المرأة في حياة الحجاج بن يوسف الثقفي

 تكوين

مقدمة 

يُعد الحجاج (40 – 95هـ) من أشهر الشخصيات السياسية في التاريخ الإسلامي اختلف المؤرخون حول سيرته، هناك من يرى  أنه كان مثالاً لرجل السياسة المحنك الذي أقام للدولة مقامها بعد قضائه على الفتنة، وأنه ذو شجاعة وإقدام ومكر ودهاء وتعظيم للقرآن، وهناك من يرى، وهم الأكثرية، أنه كان ظلومًا جبارًا غليظ القلب، سفك الدماء دون رحمة، ولم يكن يقبل فى ذلك تفاوضًا أو استتابة، وأنه كان فاسقًا مجاهرًا بالفسق.

والحقيقة أن المصادر التاريخية عن الحجاج لم تقدم أخبارًا دقيقة عن حياته الخاصة؛ يتضح هذا في الاختلاف، مثلًا، على تاريخ ميلاده، وعمره حينما وافته المنية، وغيرها من الأحداث، كالحديث عن طفولته ونشأته وشبابه، لذلك تمثل حياة الحجاج مجالًا واسعًا للجدل بل وللتناقض.

يزداد الأمر صعوبة عندما نبحث عن المرأة في حياته، فالمرأة، بطبيعة الحال، مهمشة في تاريخ الفكر، وإذا ذُكِرت فإن هذا يأتي على شكل شذرات مقتضبة وعلى هامش الموضوع المطروح بل وفي حال ارتباطها بحياة الرجل، والرجل المقصود هنا هو الحجاج، وربما يرجع ذلك، أيضًا، إلى طبيعة المرحلة التي قد عاشها الحجاج والتي كانت عبارة عن مؤامرات وحروب فى سبيل ترسيخ حكم الدولة والقضاء على الخارجين عليها، ومن البديهى، أن يكون الاهتمام الأكبر فى ظل هذا المناخ بالجانب السياسي ودور الحجاج فيه، وليس بالجانب الاجتماعى، أو بحياته الخاصة. وربما قد يرجع ذلك، أيضًا، إلى أنه لم يُكتب عن الفترة الأموية فى حينها، وإنما كُتب عنها لاحقًا في العصر العباسي.

وكان من آثار ذلك كله، صعوبة الوقوف على علاقة الحجاج بالمرأة ونظرته إليها، اللهم إلا في بعض الحالات التي سوف أشير إليها لاحقًا، والتي قد حفظها التاريخ والناس، وذلك لأنها تمثل تحديًا أنثويًا في وجه سلطة الحجاج القاهرة المستبدة.

ليس هناك، أيضًا، ذكر في المصادر التاريخية لأسماء بناته أو حياتهن أو علاقته بهن، رغم ورود معلومات عن أبنائه الذكور وحياتهم وولاياتهم وأبنائهم، كذلك هناك عدم اتفاق على عدد زوجاته وأسمائهن، وطبيعة العلاقة بينه وبينهن، وهنا نتسائل هل كان الحجاج ذلك الرمز السلطوي المستبد، يتعامل مع المرأة من هذا المنطلق أم كانت نظرته لها مغايرة لحاله ولقسوته المعهودة؟

هذا ما سوف أشير إليه في سياق الحديث عن دائرة النساء المقربة إليه وأعني هنا، أولاً، أمه “الفارعة بنت همام”، ثم زوجاته وأشهرهن؛ “هند بنت المهلب بن أبي صفرة”، و”هند بنت أسماء بن خارجة”.

أما على المستوى السياسي والعام؛ فهناك روايات عن عدة نساء قد تحدين سلطة الحجاج وسطوته، وأشهرهن في ذلك “أسماء بنت أبي بكر”، “أم البنين”، و”غزالة الشيبانية” تلك التي انكسرت أمامها صورة الحجاج المخيفة، و قد اتخذ الشعراء والكتاب من حكايتها معه موضوعًا للسخرية منه، ونظر إليها المخيال العربي بوصفها رمزًا للمقاومة النسائية ضد بطش السلطة.

أم الحجاج الثقفي: “الفارعة بنت همام”

إن المعلومات التاريخية عنها وعن علاقتها بالحجاج قليلة. فهي “الفارعة بنت همام بن عروة بن مسعود الثقفي”، وكان زوجها –وفقًا لرواية “ابن خلكان”- “الحارث بن كلدة الثقفي” طبيب العرب([1])، ويقال في مواضع أخرى إنها كانت عند “المغيرة بن شعبة”، وذلك قبل “يوسف بن الحكم” والد الحجاج([2])، وأهم ما سجلته عنها الروايات التاريخية القليلة؛ حكاية السواك، والتي تتلخص في أن زوجها قد دخل عليها أول النهار ووجدها تتخلل –أي تخلل أسنانها- فظن أن هذا السلوك في ذلك الوقت عدم نظافة وقلة اهتمام منها، فطلقها، وعندما أوضحت له حقيقة الأمر؛ أي أنها قد باكرت ما تباكره الحرة من السواك، فبقيت شظية منه في فمها، وحاولت إخراجها، فقال المغيرة ليوسف أبي الحجاج تزوجها فإنها لخليقة بأن تأتي برجل يسود، فتزوجها يوسف([3]).

إقرأ أيضًا: المرأةُ: جدلية الذات واللغة في تكوين الهُوِيَّة

وبعيدًا عن هذه الرواية التي توضح مدى السلطوية الذكورية واستخدامها لفزاعة الطلاق بحق المرأة، ثم تزويجها بآخر، وكأنها دمية مفعول بها، لا إرادة لها ولا اختيار، هذه الصورة التي سوف تتناقض تمامًا مع شخصية النساء اللاتي واجهن الحجاج، لكن هذه الرواية توضح أن “الفارعة” قد تزوجت من علية القوم آنذاك، أعنى أنه لا يوجد ما يؤكد معاناة الحجاج فى طفولته، ولا توجد أيضًا مصادر تاريخية توضح أن “الفارعة” قد أورثت الحجاج سلوكًا عدوانيًا دمويًا.

ويروي ابن كثير- فى ذلك- رواية عن ولادة الحجاج، وعلاقته بأمه، وذلك فى محاولة لتفسير ميله إلى القتل والدموية، فيقول:

إنه لم يرتضع أيامًا حتى سقوه دم جدي ولطخ وجهه بدمه فارتضع، أى أن ابن كثير يُرجع ميل الحجاج لسفك الدماء لأنه أول ما ارتضع ارتضع دمًا، لذلك كان كثير القتل للنفوس التي حرمها الله بأدنى شبهة([4]).

وفي ظل ندرة ما كُتب عن “الفارعة”، يمكن أن نتصور ما كان عليه حال الحجاج من كونه شابًا فصيحًا بليغًا حافظًا للقرآن، و لا يعرف عنه إنه كان دمويًا في صباه، أي أن تربية أمه وأبيه لم تكن وراء ما آل إليه قلبه من قساوة وجبروت لكنها السلطة، وبمعنى أدق، هي السلطة المتلبسة بقدسية الدين.

زوجات الحجاج

أما زوجات الحجاج فقد تزوج زوجات كُثر، لكنه لم ينجب كثيرًا، خاصة من البنات، وأولاده المشهورين خمسة؛

  • “محمد” وتوفى في زمن أبيه
  • “عبد الملك”
  • “أبان”
  • “سليمان”
  • و “عبد الله” الذي استخلفه عندما مرض

والمعروفات من زوجات الحجاج هن؛

  • “أم كلثوم بنت عبد الله بن جعفر بن أبي طالب”، ويقال إن عبد الملك بن مروان لما علم بزواجه منها، أمره أن يفارقها قبل الدخول
  • و”أم سلمة بنت عبد الرحمن بن سهل بن عمرو”، وقد طلقها الحجاج تنازلاً عنها للوليد بن عبد الملك
  • و”أم الجلاس بنت عبد الرحمن بن أسيد”
  • و”هند بنت المهلب بن أبي صفرة”
  • و”هند بنت أسماء”
  • و”أمة الرحمن بنت جرير البجلى”([5]).

وهو ما ذكره ابن عبد ربه في “العقد الفريد” حيث قال: «عندما ذُكرت النساء، قال الحجاج: عندي أربع نسوة؛ “هند بنت المهلب”، و”هند بنت أسماء”، و”أم الجلاس”، و”أمة الله”، ثم تحدث عن علاقته بهن فيقول –أي الحجاج-:

« فأما ليلتي عند “هند بنت المهلب” فليلة فتى بين الفتيان يلعب ويلعبون، وأما ليلتي عند “هند بنت أسماء” فليلة ملك بين الملوك، وأما ليلتي عند “أم جلاس” فليلة أعرابي مع أعراب في حديثهم وأشعارهم، وأما ليلتي عند “أمة الله بنت عبد الرحمن” فليلة عالم بين العلماء والفقهاء([6]).

أما الزوجتان المشهورتان في حياة الحجاج هما؛ “هند بنت المهلب” و”هند بنت أسماء”، وقد ذكرهما الحجاج في سياق حديثه مع “ليلى الأخيلية”(*)، عندما ذهبت إليه لتشكو له سوء الحال من شدة البرد وقسوته، وشدة الجهد، وحال العباد البائسة، وعندما سألها أي النساء تختارين تنزلين عندها؟ قالت سَمِّهن لي، فقال: عندي “هند بنت المهلب”، و”هنت بنت أسماء”([7]).

ولكن ما قصتهما مع الحجاج ولِمَّ هما الأكثر شهرةً بين زوجاته؟

هند بنت المهلب:

هي هند بنت المهلب بن أبي صفرة الأزدية البصرية، أبوها الأمير المهلب حاكم خراسان، حارب الخوارج بأمر من عبد الملك بن مروان في حرب الأزارقة([8]). ولقد عرفت هند برجاحة عقلها وفصاحتها وبلاغتها، وكانت أشهر نساء عصرها ذات ذكاء حاد، وجمال آخاذ، وحينما ولى الحجاج أمر العراق بتكليف من الخليفة “عبد الملك”، نصحه المقربون بالزواج من أهل العراق لتقوية صلة الرحم بينه وبينهم عسى أن تكون له مودة ومحبة، وتم ترشيح هند لأنها من سادة البصرة. وعندما ترددت لعدم معرفتها به، قدم لها مهرًا لم يسمع به العرب من قبل، وعندما تأخرت  عليه فى الموافقة، عرض عليها مائتى ألف دينار عربي مؤخرًا لصداقها، فوافقت وبعد الزواج شعرت أنها لم تحسن الاختيار([9]).

وقد تعددت الروايات حول أسباب طلاقهما، منها أنه قد طلقها هي و”هند بنت أسماء” لسبب واحد ألا وهو أنه رأى منامًا بأن عينيه قلقتان، فأوَّله بطلاق زوجتيه، حتى جاءه نعي أخيه “محمد بن يوسف” والي اليمن في اليوم الذي مات فيه ابنه “محمد بن الحجاج”، فقال عندئذٍ: محمدان في يوم واحد([10])، وأدرك حينها أن هذا الموت هو ما يفسر المنام وليس طلاق زوجتيه.

وترجع رواية أخرى طلاقهما إلى ما سمعه الحجاج منها من حديث عنه تقول فيه:

وما هند إلا مهرة عربية

سليلة أفراس تحللها بغل

فإن ولدت فحلًا فلله درها

وإن ولدت بغلًا فجاء به البغل([11])

وتسخر هند فى هذه الأبيات من الحجاج، حيث تشبه نفسها بالمهرة العربية ذات النسب الأصيل التى إن ولدت فحلًا فلأنها قد تزوجت من كريم، لكنها و إن تزوجت من وضيع جاء الابن على شاكلته.

يرجع سبب طلاقهما فى رواية أخرى إلى ما رواه “ابن الأثير” من أن “يزيد بن المهلب ابن أبي صفرة” أخو “هند” الذي وُلّى المشرق بعد أبيه، ثم عزله “عمر بن عبد العزيز” وسجنه، وتولى الحجاج عزله وسجنه وتعذيبه([12])، وكان يزيد يصبر صبرًا حسنًا على تعذيب الحجاج، مما كان يغيظ الحجاج منه، وقيل له –أي للحجاج- أنه رُمِي في ساقه بنشابة، فثبت نصلها فيه، وهو لا يمسها إلا صاح، فأمر الحجاج أن يعذب في ساقه، فلما فعلوا به ذلك صاح، فسمعته أخته “هند” فصاحت وناحت، فطلقها الحجاج([13]).

وأيًا كانت أسباب طلاق “هند” من الحجاج، فإن ما يعنينا هنا هو كيفية هذا الطلاق، وكيفية تقبل “هند” له، بل والترحيب به، وإهانتها وسخريتها من الحجاج.

عندما أراد الحجاج تطليق “هند” أرسل لها رسولًا وقال له طلقها بكلمتين فقط، فقال لها الرسول: كُنتِ فبنت ( أى كنت زوجة ثم لم تَعُدِ كذلك) … وهذا مالك، فردت عليه شاكرة وقالت: كنا فما حمدنا وبنا فما ندمنا. فيا بشير الخير … هذه المائتا ألف بشارة لك ومن معك على خلاصي من كل بني ثقيف، ويقال إن الخليفة “عبد الملك بن مروان” قد أعجب بذكائها، فبعث إليها رسالة يخطبها لنفسه، فاشترطت “هند” عليه أن يقود هودجها الحجاج بنفسه إلى دمشق، وبالفعل أمره الخليفة بذلك، وكان له السمع والطاعة، وأثناء الطريق ألقت “هند” دينارًا على الأرض، وقالت: سقط مني درهم ابحثوا عنه، وعندما قال لها الحجاج: لم نجد الدرهم لكن وجدنا دينارًا قالت: الحمد لله، أضعنا درهمًا وأنعم الله علينا دينارًا، وكانت تقصد أن الله أبدلها بالحجاج الخليفة([14]).

أما زوجته الثانية فهي “هند بنت أسماء“، ويقال إن الحجاج قد بنى لها قصرًا، وسألها؛ هل رأيت أحسن من هذا القصر، فقالت له ما رأيت أحسن من القصر الأحمر، والمقصود هنا دار الإمارة بالبصرة، والذى بناه زوجها الأول “عبد الله بن زياد” فغضب الحجاج وطلقها، ويقال إن هند قد رثت الحجاج ساخرة عند موته قائلة:

ألا أيها الجسد المسجي

لقد قرت بمصرعك العيون

وكنت قرين شيطان رجيم

فلما مت سلمك القرين([15])

هناك شخصيات نسائية أخرى غير هؤلاء اللاتي ترتبطن بالحجاج عن طريق القرابة أو الزواج، ومنهن؛ أسماء بنت أبي بكر، أم البنين، غزالة الشيبانية .

أسماء بنت أبي بكر والحجاج

عندما ولى “عبد الملك بن مروان” الحجاج على الحجاز، قتل – أى الحجاج- “الزبير”، وارتجت مكة بالبكاء حزنًا على مقتله، عندئًذ  أمر الحجاج الناس أن يجتمعوا في المسجد وصعد المنبر وقال لهم:

«يا أهل مكة بلغني إكباركم قتل ابن الزبير، ألا وإن ابن الزبير كان من خيار هذه الأمة، حتى رغب في الخلافة، ونازع فيها أهلها، فنزع طاعة الله …».

وقد استخدم الحجاج براعته الخطابية لتبرير قتل “الزبير”، فيصف قتله بأنه دفاع عن الدين، ويشبه فعله هذا بغضب الله سبحانه وتعالى على آدم وطرده من جنته،  فيقول: «الله خلق آدم، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته وأباح له كرامته، وأسكنه جنته، فلما أخطأ أخرجه من الجنة بخطيئته، وآدم أكرم على الله من الزبير، والجنة أعظم حرمة من الكعبة …» ([16]).

لكن الحجاج فقد هذه القدرة الهائلة على الخطابة والمراوغة أمام “أسماء بنت أبي بكر”، حيث حاول أن يجعل قتل الزبير تنفيذًا لإرادة الله.

فعندما دخل عليها قال لها: ” إن ابنك ألحد في هذا البيت، وإن الله أذاقه من عذاب أليم، … فقالت: كذبت، كان بارًا بوالديه، صوامًا قوامًا”، ثم وجهت له كلمات ملؤها التوبيخ والاستنكار والاستهانة فتقول”  والله، لقد أخبرنا رسول الله (ص) أنه يخرج من ثقيف كذابان، الآخر منهما شر من الأول، وهو المبير( أى الذى يُبيد ويُهلك)، وقالت للحجاج أما الكذاب فقد رأيناه، وأما المبير فأنت هو يا حجاج”.

إذن لم تفلح حيل الحجاج البيانية في إقناع أسماء بوجوب قتل الزبير، ربما لأنها كأم مكلومة لم تؤتِ هذه الطرائق معها ثمارها، وربما لقوتها وتصديها لسلطته، فهي لم تصمت ولم تكتفِ بالبكاء والعويل لفقدان ولدها، ولكنها أهانته عن عمد دون خوف أو تردد.

الحجاج و أم البنين

أما المرأة الأخرى التي أهانت الحجاج –كما ورد في العقد الفريد- هي

( أم البنين) بنت عبد العزيز بن مروان، وذلك عندما قدِم الحجاج على “الوليد بن عبد الملك”، فدخل عليه وعليه درع وعمامة سوداء، وقوس وكنانة، فبعثت إليه أم المؤمنين، تسأله من هذا الأعرابي المستلئم (أي المرتدي للباس الحرب)؟ فبعث إليها: هذا الحجاج بن يوسف الثقفى، فأعادت إليه الرسول تقول: والله لأن يخلو بك ملك الموت أحبُّ إلى من أن يخلو بك الحجاج، فأخبره الوليد بذلك وهو يمازحه، فقال له الحجاج: يا أمير المؤمنين، دع عنك مفاكهة- أى مزاح- النساء بزخرف القول، فإنما المرأة ريحانة، وليست بقهرمانة (والقهرمانة هي مدبرة المنزل ومتولية شؤونه)، فلا تطلعها على سرك ومكايدة عدوك([17]). ورغم أن هذه العبارة -ريحانة وليست قهرمانة- تُعد من الأقوال المأثورة فى التراث العربى والإسلامى، ودلالة الريحانة هنا الرقة واللين والأنوثة، ومن ثم ينبغى أن تعامل بلطف، فإن هذه المقولة، أيضًا، توضح أن الحجاج لم يكن ينظر إلى المرأة بوصفها شريكًا للرجل، ولم يستشرها في أموره، وربما أراد أن يقول إنها ناقصةُ عقل لا تأتمن على أسرار الدولة.

إقرأ أيضًا: المرأة بين الطبيعة والثقافة: صورة المرأة في الوعي الإنساني

أما باقي قصة الحجاج وأم البنين فتستأنف عندما أخبرها الوليد بما قاله الحجاج، وهنا تطلب من الوليد أن يأمره ليأتيها في الغد مستلئمًا، وعندما فعل الحجاج وقابلته قالت له أنت الممتن على أمير المؤمنين بقتلك “عبد الله بن الزبير” و”ابن الأشعث”؟ أما والله لولا أن الله علم أنك من شرار خلقه ما ابتلاك برمي الكعبة وقتل ابن ذات النطاقين، أول مولود في الإسلام، وأما نهيُك أمير المؤمنين عن مفاكهة النساء، فبالنظر إليه وسنان “غزالة” بين كتفيك – أى أنها هنا تُعَيره بقصته مع “غزالة الشيبانية”، والتى سأعرض لها لاحقًا. ثم تتلو عليه شعرًا لطالما استخدم لإهانة الحجاج والسخرية منه، فتقول له:

أسدٌ عليّ وفي الحروبِ نعامةٌ

رَبْواءُ تجفِلُ من صِفير الصافِر

هلا برزْتَ إلى غزالة في الوَغى

بل كان قلبك في مخالِب طائِر

صَدَعَت غزالةُ جَمْعَهُ بعساكِرِ

تركتْ كتائبهُ كأَمْس الدابر([18])

تمثل هذه الأبيات هجاءً للحجاج واستهانة به، فتصفه بالشدة المزعومة، لكنه فى ساحات الحرب والقتال كالنعامة التى يرهبها أقل شئ حتى وإن كان صفير الراعى.

لم يَقْوَ الحجاج، بطبيعة الحال، على مواجهة أم البنين سواء بالكلام أو بالفعل وإنما خرج من بيتها مذمومًا  يلاحقه الخزى من قصته مع “غزالة”، و التي أصبحت تمثل رمزًا لانهزام الحجاج وانكساره .

لكن من هي غزالة الشيبانية؟ وما قصتها مع الحجاج؟

غزالة الشيبانية والحجاج

“غزالة” هي زوجة “ابن أبي نعيم الشيباني”، وهو رأس الخوارج بالجزيرة، وقد بعث الحجاج لحربه خمسة قواد قتلهم واحدًا تلو الآخر، ثم سار إلى الكوفة وحاصر الحجاج، وكانت غزالة عديمة النظير في الشجاعة([19]). وقد أذاقا- أى غزالة وزوجها- الحجاج مرارات الهزيمة في معارك كثيرة، حتى إن “غزالة” طلبت مبارزة الحجاج في إحدى المعارك، فخاف من مبارزتها -وهنا قال الشاعر في الحجاج تلك الأبيات التى أشرت إليها سلفًا- وكانت “غزالة” فقهية وخطيبة وتحب زوجها وتقاتل معه ببسالة وشجاعة الأبطال، حتى أنها قالت ذات يوم لشبيب: لقد نذرت لله نذرًا سألتك أن تُعينني على الوفاء به، ألا وهو أن أصلي في مسجد الكوفة ركعتين، أقرأ في الأولى سورة البقرة، وفي الثانية سورة آل عمران، وكانت الكوفة حاضرة الحجاج الثقفي([20]) وبالفعل، دخلت غزالة جامع الكوفة، وصلت، ووفت نذرها، واستطاع  شبيب أن يهزم جيوش الحجاج مرات ومرات([21]).

لذا توعد الحجاج “لشبيب” وزوجته وأرسل إليهم “سفيان بن أبرد الكلبي” لمحاربتهما، وقد اقتتلوا حتى عبر “شبيب” الجسر ليلاً، فسقط به وغرق، ويقال، أيضًا، إن فرسه نفر فيه فألقاه في الماء (77هـ)، وقد حُمل إلى الحجاج، فشق جوفه وأخرج قلبه فوجده (كما يذكر الطبري، ج6، 271)، صلبًا كأنه صخرة([22]).

وما يعنينا هنا هى مواقف “غزالة الشيبانية” وهى تمثل رمزًا قويًا في التصدي للاستبداد والسلطة المتغطرسة، وقد صارت قصتها مع الحجاج مضربًا للأمثال، وربما حفظت هذه الرواية في المصادر التاريخية، بل وفي عقول الناس وذلك لأنها تمثل حدثًا فريدًا في تاريخ الحروب الإسلامية، تصدت النساء فيه للحجاج. والسؤال هنا، هل كان الحجاج وهو من كانت تهتز الجموع  خوفًا ورهبةً من مجرد سماع اسمه هل كان خائفًا بالفعل من “غزالة”، والسؤال الأهم والأوقع هل لم تكن غزالة تخشى، حقيقة، مواجهة الحجاج؟

ربما لم يرد الحجاج مواجهة أية إمرأة؛ إكبارًا لرجولته، ترفعًا عن مواجهة إمرأة، واحترامًا لعرف وتقليد يقدس الرجل عن المرأة ويجعله أكثر عقلانية وضبطًا للنفس.

أما “غزالة”، فلا شك، أنها تتمتع بصفات استثنائية ربما لكونها من نساء الأزارقة، وهي فرقة من الخوارج، ونساء الخوارج كن يقتحمن ساحة المعركة دون خشية أو تردد، ولم تمثل “غزالة” استثناءً عن نساء الخوارج، لكن عن النساء الأخريات وما يؤكد ذلك، تردد اسم “جهيزة” وهي أم “شبيب”، وقد انضمتا –أعني جهيزة وغزالة- إلى جيشه يقاتلان معه. أى أن مشاركة نساء الخوارج فى حروبهم كانت أمرًا عاديًا، ولكونهن محاربات اتصفن بالشجاعة والجرأة والإقدام، وذلك حتى أمام أعتى الرجال وأكثرهم وحشية.

خاتمة

إن موقف الحجاج من المرأة، أيضًا، متناقض حيث يبدو لينًا متعاطفًا بشأنها حينًا، قاسيًا مستبدًا حينًا آخر، فعلى سبيل المثال، قيل إن عبد الملك كتب إلى الحجاج يأمره بقتل رجل بشيء بلغه عنه، فأحضره الحجاج، وعندئٍذ قال هذا الرجل للحجاج إن ما بلغه عني باطل، وطلب منه أن يكتب إلى أمير المؤمنين أنه يعول أربعًا وعشرين امرأة ، فأحضرهن الحجاج وكانت بينهن الأم والزوجة والابنة وجارية  قد أنشدت أبياتًا تتوسل بها للحجاج لأن يعفو عن سيدها، فتقول له:  أحجاج إما أن تجود بنعمة علينا وإما أن تقتلنا معًا، فبكى الحجاج وقال: والله لا أعنت الدهر عليكن ولا زدتكن تضعضعًا([23])، أى أنه هنا قد أشفق على النساء وتأثر بكلامهن وبحالهن فى حال فقدان عائلهن، وهنا يُظهر لينًا غريبًا عليه وعلى طباعه.

لكنه فى مواقف أخرى يبدو قاسيًا عنيفًا بشأن المرأة، و يُقال فى هذا، على سبيل المثال، إن عدد من مات في سجن الحجاج خمسون ألف رجل، وثلاثون ألف امرأة، وكان يحبس النساء والرجال في موضع واحد، ولم يكن للحبس ستر يستر الناس من الشمس في الصيف ولا من المطر والبرد في الشتاء([24]).  ويمكن تسوية هذا التناقض البادى فى سلوك الحجاج تجاه المرأة،  بالقول بأنه فى حال كان الأمر يتعلق بمسائل يمكن تجاوزها، كان الحجاج هينًا، أما إذا تعلق الأمر بمسائل الحكم وسياسة الدولة كان دمويًا عنيفًا لا يعبأ بمن أمامه رجلًا كان أم امرأة.

وجملة القول، تظل المرأة أحد الجوانب الغامضة فى سيرة الحجاج، لكن يمكننا القول، بأنه لامجال للحديث عن كون إحدى النساء فى حياته سببًا مباشرًا أو غير مباشر فيما آل إليه طبعه من وحشية، بداية بأمه ومرورًا بزوجاته، أيضا، رغم قساوة وغلظة الحجاج فإنه لم يُذكر عنه أنه قد تعامل مع زوجاته بهذه القسوة، بل على النقيض من ذلك، كانت زوجاته هنّ اللائى يسخرن منه ويبدين كراهيتهن له، وأخيرًا تظل المرأة فى حياته وفى المخيال العربى هى الصخرة التى تحطم عليها جبروته وكبرياؤه، ومضرب الأمثال فى السخرية منه.

___________________________________

الحواشي والمراجع:

([1]) ابن كثير: البداية والنهاية، ج9، مكتبة العارف، ط8، لبنان، 1990م، ص 112.

([2]) عبد الرحمن بن سعيد بن علي بن وهب: أبراج الزجاج في سيرة الحجاج، تحقيق: سعيد بن علي بن وهب القحطاني، مؤسسة الجريسي للتوزيع والإعلان، الرياض، 2011م، ص 96.

([3]) ابن كثير: البداية والنهاية، ج9، ص 112.

([4]) المصدر نفسه، ص 113.

([5]) عبد الرحمن سعيد بن علي بن وهف: أبراج الزجاج في سيرة الحجاج، ص 97.

([6]) العقد الفريد، ج5، نقلاً عن منصور عبد الحكيم: الحجاج بن يوسف الثقفي، طاغية بني أمية، دار الكتاب العربي، القاهرة، 2009م، ص 433.

(*)هى ليلى بنت عبد الله بن الرحال بن شداد بن كعب الأخيلية، أصلها من عقيل، كانت شاعرة عربية عرفت بفصاحتها وبلاغتها وقصة حبها العذرى الشهيرة مع توبة بن الحمير، وكذلك اشتهرت بمراثيها عنه، توفيت حوالى 80 ه.

= انظر: ديوان ليلى الأخيلية، تحقيق وشرح: واضح الصمد، دار صامد، بيروت، 2003، ص9.

([7]) المسعودي: مروج الذهب ومعادن الجوهر، مراجعة كمال حسن مرعي، ج3، المكتبة العصرية، بيروت، 2005م، ص 142.

([8]) أحمد بن محمد بن عبد ربه الأندلسي: العقد الفريد، ج5، تحقيق: عبد المجيد الترحييني، دار الكتب العلمية، لبنان، 1983م ص 278.

([9]) منصور عبد الحكيم: الحجاج بن يوسف الثقفي، ص 346.

([10]) ابن خلكان: وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، ج2، تحقيق: إحسان عباس، دار صادر، بيروت، 1972، ص ص 53-54.

([11]) منصور عبد الحكيم: المرجع السابق، ص 436.

([12]) الذهبي: سير أعلام النبلاء، ج4، ، تحقيق: مأمون الصاغرجي، إشراف: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1996، ص 503.

([13]) ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ج4، تحقيق: عمر عبد السلام تدمرى، دار الكتاب العربى، لبنان، 2012، ص 25.

([14]) منصور عبد الحكيم: الحجاج بن يوسف الثقفي، طاغية بني أمية، ص 439.

([15])المرجع نفسه، ص ص435،434.

([16]) ابن كثير: البداية والنهاية، ج9، ص 120.

([17]) أحمد بن محمد بن عبد ربه الأندلسي: العقد الفريد، ج5، ، ص 302.

([18]) المصدر نفسه، ج5، ص 302.

([19]) الذهبي: سير أعلام النبلاء، ج4، ص ص 146 – 147.

([20]) منصور عبد الحكيم: الحجاج بن يوسف الثقفي، طاغية بني أمية،2009م، ص 184.

([21]) الذهبي: سير أعلام النبلاء، ج4، ص 148.

([22]) المصدر نفسه: ص 149.

([23]) ابن الأثير: الكامل فى التاريخ، ج4، ص 60.

([24]) المسعودى: مروج الذهب ومعادن الجوهر، ج3، ص 138، أنظر أيضًا: العقد الفريد، ج5، ص 304، أنظر أيضًا: الكامل فى التاريخ، ج4، ص 61.

اقرأ ايضا

المزيد من المقالات

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete