المرأة: من مقصلة الثورة الفرنسية إلى فلسفة التمرّد!!

 تكوين

  لطالما عاشت المرأة أزماتٍ كيانيةٍ ووجودية عبر أزمنة التاريخ المتعاقبة، وتباينت المواقف حيالها بين اعتبارها سلعةً مملوكة، أو مادةً يقولبها الرجل بحسب ما يرتأيه، أو شخصاً يمتلك دوراً ربما لم يُرسم بعد..

لم ترحمها القوانين الدينية أحياناً، وقدّرت قيمتها في أحيانٍ أخرى. ومع أنّ أسماء أنثوية كبيرة سطعت بأدوارها الريادية وتولّيها الحكم وبراعتها في السياسة وفي ميدان الفكر، إلّا أنّ النظرة الدونية إلى المرأة بقيت هي المسيطرة بتفاوتٍ خجولٍ بين المجتمعات المتقدّمة وتلك التي لا تزال رازحةً تحت ثقل صنمية التفكير ومحدودية الوعي.

من هذا المنطلق، سوف نتناول دور المرأة خلال الثورة الفرنسية، مروراً بمقارنةٍ للوضع النسوي بين الأمس واليوم، وصولاً إلى الإضاءة على وجوب الركون إلى فلسفة تمرّدٍ نسويةٍ مبنيّةٍ على العقلانية.

أولاً: المرأة خلال الثورة الفرنسية

أصدرت الجمعية التأسيسية الوطنية الفرنسية “إعلان حقوق الانسان والمواطن” في السادس والعشرين من آب العام 1789. وقد استلهم بنوده من فكر التنوير الذي قاده كلّ من روسو ومونتسكيو وديدرو ولوك وسواهم. ونصّ الاعلان على احترام الحريات، والمساواة في الحقوق، وسيادة القانون.. غير أنه لم يمنح النساء حقوقاً خاصة، ولا سيّما حقّ الاقتراع.

هذا ما حدا المناضلة الثورية الفرنسية أولمب دي غوج Olympe de Gouges (1748-1793) إلى إطلاق “إعلان حقوق المرأة والمواطِنَة” La déclaration des droits de la femme et de la citoyenne في أيلول 1791.وقد تضمّن سبعة عشر بنداً طالبت فيها بالمساواة الكاملة بين الجنسَيْن في الحقوق الاجتماعية والسياسية، مطلقةً في البند العاشر عبارتها الشهيرة: “بما أنّ للمرأة الحقّ في اعتلاء منصّة الاعدام، فيجب أن يكون لها الحقّ المتساوي في اعتلاء منبر الخطابة”.

وقفت دي غوج في وجه الاستعباد والعنف وحكم الاعدام، وجاهرت بدفاعها عن حقوق اليتامى والأمهات العازبات. طالبت بتشريع الطلاق وإلغاء الزواج الديني، والاعتراف بالأطفال المولودين خارج إطار الزواج الرسمي، وكذلك بإقامة ورش عملٍ وطنيةٍ للعاطلين عن العمل ومساكن للمشرّدين.. مؤكّدةً بذلك أنّ الهمّ النسوي لديها إنسحب على هموم فئات المجتمع بأكمله.

هاجمها شوميت Pierre Gaspard Chaumette (1763-1794)، رئيس بلدية باريس آنذاك، معتبراً إيّاها إمرأةً وقحة ومتآمرة أرادت أن تمارس السياسة متخلّيةً عن الفضائل التي يجب أن تمتلكها النساء، هي التي رفضت أن تنحصر فضيلة المرأة في تربية الأبناء، فإن لم تكن حرّة، فهي عاجزة عن المساهمة في جيلٍ حرّ.

عاشت بانسجامٍ كاملٍ مع قناعاتها، رافضةً أن تقوم الثورة دون دورٍ فاعلٍ للنساء فيها. آخر ما كتبته كان “مواطنة مضطهدة”، وكلماتها الأخيرة كانت مؤثّرةً جداً: ” أبناء وطني.. ستنتقمون لموتي”.

تمّ إعدامها بالمقصلة في الثالث من تشرين الثاني 1793 بتهمتيّ الدفاع عن معتقداتها النسوية، ومساندة الجيرونديين Les Girondins ( مجموعة سياسية مؤلّفة من عدّة نوّاب، وأتت تسميتهم لانتمائهم إلى مقاطعة جيروند جنوب غربي البلاد).

كذلك برزت دي ميريكور Théroigne de Méricourt (1762-1817)، وكانت ناشطة سياسية ونسوية فرنسية. أسّست العام 1790 “نادي أصدقاء القانون” Le Club des amis de la loi إلى جانب السياسيّ روم Gilbert Romme (1750- 1795) وآخرين. حُكم على “روم” بالاعدام فآثر الانتحار، أمّا هي فاتُّهمت بمساندة الجيرونديين، وهاجمتها النساء الجاكوبيات علناً، ما تسبّب لها بالجنون.

وفي العاشر من أيار 1793، أسّست كلّ من لاكومب  Claire Lacombe (1765- 1826) وليون Pauline Léon (1768-1838) “نادي المواطِنات الجمهوريات الثائرات” Le Club des citoyennes républicaines révolutionnaires، الذي ضمّ حواليّ مئتيّ امرأة إعتَلَين المنابر ووجّهن إنتقاداتهنّ للنوّاب. كان هؤلاء النوّاب، في غالبيّتهم آنذاك، يؤمنون بما طرحه روسو في كتابه : “L’Emile” حول المثال النسوي الذي يحصر دور المرأة في كونها زوجةً وأمّاً، وقليلون كانوا، كما كوندورسيه، ممّن نادوا بحقّ المرأة في الاقتراع باسم الحقوق الطبيعية للجنس البشري. كذلك كان للكاتبة الفرنسية ديمار Claire Démar (1799-1833)، وقد كانت عضواً بارزاً في حركة “السان سيمونيين”، كتيّب بعنوان: “نداء للشعب حول تحرير المرأة”  Appel au peuple sur l’affranchissement de la femme العام 1833 (سنة انتحارها)، والذي لاقى أصداء جداً مهمة.

من جهةٍ أخرى، كانت الثورة الفرنسية محفّزاً للعديد من النساء في أوروبا للانضمام إليها والعمل وفق شعاراتها. ومنهنّ نذكر الكاتبة البريطانية وولستونكرافت Mary Wollstonecraft (1759-1797) التي انتقلت من لندن إلى باريس العام 1792، حيث انضمّت إلى الأماكن التي كانت تُجرى فيها النقاشات الفكرية، ووضعت كتابها “الدفاع عن حقوق النساء” Vindication of the Rights of Woman في السنة ذاتها، وفيه اعتبرت الزواج مؤسّسة بطريركية لها إنعكاساتها السيّئة على المرأة التي ينبغي أن تتحرّر من صورة الأنثى الجميلة فقط، ودعت المجتمع إلى اعتماد المساواة في التربية الممنوحة للنشئ.

ثانياً: بين الأمس واليوم .. مقصلةٌ واحدة؟!

  من أولمب دي غوج التي قضت تحت مقصلة الظلم لأنها آمنت بحرية المرأة.. إلى مهسا أميني (2000- 2023) التي ضُربت حتى الموت “لعدم ارتدائها ما يتوجّب عليها ارتداؤه”.. مسافةٌ طويلةٌ فاصلة في الزمان والمكان، لكنّ المصير واحد، والمقصلة واحدة!

شكّل هذا التجرّؤ الفاقع ضدّ المرأة دافعاً قوياً لنشوء تياراتٍ نسويةٍ مختلفة، ليبرالية وماركسية وراديكالية وغيرها. وعلى تباينها في نقاطٍ عدّة، غير أنّ كلّ تيارٍ حمل قضية المرأة في إطار فلسفةٍ إجتماعيةٍ ذات أبعادٍ تطالب لها بالحياة، وترفض انصياعها للأحكام المجحفة.

أين تكمن بالفعل جذور الاستبداد بالمرأة؟ أهي في تململ سقراط من استقواء الزوجة ونفوره منها؟ أم في قول أفلاطون “بشيوعية النساء والأطفال” وعدم ثباته على رؤيةٍ موحّدة للمرأة بين “الجمهورية” و “النواميس”، بسبب اعتباراتٍ ثيولوجيةٍ واجتماعيةٍ كما رأت الكاتبة النسوية النيوزيلاندية أوكن Susan Moller Okin (1946- 2004)؟ أم هي في توصيف المرأة “مجرّد وعاءٍ لإنجاب الأطفال” وفق ما ذهب إليه أرسطو؟

قبل هؤلاء الفلاسفة الكبار، إستقبل فيثاغوراس النساء في مدرسته القائمة على قوانين صارمة في القرن السادس ق.م.، وبعدهم فعل أفلوطين الأمر ذاته عندما أسّس مدرسته في روما العام 244م.

كانت المرأة دوماً حاضرةً، تارةً في شكلٍ باهتٍ وخجول وطوراً في صورةٍ ثائرة ومنتفضة في وجه النزعة الاستسلامية.. لكنّ مصير النساء بقي مستظلاً قناع الحتمية، ومصطدماً بجدار الخوف من عدم القدرة على إحداثِ خرقٍ تغييري في المشهدية المُعتمة.

في الحقيقة، أمثلةٌ كثيرة تحضرنا للإضاءة على هذا الاستنتاج، نختار منها إثنَين: الكاتبة والروائية والطبيبة المصرية نوال السعداوي (1931- 2021)، والناشطة الايرانية في مجال حقوق الانسان نرجس محمّدي (1972-) .

  • نوال السعداوي

وُصفت بالمرأة الخطيرة والمتوحّشة، فردّت بأنها تقول الحقيقة، والحقيقة خطيرةٌ ومتوحّشة. إتّهمت بالالحاد، فأكّدت أنها مع دينٍ نختاره وليس مع عقيدةٍ تُفرض علينا.

تخصّصت في طبّ الأمراض الصدرية والطبّ النفسي لتتمكّن من رفع راية حقوق الانسان.. “والمرأة إنسان”.

الختان، في رأيها، موروثٌ تقليديٌّ لعقلٍ ظلامي، والحجاب إستعبادٌ للمرأة ولا علاقة له بالأخلاق، وتعدّد الزوجات كذبة، والبلدان التي تمنعه تحترم المرأة.

إعتُقلت وهُدّدت حياتها واضطرت لمغادرة مصر.. ولم يردعها ذلك عن استمرار توجيه اتّهامها الأنظمة السياسية بأنها تفسّر الدين كما تشاء، وترمي في المعتقلات من يتجرّأ على قول “لا”.

ساقوها إلى السجن لكنها لم تخف وإنما غضبت، ولم تخجل وإنما شعرت بالزهو لأنها إمرأةٌ غير مسلّحة، أرعبهم ملمس قلمها على الورق، ولم تفقد قدرتها “على الحلم والأمل”.

لم يثنها وضع اسمها على القائمة السوداء “لأعداء الحجاب” من الاستمرار في نضالها. “سأظلّ أكتب، كما قالت، وإن دفنوني في قبر، سأكتب وإن أخذوا القلم والورق، سأكتب على الجدار، على الأرض، على قرص الشمس ووجه القمر.”1 وإذا كانت اللحظة الأصعب “في حياة المحكوم عليه بالاعدام هي اللحظة التي تسبق سقوط المقصلة على عنقه، فإنّ أصعب لحظة في حياتي هي التي سبقت دخولي الزنزانة.”2

وكأنّ تماهياّ غير منظورٍ إرتسم بين المقصلة التي أُريدَ منها إطفاء ثورة دي غوج، وبين القضبان الحديدية الحادّة كالصمت التي أريدَ منها إسكات صوت العقل لدى امرأةٍ عربيةٍ لا تشبه سائر النساء.

رحلت السعداوي في الواحد والعشرين من آذار 2021، تاركةً مع “أوراقي… حياتي” و “كسر الحدود” و”الإله يقدّم استقالته في اجتماع القمّة”.. بصمةّ أدبيةً مطعّمةً بروحٍ فلسفيةٍ حرّة، وبقناعةٍ عميقةٍ بأنّ الثورة لا تتحقّق “في مجتمعٍ يكبَّل نصفه بالقيود.”3

  • نرجس محمّدي

إذا كانت التيارات النسوية في البلدان المتقدّمة تعاني وتتذمّر من معارضتها ومحاربتها، فكيف يكون الأمر مع ناشطةٍ حقوقيةٍ ثوريةٍ في بلدٍ ثيوقراطي، إعتُقلت في شكلٍ متكرّر إلى حدّ وصفها “بالسجينة الدائمة”؟!

هي نرجس محمّدي: نظرياً متخصّصة في الفيزياء والهندسة، وعملياً معبّرة عن فلسفة ثقافة الحرية والحياة في وجه العبودية وأحكام الموت.

    قضت معظم حياتها في السجن ولا تزال، وهي تستمرّ في المعاناة وكأنّ رقبتها ترزح تحت المقصلة مع كلّ نَفّسٍ يئنّ ليعبّر عن رفضها المطلق لاعدالة الظلم الديكتاتوري المتقنّع بالدين. وفي مقابل مذكّرات السعداوي أثناء اعتقالها، صدر لها كتابٌ وثائقي تحت عنوان: “التعذيب الأبيض.. مقابلات مع السجينات الايرانيات”.

بابتعادٍ قسريّ عن زوجها تقي رحماني “اللاجئ” إلى فرنسا هرباً من الاضطهاد بعدما اعتّقل طويلاً، وعن ولدَيها التوأم علي وكيانا مع ما لبعد الأمّ عن أبنائها من وجعٍ لا يضاهيه وجع.. ما زالت محمّدي امرأةً تناضل ولا تنكسر، وتتبنّى علناً فكر “التنوير والتثوير” الذي ورثته من عائلتها. والمفارقة أنها حصلت على “جائزة نوبل للسلام” في السادس من تشرين الأول العام 1923، وهي شامخةٌ بين أربعة جدرانٍ مظلمةٍ وظالمة.

ثالثاً: المرأة و”فلسفة التمرّد”

  بين الوعي المجتمعي المتقصّد تهميش المرأة، واللاوعي الجماعي المنعقد طويلاً على استسهال إخضاعها على مستوييّ الفكر والحضور.. من واجب الفلسفة أن تشكّل نقطة ارتكازٍ للنساء، فيلجأن إلى العقلانية للسير في طريقٍ أكثر أماناً وتحرّراً.

وبعيداً عن بعض الفلاسفة الذين أبرزوا العدائية ضدّ المرأة في كتاباتهم، متأثّرين في غالبيّتهم بتجاربهم الشخصية، كما شوبنهاور ونيتشه على سبيل المثال، على الفلسفة أن تُنقذ المرأة: من ذاتها بداءةً، ثمّ من تقليدية نظرة المجتمع إليها.

تواجه المرأة، وبخاصة تلك التي لا تملك الإرادة الكاملة للفعل ولاتّخاذ القرار، نوعاً من العبث الوجودي الذي يُدخلها في وهم عدم استطاعتها مواجهة محاولات استضعافها. وفي حين ميّز كامو بين الثورة التي تبدأ أولى إرهاصاتها مع “إدخال الفكرة في التجربة التاريخية”4، وبين التمرّد، تلك الحركة التي تقود “التجربة الفردية إلى الفكرة”5 ، فالمرأة مدعوّةٌ إلى التمرّس التجريبي في الحالَتَيْن معاً، فلا تكون مجرّد صوتٍ يتمرّد بمفرده، بل تتجرّأ لتلج دائرة الأصوات الجماعية الثائرة6.

إنّ عليها أن تحاول جاهدةً الانعتاق من شرنقة العبودية النفسية والعقلية، حيث يحتجزها المجتمع ضمن حدودٍ نمطيةٍ إقصائية، ويعتبرها جسداً بيولوجياً أنثوياً، دون أيّ اعترافٍ بمَلَكاتها المعرفية. عليها ألاّ ترضى مطلقاً أن تكون تابعةً للرجل، بل أن تناضل لنيل حقوقها المشروعة ككائنٍ حرّ.

وكما أنّ الفلسفة هي سعيٌ متواصلٌ وحثيثٌ نحو الحقيقة، فينبغي أن تُنير درب المرأة وترسّخ في داخلها قناعةً بأنّ حقيقتها تكمن في صوابية رؤيتها الأمور، ويكون ذلك في تكامليةٍ لا يُجيدها سواها بين العاطفة التي تتميّز بها، والقدرة الادراكية التي عليها امتلاكها. فالأولى معطوفة على الثانية تجعل منها سيّدة جوهرها ووجودها.

  وفي الاطار ذاته لاستكمال بناء الوعي التمرّدي العاقل والخلاّق في آنٍ لدى المرأة، على الفلسفة أن توقظ في داخلها الروح النقدية الراكدة والمنتظرة ما ومَن يحفّزها، بحيث يشتمل التفكّر النقدي المطلوب على نقدٍ ذاتيّ يساعدها على تحديد موقعها الاجتماعي والسعي وراء تطويره. وكان للفيلسوفة الأميركية هاردينغ Sandra Harding (1935- 2025) مساهمتها الفاعلة في هذا المجال من خلال تطوير الابستمولوجيا النسوية، عبر تحدّي الافتراضات الذكورية في مجاليّ العلوم والفلسفة، وتقديم اقتراحاتٍ للانتاج المعرفي للمرأة حتّى تحت ظروف القمع الممارَس في حقّها. وعُرفت هاردينغ “بنظرية وجهة النظر” Standpoint Theory ، وكان لها كتابها الأول الصادر العام 1986 بعنوان: “مسألة العلم في الحركة النسوية” The Science Question in Feminism حيث رفضت واقع إبعاد النساء، في شكلٍ مقصودٍ وممنهج، من النشاطات العلمية التي تقتصر على تفسير التجربة الذكورية.

في الحقيقة، وعلى رغم الاعتراف بعدم وجود حالةٍ تماهويةٍ بين المرأة والرجل، وبخاصة على مستوى الانجاز النقدي، غير أنّ المرأة مدعوّةٌ حكماً إلى دعم مكانتها المجتمعية والفكرية، عبر قناعتها الشخصية بأنّ لدورها النقدي أثره الايجابي عليها وعلى المجتمع ككلّ. وفي حال تحقّق هذا الانجاز، تكون المرأة خطت خطوةً متقدّمة في طريق انعتاقها ممّا أسمته الكاتبة النسوية الأميركية فريدان Betty Friedan (1921- 2006) في مؤلّفها “اللغز الأنثوي” The Feminine Mystique الصادر العام 1963، “بالمشكلة التي لا إسم لها” للتعبير عن التعاسة الشديدة التي تصيب النساء اللواتي تقتصر أدوارهنّ على المهمّات الأُسرية. وكان للمنظّمة الوطنية النسوية National Organization for Women (NOW)، التي أسّستها وكانت الرئيسة الأولى لها في تشرين الأول من العام 1966، الدور المحوري في إطلاق حركة النساء المناضلات والمتمرّدات من أجل تحقيق المساواة في الحقوق بين الجنسَيْن في الولايات المتّحدة الأميركية. وشكّلت تلك الانتفاضة، “الصامتة” واللاعنفية كما عُرفت، تساؤلاً عميقاً حول الأعراف الاجتماعية والأبوية، دافعةً نحو تغييراتٍ تشريعيةٍ وثقافيةٍ جذرية.

وهنا يكون تدخّل الفلسفة الإتيقية حاسماً في وضع سلّم القيم الأساسي الذي تقرّر المرأة اتّباعه: فتكون أولوياتها لعيش حاضرٍ ومستقبلٍ متوافقَيْن مع الأخلاق المجتمعية وليس مع بعض الأعراف المفروضة، فلا تولد مع حياةٍ مرسومةٍ مسبقاً، بل في حياةٍ تكتب هي قواعدها وشروطها.

من جهةٍ أخرى، تساعد الفلسفة المرأة على الوثوق باستقلالية أنوثتها، فلا تكون تابعةً للذكورة بل متكاملة معها. وفي كتابها: “ميتافيزيقيا الجنسَيْن” Métaphysique des sexes ، إعتبرت الفيلسوفة الفرنسية أغاسينسكي Sylviane Agacinski (1945-) أنّ هناك بناء للجنسَيْن في الفلسفة الأفلاطونية ثمّ في المسيحية، يتّسم بالميتافيزيقية والمركزية الذكورية. “ففي الخطاب الأنتروبولوجي الكلاسيكي، سواء كان فلسفياً أو لاهوتياً، تُصوَّر المرأة دائماً على أنها تلك المختلفة عن الرجل،”7 حيث يجري تقييمٌ منهجيٌّ للجانب الذكوري على حساب الجانب الأنثوي. وقد سعت أغاسينسكي إلى التفلّت من تلك الرؤية الخاطئة التي سيطرت، في رأيها، على المسيحية الأولى، وريثة الفلسفتَيْن الأفلاطونية والأرسطية، والتي “ربطت المرأة والأنوثة بالأرض والجسد والشرّ، فيما ربطت الرجل والذكورة بالسماء والروح والخير.”8 من هنا، رأت وجوب تحرير المرأة من هذا الماضي المتمركز في الأساطير والعقائد والتنظيرات اللاهوتية. صحيحٌ أنها تُصنَّف في إطار التيار النسوي “التفاضلي” أو “الجوهري” الذي يؤمن إيماناً راسخاً بالاختلاف الجنسي، فالرجال والنساء مختلفون تماماً، جوهرياً ووجودياً، ويمتلك كلّ جنسٍ بيولوجيا ونفسيةً وثقافةً وصفات وقيماً مختلفة، لكنها تشدّد على ألاّ يُقدّر الرجل على حساب المرأة. إنّ الفلسفة قادرةٌ على مساعدة كلا الطرفَيْن على تنمية العقل المفتوح على التساؤلات البنيوية في وجه الأنظمة القائمة على اليقينيات العقيدية.9

وبالارتكاز على انفتاح الأفق أمام المرأة على الصعد المذكورة آنفاً، تستمرّ مشاركتها المجتمعية غير مكتملة ما لم تدخل باب السياسة وتشارك في القرارات الوطنية لبلادها. فلا يتأطّر تمرّدها في حدود تحقيق ذاتها فحسب، بل يبلغ فعل المساهمة المباشرة في سياسات الوطن الذي تنتمي إليه. في هذا المجال، لعبت السياسِيَّة النسوية الأميركية أبزوغ Bella Abzug (1920- 1998)، والتي حملت لقب “بيلا المناضلة”، دوراً محورياً في دفع المرأة في اتّجاه دخول غمار السياسة، هي التي كانت عضواً في مجلس النواب الأميركي طوال أربعة عشر عاماً، وشاركت في “التجمّع السياسي الوطني للمرأة” National Women’s Political Caucus ، مستخدمةً منصبها السياسي للنهوض بحقوق النساء وانتقاد الهيمنة البطريركية وتعزيز المساواة النقابية، وبخاصة من خلال “المؤتمر الوطني للمرأة” الذي قامت بتنظيمه العام 1977، والذي حشد آلاف النساء في جميع أنحاء البلاد، فكانت تلك اللحظة الرئيسة لانتفاضتهنّ وانتقالهنّ إلى الحيّز الاجرائي للمطالب النسوية.

وعلى غرار أبزوغ، أصرّت السياسيَّة الأميركية شرودر Patricia Schroeder (1940-2023)، والتي كانت كذلك عضواً في الكونغرس الأميركي، على ضرورة التمثيل السياسي للنساء لأنّ في مقدورهنّ أن يجمعن بين أدوارهنّ كأمّهات واحترافهنّ السياسة. وقد عُرفت بشعارها الشهير: “لديّ دماغٌ ورحمٌ، وأستخدم كليهما.” I have a brain and a uterus and I use both .

بعد كلّ ما ذكرناه حول الميادين التي يمكن للمرأة أن تتفوّق فيها، لا بُدّ من أن تكون فاعلة، وهي كذلك في البلدان لا سيّما المتطوّرة، في المجال التكنولوجي. وكانت الكاتبة النسوية الكندية فايرستون Shulamit Firestone (1945- 2012) قد شدّدت على هذه المسألة من بين موضوعاتٍ أخرى تناولتها، وذلك في كتابها: “جدلية الجنس: “قضية الثورة النسوية”” The Dialectic of Sex: The case for feminist revolution ، الصادر العام 1970، حيث اعتبرت أنّ علينا الاستثمار في التكنولوجيا المتقدّمة في سبيل تحرير النساء منذ ولادتهنّ.

في النهاية، يمكن القول إنّ فلسفة التمرّد الأنثوي لا تكتمل بحقّ إلاّ إذا اعتلت المرأة منبر الفلسفة لتعبّر عن ذاتها وعن قضاياها بروحٍ متجدّدة، فيكون لنا فيلسوفات كأمثال آرنت Hannah Arendt (1906- 1975) في ألمانيا، ودي بوفوار Simone de Beauvoir (1908-1986) في فرنسا، وأنكسوم Elizabeth Anscombe (1919- 2001) في بريطانيا، وكريستيفا Julia Kristeva (1941-) الفيلسوفة البلغارية الفرنسية..

خاتمة

  نحن في حاجةٍ إلى زمنٍ تتمكّن فيه المرأة من امتلاك هويةٍ خاصة بها، خارجة عن الموروثات التقليدية حيث تخضع إرادتها للاستلاب الفكري والقانوني والاجتماعي والجسدي. وتكون هذه الهوية حصيلة تقاطع هوياتٍ عدّة، تناهض من خلالها محاولات تهميشها في ظلّ هيمنة المجتمع الذكوري والامعان في إهانة شخصها بسبب التمييز الجنسي.  

  نحن في حاجةٍ إلى أن تقود الفلسفة المرأة إلى التمرّد المجدول على القيم والأخلاق التي لا تُفرض عليها، بل تأتي نتاج اختياراتها، فيُطَعَّم واقعنا الراهن ب هيباتيا Hypatia 10 (بين 355 و 370 – 415 ) جديدة تدفع بالموت ثمن قناعاتها وفكرها الحرّ.. ويكون لنا امرأةٌ تشعّ معرفةّ ونضوجاً ثقافياً، وتنبض حضوراً واستقلالية، وتُتقن فنّ التفلّت من الارتهان الاجتماعي القسري بذكاءٍ وحكمة.!!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

[1] – نوال السعداوي، مذكّراتي في سجن النساء، المقدّمة، مؤسّسة هنداوي، 2021.

[2] – المرجع نفسه، الجزء الثاني.

[3] – المرجع نفسه.

[4]- ألبير كامو، الانسان المتمرّد، ترجمة نهاد رضا، منشورات عويدات، بيروت، باريس، الطبعة الثالثة، 1983، ص. 135.

[5] – المرجع نفسه.

[6] – بحسب كامو، “في عام 1793، بصورةٍ ما، إنتهت أزمنة التمرّد وابتدأت الأزمنة الثورية… على مقصلة.” (ألبير كامو، الانسان المتمرّد، مرجع مذكور، ص. 143.).

[7] – Sylviane Agacinski, Métaphysique des sexes. Masculin/Féminin aux sources du christianisme, Coll. La librairie du XXIème siècle, Ed. du Seuil, Paris, 2005, p. 8.

[8] – Ibid, p. 16.

[9] – هذا ما عبّرت عنه أغاسينسكي من خلال مشاركتها في وضع كتاب “من يخاف من الفلسفة؟” (Qui a peur de la philosophie?) العام 1977، وهو عملٌ جماعي نشرته مجموعة أبحاث التعليم الفلسفي (GREPH )، وعلّقت فيه الفيلسوفة على ما يُنظر إليه على أنه انغلاق الفلسفة أمام انتشارٍ أوسع يتجاوز السنة الأخيرة من المرحلة الثانوية. وبالتالي، فهي تتساءل عن سبب مقاومة تنمية الفكر الفلسفي للجميع، ما تعتبره، وهي المدافعة عن المساواة بين الجنسَيْن، قضيةً محورية.

[10] –  هيباتيا Hypatia : فيلسوفة إسكندرانية تخصّصت في الفلسفة الأفلاطونية المحدثة، وكانت عالمة فلك ورياضيات. عاشت في مصر الرومانية، وقُتلت على يد مجموعةٍ من المسيحيين بعد اتّهامها بالالحاد وممارسة السحر والتسبّب في اضطراباتٍ دينية. “يُقال إنها شرحت، في أعمالٍ فُقدت للأسف، الكتابات الرياضية لديوفانتوس Diophante وأبولونيوس Appollonius ، وكتبت “قانوناً فلكياً”، وكانت تعرف كيفية صنع الأدوات العلمية (كالكرة المستوية والهيدروسكوب)، كما يتبيّن من رسائل وأعمال تلميذها سينيسيوس القيرواني Synésius de Cyrène . “( Encyclopédie Universalis, Biographie de Hypatie, www. Universalis.fr., Hypatie. ).

    اقرأ ايضا

    المزيد من المقالات

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete