0SH

[36] مقابلة للباحث مع الأستاذة حنان حجازي الواعظة بوزارة الأوقاف، من خلال إحدى وسائل التواصل الاجتماعي، بتاريخ 21 نوفمبر 2025م.

[37]  جزء من كلمة وزير الأوقاف د. أسامة الأزهري خلال اجتماع لمجلس الوزراء لعرض تفاصيل المبادرة، بتاريخ 30 يوليو 2025م، على الرابط التالي: https://short-url.cc/1t1xZ

[38] مقابلة للباحث مع الدكتور حسين القاضي مدير عام مراكز الثقافة الإسلامية، من خلال إحدى وسائل التواصل الاجتماعي، بتاريخ 16 يونيو 2026م.

المزيد من المقالات

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete