المثقف في تحد مع طرح الإشكاليات ومحاولة مقاربة الحلول

 تكوين

تتكاثر إشكاليات المجتمع العربي، أو المجتمعات العربية. فالبداية إشكالية بحد ذاتها لوجود “أو” ، ما يجعل من الأمر مسألة غير محسومة. فهل هناك مجتمع عربي واحد، أم مجتمعات عربية؟ وعلى أي أساس علمي – لا مجرد نزوات ومزاجيات “أصحاب القرار” ممن لا علاقة لهم بالفكر – يمكن مقاربة هكذا إشكالية، بالإضافة إلى إشكاليات أخرى أكثر تعقيداً، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: هل يوجد في العالم العربي دولة بالمفهوم الحديث للدولة، أم هي مجرد كيانات سياسية تسير باتجاه تشكُّل دولة بمفهومها الحديث، الرابط بين مصطلحين أساسيين، وهما “الدولة-الأمة” (nation-state). ومن خلال هذا المفهوم يمكن مقاربة مسألة “وطن”، “مواطن”، “مواطَنة”، “حقوق”…

هل انتقلَ المجتمع العربي، أو المجتمعات العربية، بطريقة متناغمة إلى حد ما من فكر “الإمبراطورية” إلى الدولة؟ أم ما زال هذا المجتمع في بنيته الذهنية مجتمع عصر الإمبراطورية، ومرغم على العيش والخضوع لمفهوم الدولة الحديثة؟ هل استطاعت “الدول” العربية نقل المجتمع من عصر “الإمبراطورية” إلى عصر الدولة، أم كرَّسَتْ هذه الذهنية وجذَّرَتْ مفاهيم مغايرة لمفهوم الدولة؟ ولكنها – بالشكل – هي مجتمع قائم يعيش في كنف مفهوم الدولة، ولكن فعلياً، هو مجتمع تُكرس فيه من خلال هذه الدولة التشرذمات المجتمعية بشكل كامن؟

لا يقتصر الأمر على هذه الإشكاليات، بل هناك العديد منها. على سبيل المثال لا الحصر: هل يمكن لأمة واحدة أن تؤسس أكثر من دولة لتعيش في كَنَفِها؟ فنحن ما زلنا نقول “الأمة العربية“، وهناك من يوسع المصطلح ليشمل “الأمة العربية – الإسلامية”. فكيف لأمة واحدة أن تعيش في دول متقاربة جغرافياً ومتباعدة سياسياً؟ كل من يتابع الصحف اليومية منذ أمد يمكنه أن يعي مدى الخلافات والخلاف بين هذه الدول!

تُقودنا هذه الإشكالية إلى إشكالية أخرى، لتطرح مسألة طبيعة العلاقة بين الدين والدولة الحديثة. معظم الدول العربية – إن لم تكن جميعها – تنص دساتيرها على أن الإسلام مصدرٌ للتشريع، إلا لبنان، لاعتبارات تتعلق ببنيته السياسية الغارقة حتى الأعماق في التَّشرذمات الطائفية والمذهبية، المعلنة بلا نصوص دستورية، ولكنها تُعْرَفُ باسم “العُرْف”، وهي – كما يُودُّ البعض تبريرها – على أن “العُرف” أقوى من النص الدستوري. لو كان الأمر هكذا، يُمكن طرح السؤال التالي: ما دام العُرف أقوى من النص الدستوري، فما حاجة الدستور والمحاكم الدسورية…؟

من ناحية أخرى هناك إشكالية هل تمكن الدين من صهر القبائل والعشائر والمناطق المتشرذمة والمتناحرة في بوتقه واحدة تعيش تحت مظلته الفكرية؟ أم فشل في هذه العملية وبقي مسألة سطحية غير متجذرة في الفكر المجتمعي؟ لنأخذ على سبيل المثال الاقتتال بين المناطق في بلد واحد ينتمون إلى دين واحد! وأكثر ما يكون تناحرهم وتحاربهم على أسس ظاهرها عشائري – مناطقي وعمقها أمور أخرى.

وما دام مَصدر التشريع هو الدِّينُ الإسلامي حَصْراً، فكيف لنا أن نتحدث عن وطن ومواطن وديمقراطية ومساواة بين المواطنين، وتشريعات تتعلق بتنظيم العلاقات الاجتماعية…؟

أمور تضع الدِّينَ الإسلامي أمام تحديات لا عَهْدَ له بها، ما يجعل النص المقدس، القرآنَ، والسنة النبوية، ومصادر التشريع الدينية، أمام مواجهة فعلية، على أرض الواقع، مع مجريات الأحداث الراهنة، والتطورات التي يشهدها العالم.

كما ان الاستعمار وما أحدثه من تغيرات جذرية في منطقتنا، دفع بعلماء الدين للمواجهة معه. وهنا يمكن القول إن هذه المواجهة أخذت ثلاثة أشكال أساسية :

  • قسم منهم قال بالعودة إلى التزمت الديني والقَوْلِ إن الإسلام “الحقيقي” هو الحل
  • وقسم ذهب إلى “تحديث” الفكر الديني لمواكبة العصر
  • وقسم آخر ذهب إلى القول بفصل الدين عن قراءة الواقع، وجعل الدين خارج الإطار الفكري في القراءة.

مُضافًا إلى ما سبق، إشكالية – هي أيضاً راهنة – تتعلق بالاستعمار بأشكاله القديمة والجديدة. فالاستعمار، منذ تقاسمه الامبراطورية العثمانية، واتفاقية سَايكس – بيكو، ومدى انعكاساتها السلبية على كافة الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية، أخضع العالم العربي لمتغيرات جذرية ما زال يتخبط بها، ومنها الإشكاليات التي ذُكِرَت في الأعلى. مُضَافًا إليها إشكاليات تتعلق بمفهوم التبعية للاستعمار، حتى على مستوى اللغة والطعام والمأكل والملبس (على سبيل المثال لا الحصر الضجة التي حصلت حول لباس البحر “الشرعي”!)… لتصبح ثقافة الْمُسْتَعْمِرِ بمفهومها الاستعماري ليست باستعمار! فدخل الدين بصراع مع كل هذه القضايا، كون الدين الإسلامي يتدخل بأدق تفاصيل الحياة اليومية!

أيضاً، على سبيل المثال لا الحصر، لغة التعليم في المؤسسات التربوية في العالم العربي، أو في بعض دوله على الأقل، وتعميم فكرة “قصور” اللغة العربية عن مواكبة العصر! كَي لا نذهب بعيداً ونخرج عن حدود الموضوع، يمكن أن نَسْأَلَ: من المسؤول عن هذا “القصور” في اللغة العربية؟ العقل العربي أم التبعية للاستعمار أم كلاهما؟

لو فعلا تمكن العالم العربي من تخطي، ولو جزئيًا، هذه الإشكاليات، لما كنا شَهِدْنَا ما نُشَاهِدُهُ حالياً! ويبدو أَن هذه الإشكاليات أصبحت أكثر تعقيداً وتشابكاً مع ظاهرة العولمة، ولم تعد حدود هذه الإشكاليات تخص العالم العربي فقط، بل العالمَ برمته، حتى في أكثر الدول تقدماً وتطوراً في كافة المجالات الاقتصادية والسياسية، وليس الاجتماعية! فعلى سبيل المثال لا الحصر، مع طُفُوِّ اليمين السياسي بخطاباته العنصرية على الساحة العالمية، بدأنا نشهد خطابات من قادة سياسيين لدول كنا نظن أنها تخطت هذه التشرذمات المجتمعية. طبعاً، هناك إشكاليات تخص الوَاقِعَ العربي، وهناك إشكاليات لا علاقة لَهُ بها. ما يهمنا هو الإشكاليات المتعلقة بالعالم العربي.

مجدداً، ما أكثر الإشكاليات التي يمكن أن تُطرح، وبخاصة تلك المتعلقة بالعالم العربي، وجميعها تفتح أبواب التفكر والبحث، أو حتى محاولات البحث، عن مقاربات علمية لها. لكن السؤال الأساسي، أو الإشكالية الأساسية: على عاتق مَن تقع هذه المهمة؟

قد تكون الإجابة الأولية لهكذا سؤال هي: مهمة المثقفين في العالم العربي. وهذا بدوره يطرح سؤالاً جوهرياً: من هو المثقف في العالم العربي؟ ما آليات إنتاج المثقف؟ وما دوره؟ فالأفكار التي يُنتجها هي الأدوات التي تُستخدم في عملية تكريس ما هو قائم، أو تغييره، أو إصلاحه. وإن بَقِيَتْ أفكاره سجينة معتقله الفكري ومترفعة عن الواقع المعاش، ستبقى سجينة معتقله. لكن إن استطاعت أفكاره أن تهبط من عليائها وتتجذر في البنية المجتمعية، هنا تتحول الأفكار إلى أدوات للتكريس، أو التغيير، أو الإصلاح.

بهذا يمكن القول إن هناك صراع حاد حتى ضمن المثقفين لاختلاف مقارباتهم، لكنه صراع إنتاجي على المستوى الفكري، ويتبلور مدى صِدْقِيَّةِ أفكارهم عندما تنخرط على أرض الواقع الذي أنتجها. فالأفكار لا تسقط من الأعلى إلى الأسفل. وهذا ليس بِخِلَافِ قوانين الطبيعة، وتحديداً قانون الجاذبية، لأن الجسم الأثقل يجذب الجسم الْأَخَفَّ وزناً. وهنا الواقع هو الأثقل، فيجذب الفكر إِلَيْهِ ليتفكر فيه، ومن ثم يعود إلى الواقع. فالأفكار تَنْبُتُ من أرض الواقع لتعود إليه لِإِثْبَاتِ مصداقيتها.

لنستهل محاولات مُقاربة هذا الكل المعقد من الإشكاليات، نبدأ بمحاولة الإجابة على مَن هو المثقف، ومن بعد ذلك ننتقل إلى مَن هو المثقف العربي، أو في العالم العربي، على اعتبار أنه قد يشكل بداية، ولو أولية، لفهم واقعنا وتعقيداته الداخلية، مضافاً إليها ما يؤثر فيها من عوامل خارجية، وبخاصة أننا لم نعد نعيش في مواقع جغرافية منعزلة ومعزولة عن بقية العالم. أيضاً، على سبيل المثال لا الحصر، مسألة التغيرات المناخية التي تُصِيب العالم. تغيرات لا تنحصر في بقعة جغرافية واحدة، بل تطال العالم برمته، وضمناً حياة الإنسان أينما تواجد.

المثقف:

تشكل المثقف مع بدايات تشكل الوعي في المجتمعات البشرية، وأنساق العلاقات الاجتماعية التي تحكم هذه المجتمعات فـ”لكل مجتمع مثقفيه. المجتمعات البدائية… أيضاً لها مثقفيها أو كحد أدنى لديها مثقفها الفجري protointellectual”[1]، ما دام “لكل مجتمع مثقفيه” فمن بداهة القول أن المثقف متواجد في كل مراحل تطور المجتمعات سواء أكانت “بدائية” أم لا، واليوم هناك مفهوم “المجتمع ما بعد الصناعي” (post industrial society) فهل المثقف موجود في مجتمعات كهذه، أم أعلن عن وفاته، كما يود البعض؟ هل مهمة المثقف فهم وتفسير العالم أم تغييره؟

من ناحية أخرى لكل مجتمع بنية سلطوية تمثل جزء من بنية المجتمع البشري أيضاً، ما يشير إلى وجود علاقة ما بين المثقف والسلطة الناظمة لهذا المجتمع. ولكن إن أراد المثقف تغيير لا تفسير ما هو قائم فهل يكون مصيره “الاغتيال”؟ تبدو الإجابة الأقرب هي نعم. ويبدو هذا سائداً وفقاً للأحداث التاريخية، وبخاصة إن لم يكن حيادي ويحاول انتقاد ما هو قائم، فـ”… من يقول لك أنه كاتب محايد، فهذا يعني أنه كاتب ميت…”[2]. وبهذا يكون الرد على من يقول بموت المثقف. وهنا تموضع للمثقف بين موقعين الحياد، بمعنى الترفع عن قراءة الواقع، أو التبرير لما هو قائم، فيبقى على قيد الحياة؛ ومن لا يكون بهذا الموقع، أي بموقع المحايد، فمصيره “الموت”، بغض النظر عن طريقة الموت سواء كانت فعلية، كالاغتيال، أو رمزية كالاهمال لانتاجاته الفكرية.

مقابل الاغيال، سواء كان جسدياً أم معنوياً، هناك مأزق يقع فيه من يأخذ القرار باغتيال هذا المثقف أو ذاك، لأن أصحاب القرار بالقتل ينسون أن “التغلب على الخصم إنما يتم عندما لا يعود له أي موقع في الذاكرة.”[3]. وما أكثر الشواهد على هذا القول! نبدأ بمحاكمة سقراط ولا ننتهي بأحداث اليوم!

المثقف لغة:

يغيب تعريف المثقف عن معاجم اللغة العربية، الرئيسية القديمة، ويتواجد كلمة “ثقف” وتعني “ثَقفَ الشيء ثقفاً وثقوفه: حَذقَه. ورجل ثَقفٌ وثَقِفٌ وثَقَفٌ: حاذق فَهِم. ويقال ثَقِف الشيء وهو سرعة التعلم…”[4] وعلى الرغم من عدم وجود لفظة “مثقف” في “لسان العرب”، إلا أن هذا لا يعني انتفاءها من اللغة لتكون دخيلة عليها حيث يقول عبد الإله بلقزيز “لا يوجد المثقف ملفوظاً هكذا في اللسان العربي الكلاسيكي، لكنه موجود في مضمون فعله الثقافي كفعل معرفي (أي الحاذِقُ الفَهِم).”[5] وهذا ما يؤكد القول بوجود المثقف في المجتمع منذ عرفت هذه المجتمعات تشكلاتها الأولى. ويبدو دوره تطور مع تطور المجتمعات إلى الوضع الذي نعرفه فيه حالياً. فهو، أي المثقف، الموجود الدائم في كافة المجتمعات البشرية، وإن غابت لغة مجتمع ما تسميته بهذا اللفظ.

وفي قاموس المورد، انكليزي ـ عربي، كون “مثقف” هي ترجمة لـ “intellectual” تعني:

  • (1) “أ” فكري، عقلي. “ب” عقلاني: نابع من العقل لا من العاطفة أو الخبرة.
  • (2) مفكر: “أ” ميال إلى الدرس والتفكير والتأمل. “ب” منهمك في نشاط يتطلب اصطناع العقل على نحو إبداعي
  • (3) المفكر: شخص مفكر.”[6]

أما في قاموس “Webster’s” يصنفها على أنها صفة

  • “(1) ذات علاقة بإستخدام أو أداء العقل (الذكاء) (لشخص مهتم بالنشاطات العقلية).
  • (2) (اسم) شخص مهتم بالنشاطات العقلية. “التعقلية” (intellectualism) (اسم في الفلسفة) مذهب لاكتشاف مبدأ الواقع بالعقل (reason) وحده/ مذهب يقول إن المعرفة مشتقة من العقل فقط.”[7]

ولا يوجد في “Encyclopedia Americana” كلمة “مثقف” بل فقط كلمة “intellect” ولا تفسير لها، وفقاً للموسوعة، بل إحالة إلى كلمة “ذكاء” (intelligence)، وتفسر الموسوعة الـ “ذكاء” بما يقرب الثماني صفحات. أما بالنسبة للـ”تعقلية” فتقول الموسوعة: “في الفلسفة هي الإعتقاد بأن المعرفة تنشأ من الذكاء (intellect) أو العقل (reason)”[8] وتحيله إلى خانة “المذهب العقلي” (rationalism). وإذا ما أخذنا بهذه التعاريف فهي تتضمن أمر مثير للريبة. فهي تحصر “المثقف” بالعمل الذهني، وكأنها تريد القول أن هناك من يعمل بذهنه وهناك من يعمل بيده! وكأن العمل الذهني منفصل عن العمل اليدوي! فهو، أي المثقف، “مهتم بالنشاطات العقلية… ميال الى الدرس والتفكير والتأمل...”. وما أكثر هذه العبارات الناقلة للفعل العقلي إلى مرتبة أعلى من بقية الأفعال عازلة إياه عن علاقة بالواقع.

بعض من مقاربات المثقف

وفقاً للـ”طاهر بنجلون” “برز مصطلح “المثقف”، لأول مرة بفرنسا في 13 كانون الثاني 1898، في مقال ايميل زولا، المعنون “المتهم” المنشور بصحيفة (L’ Aurore) (الفجر)، والمتعلق بقضية دروفيس…”[9].

المثقف “كاسم أول ما استخدم بمعناه الواسع في فرنسا خلال قضية “دريفوس” (Dreyfus) عام 1898.. حيث وقع العديد من الكتاب، وأساتذة الجامعات على عريضة “بيان المثقفين” (Manifesto of the Intellectuals) موضحين فيها موقفهم تجاه هذه القضية.”[10] وهناك من يُعرف “المثقفين” على أنهم “إجمالي الأشخاص الذين يوظفون، في أي مجتمع، تعابيرهم واتصالاتهم نسبياً بوتيرة أعلى من بقية أعضاء مجتمعهم، الرموز العامة والمراجع المجردة التي تهم الإنسان، والمجتمع، والطبيعة، والكون…”[11] وفي موسوعات أخرى كلمة “مثقفين” تستخدم “لتمييز الأشخاص الذين تتضمن نشاطاتهم مقدرات عقلية. ويعبر عنها في اللغة الألمانية بكلمة (Intellektuelle) وتحمل في طياتها مضامين ايجابية مثل “الخلق”، “الإبداع” أو النقد. أما في اللغة الفرنسية، والانكليزية كلمة مثقف تعكس قيماً أقل مما هو في اللغة الألمانية كونها ـ أي كلمة intellectual ـ ولا تتضمن مفهوماً طبقياً محايداً (no neutral class concept) كما هو في الألمانية والروسية.”[12]

وقد طور كارل منهايم مصطلح (terminology) مثقفين. فما يميز المثقفين هو أن معرفتهم نسبيا مستقلة عن مركزهم (موقعهم) (position) الاجتماعي.”[13]. بينما مفهوم “مثقف” أول ما استخدم في الولايات المتحدة الأميركية خلال الحرب العالمية الأولى ليصف “المُعارض لهذه الحرب…”[14] ولا يكفي العمل العقلي، بحد ذاته، ليصبح الشخص مثقفاً حيث من المتعذر على المثقف أن يكون مثقفاً ما لم “يحمل مغزى سياسياً… فعمل المثقف معترف به كميدان عمل وممارسات تتعلق بمطالب سياسية، وظروف العالم الذي يعيش فيه.”[15] وقد حدثت تغيرات بعد الحرب العالمية الثانية وقادت إلى “مجتمعات ما بعد صناعية، ونمت علاقات الاتكال المتبادل بين السلطة وعالَم المثقفين (intellectualdom) للتقليل من المواقف الانتقادية (critical stance).”[16]

معظم هذه التعاريف يتضح أنها منبثقة من رحم التعريف اللغوي للمصطلح، لكنها تتضارب في بعد واحد مفاده فصل أو عدم فصل العمل الذهني عن أرض الواقع. ومنها ما أضاف بعد جديد للمصطلح وهو استقلالية المثقف عن الموقع الاجتماعي. فلم يعد المثقف محصور ضمن موقع اجتماعي محدد. فأخرجه من سجن الموقع ليكون حراً في موقعه فاسحاً المجال أمام الإنسان، وتحديداً المثقف، للخروج من الاطار الذي وضع فيه سابقاً.

ومن ثم هناك بُعد آخر اعاد إقحام المثقف في الحياة المعاشة وواقع أحداثها باعتباره “المُعارض للحرب”. الاعتراض هناك لا ينحصر في مسألة الحرب والسلم، بل الاعتراض يقوم بالتعبير عن موقف سياسي واضح لمجريات الأحداث السياسية التي يعايشها المثقف. فالحرب ترتبط بشكل رئيسي بالقرار السياسي، وهي ليست بذاك الشيء المستقل عنه، بل خاضعة تماماً له. وهذه المسألة تفتح أفق مقاربة إشكالية علاقة المثقف بالسلطة السياسية ودوره. كما تفتح في الوقت نفسه سؤال كثيراً ما يُطرح في العالم العربي حول مسألة الدولة القائمة وحرية الرأي وحرية الإعلام والديمقراطية… وما أكثر الاقتتال الداخلي في العالم العربي ما أكثر المنظرين وما أقل المثقفين القارئين لهذه الظاهرة.

بينما يُشدد جوزف شومبيتر (Joseph Shumpeter) على أن “واحدة من اللمسات التي تميزـ المثقف ـ… عن بقية الناس…. هي موقفه النقدي“[17]ويقارب لويس كوسير (Lewis Coser) المثقفين على أنهم “أشخاص يبدو أنهم لا يكتفون بالأشياء كما هي… هم يسألون حقيقة اللحظة (moment) بحقيقة أوسع وأسمى.“[18]، و”يعنون بالقيم المركزية في المجتمع.”[19]

لقد أدخلنا شومبيتر إلى حقل النقد! وإذا أخذنا بقول ايمانويل كنط عصرنا عصر النقد، فهذا يعني أن كل ناقد هو مثقف وكل مثقف هو ناقد. فمن لا يجيد نقد الواقع عليه أن يخرج من حقل تعريف المثقف. والنقد مسألة أساسية في بناء الفكر وإلا وقعنا في فخ أحادية الفكر! وللنقد أسس وقواعد يجيدها المثقف، والأمر الجميل في النقد استحال تجميل وتكريس ما هو قائم وإن كان نقداً إصلاحياً لا تغييرياً! فأضاف شومبيتر سمة النقد على سمات المثقف وحمله عبىء اضافي بجعله عنصر غير محايد، على اعتبار الموت في التماثل. وهنا يمكن أن تصح مقولة موت المثقف ما لم يكن ناقداً لما هو قائم.

بينما يشدد ادوار سعيد في حوار أجري معه على محطة الـ”BBC” حول المثقف، ومن ثم طبع في كتاب بعنوان “تمثلات المثقف” (“Representations of the Intellectual”) مقارباً إياه على أنه هو “فرد صاحب دور عام محدد في المجتمع… ولا يوجد شيء اسمه مثقف خاص، ففي اللحظة التي تضع فيها كلماتك ومن ثم تنشرها، دخلت عالَم العام… لـ”يدفع حرية ومعرفة الإنسان إلى الأمام”. فحدد سعيد مهمة المثقف بالدفع بحرية الإنسان لتصل إلى أقصى حدودها الممكنة رابطاً الحرية بالمعرفة. فلا حرية بلا معرفة ولا معرفة بلا حرية. والمعرفة كما يبدو دائمة التطور لا تقف عند حد معين بل ترتبط بمدى تطويرها للمجتمع وتطوير المجتمع لها. فهي مؤثرة في تطوره ومتأثرة به في الوقت نفسه. وما دامت المعرفة دائمة التطور، وبخاصة أن المجتمعات في حال من الديناميكية الدائمة، فالحرية بدورها في الحالة عينها لارتباطها بالمعرفة.

إلا أن سعيد يضيف سمة أخرى للمثقف غابت عن معظم التعريفات ألا وهي مسألة نفي المثقف من وطنه، فهو أن عملية نفي المثقف من أرضه، وطنه، لها دور كبير في تشكيله ويقول: “بسبب النفي يرى الأشياء ببعدين، ما ترك وراءه وما هو فعلياً قائم الآن وهنا. هناك منظور مزدوج حيث لا يرى الأشياء معزولة.” وهي حال يعيشها المثقف في معظم الدول المتعارف على تسميتها “دول العالم الثالث”، وطبعاً العالم العربي ضمن هذه الدول. فحالياً لا نسمع عن نفي مثقف فرنسي، على سبيل المثال، ممن فرنسا بسبب أفكاره الناقدة للسلطة الفرنسية أو المجتمع الفرنسي.

يختم سعيد رؤيته للمثقف بالقول: “عليك بتذكير نفسك دائماً بأنك أنت القادر كمثقف على الاختيار بين أن تمثل الحقيقة بفعالية على خير ما تستطيع، وبين أن تسمح بإذعان لوالي الأمر أو السلطة بتوجيهك.”[20]

حرية معرفة نفي حقيقة صفات يجمعها سعيد ليكمل من خلالها رسم حدود مصطلح مثقف. وهي جميعاً لا تتوافق مع التماثل مع السلطة السياسية، ليعيد موضعة المثقف على أنه ناقداً للسلطة لا مبررا لأفعالها ومواقفها، وإلا فقد صفته كمثقف.

مقابل هذه التعريفات والمقاربات وبخاصة تلك التي تحاول الفصل بين المثقف وبقية البشر على أساس الفصل بين العمل الذهني والعمل اليدوي يرى غرامشي أن “كل إنسان هو إنسان مفكر”، ليضع الجميع أمام مسؤولية مواجهة الواقع.

طبعاً واللائحة تطول من قبل المحاولين الوصول إلى تعريف المثقف، لكن السمات الأساسية لهذا الإنسان تحددت إلى حد ما. لننتقل إلى محاولة التعرف على المثقف العربي.

مثقف العالم العربي

هل للمثقف العربي خصوصية، تميّزه عن المثقف “الكوني”؟ أم أنه يتشارك معه في “الكونية” وفي الوقت عينه يتمايز عنه ضمن “كونيته”؟ أم ما من مشتركات ما بينه وبين المثقف “الكوني”؟ إنها إشكاليَّاتٌ إضافية إلى إشكاليَّة المثقف.

مِنْ عنوان الكتاب “المثقف العربي: هُمومُه وعطاؤه”، يمكن أن نلحظ أن هناك تمايزًا في “الهُموم والعطاء” الذي حاول مؤلفو هذا الكتاب أن يعكسوه. فما هي هذه التمايزات والهُموم من وجهة نظرهم؟

وفقاً لبرهان غليون تواجد المثقف، بالمفهوم الحديث، في المجتمع العربي قبل أن يتكوّن النظام الحديث[21]. ما يؤكد أسبقية تواجد المثقف في المجتمع العربي قبل نشوء دوله بعد اتفاقية سايكس – بيكو. ومن جهة أخرى، يؤكد قضية وجود المثقف في المجتمع العربي، حتى لو لم يتواجد هذا المصطلح في قواميس اللغة القديمة، فهو – أي المثقف – تعددت ألقابه في اللغة العربية من مفكر إلى فيلسوف إلى حكيم…

لأنه تواجد قبل نشوء الأنظمة السياسية وجد نفسه مجبراً على النضال من خلال العمل الفكري والممارسة السياسية معاً من أجل شق الطريق أمام هذا النظام[22]. لقد حدَّدَ غليون المثقفَ بحدود مسألة نضاله الفكري والممارسة السياسية بحدود تبرير نشوء الدول العربية، مُتناسيًا وجود كثير من المثقفين في حينها رفضوا فكرة قيام الدول العربية، محاولين الحفاظ على فكرة الإمبراطورية الإسلامية، ومنهم من رفض المشروع الاستعماري بصيغة سايكس – بيكو. من خلال مقاربة غليون للعلاقة بين المثقف والسياسة، وَضَعَ بدايات ظهوره بصورة المثقف المرتبط بالسلطة، أي مُثقف السُّلطة السياسية!

تماهي المثقف مع السلطة له أسبابه، عند غليون، ويعود السبب الرئيسي للتماهي إلى أن “الحداثة نفسها ولدت هنا كفكرة قبل أن تتحول إلى واقع”[23]. “هنا” المقصود بها العالم العربي. بعبارته هذه يقول لنا غليون بطريقة غير مباشرة ان الأفكار تولد في العقل قبل أن يتعرفها عليها الواقع. فقوله “ولدت هنا” لم تكن عبثية. وكأن المثقف العربي خلال صراعه مع “الرجل المريض” في أيامه الأخيرة، لم يتعرف على هذه الأفكار التي كانت تنتشر في العالم! أي يأخذنا غليون إلى مبدأ أسبقية الفكر على الواقع. هذه الأسبقية دفعت بغليون إلى وصف المثقف العربي على انه مجرد “وسيط”، وسيط قائم خارج الطبقات والفئات والمصالح والأوضاع[24]. لقد أخرج غليون المثقف العربي من أي انتماء فكري، فهو خارج الطبقات والفئات والمصالح والأوضاع! مدام قد خرج من كل هذا فما عمله ودوره؟! قد يكون دوره انتظار تلقي الأفكار من عوالم الغيب، لا عالم الغيب، ليسبق بها الواقع. فذاك المسمى مثقف، وفقا لغليون، انحصر دوره في البداية التماهي مع الدول ليبرر نشوئها، وبعد النشوء لا عمل له سوى انتظار هبوط الأفكار عليه! ولن ندخل هنا في تصنيفات غليون للمثقف العربي، ومنها على سبيل المثال “المثقف المقاول”، و”المثقف الاحترازي”، و”المثقف الانتحاري”…

أما بالنسبة لعبد الإله بلقزيز فإن التاريخ العربي زاخر “بفائض” من المثقفين، وهذا تأكيد جديد على وجود المثقف العربي قبل ظهور المصطلح. يقسم عبد الإله بلقزير المثقف، أو المفكر، العربي خلال تاريخه إلى قسمين وهما: قسم ارتبطوا في وظيفتهم الفكرية بالسلطان السياسي وظلوا جزءاً أصيلاً من وقسم منهم انصرف عن السلطان لتنصرف إلى “العامة” مُعرِضة عن كلّ ما في أمره أن يتوسل بالضرورات عذراً تتجوز به المحظورات[25]. فاعادنا عبد الإله بلقزيز إلى طبيعة علاقة المثقف العربي بالسلطة منذ زمن بعيد، وبتقسيمه هذا أخرج المثقف من التماهي مع السلطة كما فعل غليون.

كان هذا فيما مضى، أما حديثا اتجه المثقف العربي “الملتزم” إلى الجماهير برسالة النهضة والتقدم، داعياً إياها إلى تحقيقها متخذاً من الفكرة الوطنية أو القومية أو الاشتراكية الإطار المرجعي لصناعة مشروعه[26]. فاعطى عبد الإله بلقزيز بُعد آخر للمثقف، حيث على المثقف أن يحمل مشروع وعليه أن يعمل لتحقيق مشروعه. وبهذا ربط الفكر بالواقع، أي تطبيق الفكر على أرض الواقع لا البقاء في عالم الأفكار، أو الابراج العاجية التي يحاول المثقف أن يعيش فيها. والمشروع ليس واحداً عند المثقف، بل تختلف من مثقف إلى آخر ولكن جميها، وفقاً لعبد الإله بلقيز تهدف إلى المهضة والتقدم. والنهضة هنا فيما تعنيه، هو الانتقال من حالة السكون وعدم مواكبة العصر إلى الحالة الديناميكية لمواكبة العصر لتصبح فيه هذه المجتمعات الساكنة فاعلة في هذا العصر، لا مجرد تابع خامل ساكن. ديناميكية لا من أجل الديناميكية بل لهذه الديناميكية غاية محددة وهي التقدم. وبالنسبة له عرف المجتمع العربي المعاصر ثلاثة أنماط من “المثقفين المندمجين” مؤدين ادواراً متفاوتة الأهمية، وهي:

المثقف الطبقي، أو مثقف الطبقة، وهو من تمثل وظيفته الاجتماعية تمثلاً طبقياً.

المثقف والشعب: مثقف الشعب لحظة سابقة في الوجود لمثقف الطبقة. ربما كان مثقف الشعب، في التاريخ العربي المعاصر، هو الذي حمل معه الفكرة الوطنية في مرحلة الاحتلال الاستعماري للبلدان العربية. لكنه استمر في الوجود حتى في حقبة “الاستقلال” السياسي. إنه من انتبه لحقيقتين سياسيتين: أولاهما أنّ الاحتلال يدمّر مصالح جميع فئات الشعب من دون استثناء، وثانيتهما أن القمع والاستغلال ـ في مرحلة “الاستقلال” ـ يصيب كلّ أبناء الشعب على تفاوت لا يلغي قاعدة الاشتراك في المحنة.

المثقف والأمة: من الممكن لمثقف الأمة أن يستغرق ويحتوي مثقف الشعب كلما كانت دائرة الأمة (أي العربية) منحصرة في القوى الاجتماعية والطبقية الكادحة… أو من القوى المتضررة من التحالف الامبريالي ـ الكومبرادوري… ولكن يمكن أن يصبح مثقف الأمة حالة فكرية متميزة عن مثقف الشعب كلما تغاضى عن التناقض الاجتماعي الداخلي وانتبه إلى هوية الأمة في مقابل آخر خارجي يُغايرها[27]

من خلال تقسيمه للمثقف، بمفهومه الحديث، رَبَطَ عبد الإله بلقزيز بين المثقف بوجوده التاريخي (ما قَبْلَ ظهور المصطلح) والمثقف الراهن، ليجعل من “مثقف الأمة” التعريفَ الأوسع الشامل لبقية التصنيفات. لكن يبدو أنه يقفز فوق الطبقات فيما يَتعلَّق بالمثقف الطبقي، وكأنها لم تتواجد تاريخيًّا، بل ترتبط بالزمن الراهن، جاعلاً منه مجرد أَسير لهذه الطبقة أو تلك، بِكَوْنِه أسيرًا تنحصر اهتماماته الفكرية بالطبقة. لِيأتيَ راهنًا “مثقف الشعب” المحتوي للمثقف الطبقي، ليرتقي بأفكاره ما فوق الطبقة ويهتم بالقضايا الأكثر عمومية وتتعلق بشؤون الشعب بعامة. والجدير بالذِّكْرِ هنا هو إدخال عنصر الاستعمار في مسألة المفكر، أو المثقف، وربط الاستقلال بقضية الشعب ومصالحه. وهذه واحدة من أبرز ميزات المثقف العربي، مقابل المثقف بالمفهوم الغربي.

أما “مثقف الأمة”، فهو ذاك المثقف الذي استطاع أن يتجاوزَ مصالح طبقة بعينها، أو شعب بعينه، ليتعامل مع الأمة. فيتحول مثقف الأمة إلى ذاك المثقف الذي بِإمْكانه أن يطوي تحت جَنَاحِه المثقف الطبقي ومثقف الشعب. وهذا ما يعيدنا إلى إشكالية تواجد الأمة العربية في أكثر من دولة، كلٌّ منها مستقلة عن الأخرى، ومحاولة كل دولة منها أن تؤسس “شعبها”، فَنَدْخُلَ في الصراع بين “شعوب” عربية وأمة عربية. هنا يأتي مثقف الأمة ليقارب هذه الإشكالية، بينما تبدو – لعبد الإله بلقزيز – وكأن هذه الإشكالية خارج الاهتمامات الفكرية للمثقف الطبقي ومثقف الشعب!

من خلال هذه المقاربة بتقاطع القديم مع الحديث أعاد عبد الإله بلقزيز المثقف إلى الانتماءات التي أخرجه منها غليون. اعادة إلى الانتماء الطبقي وإلى الشعب وإلى الأمة، ليحمل مشروعه فكري ويعمل على تحقيقة.

أما محمد عابد الجابري يرى انه لا وجود لمثقف يفكر من الصفر، بل يفكر انطلاقاً من تفكير مثقف سابق له[28]. فألغى الجابري مسألة أبداع مثقف اليوم؛ لأنه ينطلق من أفكار من سبقه. ولا نعرف بعودته هذه إلى من يعود؟ بمعنى من هو المثقف الأول الذي يأخذ منه مثقفوا العالم العربي، أو مثقفي العالم؟ ويدخلنا في متاهة من هو المثقف الأول؟!

معتبرا ان المثقفين ليسوا بطبقة، بل أفراد يتحددون بوعيهم الفردي[29]. فأضاف مسألتين وهما “الوعي” و”الفردية”، من دون أن يحدد لنا طبيعة هذا الوعي وكيفية تشكلاته. هل ينبع الوعي من تلقي الأفكار بالتواصل مع المثقف الأول؟ أم هناك سبل أخرى؟ ويبدو أن الفرد، بذاته، منفصلاً عن محيطه المشكل لوعيه لأن الوعي، بالنسبة له، وعي فردي لا جماعي! فيتحول “الفرد الواعي” مضافاً إليه فرد واع آخر وآخر وآخر…  متحدين ليس كجماعة اجتماعية أو طبقية – أو سمها ما شئت – بل مجرد مجموعة أفراد بلا صفه اتحادية بينهم. فتجردت فكرة المثقف، أو المفكر، عند الجابري لتنتقل من الملومس الواقعي إلى التجريد.

هذا الفرد الواعي، أي المفكر أو المثقف، وإن كان لا ينطلق من الصفر، واتحاده مع أمثاله لا صفة لها، فهو لا يظهر إلا من خلال الآراء المتعددة المتنوعة المختلفة[30]. عجيب هذا التيه! هل كان المثقف الأول مختلفاً مع فكره فأنتج اختلاف في الآراء؟!

من المفارقات الأخرى في مقاربة الجابري للمفكر، وبخاصة بتلك المتعلقة بحقبة الحكم الاسلامي، هي اعتباره ان الأمراء، في حينها، هم المفكرون، أو “العلماء” وفقاً لتعابيره، فقط!  “كان الأمراء… هم العلماء: كان الصحابة أمراء وعلماء في الوقت نفسه[31] وكأن كل من هم خارج هذه الطبقة ليس بمفكر؟ محولاً إياهم إلى “وكالة حصرية”، بالتعبير الحديث، لإنتاج المفكرين، ملغياً بهذه المقاربة أي محاولة للحديث عن مفكرين خارج هذه الطبقة، وكأن المسكين أبن خلدون لم يقل شيء حول هذا الموضوع!

من ناحية أخرى يبدو أن “الأمراء” اختلفوا فيما بينهم على السلطة ومن هذا الاختلاف ظهرت “فئة المثقفين”، فبالنسبة له “… ثم حصل خلاف حول الحكم ما استأثر الأمراء بالسلطة وتمسك العلماء بالرأي. حصل استبداد بـ”الأمر” أدى إلى استقلال “الرأي”، فانفصل العلم والثقافة عن السياسية وبدأت فئة “المثقفين” الأوائل في الإسلام بالظهور.”[32] من هم العلماء؟ ومن هم “الأمراء” الذين استأثروا بالسلطة؟ لا نعلم! كيف للأمير “العالِم” ان يختلف مع الأمير “العالِم” الآخر ويتحول كل منهما إلى معارض للآخر؟ هل حدث الخلاف في فترة الخليفة الراشد الرابع، أي فترة خلافة علي بن أبي طالب، أو منذ لحظة وفاة الرسول؟ هل يريد أن يقول لنا الجابري أن “المثقف الأول” هو الرسول وكافة مثقفي اليوم يستقون أفكارهم منه؟

مقاربات تتقاطع في بعض النقاط وتتفارق في نقاط أخرى، مثل مقاربة غليون والجابري، وهناك مقاربات لا تتقاطع معه مثل مقاربة عبد الإله بلقزيز، والتي تتقاطع في جزء منها مع سعيد.

كانت هذه نبذة عن المثقفين العرب وتمايزهاتهم المتشكلة من تمايز العالم العربي، ضمن كونيتهم. فمن الإشكاليات الخاصة في العالم العربي التبعية، الاستعمار، الدولة الحديثة، القومية، الأمة، الحداثة، الدين وتجذره في بنى المجتمع بأشكال مختلفة، فلسطين… بالإضافة إلى إشكاليات أخرى متعددة مثل الفقر في بلدان غنية بالموارد الطبيعية، القمع السياسي، غياب الحريات الفكرية، التخلف، نسب الأمية المرتفعة…

من خلال هذه التعريفات يمكن استنتاج أن المثقف يتشكل من خلال محيطه، السياسي والاقتصادي، والاجتماعي وفي الوقت عينه يعمل على تشكيل هذا المحيط، إما لتأبيده وإما لتغييره.

ويبقى هناك إشكالية أخرى تتعلق بمسألة المثقف، أو المفكر، بغض النظر عن كثرة التباينات في مقاربة هذا المفهوم. فهو من يطرح الإشكاليات ويعمل على إيجاد مقاربات علمية لها. في خضم كل هذه الإشكاليات والمقاربات للمثقف، نضيف إشكالية ترتبط بشكل وثيق بالمثقف ألا وهي ما موقع المؤسسة التعليمية في كل هذا؟

ما نشهده منذ فترةٍ ليست بالقصيرة: عزوف وتجاهل شبه تام، من قبل الجميع وعلى كافة الأصعدة، لفروع العلوم الإنسانية، مقابل تدفق وازدحام كثيف باتجاه فروع العلوم والاقتصاد. وهي فروع لا تُساهم في إنتاج المثقف أو المفكر الباحث عن مقاربة الإشكاليات التي يعاني منها العالم العربي. والجديرُ باللحظ أنَّ العزوف عن فروع العلوم الإنسانية ليستْ بالقضية الخاصة بالعالم العربي، وإن كانت خارجه أقلّ وطأةً. فالطبيب أو المهندس أو مدقق الحسابات أو المختص بالتسويق… جميعُها اختصاصات لا تقارب بالعمق الإشكاليات المطروحة، إنْ قارَبَتْها!

ها نحن نقرأ في الصحف عن إنفاق المليارات من الدولارات في حقول العلوم، ولم نقرأ يومًا عن إنفاق مليار واحد في حقل العلوم الإنسانية في سبيل تطويره! آلاف الشركات الصناعية بموازنات خيالية تعقد صفقات خيالية بأرقامها، ولا نجد تمويلَ مركز واحد للعلوم الإنسانية! جل ما نَشْهَدُه توظيف المثقف في هذه الشركات في سبيل خدمة مصالحها، فيتحول المثقف إلى سلعة تَحكُمها قوانين السوق المرتبطة بالأنظمة السياسية. فيتحول المثقف إلى “مبرر” لهذا النظام أو لتلك الشركة، وكلُّ مَن هم خارج حقل التحول إلى سلعة يسعون إلى تأمين لقمة عيشهم للحفاظ على حياتهم لا أكثر!

أليس هذا أحد أسباب العزوف عن التوجه للاختصاص بأحد فروع العلوم الإنسانية؟ لنأخذ مثال حي، من أرض الواقع. طالب يميل الى دراسة التاريخ. انتهى دراسته المدرسية وتوجه الى الجامعة ليختص به، وأنهى الدراسات العليا بالتاريخ. ما مستقبله في العالم العربي؟ استاذ تاريخ إن وجد فرصة عمل في هذا الحقل. إن لم يجد يبحث عن أي عمل يؤمن له مستلزمات عيشه! وهناك أمر آخر يواجهه في بحث عن عمل في حقله، وهو ما له علاقة بالتوجه السياسي لكتابة التاريخ وتعليمه المقر من قبل السلطة السياسية. إن تعارض مع توجهات الباحث عن عمل فهو أمام أحد الخيارين: رفض فرص العمل في حقله كي لا يتحول إلى سلعة مبررة لهذه السياسية وليبحث عن أي عمل في حقل آخر، أو يتحول إلى سلعة سلطوية

مجرد ملاحظة أخيرة: هل المؤرخ مثقف؟ نعم. وما أكثر الإشكاليات في قراءة تاريخنا وما أقل الدراسات المتفلته من قيود اغلال المؤسسات! كي لا نبقى بالعموميات المثال على هذا الواقع محاولات طمس قراءة المؤرخ كمال الصليبي للتاريخ ومدى تعارضها مع القراءات المتسيدة للمشهد التاريخي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

[1] International Encyclopedia of the Social Sciences, Editor David L. Shills. Collier – MacMillan Publisher, London 1972 (by Edward Shils). P 399 – 340.

[2] نزار قباني، جريدة الحياة 14-12-1991 نقلاً عن فهي هويدي، “أزمة المثقفين“، الأهرام، 28- 3- 1995، ص 9.

[3] محمد عابد الجابري، المثقفون في الحضارة العربية: محنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الثالثة، 2008، ص 69.

[4] ابن منظور، لسان العرب، مجلد رقم 3، دار صادر، بيروت، 2004، ص 28.

[5]عبد الإله بلقزيز، المثقف العربي همومه وعطاؤه، الطبعة الأولى، (مجموعة مؤلفين)، مركز دراسات الوحدة العربية ومؤسسة عبد الحميد شومان، بيروت، 2011، ص 210.

[6] مُنير البعلبكي، المورد قاموس انكليزي ـ عربي، الطبعة الخامسة والعشرون، دار العلم للملايين، بيروت، 1991، ص 472.

[7] The New Lexicon Webster’s Encyclopedia Dictionary of the English Language, Deluxe Edition, Lexicon Publications, INC. Danbury, CT. 1997, p. 750.

[8] The Encyclopedia Americana, international edition, Grolier Incorporated, 1997, p. 240.

[9] الطاهر بنجلون، المثقف العربي في جحيم الحياة اليومية، مجلة الدوحة، العدد 53، مارس 2012، ص 58.

[10]Encyclopedia of Sociology, 2nd edition, Edgar F. Borgatta, Rhonda J. V. Montgomery, MacMillan Reference U. S. A publisher, 2000, p. 1355.

[11]International Encyclopedia of the Social Sciences, Editor David L. Sills, Collier – MacMillan Publisher, London 1972, p. 399.

[12] A Comparative Encyclopedia, Marxism, Communism and Western Society, Edited by C. D Kerning, Herder and Herder, N.Y 1972, p. 301 (by Klaus Von Beyme).

[13] R. Riepmeier, K. Rüttgers, W. Goerdt, J. Rodriguez-Lores, W. Mackenthun: Intelligenz, Intelligentsia, Intellektueller, in: Joachim Ritter, Karlfried Gründer (eds.): Historisches Wörterbuch der Philosophie, Band 4, Darmstadt: Wissenschaftliche Buchgesellschaft 1976, pp. 446-462

[14] Encyclopedia of Sociology, 2nd edition, Edgar F. Borgatta, Rhonda J. V. Montgomery, MacMillan Reference U. S. A. Publisher, 2000, p. 1355.

[15] International Encyclopedia of the Social Sciences, Editor David L. Sills, Collier – MacMillan Publisher, London 1972, p. 70.

[16] Encyclopedia of Sociology, 2nd edition, Edgar F. Borgatta, Rhonda J. V. Montgomery, MacMillan Reference U. S. A. Publisher, 2000, p. 1355.

[17] Shumpeter, Joseph, Capitalism, Socialism and Democracy, New York, Harper Torchbooks, 1950, p. 147.

[18] Coser, Lewis, Men of Ideas, New York, the Free Press, 1970, p. viii.

[19] جيرار ليكلرك، سوسيولوجيا المثقفين، الطبعة الأولى، ترجمة د. جورج كتوره، دار الكتاب الجديد المتحدة، 2008، ص 18.

[20] Edward W. Said, Representations of the Intellectual, Vintage Books, A Division of Random House, INC. New York, 1994, p.12 – 82.

[21] برهان غليون، المثقف العربي همومه وعطاؤه، مرجع سابق، ص 88.

[22] برهان غليون، المثقف العربي همومه وعطاؤه، مرجع سابق، ص 88.

[23] برهان غليون، المثقف العربي همومه وعطاؤه، مرجع سابق، ص 88.

[24] المرجع السابق، ص 89.

[25] عبد الإله بلقزيز، المثقف العربي همومه وعطاؤه، مرجع سابق، ص 210.

[26] عبد الإله بلقزيز، المثقف العربي همومه وعطاؤه، مرجع سابق، ص 211.

[27] عبد الإله بلقزيز، المثقف العربي همومه وعطاؤه، مرجع سابق، ص 216 – 220.

[28] المرجع السابق، ص 7.

[29]المرجع السابق، ص 33.

[30]المرجع السابق، ص 38.

[31] المرجع السابق، ص 39.

[32] المرجع السابق، ص 39.

المزيد من المقالات

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete