المرأة بين الطبيعة والثقافة: صورة المرأة في الوعي الإنساني

 تكوين

مقدمة

ظلت صورة المرأة في الوعي الإنساني، خلال التاريخ المعروف، وباتساع الجغرافيا، يعتريها الكثير من عناصر الخلل والتشوه. وإن وضعًا كهذا ليُغري بالتسليم للزعم السائد بأن المرأة إنما تحتل مرتبة أدنى من الرجل، حتى لقد خُيِّل إلى الكثيرين، بمن فيهم مفكرين وفلاسفة كبار، أن المرأة إنما تمثل نوعًا أقل إنسانية من الرجل، وحتى لقد ثارت جدالات حول ما إذا كانت المرأة تنضوي داخل النوع الإنساني من الأساس!

ولئن دأب كثير من المصلحين المحدثين، سواء من المفكرين الدينيين أو الناشطين الحقوقيين، على تناول هذه الظاهرة من زاوية التفسير والتأويل اللغويين للنص الديني، أو من زاوية الدعوات والصيحات العالمية المنادية بحقوق المرأة على أساس من حقوق الإنسان – فإن جانبًا كبيرًا من هذه المحاولات إنما يطال القشور دون اللباب؛ لأن ظاهرة تدني وضع المرأة، كما غيرها من الظواهر الإنسانية، إنما هي نبْتات تمتح من تربة وجدانية يغذيها نظام معرفي وطبقات ثقافية تراكمت عبر القرون.

ويفاقم من الأزمة ما تبديه ظواهر بعض النصوص الدينية من تصديق وتعميق لهذه الصورة عن المرأة، حتى ليحتج ويتعلل الكثيرون بهذه النصوص فيما يذهبون إليه من التفكير النظري والتعبير العملي؛ مضاعفين بها من قوة موقفهم الذكوري. بيد أنهم في هذا المنحى إنما يغفلون تمامًا أنه حتى النصوص الدينية إنما هي بنات بيئة ثقافية واجتماعية لا مندوحة عن الإقرار بها؛ فلما أن جاءت هذه النصوص الدينية، ومن قبلها نصوص الفلسفة اليونانية، كانت عملية إنشاء النظام الأبوي قد اكتملت واستقرت منذ قرون طويلة.

وإلّا فما معنى أن يحاول النص الديني معاجلة مشكلات اجتماعية والاستجابة لأوضاع سياسية واقتصادية وثقافية كانت قائمة في هذه البيئة بالذات أو تلك؟! ولسنا هنا بحاجة للتأكيد على أن هذا القول أبعد ما يكون عن النيْل من تلك النصوص أو محاولة التعريض بها: إذ النص في النهاية، سواء أكان إلهيًا أو بشريًا، إنما هو خطاب موجه للإنسان بالدرجة الأولى، وليس معلقًا في فراغ. وما دام الأمر كذلك فإن هذا الإنسان لا بد وأنه خاضع لبنية ثقافية ومعرفية واجتماعية، من دونها لا يكون للخطاب أو النص أي معنى بالنسبة له.

من أجل ذلك كان ضروريًا محاولة تفكيك هذه البنية وإعادة بناء التصورات التي تشكل الأساسات العميقة لكل محاولات الإصلاح والتغيير، والتي يمكن أن تشكل الإطار الأوسع الذي يُفهم من خلاله النص الديني، بل يكون ميسورًا إماطة اللثام وإزاحة الركام عن المنطق وراء التشريع الديني، وعن المقاصد العليا للنص الديني، وبحيث يكون الدليل والهادي أمامنا هو هذا المنطق وتلك المقاصد، اللذين هما إنسانيان وكونيان أولًا وأخيرا، لا التفاصيل التشريعية الجزئية التي هي بنت زمانها ومكانها وبيئتها الثقافية والاجتماعية.

ولئن كان الواقع العملي يشهد تطورًا ملحوظًا فيما نالت المرأة من حقوق وما آلت إليه من وضع اجتماعي، تظل الصورة الذهنية التي تتبنّاها الثقافة عنها بعيدة تمامًا عن هذا الواقع العملي، حتى لا يصير واقعها العملي هذا سوى مجرد منة أو منحة أو تنازل وتساهل وتسامح من قبل الرجل؛ فما أيسر أن يسترد منحته ويُمسك عن تساهله وتسامحه!

المرأة بين الواقع العملي والصورة الذّهنيَّة

لا يزال بعض الناس يَعْتَقِدُون أنّ المرأة ليست سوى وسيلة للخدمة المنزلية والإنجاب. وليس الإنجاب بالنسبة لهؤلاء إلّا أمر بديهي، أمر طبيعي مفروغ منه؛ فلا يَلْفِتُ انتباهًا ولا يَسْتَدْعِي دَهْشَةً ولا يَسْتَوْقِف نظر الإنسان ولو للحظة. وهو أمر على أي امرأة أن تأتيه؛ لذلك هو حق من حقوق الرجل على المرأة، ومن الجائز جدًا أن تُطَلّق المرأة إن هي قصّرت في هذا الحق ولو لأسباب خارجة عن إرادتها!

هذا مع أن الإنسان القديم، وللمفارقة، نظر لمسألة الإنجاب هذه بحساسية شديدة الرهافة، ووقف منها موقف الدهشة والتعجب والتقديس للمرأة بسببها في بعض الثقافات؛ فنظر للمرأة لا باعتبارها “وعاء إنجاب”، بل باعتبارها “واهبة حياة!

وبالعودة إلى عصرنا هذا وبيئتنا العربية هذه، فلقد ينظر الرجل للمرأة باعتبارها كائن ثانوي مُلْحَق به، ولا تقوم بدور ذي قيمة؛ فهي مقيمة في البيت لتحوط الأبناء وتربيهم وتطعمهم فحسب! إننا حتى إذا اعتبرنا المرأة لا تفعل شيئًا أكثر من هذا، فهل هذا بشيء يسير؟! إن من ينظر للمرأة بهذه النظرة، لا يُدْرِك أنها إنما تُدَبّر اقتصاد المنزل، وتقوم بالدور الأكبر في التربية، وتَنْتَبِه لكل كبيرة وصغيرة فيما يتصل بصحة الأبناء، وتُتَابِع كل تفصيلة في حياتهم الدراسية، وتقوم بمتابعة حاجيات المنزل ولو بأقل القليل.

إن كل هذا مما لا يستطيعه الرجل. ومع ذلك، فهي تفعل أكثر من ذلك بكثير. وبزاوية أكثر اتساعًا للنظر، نجد أن المرأة، السّتّ، هي مَنْ تُخرِج للوطن وللإنسانية أفرادًا صالحين، بأشمل وأعمق معاني “الصلاحية” هذه.

بيْد أننا إذا ما انتقلنا مِمّا تنهض المرأة به من أعباء وأدوار، إلى طبيعة المرأة ذاتها، ألفيْنا الكثيرين يتصوّرونها أقل كفاءة وكفاية وتعقلًا من الرجل، وهم يرون ضعف الكفاية هذه من صميم طبيعة المرأة ومن صلب تكوينها الذي صاغته الطبيعة وأراده الله لها؛ ومن ثَم فإذا كنّا قد نعترف لها بالكثير من الفضل في التربية والرعاية والقيام بالأعباء الجليلة، إلّا أنها أولًا وأخيرًا لا بد وأن تلزم موضعها في مرتبة الوجود.. وهذا الموضع هو دومًا أقل درجة أو درجات من الرجل، حتى وإن قامت بأدوار الرجل نفسها.

إقرأ أيضًا: هل ظلم الإسلام المرأة؟

وهكذا نجد أنّ كل محاولة لإعادة النظر في صورة المرأة، ورَدّ اعتبارها وإنزالها المكانة التي تستحق على مستوى الواقع، سوف تُقاوَم على مستوى العَقل والوجدان لو أنها أَخَذَتْ في الاعتبار فقط الأدوار والأعباء المُلْقاة على المرأة من دون إعادة النظر في طبيعتها ووضعها وتصحيح الرؤية المغلوطة عنها؛ لأنه سيُنظَر إلى هذه الأدوار والأعباء على أنها واجبات طبيعية كواجب الأجير الذي قد ينهض بجلائل الأمور، أو الخادم الذي يُنهكه العمل ولكنه يظل خادمًا، غير أن المرأة لا تتقاضى أجرًا على خِدْمَتِها أو أعبائها. وعلى ذلك، فإن أي محاولة لتغيير واقع المرأة من دون تغيير الصورة الذهنية عنها، سيظل تغييرًا قشريًا ووَهْمِيًّا، كأنه حرثٌ في البحر أو تشييد لقصور فوق الرمال!

وأول الطريق إلى إعادة بناء التصورات الذهنية عن المرأة، إنما يتمثّل في إثارة هذا السؤال: هل هذه الصورة السائدة عن المرأة، هي من صميم طبيعتها التي فطرها الله عليها، أم هي من صنع الثقافة والعادات والتقاليد؟ ولكي يتضح مغزى السؤال، تجدر الإشارة إلى أن ما هو طبيعي يكون عابرًا ومتجاوزًا لكل الثقافات، كأن نقول: إن كل إنسان يتألم من لفح النار وقرس البرد وفقدان الحبيب.. إلخ. أما ما هو ثقافي فهو إنما يخص كل ثقافة على حدة، كأن نقول: إن من الثقافات ما يأكل أهلها لحم الكلاب، وإن منها لما يعاف أهلها أكل السمك، وإن منها ما من المعتاد فيها أن تسعى المرأة بين الناس سافرة النهدين، وإن منها لما يُخجل الرجل أن يكشف عن فمه بين الناس!([1])

وعلى ذلك فإن وضع المرأة المتدني بين أغلب الثقافات لممّا يؤكد النظرة ويُغري بالقول بأنه وضع وليد الطبيعة لا الثقافة. ولكن من ناحية أخرى، فما أكثر الظواهر التي ظنّها حتى كبار الفلاسفة والمفكرين والعلماء، أنها عنصر أوّلي لا ينحلّ إلى أجزاء، صاغته الطبيعة هكذا مرة واحدة وإلى الأبد، ثم يكشف البحث التاريخي أن هذه الظاهرة إن هي إلّا جُمّاع عناصر مختلفة تفاعلت خلال تاريخ طويل واستقرت منذ أمد بعيد، ولفرط استقرارها وثباتها غلب الاعتقاد بأنها عنصر واحد متجانس. فما الفيْصل والمِحَكّ إذن فيما يتصل بتدني وضع المرأة؟.. دعونا نرى القصة من بدايتها، والتي تمتد جذورها لماضٍ مغرق في القِدم، كيْما نقف على حقيقة هذه الظاهرة: أهي طبيعية أم ثقافية؟

قصة المرأة مع الحضارة، وعوامل تهميشها

اتسمت البدايات الأولى من عمر الحضارات بقدر من المساواة بين المرأة والرجل، بل لقد كانت المرأة في بعض الحضارات أكرم مكانًا وأعز منزلة من الرجل؛ فلقد كانت تُعتبر واهبة الحياة ورمز الخصوبة والنماء. ولكن كيف انقلبت الأمور لتسير هذا المسار الذي يحتل فيه الرجل صدارة المشهد، بينما تختفي المرأة لآلاف السنين؟ أيمكن أن يكون للحضارة الإنسانية دخل فيما حدث بحكم طبيعتها وضروراتها؟ والإجابة هي: نعم.

إذ كان الإنسان القديم، الذي عاش قبل ظهور الحضارات الكُبرى بفترة طويلة، كمصر والعراق وفارس والهند والصين، كان يعيش على صيد الحيوانات وجَمْع النباتات والفواكه التي تُنبِتُها الأرض. وفي هذه المرحلة التي سبَقت اكتشاف الزراعة، كان الإناث والذكور يتساوون تقريبًا في المزايا. فإذا خرج للصيد خرجت المرأة والرجل قدما بقدم سواء. وإذا ما هاجم الجماعة حيوان مفترس، كان على الرجال والنساء الدفاع عن أنفسهم سواء بسواء؛ وربما رجع ذلك لقلة عدد أفراد الجماعات الإنسانية آنذاك وضخامة حجم المخاطر ومساحة المجهول في المقابل، مما يعني ضرورة اشتراك جميع أفراد هذه الجماعة دونما استثناء تقريبا. وقد تضطر المرأة، بحكم طبيعتها أن تعكف في كوخها لظروف الحمل والإرضاع وحماية أبنائها.. إلخ، وربما مع مَرّ العصور راح هذا الدور يتحدد ويتأكّد للمرأة أكثر فأكثر في مقابل دور الخروج للصيد الذي راح يتحدد للرجل.

وبمرور الزمن، أخذ الجنس البشري يتزايد وجوده العَدَدِي بشكل كبير، ولكن هذه الزيادة أدّت إلى الجَوْر على الموارد البيئية المتاحة لإطعامه وسد حاجاته. وشيئًا فشيئًا بدأ الإنسان في التعرُّف على إمكانية الزراعة لتعويض هذا النقص في الموارد البيئية. ولكن مع تطّور الزراعة وتمَكُّن الإنسان منها منذ ما يزيد على الخمسة آلاف سنة، أخذت قصة المرأة في التاريخ تأخذ مسارًا آخر، وقد أدى لهذا المسار مجموعة كبيرة من العوامل والأسباب، لعل أهمها:

  • التنظيم الاجتماعي

لمّا كانت السمة الغالبة على الكائن البشري هو أنه الكائن الاجتماعي؛ فإن ظروف التطور التاريخي وضرورات التمدن قد اضطرته إلى تنظيم هذا الاجتماع وتطويره على نحو يلائم التحديات التي تواجهه، سواء الطبيعية أو الاجتماعية والحضارية. فقد شاءت هذه التحديات والظروف أن ينحسر الزمان الأمومي الذي ينتسب فيه الأبناء لأمهاتهم، وأن ينتسبوا بدلًا من ذلك لآبائهم؛ فكانت بدايات نشأة النظام الأبوي. ولقد قام هذا النظام الأبوي الذي ينتسب فيه الأبناء لآبائهم لا لأمهاتهم أول ما قام، وبالأساس، على تنظيم مسألة الإنسال وتحديد وتقييد العلاقات الجنسية، وبالأخص للمرأة التي هي المصدر اليقيني للوليد. فلقد كانت المسألة الجنسية أول أمرها علاقة إشباع يسيرة بين رجل وامرأة؛ فكانت الشيوعية الجنسية التامة التي لا تقف عند حد.

ومع تطور التنظيم أخذت هذه الإباحية في الانحسار التدريجي عبر مراحل ومسارات لا يسعنا حصرها هنا، إلى أن انتقل الإنسان من مرحلة الصيد الأولى إلى مرحلة الزراعة واستئناس الحيوان التي أتت معها بالمِلْكية، والتي كانت غالبًا وبالأساس ملكية للرجل.. وها هنا بدأ الإنسان قصة أخرى مع غريزته الجنسية التي كان لابد وأن تُقيد كيما يستطيع الإنسان (الرجل) أن يسترقّ لنفسه رقيقًا بثمن رخيص من ناحية، وأن يصطفي نسله اصطفاءً خالصًا ليختصهم بإرثه من ناحية أخرى.([2]) وهكذا نرى أن الرجل صار هو عصب النظام الاجتماعي وعموده الفقري وسلساله الممدود والمحفوظ عبر الأجيال، وجذره الضارب في ماضي الأزمان، وباسمه تتعصب القبائل وتتناحر العشائر وتفاخر الأنساب.

  • المِلْكِيّة والحروب

فمع تَمَكُّن الإنسان من الزراعة، استقَرّ في الأرض وأقام عليها سَكَنُه ومخازن الحبوب الخاصة به، كما أقام عليها الحِراسة من اللصوص؛ ومن ثم تأكّدت فكرة الملكية وحيازة الأرض، تلك التي أتَتْ معها بالحروب؛ فما دام هناك جَوْعَى يُجَاوِرُون أُنَاسًا لديهم محاصيل زراعية ومخازن غلال، فلا بد وأن يَحْدُث سَطْوٌ على هذه المخازن والمحاصيل، ففي الأمر هجوم ودفاع، إذًا هي الحرب.

وكذلك فقد تقوم الحروب لأسباب لا تتعلق بملكية الأرض والحبوب، وإنما تتعلق بالسيادة والسلطة، أو تتعلق بكرامة القبيلة أو لأسباب كثيرة أخرى.. المهم أنه سواء مِلْكِيَّة الأراضي والمحاصيل الزراعية، أو الحروب، فإن كليهما كان له أثر كبير في تاريخ الإنسانية، وفيما كان من جُنُوح واضح في العلاقة بين الرجل والمرأة، لصالح الرجل طبعًا.

فالحروب بما تتطلبه من شدة وسرعة في الكَرِّ والفَرِّ، وبما تستتبعه هذه العمليات من مشقة بالغة، كانت تتطلب للنهوض بها أصحاب القوة والخفة والجَلَد. ولمّا كانت أغلب النساء في أوضاع هي بين حمل وإرضاع وطمث، وما تفرضه هذه الطبائع الأساسية في المرأة عليها من ضعف لا يمكنها أن تنهض معه بمشقات الحرب، اضْطُرّت المرأة إلى التهميش شيئا فشيئا ليتضاءل دورها في الحياة العامة بعد أن أُخْلِي الميدان للرجل إلى حد بعيد، فقد صارت أمور قيادة الجيوش وقيادة الأمم، وكذلك الظَّفَر بالغنائم من نصيب الرجل من دون المرأة، فكيف لا تتعاظم صورته في العقل الجمعي بعد أن تعاظم دوره وسلطانه في الحياة العامة؟ وكيف لها لا تتضاءل صورتها بعدما تضاءل حظها من الحياة العامة أيضا؟ بل أكثر من ذلك، أن الأمر لا يتوقف على الحرب وحدها بما تجلبه للرجل من سيادة سياسية وسيادة اقتصادية من دون المرأة، وإنما دخلت التجارة مع الحرب عونا للرجل على المرأة على طول الزمان. وهكذا كانت نشأة الدول، وما ترتب عليها من هيكلة لنظام اجتماعي يقوم على سيادة الرجل.([3])

  • التجارة

فكما قامت الحروب بين القبائل والشعوب المختلفة والمتباعدة، كذلك قامت التجارة بين هذه الشعوب المختلفة لاختلاف السِّلع والأغراض باختلاف البيئات الطبيعية التي تَسْتَوْطِنَها الشعوب. والتجارة قديما غير التجارة حديثا، فقد كانت الخيول والجمال والمسافات البعيدة والليالي الطويلة التي تحتاج إلى جهد كبير هو مشقة السفر وحَمْل الأحْمَال والاستعداد لِقُطَّاع الطُّرُق من البشر والسباع والذئاب.

وهذا، كما الحروب، ما لم يكن للمرأة أن تقوم به بحكم طبيعتها التي يُخَالِطُها الوهَن في الشطر الأكبر من حياتها، فَتَحَالَف بذلك مع الرجل على المرأة الجانب الاقتصادي مع الجانب الحربي، وكان هذا التحالف عبر جميع العصور وباختلاف الثقافات.

  • ابتكار الكتابة والتعليم النظامي

بل أكثر من كل ما سبق، أن الحضارة ما كادت تتقدم بالإنسانية شيئا حتى ابتكر الإنسان الكتابة والقراءة، وتطوّرَا مع الزمن حتى صار الإنسان كاتبًا قارئًا يستطيع أن يتناقل خبراته ومعارفه بين الأوطان وعبر الأجيال في صورة مكتوبة مُوَثّقَة لا تخضع لمَمْحاة الذاكرة الإنسانية.

ولمّا كانت العمليات التعليمية قديما ليست من التنظيم المؤسسي الذي يؤدي إلى السهولة التي نعهدها في عصرنا للعملية التعليمة لجميع فئات المجتمع، وإنما كانت أمرا شديد العسر كبير التكلفة؛ نظرًا لقلة المعلّمين من ناحية وعدم احتياج العامّة للتعليم النظامي من ناحية أخرى، وبالتالي فقد كان يتم بنفقات الآباء على أبنائهم.. وعلى ذلك كان التعليم مقتصرًا على من سينتفع به انتفاعا عمليًا مباشرا حين يشب وتحتاج الدولة أو الجماعة إلى خبرته وعلمه.

إقرأ أيضًا: لماذا غابت فيلسوفة العرب؟

ولما كانت أغلب القطاعات الإنتاجية في المجتمعات القديمة لم تكن بحاجة إلى تعليم منظم، وإنما خبرة عملية فقط، كالزراعة والصناعات اليدوية البسيطة التي لم تعرف الحضارة حينها غيرها، أدت جميع هذه الأوضاع إلى توجيه التعليم إلى فئة قليلة العدد جدا من المجتمع، هي قمة الهرم الاجتماعي، من الكهنة وأبناء الوزراء والملوك.. كل أولئك الذين كان يُنتَظر بهم وراثة مناصب آبائهم، أو يُنتظر بهم المساهمة في الإدارة العامة للدولة، أو تولي وظائف إدارية صغرى فيتعلمون تعليمًا أساسيا بسيطًا. وباختصار، كان من يتلقى تعليم موجهًا، على تفاوت درجاته، هم قلة من “الرجال”.

  • العَزْل المنزلي للمرأة

على أن العوامل التي تحالفت على المرأة في رحلة الحضارة لم تقف عند هذا الحد، وإنما تجاوزت ذلك إلى حدوث نوع من التفاعل والاندماج بين العوامل السباقة لإنتاج ظاهرة جديدة في هذا الطور من الحضارة، مارستها معظم الحضارات تقريبًا وإن بدرجات متفاوتة. فلقد أدت مسألة التنظيم وتقييد مسألة الإنسال، بالإضافة لعامل دخيل آخر يتمثل في اجتياح نظام الرق لنسيج الأنظمة الاجتماعية عبر الحضارات، أدّيا إلى بلورة مفاهيم مرتبطة بالمرأة وحدها، من قبيل: العذرية والبكارة والعفة والشرف.([4])

وما إن أصبحت هذه المفاهيم هوسًا يسيطر على عقول الناس ونفوسهم، وفي جميع الأمم تقريبًا، حتى اضطُرت المرأة إلى العزل عن المجال العام وإخضاعها تمامًا لسلطان الرجل وحجبها داخل المنزل منذ يفاعِها في بيت أبيها وحتى مماتها في بيت زوجها (لا يكاد يُستثنى من ذلك الوضع سوى الحضارة المصرية القديمة حسبما نعلم، بالإضافة إلى بواكير الحضارات القديمة كاليونانية والرومانية إبّان نشأتها وارتقائها، قبل أن ترين عليها الثقافة الذكورية)؛([5]) وذلك خشية أن تُمس هذه العذرية أو تُدنس هذه العفة.. حتى لقد أمست العذرية غاية في ذاتها بعدما كانت وسيلة إلى تحقيق نظام اجتماعي تفرضه ضرورات المدنية.

وقد أدى هذا العزل للمرأة في المنزل إلى حَجْبِ آلياتها الطبيعية في التعلم من البيئة المحيطة، وهو التّعَلُّم من غير طريق المدرسة أو أي نظام رسمي. فكل كائن حي له إمكانية واستعداد معيّن للتعلم من البيئة والتّجربة حتى يستطيع أن يتكيّف مع هذه البيئة فيقابلها بالمرونة اللازمة لإشباع الحاجات وتوقّي المخاطر. ويتوقّف حجم هذا الاستعداد للتّعلم على مدى رقيّ الكائن الحي؛ فللكلب مثلًا استعداد للتعلّم أكثر من الدجاجة أو البطة، والإنسان بالطبع أكثر من الأسد أو أي كائن آخر بما لا يُقَارَن.

وهكذا لم تتمكن المرأة، بسبب هذا العَزْل والحصار، من تفْعيل استعدادها الطبيعي للتّعلّم من البيئة والتجربة، هذا الاستعداد الذي تملكه بحكم انتمائها للنوع الإنساني. وهكذا لم تتوقف أزمة المرأة العقلية والمعرفية عند عدم تلقيها تعليمًا نظاميًا فحسب، وإنما تجاوزتها إلى حرمانها من الطرق الطبيعية في التعلم عن طريق الاحتكاك بالواقع ومواجهة مشكلات الحياة؛ فتخارجت نسخًا متشابهة في معظم ظروف التاريخ، وفي أغلب بقاع الدنيا، تتسم بالبلادة العقلية والانفجارات الانفعالية… اللهم إلا القليلات اللواتي اجتهدن هنّ وأهليهنّ ليَصِرْنَ علامات مضيئة في تاريخ الإنسانية.

  • سيادة الفكر الديني الذكوري

جاءت النصوص الدينية، وما استتبعها من تفسيرات وتأويلات وفِكَر، جاءت بعد أن استقرت تلك المراحل كلها من تطور الحضارات. فإذا نحن نظرنا إلى النصوص الدينية في ذاتها، ألفيْناها محمّلة بإشارات ودلالات اجتماعية وثقافية عن فوارق جندرية قائمة في هذه البنية الاجتماعية أو تلك. وللإنصاف، فإنه من دون هذه الإشارة أو الاستقاء الدلالي من هذا الواقع الاجتماعي والثقافي أو ذاك، فإن النص يكون بغير ذي معنى.

وتكمن المشكلة في أنه إذا كان للنص الديني قداسة رمزية تكون للنص ككل باعتبار مصدره، فإن الفكر الديني يسحب هذه القداسة على كل جزء وكل تفصيلة بل وكل كلمة فيه؛ بحيث يتم تجميد النص، ومن ثم تجميد الواقع الاجتماعي. فإذا كانت كل جملة في النص مقدسة فإن ذلك يعني أنها تقر حقيقة أبدية غير قابلة للتغير أو التبدل، وليست تقر حقيقة اجتماعية كانت سائدة في وقت من الأوقات وفي بيئة من البيئات.

إقرأ أيضًا: لماذا لا تكون المرأة نبيا أو رسولا؟

ومما يزيد الأمور تعقيدًا، أنه بينما يساهم هذا الفكر الديني في تكريس الأوضاع الاجتماعية، فإن هذه الأوضاع الاجتماعية بدورها تساهم في تكريس الفكر الديني عبر تأكيد أن عبارات النص إنما تشير إلى حقائق واقعة ثابتة. ويضاعف من الأزمة أنه لمّا كان النص مقدسًا، فإنه يكون محوطًا بهالة هائلة من التخويف لا سبيل إلى تجاوزها سيكولوجيًا، ومن ثم عقليا. فأضاف الفكر الديني لجميع المراحل السابقة عنصر الإخضاع النفسي عبر إضفاء البعد الإلهي للظاهرة، ومن ثم عبر إضافة عنصر التخويف. فكان الفكر الديني – من أسف – معوانًا للرجل على إخضاع المرأة خلال القرون الثلاثين الماضية، وكان يمثل غطاءً أيديولوجيا مقدسًا لكل صور القهر التي مورست على المرأة خلال هذه الحقبة الطويلة من الزمن.

العـقل معـيار التمييز

هذه، باختصار شديد، هي قصة المرأة في رحلتها الطويلة مع الحضارة والتمدن. وإنّ ما آلت إليه من أوضاع ليضعنا على مِحكٍّ خطير في تقييم كفاءتها وكفايتها مقارنة بالرجل، وهو مِحكّ العقل. ولئن أظهرت الكثيرات من النساء، في القرن الأخير هذا، مواهب وعبقريات وكفاءات وكفايات في ميادين العلم والفكر المختلفة، يظل النظام المعرفي “الذكوري” يأبى الاعتراف بهذه الأدلة الدامغة تحت وطأة تاريخ طويل ورواسب ثقافية تسربت عميقًا في سراديب الشعور والوجدان.

فوفقًا لما سبق، فقد صارت إلى الرجل مقاليد التاريخ والفكر والكتابة والتنظير، فكّر في كل ما عنّ له، ودوّن كل ما انتهت إليه نتائج التفكير. ومن بين ما خَطَرَ له من موضوعات، كانت المرأة؛ فنَظَّر لها وما نَظَّرت هي له ولا لنفسها، وتناقلت الأجيال المتعاقبة هذه الأفكار والآراء والنظريات التي أضافت إلى سيادة الرجل السياسية والاقتصادية والإدارية والحربية، سيادة عقلية وفكرية وأدبية وعلمية.

فبموجب هذه السيادة، يستطيع الرجل أن يكتُب ويُمَرِّر ما وافق آراءه وأهواءه وأفكاره. والعقل الإنساني لا ينطلق على غير أساس من الواقع، والواقع يقول إن الرجل أكثر قوة ومجدا وسلطانا من المرأة، وكذلك هو الأكثر ذكاء ودهاءً وحكمة وعقلا ورزانة؛ فكيف لا يستنتج أن صفات العقل المنقوصة في المرأة إنما هي عنصر في تكوينها وطبيعتها التي فُطرت عليها؟ وكيف لا يُرجع ذكاء الرجل وحكمته ومجده إلى طبيعته الأكثر رُقِيًّا وامتيازًا من المرأة؟

إقرأ أيضًا: لماذا كان الرجال قوّامين؟ ولماذا لم يعودوا كذلك؟ محاولة لإعادة قراءة القوامة في الإسلام

وهكذا تلاقت على الأجيال المتعاقبة في البقاع المختلفة من العالم ما تأتي إليهم به الثقافة السائدة المُحِطَّة من شأن المرأة، مع ما يأتيهم من نتائج التفكير والتنظير الذي انتهت إليه قرائح المفكرين، ليتأكد كل منهما بالآخر، وليؤكدا معًا حقيقة ناصعة بالنسبة للأجيال، مفادها أن المرأة في مرتبة أدنى بكثير من الرجل. فيحق لـ “أرسطو” – وفقًا لذلك – أن يقول في المرأة إنها والعبد من طبيعة واحدة (باعتبار الثقافة اليونانية القديمة التي كانت تحط من شأن العبيد إلى أبعد مدى، وأن هذه الحطة من فعل الطبيعة لا الثقافة)، بالإضافة إلى آرائه الأخرى المشهورة عن المرأة. ويحق للغزالي أيضًا أن يقول ما من شأنه اعتبار المرأة مجرد أداة لإمتاع الرجل والترويح عنه: “… وفي الاستئناس بالنساء من الاستراحة ما يزيل الكرب ويريح القلب”،([6]) وغيرهما مما لا يُحصى من الآراء والنظريات حول المرأة والتي ما فتئت تفيض بها قرائح الرجال.

وأكثر من كل ما سبق، أنه لمّا كان الإنسان هو الكائن الأوحد الذي يفكر وينَظّر ويعقل، وكان الرجل هو الذي يفكر وينظر ويعقل، فإن الرجل قد صار هو الأقرب إلى الكمال والأجدر بأن يكون إنسانا بحق؛ فاجتمعت للرجل بذلك السيادة السياسية والعسكرية والاقتصادية والفكرية. فإذا كان العرف قد درج على تمييز الإنسان من سائر الأشياء والأحياء بالعقل؛ كان هذا العقل وحده جديرًا بأن يكون معيار التمييز والحكم على كافة البشر، فيوضع الناس على مراتب تتراوح علوًا وانخفاضًا بمقدار ما تُظهر عقولهم من ذكاء وامتياز، وبمقدار ما تستطيعه هذه العقول من إنتاج للمعرفة والفلسفة والعلم والأدب والفن.

وهكذا، فما إن قطعت الحضارة بالإنسان شوطًا معقولًا حتى كان واضحًا أن هناك امتياز وتباين شديدَيْن بيْن نوعين من العقول: عقل الرجل وعقل المرأة، فبدا أن عقل الرجل أكثر ذكاء ودهاء وحكمة وأجدر وأقدر على إنتاج المعرفة؛ فيغدو الاستنتاج الأقرب مأخذًا هو أن المرأة أدنى طبيعة ومكانة من الرجل ما دامت هي أقل حظا مما يميز بين الإنسان والحيوان… العقل. ألا نرى أن المرأة قد اختفت اختفاء شبه تام من تاريخ الفكر؟ ولكن لحسن الحظ أن تطور التاريخ والحضارة وبحث الإنسان عن الحقيقة قد أدى إلى تصحيح النظرة إلى المرأة.

وهكذا نرى أن التصَوّر الشائع عن المرأة ليس سوى حصيلة تاريخ طويل من التهميش والإبعاد والعزل والاضطهاد، وليس سوى حصيلة ظروف سياسية واقتصادية وعسكرية وفكرية لازمت الحضارة عبر عمرها الطويل. وليست هذه الصورة عن المرأة وليدة طبيعتها، وإنما هي وليدة الثقافة والضرورات الحضارية التي تكلمنا عنها، من حرب وتجارة وملكية وتعليم وتصورات دينية.. إلخ، بل هي ليست وليدة ثقافة واحدة بعينها، وإنما هي وليدة معظم الثقافات الكبرى التي سادت خلال معظم عمر الحضارة المعروف.. وهنا مصدر الالتباس والأزمة.

وهل يُتَصَوّر أنه حتى في معظم بلدان أوربّا، وحتى نهايات القرن التاسع عشر، لم يكن متاحًا للمرأة أن تلتحق بالجامعة، وكانت واحدة من اللاتي لم يستطِعْن الالتحاق بالجامعة في بلدها الأم، امرأة تُدْعى “ماري كوري”، وكان عليها أن تنتظر ثماني سنوات بعد إتمامها للدراسة الثانوية، تظل فيها تعمل وتكدح لكي تُوَفّر ما يعينها على إتمام دراستها الجامعية في جامعة السوربون بفرنسا، والتي بدورها لم تكن تسمح بتعيين أساتذة فيها من النساء.. ماري كوري هذه نالت بعد ذلك جائزة نوبل مرَّتَيْن، إحداهما في الفيزياء والأخرى في الكيمياء؛ وذلك نظرًا للأعمال المجيدة التي أدّتها وللخدمات الجليلة التي قدّمتها للبشرية، وأشهر هذه الأعمال هو اكتشافها لعنصر الراديوم، والذي تُعالَج به الكثير من الأورام السرطانية. وكانت ماري كوري كذلك أول امرأة تتولى منصب أستاذ في جامعة السوربون.([7])

على أنه لم يكد القرن العشرون يتقدم شيئًا حتى اشتعلت الحرب العالمية الأولى لتدعو إليها أغلب سواعد الرجال، حتى إذا فرغت المصانع منها اضطرت أن تدعو إليها سواعد النساء من قلب بيوتهن؛ فلولا ذلك لما وجد الجنود أقواتهم ولا أسلحتهم التي يقاتلون بها، فضلا عن أن الدولة ذاتها ما كانت لتجد ما يقيم أعمدتها من إنتاج لسائر السلع، فكان أن ملأت النساء ما خلفه الرجال من فراغ، سواء في المصانع أو في مجال الدعاية والاتصالات والمستشفيات.. إلخ، وكان أن أثبتت المرأة كفاءة وكفاية لم تكن قبلا سوى للرجل، فأخذ العقل الإنساني يتعافى شيئًا فشيئًا من هذه الصورة المغلوطة عن المرأة.

بل يضاف لهذا العامل العسكري عامل حضاري آخر، كان الفضل الأول والأخير فيه لتنامي العلم وثمراته التكنولوجية؛ فـ “لولا أن العلم قد زود النساء بوسائل منع الحمل وبتقنيات التدبير المنزلي لما أمكن لتحرير النساء أن ينجح”،([8]) فاختراع الغسالات والثلاجات، وكذلك وجود الحضانات وأفران الخبز والكثير من الأمور الأخرى، كل ذلك وفّر فرص عمل للرجال والنساء، كما وفّر للمرأة الوقت والجهد لكي تتمكن من الخروج للعمل وتحقيق ذاتها؛ فكان لهذه العوامل جميعًا أبلغ الأثر في أن تعافت الحضارة من عرجها وارتدت تسير على ساقيها كما كانت قبل أن تصاب إحداهما بالتهميش والضمور.

فَعَلَى طول الحضارة الإنسانية وعرضها، عُدت المرأة عنصرًا ثانويًا مساعدًا ومساندًا يقتصر دوره على إتمام الصورة فحسب؛ فلطالما كان الرجل هو فاتح الفتوح وكاتب التاريخ وصانع الأفكار ومحرك الأحداث، فكان طبيعيًا أن يكون هو العنصر الأصيل الأولي الذي تقوم به الحضارة في شتى مناحيها، وكان طبيعيًا أيضا أن تتهمش المرأة لِمَا اقتضته ظروف الحضارة وتعقيداتها، وكان طبيعيًا أيضا، ونتيجة لما سبق، أن يتضاءل حظها من الإسهام الفكري على مر العصور؛ إذ كيف يمكن أن تُساهم معرفيًا أو فكريًا وهي لم تتمتع بما تمتع به الرجل من التعليم والرعاية والاهتمام؟

خاتمة

رأينا خلال عناصر المقال أن نظامنا المعرفي وبنيتنا الثقافية والاجتماعية يناهضان تصورًا معتدلًا وعادلًا للمرأة مهما أثبتت من الكفاءة والكفاية. كيف يمكن إذًا إعادة بناء هذا التصور؟

هل يمكن للنظام المعرفي أن يتطور إلّا على أساس من واقع اجتماعي متطور؟ أم أن الواقع الاجتماعي المتطور لا يمكن أن يقوم إلّا على أساس من نظام معرفي متطور؟ بصيغة أخرى: هل يسبق الإبستيمولوجيُّ (المعرفي) السوسيولوجيَّ (الاجتماعي) أم العكس؟

هو إذًا السؤال الأزلي: الدجاجة أولًا أم البيضة؟ ولقد يقال إن الحل يمكن أن يكمن في البدء بالتعليم. بيد أن نظام التعليم نفسه إنما يقوم في تطوره على النظام المعرفي، لا العكس! وذلك خلافًا لما تتصور الأغلبية. ذلك أن النظام التعليمي لكي يعمل بجد فهو بحاجة إلى رؤية حضارية وإلى غايات اجتماعية واقتصادية وروحية تدفع حركته وتوجهها، وإلّا تحول إلى عملية شكلية قد تفيد قليلًا وتضر كثيرًا، وتخلق جيلًا قال عنه “طه حسين” ذات مرة: “ألسنة طوالًا وعقولًا قصارًا”!

قد يسهم هذا المقال، كما قد تسهم مئات الدراسات والمقالات والكتب لباحثين ومفكرين، في إعادة بناء النظام المعرفي، ذلك الذي على أساسه يمكن أن يحدث تغيير حضاري منشود على جميع المستويات، لا على مستوى وضع المرأة فحسب. بيد أننا نخشى أن نكون قد أثرنا من الحيرة والتساؤل أكثر مما أرسيْنا من الإجابات، وأننا قد عكّرنا أكثر مما اصطدنا، وأننا مهما قدّمنا من الإجابات يظل السياق الحضاري العام أطول يدًا من كل محاولات التغيير المنشودة التي يعتزمها الأفراد.. ألا ما أخشانا أن يكون للتاريخ خطّة هي أمضى عزمًا وأنفذ تصميمًا من عزائم الأفراد وتصميماتهم!

________________________________

المراجع:

 ([1])  انظر: الجوهري، محمد (1980)، الأنثروبولوجيا: أسس نظرية وتطبيقات عملية، سلسلة علم الاجتماع المعاصر، الكتاب الثالث والثلاثون، ط1، القاهرة، مصر، ص57- 60.

وانظر أيضًا: فهيم، حسين (1986)، قصة الأنثروبولوجيا: فصول في تاريخ علم الإنسان، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 56- 58.

([2]) انظر: ديورانت، ول (2001)، قصة الحضارة، الجزء الأول (نشأة الحضارة)، ترجمة زكي نجيب محمود، مكتبة الأسرة، مصر، ص65- 81.

([3]) يختصر “ول ديورانت” كل هذه المسيرة في قوله: “فالدولة أمها الملكية وأبوها القتال”. انظر المرجع السابق، ص43.

([4]) من العسير في هذا المقام شرح الآلية التي حدث بها هذا التفاعل بين تنظيم العلاقات الجنسية واجتياح نظام الرق لإنتاج مفهوم العفة والبكارة والعذرية، ولكن يمكن الرجوع هنا – لفهم أوسع وأعمق – إلى: ليرنر، غيردا (غير مبين) نشأة النظام الأبوي، ترجمة أسامة إسبر، المنظمة العربية للترجمة، مراجعة الأب بولس وهبة، ص153-198.

انظر أيضًا: ديورانت، سبق ذكره، الجزء الأول، ص79- 83.

([5]) انظر ديورانت، ول، قصة الحضارة، مواضع متفرقة من أجزاء عدة من الموسوعة، وهي إجمالًا تصف كيف تكون باكورة الحضارة تقديرًا للمرأة ورفعها إلى مقام مجيد، ثم ينتهي الأمر إلى عزلها وحجبها منزليًا مع أفول الحضارة.. وإن في هذا لدلالة بالغة هي بحاجة إلى مقال أو دراسة مستقلة.

([6]) نقلًا عن: السعداوي، نوال (1994)، الوجه العاري للمرأة العربية، دار ومطابع المستقبل، مصر، ص73.

([7]) كوري، إيف (1978)، مادام كوري، ترجمة أحمد الصاوي محمد، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، سلسلة أعلام الفكر العالمي.

([8]) بيْروتز، ماكس (1999) ضرورة العلم: دراسة في العلم والعلماء، ترجمة وائل أتاسي وبسام معصراني، مراجعة عدنان الحموي، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، العدد 245، ص15.

    اقرأ ايضا

    المزيد من المقالات

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete