“ومَنْ سَخَّرَكَ مِيلاً وَاحِداً فَاذْهَبْ مَعَهُ اثْنَيْنِ” المسيح والطرق الرومانية في فلسطين القديمة

 تكوين

مقدمة

أضع في هذه الدراسة فرضية تذهب إلى أن مقولة المسيح الشهيرة “ومَنْ سَخَّرَكَ مِيلاً وَاحِداً فَاذْهَبْ مَعَهُ اثْنَيْنِ” (متى 5: 41)  تخص عمالة السخرة في إنشاء الطرق الرومانية في فلسطين القديمة، وأنها ليست مجرد وصية أخلاقية روحية تخص التسامح، بل وصية سياسية تخص تجنب الاشتباك مع الرومان، مما يعني ارتباطها بالسياق الكولونيالي الذي عاشه المسيح، وبالإمبريالية الرومانية المسيطرة بفضل هذه الطرق. والأسباب التي تجعلني أضع هذه الفرضية، أن إنشاء الطرق الرومانية قد ازداد في عصر المسيح وهو النصف الأول من القرن الأول الميلادي، إذ صارت فلسطين القديمة جزءًا من الإمبراطورية الرومانية، بعد وفاة الملك هيرود الكبير (73 ق.م. – 4 ق.م.) وخضوع عدة أقاليم للسيطرة الرومانية المباشرة، وبعد اشتداد خطر الفرس في الشرق، مما جعل الرومان يفكرون في إنشاء طرق في فلسطين تسهل حركة الجيوش من مصر ومن الظهير البري للساحل السوري وخاصة منطقة المدن العشر (في الأردن الحالية).

كما أتناول في الدراسة وصية أخرى للمسيح ترتبط بالطرق، وهي التي يحذر فيها من الطرق الواسعة: “13.اُدْخُلُوا مِنَ الْبَاب الضَّيِّقِ، لأَنَّهُ وَاسِعٌ الْبَابُ وَرَحْبٌ الطَّرِيقُ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الْهَلاَكِ، وَكَثِيرُونَ هُمُ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ مِنْهُ! 14. مَا أَضْيَقَ الْبَابَ وَأَكْرَبَ الطَّرِيقَ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الْحَيَاةِ، وَقَلِيلُونَ هُمُ الَّذِينَ يَجِدُونَهُ!” (متى 7: 13 – 14) وفرضيتي أن هذه الطرق الواسعة هي أيضًا الطرق الرومانية، وكانت طرقًا عسكرية في الأساس، تتحرك عليها الجيوش الرومانية؛ ومن ثم فإن الوصية وفق هذه الفرضية تخص تجنب الاشتباك مع الرومان مثل الوصية الأولى.

عمالة السخرة في الطرق الرومانية

تذهب الدراسات الأكاديمية في الطرق الرومانية إلى أن من كان يبنيها هو الجيش الروماني، والعبيد، والسكان المحليين الذين كان الرومان يستخدمونهم في عمل السخرة؛ والأرجح أن عمالة السخرة كانت هي التي استعان بها الرومان في بناء الطرق في فلسطين القديمة، لأن الليجيون العاشر (والليجيون Legion هو الفيلق العسكري الروماني) كان متمركزًا في شمال سوريا بالقرب أنطاكيا[1] وما حولها في عصر المسيح، ومن ثم نستطيع ترجيح أن الرومان كانوا يستخدمون السكان المحليين في فلسطين في إنشاء الطرق. كما كان من عادة الرومان استخدام السكان المحليين في كل منطقة يمر بها الطريق في أعمال سخرة لبناء ذلك الجزء الذي يمر بالمنطقة، خاصة في الشرق؛ صحيح أن المعروف تاريخيًا أن الجيش الروماني كان هو الذي يتولى عملية بناء الطرق، لكن كانت هذه العادة منتشرة في إيطاليا والبلقان وربما بعض أقاليم شمال أفريقيا، أما الجبهة الشرقية فكانت متوترة على الدوام بسبب المواجهة مع الفرس، مما لم يُمَكِّن الجيش الروماني من بناء الطرق كعادته، فاستعان الرومان بالسكان المحليين لبنائها.

إقرأ أيضًا: المسيح والحسين وتجليات الفداء.. كيف أعاد المُتَخَيَّل الاجتماعي إنتاج المشهديات الخلاصية؟

ومن ثم أُرَجِّح أن المسيح قد قال مقولته الشهيرة تلك على خلفية ما كان يحدث في مجتمعه، وربما رأى بنفسه عمليات إنشاء هذه الطرق وتعامل بنفسه مع بعض الذين تم تسخيرهم في بنائها، فالمقولة موجهة إليهم بالذات. وبذلك فإنني لا آخذ هذه المقولة على أنها مجازية، بل على أنها حرفية، ومقصودة بحرفيتها، وحقيقية نابعة من السياق الكولونيالي الذي كان يعيش فيه المسيح. إن من عادة مفسري العهد الجديد أن ينظروا إلى الكثير من عبارات المسيح على أنها مجازية، ويؤولونها على أنها كذلك، تأويلًا مجازيًا، لكن إذا تخلينا عن فرضية المجاز قليلًا وتعاملنا مع بعض أقوال المسيح على أنها حرفية ومقصودة لذاتها، تبين لنا منها السياق الاجتماعي والسياسي الذي كان يعيشه المسيح والذي يجعل من أقواله دلالة حقيقية، لا مجرد دلالة مجازية. وبالطبع فإن دعوة المسيح في هذه المقولة هي التوصية بعدم الدخول في صدام مع الرومان، واتباع سياسة المهادنة. ولا تهمنا المهادنة في حد ذاتها، ولا الدلالة الأخلاقية على الاستكانة والخضوع، بل ما يهمنا هو السياق السياسي الكولونيالي، واستجابة المسيح له، وهي ليست استجابة خضوع وخنوع واستكانة، بل سياسة عدم التصعيد وتجنب المواجهة المباشرة.

أما عن احتمال استخدام الرومان للعبيد في إنشاء الطرق، فهو غير مستبعد، إذ ذكرته الكثير من المصادر[2]، لكن من غير المحتمل استخدامهم في إنشاء طرق شرق المتوسط، ناهيك عن طرق فلسطين القديمة. فلم يشهد شرق المتوسط حضورًا كثيفًا للعبيد مثلما شهدت مناطق أخرى من الإمبراطورية؛ فأغلب العبيد في القرنين الأول قبل الميلاد والأول بعد الميلاد كانوا يُجلبون من الشرق أساسًا للعمل في الأقاليم الغربية. ومع قلة أعداد العبيد في الشرق بالنسبة إلى الغرب، زاد استغلال الرومان للسكان المحليين في أعمال السخرة وأهمها بناء الطرق.

ومن الأدلة على أن الطرق الرومانية في فلسطين كانت تُنشأ بعمالة السخرة ومن السكان المحليين، أن اليهود اعترضوا على حفر بيلاطُس (الحاكم الروماني ليهوذا والسامرة في عصر المسيح) لقناة مائية كان الهدف منها تزويد أورشليم بالمياه[3]. وقد يبدو هذا الاعتراض غريبًا، فكيف يعترضون على مشروع سوف يمد أورشليم بالمياه؟ والمرجح أن هدف المشروع هو إمداد قلعة أنطونيا، وهي مقر الحامية الرومانية في أورشليم. وأعتقد أن حفر هذه القناة كان سيتم بعمالة من اليهود، لأن الحامية الرومانية في أورشليم كانت قليلة ولا تزيد عن أربعمائة جندي، ولا يمكن الاستغناء عنهم بتشغيلهم في حفر القناة.

ونستطيع فهم الدلالة السياسية لمقولة المسيح هذه إذا ربطناها بالمقولة الأخرى التي وردت في موضع آخر من إنجيل متى. لقد وردت عبارة “ومَنْ سَخَّرَكَ مِيلاً وَاحِداً فَاذْهَبْ مَعَهُ اثْنَيْنِ” في الإصحاح الخامس من إنجيل متى، وفي الإصحاح السابع من الإنجيل نفسه يقول المسيح: “13.اُدْخُلُوا مِنَ الْبَاب الضَّيِّقِ، لأَنَّهُ وَاسِعٌ الْبَابُ وَرَحْبٌ الطَّرِيقُ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الْهَلاَكِ، وَكَثِيرُونَ هُمُ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ مِنْهُ! 14. مَا أَضْيَقَ الْبَابَ وَأَكْرَبَ الطَّرِيقَ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الْحَيَاةِ، وَقَلِيلُونَ هُمُ الَّذِينَ يَجِدُونَهُ!” (متى 7: 13 – 14). إذن نحن نتعامل مع الطرق، والأبواب. لنتخل عن فرض مجازية هذه الأقوال، ونعالجها بوصفها حرفية، أي على أن المسيح يقصد طُرُقًا حقيقية وأبوابًا حقيقية. لقد حذر المسيح من السير في الطرق الواسعة، الطرق الرومانية، لكن إذا وجد المرء نفسه في طريق منها وفُرِض عليه العمل فيها، فلا يشتبك ولا يثير المشاكل، كي يتجنب التصعيد واستثارة الرومان، بل “مَنْ سَخَّرَكَ مِيلاً وَاحِداً فَاذْهَبْ مَعَهُ اثْنَيْنِ”.

الطرق المقصودة حرفية وليست مجازية  

صحيح أن المسيح كان يستخدم الأسلوب المجازي والرمزي، وهو أسلوب في المقاومة السرية التي تواجه قوة طاغية منتشرة في كل مكان وتتربص بالناس في كل وقت، وهو طريقة في التخفي انفلاتاً من الاضطهاد، إلا أننا مع ذكره الطرق والأبواب لا نجد مجازًا أو رمزًا بقدر ما نجد إشارة واضحة إلى طرق وأبواب حقيقية. ولذلك فيمكننا أن نمر على كثير من عبارات يسوع سريعاً ونأخذها ببساطة على أنها مجاز، دون أن ندرك أنها مقصودة حرفيًا، ومن ثم تغيب عنا الرسالة التي يريد إيصالها. أحد الأمثلة الواضحة على ذلك هي العبارة التي توصي بتجنب الطرق الواسعة والأبواب الكبيرة (متى 7: 13 – 14). هذه الوصية عندما يتم تداولها خارج مكانها وزمانها، أي خارج فلسطين المحتلة من الرومان، تختفي منها دلالاتها السياسية والاستراتيجية، ولا يبقى منها إلا دلالاتها الأخلاقية الرمزية، وتصير الطرق والأبواب رموزًا ومجازات ولا تعد طرقًا وأبوابًا حقيقية.

إقرأ أيضًا: هل ولد يسوع المسيح في 25 ديسمبر؟

يوصي يسوع أتباعه بألا يسيروا في الطرق الواسعة وألا يدخلوا من الأبواب الكبيرة. لكن ما هي الطرق الواسعة؟ هي الطرق الرومانية، والأبواب الواسعة هي الأبواب الرومانية على أسوار المدن الهلينستية، وهي كذلك أقواس النصر الرومانية . هذه الطرق نهايتها الهلاك. لقد اشتهر الرومان بإقامة الطرق الواسعة الفسيحة والأبواب الكبيرة الضخمة، وكانت الطرق الرومانية طرقاً حربية، لتسهيل حركة الجيوش وسرعة انتقالها إلى أطراف الإمبراطورية المترامية. وكانت كذلك طرقاً للتجارة عبر أقاليم البحر المتوسط. انتشرت الطرق الرومانية في فلسطين في عصر يسوع، إذ قد تم البدء في بنائها منذ عصر أوغسطس، وكان أشهرها طريق البحر Via Maris، وكان يربط مصر بسوريا والعراق . لقد كان يسوع يبشر في مناطق يمر بها هذا الطريق الساحلي، لكنه تجنب السير فيه وسار في الطرق الصغيرة الرابطة بين القرى الفقيرة. وعندما يحذر يسوع أتباعه من الطرق الواسعة، فهو يحذرهم من السير في الطرق الرومانية، فهي خطوط انتشار الجيوش الرومانية ، وهي كذلك وسائل الاتصال بين المدن الهلينستية في حوض البحر المتوسط والتي كانت مراكز للنفوذ الروماني ومقر إقامة الطبقات الغنية المستفيدة من الوجود الروماني. وهذا هو طريق الهلاك. لو كان يسوع قائداً عسكرياً لحركة مقاومة ضد الرومان لكان قد أصدر لأتباعه نفس هذه التوجيهات بالابتعاد عن الطرق الواسعة، الطرق الرومانية، التي كانت وسائل الانتشار والدعم اللوجيستي للجيوش الرومانية، وكأنه يقول لهم: لا تواجهوا الرومان مباشرة وفي أرض مفتوحة وعلى خطوط انتشارهم، بل واجهوهم في الطرق الضيقة والأبواب الضيقة!.

الطريق البحري Via Maris في العصر الإمبراطوري المبكر، والطرق الفرعية المارة بالجليل

فور سيطرة الرومان على شرق المتوسط، حرص أوكتافيوس أغسطس (63 ق.م. – 14 م.) على إعادة بناء طريق يربط مصر بسوريا، كان موجودًا منذ العصر الفرعوني (عصر الملك سيتي الأول، 1294 ق.م. أو 1290 ق.م. حتى عام 1279 أو 1302 ق.م.) وسُمي في العصر الروماني بالطريق البحري Via Maris، لأنه كان يسير بحذى ساحل البحر المتوسط، ويبدأ من المنطقة التي تُسمى القنطرة غرب حاليًا، ثم يمر ببيلوسيوم Pelusium بالقرب من بورسعيد الحالية، ويسير بمحاذاة ساحل شمال سيناء إلى العريش، ومنها إلى رفح وغزة وعسقلان وأشدود، ومجدو، ثم يخترق الجليل ويصل إلى مدينة طبرية على ساحل بحيرة طبرية، ويسير بحذى ساحل البحيرة ثم يمر بمجدل (بلد مريم المجدلية) وكفر ناحوم (مقر المسيح ومكان استراحته في رحلاته)، ثم يمر بمرتفعات الجولان[4]، وقيصرية فيليبي، ثم دمشق. ومن دمشق تصل طرق أخرى إلى العراق. لقد كان الطريق يمر بمعظم المناطق التي زارها المسيح، بل كان يلتف حول بحيرة طبرية، التي شهدت الكثير من أحداث حياة المسيح. والمرجح أن المسيح كان على معرفة وثيقة بهذا الطريق.

وفي الجليل الأسفل تتفرع من الطريق طرق أصغر، طريق منها يمر بمنطقة مرج بن عامر، ثم بجبل طابور أو الطور[5]، وهو على اسم جبل الطور في سيناء، ويسمى في المسيحية جبل التجلي، إذ تجلى عليه المسيح لتلاميذه بعد الصلب حسب الأناجيل. والجدير بالذكر أن مجدو التي يتفرع منها الطريق إلى طرق أصغر في الجليل[6]، تبعد عن قرية الناصرة موطن المسيح (يسوع الناصري) مسافة حوالي 20 كيلومتر. ويجب أن ننتبه إلى أن هذا الطريق يتفرع أفرعًا كثيرة في الجليل بالذات، ويغطي فيها مساحات كبيرة، مما يعني أن عمليات إنشاء هذه الأفرع تطلبت عمالة كثيفة من السكان المحليين.

دور الطرق الرومانية في الحرب اليهودية – الرومانية (66م. – 70م.)

نعرف من المؤرخ اليهودي الشهير جوزيفوس فلافيوس (اسمه بالعبرية يوسف بن متاتياهو Yosef ben Mattityahu) (37م. – 100م) في كتابه الحرب اليهودية Bellum Judaicum أن الجيوش الرومانية قد استخدمت هذا الطريق وكل ما تفرع عنه من طرق فرعية في الحرب اليهودية التي اشتعلت بين اليهود والرومان (66م – 70م). فقد أمر الإمبراطور نيرون القائد العسكري فسباسيان (الذي سوف يصير إمبراطورًا فيما بعد) مع بدء اندلاع الحرب بالحشد والمواجهة. وقام فسباسيان بحشد ثلاث فرق (والفرقة أو الليجيون حوالي 6000 جندي مع الفرسان) وثلاث وعشرين كتيبة مشاة، وستة ألوية من الفرسان alae، وبعض القوات الرديفة، شكلت 60 ألف جندي، مع آلات حربية ثقيلة منها مجانيق ومعدات حصار[7]. تجمعت كل هذه القوات في عكا، ثم انطلقت في الجليل وسيطرت عليه، وقامت بتدمير كل المدن والقرى التي أبدت مقاومة، ومنه انتقلت إلى الجولان، وسيطرت على شرق الأردن وإقليم يهوذا، واتخذت القوات معسكرات مؤقتة في عمواس (وهي القرية التي تجلى المسيح لبعض المسافرين إليها بعد صلبه حسب الأناجيل)، وأريحا، وجفنة في رام الله الحالية[8]، وذلك قبل محاصرة أورشليم سنة 70م.

وفي كل هذه العمليات، تغلغلت القوات الرومانية في عمق كل أقاليم فلسطين القديمة، ووصلت إلى كل النواحي وإلى أصغر القرى، بفضل شبكة الطرق التي سبق إنشاؤها منذ بداية القرن. لقد كان المسيح على حق عندما قال “ادْخُلُوا مِنَ الْبَابِ الضَّيِّقِ، لأَنَّهُ وَاسِعٌ الْبَابُ وَرَحْبٌ الطَّرِيقُ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الْهَلاَكِ، وَكَثِيرُونَ هُمُ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ مِنْهُ…” (متى 7: 13)؛ لقد كان يحذر من الطرق الواسعة لأن الهلاك يأتي منها، هلاك حقيقي لا هلاك مجازي.

وبمناسبة تفسيري عبارة المسيح السابقة بأنها تحمل تحذيرًا من السير في الطرق الرومانية، فلنا أن نتساءل: هل سبق للمسيح أن قدم تحذيرًا شبيهًا في موضع آخر من الأناجيل؟ والإجابة نعم. ففي إنجيل مرقس، يحذر المسيح من دمار شامل قادم، ويفسر البعض هذا التحذير بأنه نبوءة حول خراب أورشليم على يد الرومان سنة 70م؛ لكن ما يهمنا في تحذيره، قوله: “7فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِحُرُوبٍ وَبِأَخْبَارِ حُرُوبٍ فَلاَ تَرْتَاعُوا، لأَنَّهَا لاَبُدَّ أَنْ تَكُونَ، وَلكِنْ لَيْسَ الْمُنْتَهَى بَعْدُ. 8لأَنَّهُ تَقُومُ أُمَّةٌ عَلَى أُمَّةٍ، وَمَمْلَكَةٌ عَلَى مَمْلَكَةٍ، وَتَكُونُ زَلاَزِلُ فِي أَمَاكِنَ، وَتَكُونُ مَجَاعَاتٌ وَاضْطِرَابَاتٌ… فَحِينَئِذٍ لِيَهْرُبِ الَّذِينَ فِي الْيَهُودِيَّةِ إِلَى الْجِبَالِ…” (مرقس 13: 7 – 14). لقد كان يحذر سكان إقليم يهوذا ويوصيهم بالهرب إلى الجبال، أي إلى المناطق البعيدة عن الطرق الرومانية، المناطق الجبلية ذات التضاريس الوعرة التي لا تغطيها الطرق الرومانية. وأقرب جبال إلى إقليم يهوذا هي جبال البحر الميت، وقد لجأ إليها بالفعل عدد من الثوار، وتحصنوا في قلعة مسعدة Masada (ويقال إن اسمها “مصعدة” نظرًا لأنها مرتفعة على جبل وتحتاج الصعود إليها)، وحاصرهم الرومان طويلًا حتى تم القضاء عليهم سنة 73م.

إقرأ أيضًا: أوغسطين وبلاجيوس وإشكالية النعمة.. قصة الصراع الديني الأول في المسيحيّة

والجدير بالذكر أن جوزيفوس فلافيوس قد ذكر أن الجيش الروماني حرص أثناء الحرب على صيانة وإصلاح شبكة الطرق القائمة آنذاك، وذلك لضمان التحرك السهل والسريع للقوات العسكرية الضخمة، وتحويلها من جبهة إلى أخرى، وضمان تواصلها الآمن مع مراكز القيادة، وتأمين خطوط إمدادها.

ولما كان الرومان دائمي العناية بطرقهم بهدف الصيانة المستمرة والتأمين بقوات عسكرية (إذ كانت طرقهم عسكرية في الأساس وتستخدم كخطوط إمداد للقوات العسكرية)، فكان من الطبيعي أن يجد السكان المحليون قوات رومانية تنتقل عبره أو تحرسه. وفي الغالب استخدم الرومان عمالة السخرة في عمليات الصيانة، أو في إعادة بناء الأجزاء المتهدمة جراء الأمطار والتقلبات الجوية، أو في نقل أغراض ومعدات ومؤن عسكرية عبر هذا الطريق. كثيرًا ما نقرأ في بعض التفسيرات الدينية المسيحية أن المقصود بتوصية المسيح هو العادة التي كان الجنود الرومان يتبعونها في إلزام السكان المحليين بحمل أغراضهم، وهذا التفسير أتفق معه، إلا أنني أضعه في سياق طرح هذه الدراسة، وهو أن الجنود الرومان كانوا يلزمون السكان المحليين بحمل أغراضهم على هذا الطريق بالذات، فقد كان طريقًا عسكريًا في الأساس.

كان من الطبيعي إذن أن يوصي المسيح قائلًا “ومَنْ سَخَّرَكَ مِيلاً وَاحِداً فَاذْهَبْ مَعَهُ اثْنَيْنِ”، لأن الطريق الساحلي كان في الأساس طريقًا عسكريًا، تشرف عليه وتحرسه وحدات عسكرية رومانية، وكان المسيح يجنب أتباعه الاشتباك مع الجيش الروماني.

الأغراض الكولونيالية للطرق الرومانية وسياقها الإمبريالي     

إن توصية المسيح بتجنب الطرق الفسيحة والأبواب الكبيرة يعكس بدقة شديدة العمران الكولونيالي في فلسطين القديمة تحت الاحتلال الروماني. فقد كان من الطبيعي أن يؤدي الطريق الروماني إلى أبواب المدن، لأن المدن آنذاك كانت محاطة بأسوار عالية بها أبواب، أو بوابات ضخمة، وبوابات المدن هي المقصودة بالأبواب “الفسيحة” في توصية المسيح. وكان الهدف من الأسوار عزل المدينة الهلينستية عن محيطها الريفي، تبعًا لسياسة اليونان والرومان في عزل مدنهم في الشرق عن السكان المحليين[9]، وهي سياسة كولونيالية في الأساس. أما الطريق الضيق فهو الطريق الذي يمر بالمناطق الريفية، أو بالكورة المحيطة بالمدينة (والكورة χώρα/ Chora هي المحيط الريفي التابع للمدينة في العالم اليوناني الروماني القديم)، والباب الضيق هو الآخر باب في المناطق الريفية الفقيرة. إن الانقسام إلى الطريق الواسع والأبواب الواسعة من جهة، والطريق الضيق والأبواب الضيقة من جهة أخرى، هو انقسام عمراني كولونيالي واضح[10]، يعبر عن تواجد طبقتين في مكان واحد، طبقة كولونيالية مُستغِلِّة، وطبقة محلية فقيرة ومضطهدة. ولكل طبقة طرقها وأبوابها. وقد تجنب المسيح دخول المدن الهلينستية التي كانت منتشرة في فلسطين القديمة، وخاصة في الجليل، فأشهر مدينتين في الجليل في عصر المسيح وهما صفورية وطبرية، غير مذكورتين في الأناجيل.

ومن ثم لم تكن الطرق الرومانية مجرد طرق عادية لتسهيل حركة السكان والتجارة، بل كانت الشبكة التي أنشأها الرومان لإحكام السيطرة على الأقاليم وتسهيل إدراتها، وكانت تهدف في الأساس تسهيل تحريك الجيوش وتسريع حركتها. أي أن الأهداف كانت إمبريالية في الأساس[11]. هذا علاوة على أن الإمبراطورية الرومانية كانت في الأساس إمبراطورية مدن[12]، وكانت المدن في الشرق مستوطنات هلينستية غنية وسط محيط سكاني من الريفيين الفقراء، المستبعدين من دخول هذه المدن، إذ كانت محاطة بأسوار عالية وبوابات ضخمة تعزلها عن محيطها الريفي. ومن ثم كانت شبكة الطرق ضرورية لربط هذه المدن ببعضها البعض. إن العبارة الشهيرة “كل الطرق تؤدي إلى روما” تعبر عن السياق الإمبريالي الذي نشأت فيه هذه الطرق؛ فكل الطرق تؤدي إلى روما لأنها تبدأ في الأساس من روما، ولأن روما هي التي أنشأتها، بهدف السيطرة العسكرية والإدارية[13]. المفارقة الكبرى أن هذه الطرق ذاتها هي التي سهلت انتشار المسيحية داخل الإمبراطورية فيما بعد، وسهلت تواصل الكنائس ببعضها والتي اتخذت المدن نفسها مقرات لها، والتي كانت مستعمرات استيطانية هلينستية.

لم يكن الرومان ينشؤون الطرق الضخمة الطويلة العابرة لأقاليم عديدة بهدف التنمية الاقتصادية، أو بهدف تطوير المجتمعات المحلية، أو لأهداف التحضر والمدنية، أو خدمة منهم في بناء الحضارة الإنسانية، فهذه الأهداف مجرد خرافات أيديولوجية، إذا تقيد بها البحث التاريخي – النقدي شوهت لديه رؤية الحقائق ودراسة الواقع الفعلي. لقد كانت الطرق الرومانية، وعلاوة على أغراضها العسكرية والإدارية، جزءًا من الكولونيالية الرومانية كما قلنا، وهدفت ربط المدن ببعضها البعض، والتي كانت مستوطنات كولونيالية خاصة في شرق المتوسط، وكذلك ربط المستعمرات التي أنشأها الرومان خصيصًا لاستيعاب قدامى المحاربين بشبكة من الطرق تسهل التواصل بينها وبين المدن، وتضمن السيطرة على الريف بضمان سحب الإنتاجية منه وإيصالها إلى المدن والمستعمرات، وتسهيل عمليات جمع الجزية والضرائب ورسوم العبور، وتجارة العبيد.

كما كانت الطرق ضرورية للربط بين المدينة ومحيطها الريفي؛ ولما كانت العلاقة بينهما هي علاقة سيطرة من المدينةعلى الريف، وتبعية الريف للمدينة، فقد كانت الطرق لهذا السبب هي طريق عبور علاقات الهيمنة والتبعية معًا. فقد شهد حوض البحر المتوسط في العصر الروماني انقسامًا حادًا بين المدينة والريف، وهو انقسام كولونيالي وبفعل الإمبريالية الرومانية، جعل كل مدينة مسيطرة على الريف المحيط بها وعلى كل المناطق المحيطة بها والتي تستطيع استغلالها، وكان المحيط الريفي الخاضع للمدينة يسمى “كورة” χώρα/ Chora. وكانت العلاقة بين المدينة الهلينستية في الشرق وما يحيط بها من كورة هي علاقة سيطرة واستغلال، إذ تسحب المدينة من محيطها الريفي كل احتياجاتها من الغذاء، ومن بعض المصنوعات الضرورية، وكان هذا المحيط كذلك مصدرًا للأيدي العاملة، بجانب عمالة السخرة في الإنشاءات الكبيرة. ومن ثم كانت الطرق الرومانية تسهل سيطرة المدينة على الكورة؛ فكان الطريق الروماني يشهد حركتين في وقت واحد، حركة سحب الإنتاج الريفي والعمالة من الريف إلى المدينة، وحركة معاكسة هي السيطرة العسكرية والإدارية والمالية للمدينة على الريف.

ولأن الكثير من مدن الساحل السوري والفلسطيني القريبة من الجليل لم تكن تتمتع بظهير من الأراضي الزراعية الخصبة المناسبة لتدعيم هذه المدن، مثل صور وصيدا وغيرهما، فقد زاد استغلال هذه المدن لإقليم الجليل، الذي كان يتمتع بمساحة لا بأس بها من الأراضي الزراعية. كانت هذه المدن تحت سيطرة أقليات يونانية ورومانية وبعض النخب المحلية، وفي عصر المسيح كان الهيروديون (وهم الأسرة الحاكمة من أبناء هيرود الكبير، الذين ولاهم الرومان حكامًا على الكثير من أقاليم فلسطين القديمة) مسيطرين على حركة التجارة من الأقاليم الريفية إلى تلك المدن؛  وهي لم تكن تجارية عادية، بل كانت سحبًا لمنتجات الريف الغذائية إلى المدن في إطار النظام الكولونيالي. وكانت الطرق الرومانية هي أداة السيطرة.

وكان المسيح يبشر في المناطق الريفية ولم يكن يدخل المدن الكبيرة، وكان أتباعه من هذه المناطق، أي من الكور الخاضعة للمدن: “وَتَبِعَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنَ الْجَلِيلِ… وَمِنَ الَّذِينَ حَوْلَ صُورَ وَصَيْدَاءَ” (مرقس 3: 7 – 8)؛ يذكر النص “الَّذِينَ حَوْلَ صُورَ وَصَيْدَاءَ”، أي الريفيين الساكنين في الكور المحيطة بصور وصيداء، لا سكان هاتين المدينتين. كما أنه زار بنفسه هذه الكور: “ثُمَّ قَامَ مِنْ هُنَاكَ وَمَضَى إِلَى تُخُومِ صُورَ وَصَيْدَاءَ” (مرقس 7: 24)؛ لقد ذهب إلى “تخوم” صور وصيداء فقط، أي محيطهما الريفي، أو الكورة، ولم يدخل هاتين المدينتين. لقد كان يتجنب المدن، لأنها مستعمرات كولونيالية في الأساس، وكان يقتصر على “الخراف الضالة” في الريف.

والدليل على أن صور وصيداء كانا يعتمدان على الإنتاج الزراعي للجليل، ما ورد في “سفر أعمال الرسل”، إذ يذكر أحداثًا بعد عصر المسيح في عهد الملك هيرود أجريبا الأول، بين سنتي 41 و44. فقد نشب خلاف بين النخب الحاكمة في صور وصيدا من جهة والملك من جهة أخرى، ويبدو أن الملك منع عنهم إمدادات الغذاء التي كانت تأتي من الجليل الذي كان من بين أملاكه، ففزعت النخب الحاكمة إليه تسترضيه: “وَكَانَ هِيرُودُسُ سَاخِطًا عَلَى الصُّورِيِّينَ وَالصَّيْدَاوِيِّينَ، فَحَضَرُوا إِلَيْهِ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَاسْتَعْطَفُوا بَلاَسْتُسَ النَّاظِرَ عَلَى مَضْجَعِ الْمَلِكِ، ثُمَّ صَارُوا يَلْتَمِسُونَ الْمُصَالَحَةَ لأَنَّ كُورَتَهُمْ تَقْتَاتُ مِنْ كُورَةِ الْمَلِكِ” (أعمال الرسل 12: 20). وكورة الملك التي تغذي صور وصيدا هي الجليل. لقد كان الملك يتحكم في الإنتاج الزراعي للجليل ويسيطر به على صور وصيدا ومحيطهما الريفي كذلك. ومن ثم فلم تكن هناك تجارة بالمعنى الحديث بين ريف ومدينة، بل كانت العلاقة الحقيقية هي سيطرة كولونيالية في إطار الإمبريالية الرومانية، سهلتها الطرق الرومانية.

خلاصة – خبرة المسيح بالطرق الرومانية

إن المسيح الذي فرَّت عائلته وهو صغير من فلسطين لاجئة في مصر، هروبًا من اضطهاد الملك هيرود، ثم خرجت من مصر وعادت إلى فلسطين فيما بعد، من المتوقع أن يكون خبيرًا في الطرق، وبخاصة الطرق الطويلة التي تربط أقاليم الشرق الأوسط، أي الطرق الرومانية تحديدًا. والأرجح أنه كان على معرفة وثيقة بالطريق البحري Via Maris، وأنه هو الذي سارت فيه العائلة المقدسة في رحلتها إلى مصر، وفي عودتها من مصر، فقد كان الطريق الوحيد وليس غيره الذي يربط فلسطين بمصر. إن وصاياه بخصوص الطرق تأتي من خبرته بالطرق الرومانية، فقد كان يعرفها جيدًا، وربما عمل بعض أتباعه في بنائها.

أليس من المحتمل أن يكون المسيح في توصياته حول الطرق مُعبرًا عن تجربة أليمة مر بها وهو صغير مع الطرق الواسعة والأبواب الكبيرة أثناء فرار عائلته وهي تحمله صغيرًا إلى مصر؟ لقد اضطرت العائلة إلى الرحيل من الطريق الواسع، الطريق البحري Via Maris والمرور عبر أبواب كثيرة كبيرة أثناء مرورها بمدن كثيرة جدًا عبر هذا الطريق، وهو الأمر الجدير بأن يترك في ذهنه مشاعر سلبية وذكريات مؤلمة تجاه الطريق الواسع والأبواب الفسيحة. أما الطرق الضيقة فربما كانت تُذَكِّره بالقرب الاجتماعي الريفي، وبدفء الريف وحميمية البيئة الريفية التي كان معتادًا عليها ويشعر فيها بالأمان.

“الطريق الواسع” هو طريق الإمبراطورية؛ هو التخطيط الكولونيالي والاختراق الإمبريالي لأرض محتلة؛ أما الطريق الضيق فهو طريق الشعب، “ملح الأرض”. لقد كانت الإمبراطورية الرومانية حاضرة بطرقها، لا بجيوشها وحسب، وكانت هذه الطرق عسكرية في الأساس، فعندما يأتي الرومان بجيش فقد كانوا يأتون من الطرق التي أنشأوها لهذا الغرض. وكلما رأى السكان المحليون طريقًا رومانيًا تذكروا الإمبراطورية، فهي التي بنته، وهي التي تسيطر به، وهي التي تتواجد بفضله، وتحضر فورًا وفي كل مكان عن طريقه، وتحرك قواتها العسكرية عليه. الطرق الرومانية هي الإمبراطورية الرومانية ذاتها، في تَجَسُّدها المادي الماثل للعين المجردة.

وتَجَنُّب المسيح للطرق يعبر عن موقف نمطي لديه، أي موقف متكرر وثابت، وهو تَجَنُّب السلطة أيًا كان شكل حضورها، إذ أوصى بتجنب المحاكم، وتجنب المعاملات النقدية، وتجنب دخول المدن. وقد دخل المسيح أورشليم على حمار، والحمار هو وسيلة الانتقال على الطرق غير الممهدة والوعرة والجبلية والمنحدرة؛ وهو وسيلة الانتقال الأساسية في الريف وبين القرى[14]. لقد كان يفضل هذه الطرق، على “الطرق الواسعة” التي حذر منها. .

كان المعاصرون للمسيح سيفهمون أن قصده من أقواله حول الطرق هو الطرق الحقيقية، الطرق الرومانية، ولن يفهموا أبدًا معناها المجازي المفترض في التفسيرات الدينية. ففي سياقهم التاريخي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي، كانت الطرق تتضمن عمل السخرة في بنائها، والحضور المادي المباشر للاستغلال الإمبراطوري، والهيمنة الكولونيالية على الريف التابع. والأوضاع الحالية في فلسطين لا تختلف كثيرًا عن حالها في عصر المسيح، بل تكاد تتطابق. وكانت سياسة المسيح هي المقاومة السلمية، وهي ليست استكانة أو استسلام، بل هي نوع من المقاومة التي تتصف بقوة تخصها، قوة اللاعنف، وهي السياسة المناسبة للحفاظ على مجتمع مهدد بالفناء على يد القوة الرومانية الغاشمة. في هذا السياق فإن تجنب الصدام المباشر هو الخيار الأفضل، الأسلم والأعقل.

_____________________________________________

المراجع:

[1]) Christopher B. Zeichmann. The Roman Army and the New Testament. Lanham, Maryland: Lexington Books/Fortress Academic, 2018), p. 12.

[2]) Victor Wolfgang Von Hagen. The Roads That Led to Rome. Trans. by Adolfo Tomeucci (Cleveland: The World Publishing Company, 1967), p. 69.

[3]) Flavius Josephus. The Wars of the Jews, bk. 2, chap. 9, (175 – 177), in, Josephus, Flavius. The Works of Josephus: Complete and Unabridged. Translated by William Whiston. (New updated ed, Hendrickson Publishers, 1987/ 2004).

[4]) Pažout, Adam. “The Roman Road System in the Golan: Highways, Paths and Tracks in Quotidian Life.” Journal of Landscape Ecology, vol. 10, no. 3, 2017, pp. 11–24, https://doi.org/10.1515/jlecol-2017-0022.

[5]) Adam Pažout, Michael Eisenberg & Mechael Osband (2024) Between Gaulanitis and Hippos: The Roman Road in the Southern Golan Heights in Context, Tel Aviv, 51:1, 95-117, DOI: 10.1080/03344355.2024.2327802

[6]) Benjamin H. Isaac, and Israel Roll. Roman Roads in Judaea I: The Legio-Scythopolis Road. (Oxford, England: B.A.R, 1982), pp. 4.

[7]) Flavius Josephus. The Wars of the Jews, bk. 3, chap. 4, 2.

[8]) Josephus. The Wars of the Jews, bk. 4, chap. 8, 1.

[9]) Moshe Gil, “The Decline of the Agrarian Economy in Palestine under Roman Rule”, Journal of the Economic and Social History of the Orient (2006), vol. 49 iss. 3, pp. 285—328; Safrai, Zeev. The Economy of Roman Palestine. (London: Routledge, 1994), pp. 12, 15, 33, 46.

[10]) Fergus Millar, “The Roman Coloniae of the Near East: A Study of Cultural Relations”, in, Millar, Rome, the Greek World, and the East: Volume 3: The Greek World, the Jews, and the East. (The University of North Carolina Press, 2011), pp. 164 – 222.

[11]) Neville Morley. The Roman Empire: Roots of Imperialism. (London: Pluto Press, 2010), pp. 43, 70, 82, 102.

[12]) م. رستوفتزف، تاريخ الإمبراطورية الرومانية الاجتماعي والاقتصادي، الجزء الأول “المتن”، ترجمة ومراجعة زكي علي ومحمد سليم سالم، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1958، ص 2 وما بعدها.

[13]) Dexter Hoyos, eds. A Companion to Roman Imperialism. (Leiden, The Netherlands: Brill, 2012), pp. 13, 151, 214 – 215, 269.

[14]) Safrai, Zeev. The Economy of Roman Palestine, pp. 132 – 133.

    اقرأ ايضا

    المزيد من المقالات

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete