المثقف العربي في مواجهة الأسئلة النقدية

 تكوين

وسط ما يحيط بنا من أحزمة نارية، وسحقٍ للكرامة الإنسانية، وفي خضمّ صراخ الإنسانية التي فقدت إنسانيتها، ومع التغاضي عن مبادئ شرعة حقوق الإنسان التي فقدت فحواها، واضطراب الهوّية المهدّدة التي فقدت أمانَها، قد يبدو المشهد الثقافيّ في هذه اللحظة بالذات ضرباً من الوهم والهذيان، أو صفَّ كلامٍ فاقد للمعنى. بات واضحاً، بعد التجارب المجتمعية المريرة التي مررنا بها، أنه لكي يُنتج المثقف أفكاراً تبني مجتمعَه، عليه بالدرجة الأولى أن يكون متّصلاً بما يعيشه هذا المجتمع، مواكباً لأزماته، مناضلا لنصرة قضاياه المحقّة، ملتزماً الصمت، نعم الصمت، بخاصة في لحظة الانهيار والخيبة والفشل.

ما الذي يمكن أن نقوله اليوم عن حقوق الإنسان؟ أو ترسيخ مفهوم الحرية وإبداء الرأي؟ ونحن نغرق في وابلٍ من خطابات الكراهية التي تحرّض على القتل وإلغاء الآخر وسحقه لمجرد أنه مختلفٌ عنه، وأن لديه تصوراً أو تصورات حول الحقيقة والواقع والوطن مغايرة لتصوّراته هو؟

هل للمثقف بعدُ من دورٍ فاعلٍ وصوتٍ مسموعٍ وكلمةٍ مرشدةٍ تفيدُ الناس من حوله؟ إلى متى سيستمرّ هذا الانكفاء عن الاعتراف بالفشل؟ فشل الإيديولوجيات التي نادى بها مثقفو العقود الأخيرة من الزمن؟ فشل المشاريع النهضوية التي تغنّوا بها؟ فشل التأسيس لاستقلالية الحكم والفكر والسلوك؟ فشل التنوير والفكر النقدي؟ فشلٌ تلو فشل، والبطولة بالنسبة إلينا أننا مستمرّون في هضم الفشل واجترار الحلول التي تمّ اقتراحها منذ عقود، على الرغم من أنف الواقع الذي برهن على عدم صوابيّتها.

إلى متى سيبقى المثقف منفصماً عن واقعه، يسكن في أناه المنتفخة، يهلّل لذاته، يمجّد إنجازاته، يعظّم كفاءاته، ويحقّر التجارب الثقافية الأخرى المغايرة أو المناقضة لتجربته؟ ألا يكفي كلُّ ما يجري من حولنا لكي نقف هنيهةً لنعيدَ النظر في ما سبق ان أنتجناه وأنجزناه؟ ألا تكفي كلّ البارهين الدامغة التي يشهرها الواقع المرير أمام أعيننا لكي ننزوي في وحدتنا ونسائلَ ونحاسبَ مناهجنا في التفكير ومعاييرَنا في التقييم؟

أين نحن من كل التنظير حول مفهوم حقوق الإنسان، والمواطنة، والشرعية، والنهضة، والعقلانية؟ وغيرها الكثير الكثير من المصطلحات التي تربّعت بقوة على عناوين الكتب والمشاريع والبرامج البحثية؟

منذ أن فتحنا كتب التاريخ للمرة الأولى اقتحمت وعيَنا سردياتُ العنفِ والتقاتلِ والتذابحِ لتولّد في أنفسنا اضطراباتٍ موجعةٍ، ولترمي بنا في دوامةِ الخوفِ والقلقِ على المصير. عاش أجدادُنا ومن ثم أهلُنا ونحن من بعدهم سِيَر حياةٍ تؤرِّخ لنفسها بين حربٍ وأخرى، ومعركةٍ وأخرى، ومذبحةٍ وأخرى. فأصبحت أعمال العنف والاضطهاد تشكّلُ محطَّ حياةِ البشر، وتلعبُ الدورَ المفصليّ في تأريخ أعمارهم. القتلُ على الهوّية ممارسةٌ شنيعةٌ ترمي بإنسانيّة الإنسان في القعر فتجعلُه كائناً مفترساً تسيّره أوامرَ تلقّاها وهي منغمسة بالجهل، تشرّع لنفسِها من خلال إيديولوجيا تدميرية مرعبة.

يعيشُ العالم العربي معاناةً ناتجةً عن صراعاتٍ ضاربةٍ في عمق تاريخ مجتمعاتنا، لها أسبابٌ متنوّعة، لكن النتيجة واحدة، الخوفُ والقلقُ على المصير، والتوجّسُ من الآخر المختلف، ومن المتآمرين على من هم أقليّة، أو مصنّفين ضمن خانة المستضعفين. ترشحُ من الذاكرة على نحوٍ تلقائيّ مشهدياتُ العنف الدامي، وتستيقظ في الصمت صرخاتُ الألم العميق، وتلوحُ في البال صورٌ للإنسانية النازفة التي شوّهها الصراع المستفحل من حولنا. أخطرُ ما في لهيب التقاتلِ أنه يُحرق الأملَ في العيش معاً، ويدكُّ مداميك الحوار البنّاء الذي يبدّد الخوفَ من الآخر، ويقرّبُ المسافاتِ بين المختلفين. لعلّ أصعب ما قد ينتج عن صراع الهويات ترسيخُ تكفيرِ الآخر كممارسة مشروعة ومعتادة، من ثم ورميِه بأبشع التُهم، واستباحةِ دمه، وجعلِه درساً لتلقينِ كلّ من ينتمي إلى جماعةٍ تُعتبر أقليّةً، مفاد هذا الدرس: عليك أن تتنكّر لتاريخك وتراثك وعاداتك وتقاليدك، فتُقدِم بكلّ بساطة على إلغاء نفسك، قبل أن يُلغيك ذاك الذي ينتمي إلى الجهة الأقوى، إما عدديّاً أو اقتصادياً أو سياسياً أو الأقوى في المستويات الثلاثة معاً.

هذا الواقع المخضّب بالدماء يُجبرنا على التوقّف عند طرح أكثر من سؤال:

“باسم من؟” و”باسم ماذا؟” يتجرّأ أحدُهم ليعطيَ أمراً برمي الآخرين في دائرة الرفضِ والتكفيرِ والتحريم؟

“باسم من؟” و”باسم ماذا؟” تَخضعُ مجموعةٌ كبرى من الكائناتِ العاقلةِ إلى تلك الأوامر وتدفعُ بأنفسِها إلى التهلكة فتقومُ بأعمالٍ وحشيّةٍ ضدّ آخرين ذنبُهم الوحيد أنهم لا يشبهونَهم إلى حدّ التطابق؟

هل اختلافُ الانتماءِ الدينيّ والهُوَويّ يشكّل السببَ في تأجيج الصراعات في المجتمع، أم الاختلاف الثقافي له دور فعّال أيضاً؟ هل يمكن للمؤمنين في ثقافة معينة، أو بلد معيّن، أن يجدوا ما يجمعهم على الرغم من اختلاف دينهم لكي يبنوا معاً تواصلاً فكريّاً واجتماعيّاً ينسج نمط علاقات ناتجة عن التثاقف؟

هل التطابقُ هو قاعدة الحياة في الطبيعة كما في المجتمعات البشرية؟ من حدّد شروط التطابق وأعلن النسبة التي يتمّ القبول بها، فإن لم تتوفّر هذه النسبةُ تُشنّ الهجومات وتُدكُّ الأعراضُ وتُقطعُ الرؤوس؟

تُرى من منا اختار العائلة التي تحدّرَ منها؟ أو البلدَ الذي وُلد فيه؟ أو الجماعةَ الطائفيةَ التي انتمى أهلُه إليها؟ من منا كان صانعاً للأحداث التي جرت في التاريخ البعيد وما زالت تداعياتُها ساريةَ المفعول تُلهب يومنا هذا؟ من منا وضعَ مضمونَ عقيدةِ الجماعة الدينية التي ينتمي إليها لكي نحاسبَه على صوابيّتها ونُدينه على أساسِها؟ لا بل أكثر من ذلك، إن سألنا المتقاتلين على الجبهات عن معرفتِهم بعمق عقيدتهم وخلفيّاتها، قد تأتي إجاباتهم مغايرةً لما هي عليه هذه العقيدة في الحقيقة. هذا دليلٌ كم أن العناصر الفاعلة على الأرض قد ضُلّلوا وسيقوا إلى ساحات الدم من دون علمٍ ولا درايةٍ بعمق ما يؤمنون به، وبالنتائج التي سيتسبّبون بها.

من هنا يجد المثقف المعاصر نفسه أمام أسئلة تشكّل سلسلة من التحدّيات الشائكة التي تواجه وعيه وتجبره على التوقّف من أجل البحث فيها. قد تكون مسألة الهوية والانتماء، أو قضية الحق في الاختلاف وإبداء الرأي، أو إعادة النظر في مفهوم العنف وتعدّد تمظهراته، أو البحث في معنى أن تكون مواطناً عربياً، من المسائل المطروحة بقوّة وهي تفرض نفسها على الحلقات النقاشية، والطاولات الفكرية المستديرة، لكن إلى أي مدى يتجاوب المثقفون والمنشغلون بهموم الفكر العربي المعاصر فيكرّسون الجهد المطلوب للمعالجة؟

عطفاً على ما سبق، نسأل: من الذي يحدّد مفهوم الحقيقة ويحصره في إطارٍ واحدٍ يُقصي كلّ من ليس داخلاً فيه، وخاضعاً له. هل اختلافُ الانتماءِ الدينيّ والهُوَويّ يشكّل السببَ في تأجيج الصراعات في المجتمع، أم الاختلاف الثقافي له دور فعّال أيضاً؟ هل يمكن للمؤمنين في ثقافة معينة، أو بلد معيّن، أن يجدوا ما يجمعهم على الرغم من اختلاف دينهم لكي يبنوا معاً تواصلاً فكريّاً واجتماعيّاً ينسج نمط علاقات ناتجة عن التثاقف؟

ماذا تبقّى من مقولة “العيش المشترك” بعد كل الانفجارات والتصدّعات التي تُمزّق مجتمعاتنا؟  وبالتالي، هل يمكن القول إن الدعوة إلى التماثل والتطابق هي المطلوبة في المرحلة الراهنة، ويجب السعي إليها من أجل تحقيق الأمان والسلام وفضّ النزاعات؟ أم أن الاختلافَ عاملُ ثراءٍ وتنوّعٍ يحفّز على الانفتاح على ما هو أبعد وأعمق، ويجعل الحياة المجتمعية أكثر غنى؟

ضمن هذا الوقع المتأرجح، والأزمات المعقّدة التي تلفّه، يأتي الكلام على أهميّة التثاقف والتحاور والانفتاح ومحاولة العمل على  فهم العالمية والاجتهاد من أجل الدخول فيها والإسهام بمسارها. لذا نسأل مجدّداً: هل السعي إلى الدخول في العالمية والإسهام بحركتها أمرٌ مؤجّلٌ لأنه غير ضروري، ولا يشكّل طلباً ملحّاً في المجتمعات العربية الإسلامية المعاصرة؟ أيّ أفق للهوّية العربية في ظلّ كلّ الصراعات والتنابذ والقلق على فقدان الخصوصية؟ أين هي النزعة الإنسانية لدى الأطراف المتنافرة، وهل يمكن لهذه النزعة أن تُبرز المتشابه بين المختلفين؟ وفي محطّة أخيرة نسأل: هل يمكن للبحث في النزعة الإنسانية أن يمهّد لدخول الهوية العربية في العالمية؟

نحو مقاربة نقدية لمفهوم للحقيقة

نودّ في هذا السياق أن نتوقّف عند ما أورده كل من المفكر اللبناني علي حرب، حول تصوّره لمفهوم الحقيقة، ونقده لكيفية فهمها من قبل بعض المثقفين، والمشتغلين بالفكر، وعند ما جاء به المفكر العراقي محمدحسين الرفاعي، بخصوص الحقيقة، هو الذي ينتمي إلى جيل الشباب، هذا الجيل الذي عانى ما عاناه منذ تسعينيات القرن الماضي، من مآسٍ وأزمات متشعّبة، تكاد تقضي على آماله بتحقيق خطوة متقدّمة نحو الحداثة الحقّة.

تناول علي حرب في أكثر من مؤلّف مفهوم الحقيقة، وأشبعه درساً، من منظوره النقدي. جاء كلامه على الحقيقة بعيداً عن منطق اليقين القاطع والنظام المُحكم. رأى ضرورة التعامل مع الحقيقة انطلاقاً من “منطق التوليد والتحويل”، مشيراً إلى عملية انبناء مستمرّة للمعنى بعيداً عن التحجّر والتصلّب ضمن النماذج المطلقة.

“بهذا المعنى لا تعود الحقيقة عبارة عن تصوّرنا للعالم على ما هو عليه، بل تصبح ما نخلقه من الوقائع أو ما ننتجه من الحقائق، عبر إنشاءات الخطاب ومؤسّسات المعنى، أو عبر منظومات الرمز وتراكيب الخيال، أو عبر مركّبات الفهم وأنساق المعرفة، أي تصبح إعادة ترتيب للعالم أو إعادة تشكيل للواقع، بصورة تؤدّي إلى تغيير جغرافية العقل وعلاقات القوة، بجوانبها الثلاثة: بوصفها علاقة معرفة أو علاقة ثروة أو علاقة سلطة”.[1]

واضح هنا كم أن مفهوم علي حرب للحقيقة متأثرٌ بفكر ما بعد الحداثة، بخاصة عندما يبرز أهميّة أخذ الرمز والخيال بالاعتبار بعد أن كانت الحداثة قد همّشتهما على حساب العقلانية، في عملية البحث عن الحقيقة. لذا جاء عمل علي حرب من أجل لفت الانتباه إلى أهمية توسيع فهم الحقيقة وفتح عملية البحث عنها على ما هو مغاير ومختلف، على ما هو هامشي أو منفي في دائرة اللاعقل، على ما يقع في مكان الضد والنقيض. فاللامعقولية قد تكون متخفيّة في باطن العقل، واللامعنى قد يكون في أساس المعنى. إنه يشدّد على أهميّة الانتباه إلى ما كنا نصنّفه في خانة الخطأ وهو مستبعدٌ من قبل الخطاب حول الحقيقة بالذات. يرى علي حرب على أن الذين يصرّون على أنهم تمكّنوا من القبض على حقيقة الأشياء انطلاقاً من اعتباراتهم اليقينيّة،

“فمآل اعتقاداتهم حصد الأوهام والأكاذيب، أو المغالطات والمفارقات، أو الفضائح والانتهاكات، كما هو مآل الأدلوجات، أكانت دينية أم علمانيّة، سياسيّة أم علميّة”.[2]

أما بخصوص ما أورده محمدحسين الرفاعي حول الحقيقة، فنجده ينهمّ بمقاربة هذا المفهوم، في أكثر من كتاب ومقال له، من زاوية إبستومولوجية، تستثمر بعمق مكتسبات ما بعد الحداثة. يقول  في كتابه “الهوية والعالمية”:

“لا ثَمَّةَ وَحدة حقيقة يمكن تصوُّرها قبليَّاً، وتقوم معاييرُ قياس الحقيقة المطلقة الكُلِّيَّة عليها. لا مرجعية للحقيقة إلاّ ذاتها. وفي هذا السياق لا ثَمَّ إمكانَ لوجودِ الحقيقة في الواقع المجتمعيّ المحسوس”.

يشدّد في كلامه على عدم الوقوع في الأدلجة عند مقاربة مفهوم الحقيقة، لأن في ذلك تبريراً للعنف، والإقصاء، والتكفير، والادعاء بامتلاك الحقيقة والقبض على مفاصلها. يصرّ على أهميّة ربط الحقيقة بالواقع المجتمعي وعدم الاكتفاء بالتنظير والتصورات المجرّدة والمتعالية.

يؤكّد على أن تصوّر الحقيقة قبلياً، وإمكان وجودها في الواقع المجتمعي إنما هو

“منظارٌ يفهم من الحقيقة ما يريده وما ينفعه وما هو فاعل فيه. بمعنى مباشر: ما يأتي من الحقيقة إلى مستوى الواقع المجتمعيّ المحسوس إنَّما هو ما يتوفَّر على إمكان الأدائيَّة- الإنجازية Performativity. وعليه، من يبحث عن الحقيقة المطلقة ويناقش بها، ويضعها قَبلَ كل ضروب التفكير لديه، ويصرّح بأنَّه يتوفَّر، هو أو جماعة الهُويَّة التي من شأنه، عليها، إنَّما هو كائن مُؤدلَج، أو يتوفَّر على إمكان أن يُصبحَ مُؤَدْلَجًا، لا يمكنه أن يبلغ مستوى مفهوم الحقيقة في ما بعد الحداثة؛ أي مفهوم الحقيقة الذي صنع حياتنا، نحن، معشر البشر ما بعد عام 1979، أي ما بعد الإعلان الأوَّليِّ عن مفهوم ما بعد الحداثة، على نحوٍ رسميّ عالميّ، مع جان فرانسوا ليوتار، وكتابه الأكثر أهمية “حالة ما بعد الحداثي””.[3]

واضح في ما تقدّم هذا التوق إلى الواقعية، وإلى النظر بموضوعية في السبب المعرفي الكامن وراء إخفاقاتٍ عدّة يتخبّط فيها من يدّعون امتلاك الحقيقة المطلقة، ومفاتيح المعرفة، وبالتالي يقومون بفرضها على الآخرين بالقوة، ورمي من لا يقبل بها في دائرة الظلام والعمل على إقصائه.

النقد وتعثّر عمليّة النهوض

نرى في الختام أنه بات من الضروري العمل على مصالحة الوعي العربي مع النقد والمنهج النقدي، والتمرّس فيهما. فالنظر إلى الذات والتراث والآخر من منظور نقدي يجعل الإنسان أكثر نضجاً ووعياً بمحدوديّته، وبتاريخيّته، وبنسبيّة الحقيقة التي يتمسّك بها. هذا الأمر من شأنه أن يردم الكثير من الحواجز بين الأنا والآخر، بين الهنا والهناك، بين المستقيمين والضالين على اختلاف انتماءاتهم، ويخفّف من شدّة التوتر المتفشّي بقوة في برامج التوك شو مؤخراً، ومشهدية التعنيف الجسدي والكلامي.

يعتبر علي حرب أن النقد من شأنه أن

“يفسّر لنا عجز أهل الفكر عن الاضطلاع بمهمّة تغيير الواقع المجتمعي على الأرض وفي الميدان، لأنه يبيّن أن المفكّر هو الذي يغيّر العالم بالفكر وعلى صعيد الفهم بالدرجة الأولى، بإثارته مشكلة فكرية نشتغل بها، أو بافتتاحهحقلاً للتفكير نشتغل فيه، أو بابتكاره مفهوماً نشتغل عليه”.[4]

نجد في هذا الكلام ما يبيّن سبب تراجع الوضع الفكري في مجتمعاتنا، وتعثّر عملية النهوض التي ما برحت تتكرر بين حقبة وأخرى، من دون أن تصل إلىى ما تتوق إليه. المشكل يكمن في الأساس في المفكّر نفسه، في آلياته المعرفية، في مقارباته للواقع، في عملية انبناء أفكاره. يشير علي حرب إلى أن

“المفكّر الذي لا يستطيع تغيير العالم، فكرياً، بتجديد أفكاره أو بتغيير طريقته في التفكير أو بابتداع ممارسة فكرية جديدة، لن يغيّر شيئاً. ذلك أن المفكّر هو فاعلٌ اجتماعيٌّ لكونه فاعلاً فكرياً قبل أي فعلٍ آخر”.[5]

من هنا ضرورة ممارسة النقد واتّباع المنهج النقدي من أجل تحسين فهم ما يحدث من حولنا، وتفعيل دور أهل الفكر والثقافة في المجتمع. كرّر علي حرب أكثر من مرّة اتهام المثقفين بأنهم أعداء أنفسهم في الدرجة الأولى عندما يبتعدون عن النقد، إنهم يصبحون ضحايا لأفكارهم أو لأنماط تفكيرهم. بتعبير آخر: “من غير نقدٍ جذريّ يطال نمط وجود المثقف بالذات، سيكون الكلام أشبه بطواحين الهواء، أي لن يكون بمثابة جهدٍ تنويريّ حقيقيّ، تتولّد عنه إمكانيات أقوى وأوسع للقول والعمل، للتواصل والتبادل. فحرية التفكير والتعبير تمارس، بقدر ما تتشكّل فضاءات تتيح للفكر أن يتحرّر من أوهامه أو يخترق حجبه الكثيفة”.[6]

الكلام على دور المثقف في وسط ما نختبره في واقعنا الحاضر قد يبدو ضرباً من الكماليات، أو هروباً نحو التنظير، لكنه في النهاية مسعى، ولو محدود الفاعلية، من أجل تلمّس الطريق الذي قد يقودنا إلى ما هو أفضل، إلى ما يليق بإنسانيتنا، وبدورنا كمشتغلين بالفكر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

[1] – علي حرب، أوهام النخبة أو نقد المثقّف، بيروت، الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، ط3، 2004، ص 19.

[2] – علي حرب، أوهام النخبة أو نقد المثقف، م.س. ص 19.

[3] – محمَّدحسين الرفاعي، الهوية والعالمية، مركز دراسات فلسفة الدين- بغداد ودار التنوير، بيروت- تونس، طبعة أولى، 2025 (قيد الطبع).

[4] – علي حرب، أوهام النخبة أو نقد المثقف، م.س. ص 30.

[5] – علي حرب، أوهام النخبة أو نقد المثقف، م.س. ص 30.

[6] – علي حرب، أوهام النخبة أو نقد المثقف، م.س. ص 44.

اقرأ ايضا

المزيد من المقالات

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete