المسيح والكولونيالية الرومانية في فلسطين القديمة: الجزء الثاني

 تكوين

بحيرة طبرية، والصيادون، وتجارة الأسماك

مقدمة

تذكُر الأناجيل أن بداية دعوة المسيح كانت اختياره تلاميذ، وأن أول شيء قام به هو أن توجه إلى بحيرة طبرية (المعروفة في الأناجيل باسم “بحر الجليل”) ودعا عددًا من الصيادين للانضمام إليه، واستجابوا فورًا، وتركوا مهنة الصيد ورافقوه في كل رحلاته. لماذا اتجه المسيح إلى بحيرة طبرية بالذات؟ ولماذا اختار صيادين؟ ولماذا تركوا مهنة الصيد فورًا؟ ما الذي كان يحدث في بحيرة طبرية في عصر المسيح، وهو القرن الأول الميلادي؟ ماذا كانت أوضاع مهنة الصيد آنذاك؟ كيف كانت أحوال تجارة الأسماك في إقليم الجليل؟

كي نجيب عن هذه الأسئلة، المحورية والحاسمة لفهم دعوة المسيح، يجب أن نتعرف على التاريخ الاقتصادي لفلسطين القديمة، والتي كانت تحت الهيمنة الرومانية، سواء كانت هيمنة مباشرة في إقليم يهوذا والسامرة (الضفة الغربية الآن)، أو كانت غير مباشرة عن طريق وكلاء محليين للرومان، وضعتهم روما في الحكم نيابة عنها، مثل هيرودُس أنتيباس Herod Antipas (20 ق.م. – 39 م.) حاكم الجليل في عصر المسيح. كانت الهيمنة على تجارة الأسماك جزءًا من الترتيبات الاقتصادية التي وضعها الرومان، لا في فلسطين القديمة وحسب، بل في كل حوض البحر المتوسط، الذي كان الرومان يسمونه “بحرنا” Mare Nostrum. ومن ثم دخلت تجارة الأسماك وعمليات الصيد في سياق النظام الكولونيالي الذي وضعه الرومان ووكلاءهم المحليون في فلسطين القديمة.

لقد كان أربعة من التلاميذ الإثنى عشر للمسيح صيادين، يعملون في بحر الجليل[1]، قبل أن يتركوه ليذهبوا مع المسيح مبشرين متجولين. “وَفِيمَا هُوَ يَمْشِي عِنْدَ بَحْرِ الْجَلِيلِ أَبْصَرَ سِمْعَانَ وَأَنْدَرَاوُسَ أَخَاهُ يُلْقِيَانِ شَبَكَةً فِي الْبَحْرِ، فَإِنَّهُمَا كَانَا صَيَّادَيْنِ. فَقَالَ لَهُمَا يَسُوعُ:«هَلُمَّ وَرَائِي فَأَجْعَلُكُمَا تَصِيرَانِ صَيَّادَيِ النَّاسِ». فَلِلْوَقْتِ تَرَكَا شِبَاكَهُمَا وَتَبِعَاهُ. ثُمَّ اجْتَازَ مِنْ هُنَاكَ قَلِيلاً فَرَأَى يَعْقُوبَ بْنَ زَبْدِي وَيُوحَنَّا أَخَاهُ، وَهُمَا فِي السَّفِينَةِ يُصْلِحَانِ الشِّبَاكَ. فَدَعَاهُمَا لِلْوَقْتِ. فَتَرَكَا أَبَاهُمَا زَبْدِي فِي السَّفِينَةِ مَعَ الأَجْرَى وَذَهَبَا وَرَاءَهُ” (مرقس 1: 16 – 20). الملاحظ أن دعوة هؤلاء التلاميذ الأربعة كانت أول شيء يقوم به يسوع بعد أن ترك يوحنا المعمدان وأتى إلى الجليل. لنتعرف إذن على بحر الجليل، وعلى مهنة الصيد، وعلى تجارة الأسماك في ذلك العصر.

هل كانت مهنة الصيد تواجه أزمة؟ هل عانى الصيادون آنذاك وفي هذه المنطقة بالذات من الإفقار؟ هل كانت مهنة الصيد طاردة لمن يعمل فيها بحيث يتركها الصيادون بسرعة ليذهبوا مع المسيح فورًا ودون مناقشة؟ نعم. وأقول استباقًا لما سيأتي تفصيله إن هذا كله بسبب سيطرة هيرودُس أنتيباس على عمليات الصيد في بحر الجليل، وعلى تجارة الأسماك آنذاك، وهي سيطرة في سياق الكولونيالية الرومانية في حوض البحر المتوسط كله.

ومن جهة أخرى تذكر الأناجيل معجزة للمسيح، وهي إطعام خمسة آلاف شخص بسمكتين وخمسة أرغفة (مرقس 6: 38 – 44؛ متى 14: 17 – 21؛ لوقا 9: 13 – 17). لكن ما الذي يدفع خمسة آلاف شخص، معظمهم أتى من إقليم الجليل ومن حول بحر الجليل، للخروج من قراهم والذهاب وراء مبشر متجول، يبشر بمملكة الله؟ لقد كانت المنطقة طاردة للسكان وفي حالة إفقار شديد، حتى أن السكان خرجوا بالآلاف بحثًا عن خلاص، وهو خلاص من حالتهم المزرية، وهي حالة اقتصادية في الأساس. لقد كانت هذه الجموع الغفيرة تلاحق يسوع، وكان يهرب منها ولم يستطع، إذ لاحقته برَّا أثناء رحيله عنها مبحرًا في قارب في بحر الجليل، وظلت تسير معه على الساحل.

*********************

كما كانت إحدى معجزات المسيح، العثور على عملة في فم سمكة؛ إذ يذكر إنجيل متى أن الأشخاص الذين يجمعون ضريبة الهيكل جاءوا إلى كفر ناحوم وطالبوا بطرس بها؛ وهي ضريبة كان اليهود البالغون يدفعونها سنويًا لهيكل أورشليم؛ عندئذ طلب المسيح من بطرس أن يلقي بالصنارة في البحيرة. وأول سمكة تخرج يفتح فاها وسيجد فيها عملة، يدفعها لسداد ضريبة الهيكل عنه وعن المسيح:  وَلَمَّا جَاءُوا إِلَى كَفْرِنَاحُومَ تَقَدَّمَ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ الدِّرْهَمَيْنِ إِلَى بُطْرُسَ وَقَالُوا: «أَمَا يُوفِي مُعَلِّمُكُمُ الدِّرْهَمَيْنِ؟» قَالَ: «بَلَى». فَلَمَّا دَخَلَ الْبَيْتَ سَبَقَهُ يَسُوعُ قَائِلاً: «مَاذَا تَظُنُّ يَا سِمْعَانُ؟ مِمَّنْ يَأْخُذُ مُلُوكُ الأَرْضِ الْجِبَايَةَ أَوِ الْجِزْيَةَ أَمِنْ بَنِيهِمْ أَمْ مِنَ الأَجَانِبِ؟» قَالَ لَهُ بُطْرُسُ: «مِنَ الأَجَانِبِ». قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «فَإِذاً الْبَنُونَ أَحْرَارٌ. وَلَكِنْ لِئَلَّا نُعْثِرَهُمُ اذْهَبْ إِلَى الْبَحْرِ وَأَلْقِ صِنَّارَةً وَالسَّمَكَةُ الَّتِي تَطْلُعُ أَوَّلاً خُذْهَا، وَمَتَى فَتَحْتَ فَاهَا تَجِدْ إِسْتَاراً فَخُذْهُ وَأَعْطِهِمْ عَنِّي وَعَنْكَ» (متى 17: 24 – 27)؛ والإستار هو عملة يونانية قديمة.

إن “العملة في فم السمكة” هي معجزة أخرى للمسيح، لا يتم التركيز عليها غالبًا، إذ تبدو بسيطة وعابرة وليست بأهمية شفاء المرضى وإحياء الموتى وإخراج الشياطين. لكنها معجزة ذات دلالة مهمة للغاية في دراستنا للاقتصاد الكولونيالي الروماني في فلسطين القديمة. إن “العملة في فم السمكة” هي معجزة في نظر الناس في ذلك الزمان وذاك المكان بالذات، نظرًا لصعوبة الحصول على العملة في مجتمع ريفي تقليدي فقير، خاضع للهيمنة الكولونيالية. هذه المعجزة بها عناصر عديدة سوف نتناولها تباعًا؛ ومن هذه العناصر:  الصيد من بحر الجليل؛ ودلالات العثور على العملة في فم السمكة؛ وضريبة الهيكل. الأمر إذن يتضمن البحث، لا في تجارة الأسماك وحدها، بل كذلك في الاقتصاد النقدي (العملة)، وقد كان تحت الهيمنة الرومانية أيضًا. إن كل العناصر التي تتضمنها قصة “العملة في فم السمكة” كانت خاضعة للكولونيالية الرومانية. وسوف نتعرف على ذلك بالتفصيل.

بحر الجليل ومهنة الصيد

بحر الجليل هو البحيرة المسماة الآن “بحيرة طبرية” كما ذكرنا، وهي تقع شمال شرق فلسطين، بين إقليم الجليل والجولان المحتلة، ويمر عبرها من الشمال نهر الأردن ويستمر مسيرته جنوبًا، وهي محاطة ببعض الأراضي الخصبة والمرتفعات. تدور أغلب أحداث حياة المسيح حول بحر الجليل، فقد نشأ على الأرجح في قرية الناصرة، على بعد سبعة كيلومترات من بحر الجليل، وكان يقضي أغلب أوقاته في “كفر ناحوم” وهي قرية أخرى على ساحل بحر الجليل جهة الشمال؛ وقام باختيار تلاميذه من على سواحله، وأربعة منهم كانوا صيادين يعملون في البحيرة؛ والكثير من الأماكن المذكورة في الأناجيل هي أسماء قرى حول بحر الجليل. صحيح أن المسيح كان يخرج في رحلات تبشيرية كثيرة، إلا أنه كان يعود إلى كفر ناحوم بعد كل مرة، فقد كانت هي مركز عملياته ونقطة انطلاقه ومكان إقامته الدائم. لماذا اختار المسيح قرية على ساحل بحر الجليل؟ وما هو سبب ظهور حركة يسوع الناصري من الجليل بالذات ومن حول بحر الجليل بوجه خاص؟ هذا هو ما سوف نعرفه في هذه الدراسة.

ومن الشخصيات الشهيرة في الأناجيل مريم “المجدلية” من قرية “مجدل”، وهي قرية أخرى على ساحل بحر الجليل (وقد تعرض سكانها الفلسطينيون للإبادة العرقية على يد الصهاينة في 22 أبريل 1948)[2]. والكثير من معجزات المسيح حدثت في نواحي بحر الجليل وقراه المحيطة، مثل بيت صيدا، وتعني كلمة “بيت صيدا”: بيت الصيادين؛ وقام المسيح بشفاء مرضى كثيرين في القرى التي حول بحر الجليل، وأخرج شياطين كثيرين من أناس عديدين هناك: “فَشَفَى كَثِيرِينَ كَانُوا مَرْضَى بِأَمْرَاضٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَأَخْرَجَ شَيَاطِينَ كَثِيرَةً… فَكَانَ يَكْرِزُ فِي مَجَامِعِهِمْ فِي كُلِّ الْجَلِيلِ وَيُخْرِجُ الشَّيَاطِينَ” (مرقس 1: 34/ 39؛.  مما يعني وجود أمراض عضوية ونفسية كثيرة في هذه المنطقة، وصلت إلى الانهيار العصبي الكامل، الذي كان العصر القديم ينظر إليه على أنه تلبس شيطاني. ولا يمكننا إغفال الحالة الكولونيالية السياسية والاقتصادية لإقليم الجليل والمتسببة في هذه الأمراض. و وكان المسيح يستخدم الإبحار في البحيرة كطريقة أسرع وأسهل في الانتقال، والأناجيل مليئة بذكر وقائع الانتقالات الكثيرة للمسيح عبر البحيرة، مع المعجزة الشهيرة في المشي على الماء: لقد مشى المسيح على ماء بحرالجليل؛ وقام بإسكات العاصفة التي هبت فيه أثناء رحلة إبحار وأفزعت التلاميذ.

لآلاف السنين كانت عمليات الصيد في بحر الجليل مهنة موسمية لسكان المنطقة، الذين كان أغلبهم يشتغل بالزراعة، ومن ثم اتجهوا إلى الصيد في المواسم التي تخلو من الحصاد، لسد احتياجاتهم من الغذاء. ولم يصبح الصيد مهنة دائمة إلا بعد أن تم الاستيلاء على أراض واسعة من المزارعين، بسبب مصادرة تلك الأراضي للعجز عن دفع الديون. ومن ثم صارت مهنة الصيد هي الوحيدة المتاحة أمام الذين فقدوا أرضهم، أو الذين لم يمتلكوا أرضًا من الأصل. لقد كان المزارع في حال أفضل بكثير من الصياد، لكن كان الكل فقيرًا يعيش على الكفاف، أي على توفير الغذاء اليومي. أما الذي حدث في العصر الهلينستي والروماني، فقد غير من ذلك الوضع التقليدي المتوارث من القِدَم؛ فقد دخلت عمليات الصيد في الدورة السلعية – النقدية، وصار السمك سلعة مربحة، ولفت انتباه الأقلية الغنية الحاكمة.

ففي ذلك العصر زادت عمليات تجارة الأسماك عبر حوض البحر المتوسط كله، وكان سلعة مُفضَّلة للأغنياء وسكان المدن، وكان طعامًا فاخرًا، إذ كان يباع مملحًا، هذا بالإضفة إلى استخراج الجاروم من الأسماك garum، وهو صلصة السمك المُخَمَّرة، وكانت تُستخدم كتوابل، وفي بعض الأحيان كدواء لبعض الأمراض. هذا بالإضافة إلى السمك المخلل، وقطع السمك المحفوظة في الملح المسماة “تاريخوس” tarichos؛ وبمناسبة هذا الاسم، فقد كان اسمًا لمنطقة على ساحل بحر الجليل تسمى “تاريخايا” Ταριχαία, Tarichaia، ويقال إنها استمدت هذا الاسم لأنها كانت مركزًا مهمًا لحفظ الأسماك؛ وكانت مدينة مجدل هي مركز هذه المنطقة، ومنها جاءت “مريم المجدلية”. إذن مريم المجدلية جاءت من أحد أهم مراكز تصنيع وتجارة الأسماك المملحة. وفي عصر هيرودُس أنتيباس صارت مجدل أشهر مركز لهذه الصناعة، وكانت تُنقل إليها كميات كبيرة من الأسماك كل يوم (لأن السمك يفسد في اليوم التالي لصيده)، وبعد وصولها إلى مجدل كانت الأسماك تُنظف وتُقطع وتُملح، وكانت كميات كبيرة تُعصر لاستخراج كميات قليلة من الجاروم. ومن الواضح أن هذه الصناعة كانت مربحة جدًا لمن يسيطر عليها، ولم تكن بين أيدي الصيادين بل كانت حكرًا على الطبقة الغنية النافذة، فهي التي لديها اتصالات وعلاقات تجارية تُمَكِّنها من تسويق هذه السلع مرتفعة السعر والخاصة بالطبقات المرفهة. ويظهر الانقسام الطبقي في مجدل من الحفريات الأركيولوجية التي كشفت عن المدينة القديمة، إذ كانت مكونة من أزقة صغيرة ضيقة، بجانب فيلا Villa على النمط الهلينستي، بأعمدة رخامية وأرضية مزينة بلوحات الموزاييك.

ولأن الأسماك المملحة ومنتجاتها المشتقة كانت طعامًا فاخرًا لأهل المدن، فقد كانت سلعة مربحة للغاية، مما زاد من أهمية عمليات الصيد في بحر الجليل، نظرًا لأنه بحيرة داخلية، وصارت أسماكه سلعة مهمة جدًا لكل المدن الهلينستية التي امتلأت بها المنطقة، سواء في فلسطين القديمة مثل صفورية وطبرية، أو في جنوب سوريا مثل قيصرية فيليبي، أو في “المدن العشر” Decapolis في شرق الأردن. لقد بنى هيرودُس أنتيباس مدينة جديدة على ساحل بحر الجليل وهي طبرية، وبنى قصره هناك على شاطئ البحيرة، مما يشي بأن عمليات الصيد هناك كانت تحت إشرافه.

 اقتصاديات تجارة الأسماك في بحر الجليل

على الرغم من أن يسوع قد تجول في أنحاء كثيرة من فلسطين القديمة، ووصل إلى حدود سوريا الجنوبية (قَيْصَرِيَّةِ فِيلُبُّسَ؛ مرقس 8: 27)، والجنوب اللبناني (نواحي صور وصيدا: مرقس 7: 24)، وشرق الأردن (كورة الجرشيين: مرقس 5: 1 – 20)، إلا أنه كان يقضي أغلب أوقاته حول بحيرة الجليل، ومعظم أحداث قصته تدور حول قرى هذه البحيرة أو قرى قريبة جدًا منها. وكان الإبحار في بحيرة الجليل هو وسيلة انتقاله الأساسية في كل المناطق التي زارها؛ وكان الإبحار بزوارق الصيد.

أراد هيرودُس  أنتيباس زيادة موارده المالية، لأغراضه العسكرية في الإنفاق على الجيش، وللوفاء بالجزية الرومانية، ولبناء مدينتي صفورية وطبرية، التي كان ينافس بهما كبرى المدن الهلينستية في شرق المتوسط. ولذلك قام بتحويل الصيد في بحيرة الجليل إلى تجارة وإلى مشروع تجاري عابر للحدود، قوامه حفظ الأسماك لتصديرها إلى المراكز الحضرية في المدن الهلينستية في كل سوريا الكبرى. ومن ثم قام أنتيباس بالسيطرة على عمليات صيد الأسماك في البحيرة، عن طريق وكلاء محليين يتفقون مع الصيادين على توريد كميات معينة من الأسماك يوميًا، ويحتفظون بالباقي لأنفسهم، وكانوا يذهبون بهذه الكميات إلى القرى التي كانت تعمل في حفظ الأسماك مثل مجدل وكفر ناحوم[3]. وأحد هؤلاء الوكلاء مذكور في إنجيل لوقا، ففي سرده لأسماء بعض النساء اللاتي اتبعن المسيح، يقول عن واحدة منهن: “… وَيُوَنَّا امْرَأَةُ خُوزِي وَكِيلِ هيرودُس” (لوقا 8: 3). زوجة وكيل هيرودُس أنتيباس كانت من أتباع المسيح، مما يدل على الاختلاط الاجتماعي الشديد لهؤلاء الوكلاء مع المجتمع. والأرجح أن العمالة التي كانت تشتغل في حفظ الأسماك كانت من العمالة المهاجرة التي فقدت أرضها نتيجة المصادرة أو الطرد، ولم تجد عملًا سوى في قرى حفظ الأسماك. ومن المحتمل أن تكون مريم “المجدلية” من هؤلاء، إذ هي منسوبة إلى القرية، لا إلى عائلة أو أب أو زوج، فهي مقطوعة الجذور ومهمشة، وربما كانت حالتها هذه هي سبب الشياطين التي تلبستها وأخرجها منها المسيح: “…ظَهَرَ أَوَّلاً لِمَرْيَمَ الْمَجْدَلِيَّةِ، الَّتِي كَانَ قَدْ أَخْرَجَ مِنْهَا سَبْعَةَ شَيَاطِينَ” (مرقس 16: 9).

وقد توصل عدد من الباحثين إلى نتيجة خاطئة من القارب الذي كان يعمل فيه بطرس وأخوه أندراوس، والقارب الآخر الذي كان يعمل فيه يعقوب بن زبدي وأخوه يوحنا، إذ افترض هؤلاء الباحثون أن القوارب كانت ملكًا للصيادين، وأنهم بذلك كانوا يديرون مشروعًا خاصًا وأنهم شركاء في شركة صيد خاصة بهم، ويوظفون أُجراء[4]، على طريقة المشروع الفردي والشركات الخاصة في الرأسمالية الحديثة: “فَتَرَكَا أَبَاهُمَا زَبْدِي فِي السَّفِينَةِ مَعَ الأَجْرَى وَذَهَبَا وَرَاءَهُ” (مرقس 1: 20)؛ وأن هؤلاء الصيادين كانوا يبيعون الأسماك في أسواق حرة مفتوحة!!! بل بلغ الشطط ببعض الباحثين إلى الذهاب إلى أن هؤلاء الصيادين ينتمون إلى الطبقة الوسطى لا الطبقة الفقيرة، فهم يديرون مشروعًا خاصًا يشغل عمالة ويبيعون إنتاجهم في سوق حر مفتوح[5]. سذاجة هذا التفسير آتية من تشوه في الرؤية من قِبَلِ هؤلاء الباحثين الذين يعيشون في المراكز الإمبريالية الغربية، والمتأثرون بالعقيدة الرأسمالية في المشروع الحر والسوق الحر. لكن كل هذا غير صحيح، إذ يعد هذا التفسير نموذجًا لسيطرة العقلية الرأسمالية الحديثة على دراسة الأناجيل، وأثرًا للمناخ النيوليبرالي المسيطر في الغرب[6]. فلم تذكر الأناجيل أن قوارب الصيد كانت ملكًا للصيادين، بل إن كل الشواهد الأناجيلية تؤيد السياق الكولونيالي الذي نكشف عنه في هذه الدراسة.

فقد ذهب هانسون إلى أنه حتى لو افترضنا أن الصيادين كانوا يمتلكون قوارب الصيد، إلا أنهم كانوا جزءًا من مشروع أكبر يديره أنتيباس، وكانوا خاضعين لشبكة معقدة من العلاقات المالية النقدية فرضها عليهم عن طريق شراء حق الصيد أولًا، والضرائب ثانيًا، والإلزام بتوريد كميات معينة من الأسماك كل يوم ثالثًا[7]. لقد كان الصيادون مجبرين على بيع الأسماك لهيرودُس ، كما لو كانوا يعملون عنده. إذ كانت عمليات الصيد في حوض البحر المتوسط تحت سيطرة الحاكم أو النخبة الحاكمة، وهي التي تسمى في الأناجيل “الهيرودُسيون”. وفي تجارة الأسماك في حوض البحر المتوسط كان الحكام يبيعون حق الصيد إلى وكلاء، ثم يبيع هؤلاء الوكلاء حق الصيد إلى الصيادين. إن ذكر إنجيل لوقا لاسم أحد هؤلاء الوكلاء يعني أن التراث المنقول إليه كان على معرفة وثيقة بهذا الوكيل وبنظام الوكالة كله؛ والواضح أن لوقا كان يعرف اسم الوكيل واسم زوجته ايضًا، مما يدل على شهرتهما: “… وَيُوَنَّا امْرَأَةُ خُوزِي وَكِيلِ هيرودُس” (لوقا 8: 3)؛ والواضح أنها كانت ميسورة الحال، إذ يصفها لوقا بأنها كانت هي وأخريات يساعدن يسوع بأموالهن: “وَيُوَنَّا…، وَسُوسَنَّةُ، وَأُخَرُ كَثِيرَاتٌ كُنَّ يَخْدِمْنَهُ مِنْ أَمْوَالِهِنَّ” (لوقا 8: 3). والمرجح أن المال الذي كانت يُوَنَّا تساعد به يسوع هو مال زوجها، وكيل هيرودُس  أنتيباس. أي أن الوكيل كان يأخذ من الصيادين نقودًا مقابل حق الصيد، وتعيدها يُوَنَّا إليهم مرة أخرى!!

ولأن شراء حق الصيد وعملية الصيد ذاتها لا يقدر عليها فرد واحد، تطلب الأمر اشتراك أسرة بأكملها، كي تستطيع الوفاء بالإلزام المفروض عليها وتتمكن من صيد الكمية المطلوبة. ولذلك نرى أن الصيادين الأربعة الذين لبوا دعوة يسوع، كل اثنين منهم من أسرة، يساعدهم أُجراء: “ثُمَّ اجْتَازَ مِنْ هُنَاكَ قَلِيلاً فَرَأَى يَعْقُوبَ بْنَ زَبْدِي وَيُوحَنَّا أَخَاهُ، وَهُمَا فِي السَّفِينَةِ يُصْلِحَانِ الشِّبَاكَ. فَدَعَاهُمَا لِلْوَقْتِ. فَتَرَكَا أَبَاهُمَا زَبْدِي فِي السَّفِينَةِ مَعَ الأَجْرَى وَذَهَبَا وَرَاءَهُ” (مرقس 1: 19 – 20). وقد تكون الشراكة بين أكثر من قارب، أي أكثر من أسرة، وذلك للتمكن من سداد الالتزامات المالية مثل شراء حق الصيد ودفع الضرائب[8]؛ فبعد محاولة صيد غير ناجحة لم تأت بالسمك، طلب يسوع من بطرس الإبحار بسفينته مرة أخرى وإلقاء الشباك، ولم يخرج سمك، فطلب منه التعمق أكثر في البحيرة، فخرجت أسماك كثيرة حتى أنها قطعت الشباك، فطلب بطرس من سفينة أخرى شريكة له المساعدة: “وَلَمَّا فَعَلُوا ذلِكَ أَمْسَكُوا سَمَكًا كَثِيرًا جِدًّا، فَصَارَتْ شَبَكَتُهُمْ تَتَخَرَّقُ. فَأَشَارُوا إِلَى شُرَكَائِهِمُ الَّذِينَ فِي السَّفِينَةِ الأُخْرَى أَنْ يَأْتُوا وَيُسَاعِدُوهُمْ. فَأَتَوْا وَمَلأُوا السَّفِينَتَيْنِ حَتَّى أَخَذَتَا فِي الْغَرَقِ” (لوقا 5: 6 – 7). إذن كان الصيادون في السفينتين شركاء؛ وكذلك كان يعقوب ويوحنا شريكين لبطرس (سمعان): “وَكَذلِكَ أَيْضًا يَعْقُوبُ وَيُوحَنَّا ابْنَا زَبَدِي اللَّذَانِ كَانَا شَرِيكَيْ سِمْعَانَ” (لوقا 5: 10).

ولأن الصيادين كانوا يدفعون للوكلاء نقدًا بالعملة، فقد كانوا مدينين على الدوام لهؤلاء الوكلاء؛ وبالإضافة إلى الوكلاء، كان الصيادون يدفعون الضريبة لجباة الضرائب. ولذلك كانت العملة مكروهة، لأنها كانت وسيلة الإخضاع وطريقة الهيمنة. وكان متَّى أحد تلاميذ المسيح جابيًا للضرائب في كفر ناحوم: “وفيما كان يسوع مارًا بالقرب من مكتب جباية الضرائب[9]، رأى جابيًا اسمه متَّى جالسًا هناك. فقال له: «اتبعني!» فقام وتبعه” (متى 9: 9). وأعتقد أن جابي الضرائب في ميناء مهم على بحر الجليل مثل كفر ناحوم سوف يجبي الضرائب من الصيادين تحديدًا[10]. فحتى متَّى جابي الضرائب الذي لم يكن صيادًا، كانت لديه صلة وثيقة بالصيادين، إذ كان يجمع منهم الضرائب. ولا يعني هذا أنه كان ينتمي إلى الطبقة المسيطرة، بل كان ينتمي إلى الريفيين وهو منهم، لأن نظام جمع الضرائب آنذاك كان يعتمد على توظيف جامعي ضرائب من أهالي المنطقة. والملاحظ استجابته السريعة الفورية لدعوة المسيح: “فقال له: «اتبعني! فقام وتبعه”!! وهي مشابهة للاستجابة السريعة الفورية للصيادين الأربعة فور أن دعاهم المسيح، إذ تركوا عملهم وتبعوه على الفور. ما السبب في هذه السرعة؟ سواء من الصيادين أو من جابي الضرائب؟ يبدو أن المنطقة كلها كانت تعاني من ضغط شديد من أنتيباس وأن الأحوال كانت سيئة للغاية، إلى درجة تفضيلهم مصاحبة واعظ متجول على الاستمرار في المهنة.

ونستطيع فهم تأثير المدينتين اللتين بناهما أنتيباس (صفورية وطبرية) على مجتمع الجليل من المؤرخ اليهودي جوزيفوس فلافيوس، إذ يذكر أن أن قرية كفر ناحوم كانت ترى مدينة طبرية عبر بحيرة الجليل[11]، كما يذكر ريتشارد هورسلي أن أغلب قرى الجليل كان يمكن رؤيتها بالعين المجردة من هاتين المدينتين[12]، ولما كانت طبرية على ساحل البحيرة وصفورية في الداخل قليلًا ووسط منطقة ريفية، فهذا يعني أن أنتيباس كان يسيطر منهما على البحيرة والمنطقة الريفية في الوقت نفسه.

الكولونيالية الرومانية وتجارة الأسماك

كانت كل الأراضي في حوض البحر المتوسط تحت سيطرة الرومان، وكانوا يتصرفون فيها بحرية وبحق الغزو، لأن الاحتلال والسيطرة العسكرية يعطيان الحق لهم في الولاية القانونية والإدارية عليها، والتصرف فيها بالطريقة التي يريدونها. وعلى هذا الأساس عين الرومان هيرودُس  الكبير ملكًا على فلسطين القديمة، وبعد وفاته قسموا مملكته على أبنائه، لا بوصفهم ملوكًا مثل أبيهم، بل بوصفهم حكامًا إقليميين، الواحد منهم كان حاكم رُبع Tetrarch، أي منطقة صغيرة تابعة لإقليم أكبر، وكان أحدهم حاكمًا على السكان فقط Ethnarch، وهي مشتقة من الكلمة اليونانية ethnos والتي تعني شعب أو قوم، وكان أرخيلاوس حاكمًا من هذا النوع، على سكان يهوذا والسامرة. ومعنى هذا أن الرومان كانوا يميزون بين الأرض وسكانها، وكان يمكن للحاكم الذي يعينوه أن يكون حاكمًا للسكان فقط، لا للأرض التي كانوا يحتفظون بولايتهم القانونية وسيطرتهم العسكرية عليها. ومن ثم كانت الأرض ومن عليها ملكًا للرومان، وبهذا الحق كانوا يعينون فيها ملوكًا وحكامًا أيًا كان نوعهم. بحيرة الجليل كانت من بين أملاك الإمبراطورية الرومانية، وأي حق أخذه أنتيباس في السيطرة على الصيد وتجارة الأسماك فيها كان يأتي من تعيين الرومان له هناك ومن ترسيمهم لحدود مملكته. وقد عزلوه بعد ذلك نتيجة لطموحاته العسكرية، ومن قبله عزلوا أخاه أرخيلاوس بسبب فشله في السيطرة على تمرد شمل كل إقليم يهوذا، ثم وضع الرومان إقليمي يهوذا والسامرة تحت إدراتهم المباشرة بتعيين حاكم روماني، وكان أشهرهم هو بيلاطس البنطي، الذي أمر بصلب المسيح حسب الأناجيل. ومن ثم فإن سيطرة أنتيباس على بحيرة الجليل كانت سلطة مشتقة من الولاية التي أعطاها له الرومان، أي كانت وفق التعبير الروماني الشهير “سلطة داخل سيادة” Imperium in imperio.

وقد درس عدد من الباحثين منهم كروسان وهورسلي وأوكمان وفينزي[13] عمليات تتجير الصيد في بحر الجليل في إطار الكولونيالية الرومانية في عصر المسيح، وتسليع عمليات صيد السمك وتحويله إلى سلعة، بعد أن كان طعام الفقراء؛ وقد اتفقوا على رصد الآثار السلبية لهذه العملية على حياة الناس في هذه المنطقة. إن الصيادين أفقر من المزارعين في هذه العصور والأماكن، لأن المُزارع يأكل من الأرض، أما الصياد فيجب عليه أن يبيع صيده ثم يبادل نقود البيع بما يحتاجه من طعام، أي عليه الدخول في معاملات نقدية، والعملة تدخل في صميم نمط العيش الذي يعيشه. الصياد على الحافة وعلى الهامش، فهو ليس مستقراً في أرض مثل المزارع، ويتردد على أماكن كثيرة يبيع فيها صيده؛ إن موقعه الاقتصادي ومن ثم الاجتماعي هو موقع بيني، وسيط، متجول. إنه هامشي وبيني في الوقت نفسه. إنه أنسب شخص لنشر دعوة. والصياد في حاجة إلى سفينة صيد، أو حتى زورق. من الذي سيصنع له الزورق؟ نجار. الصياد في حاجة إلى نجار. وكان يسوع الناصري نجاراً وأصدقاءه صيادين. إن الذي جعل الصيادين يتركون مهنتهم فوراً ويتبعون يسوع بمجرد أن دعاهم، هو أن مهنتهم لم تكن مجزية، بل كانت طاردة، إذ كانت تحت السيطرة الكولونيالية لهيرودُس  أنتيباس، الوكيل المحلي للرومان.

عندما قام هيرودُس  أتيباس ببناء عاصمة جديدة له على شاطئ بحر الجليل وهي طبرية، فقد كان الهدف منها السيطرة على عمليات الصيد في البحيرة وإدخال صناعة تجفيف الأسماء وتمليحها بهدف الاتجار بها. فبعد أن كانت البحيرة مشاعاً مشتركاً لكل السكان حولها، وبعد أن كان الصيد حقاً طبيعياً لهم، تمت خصخصة البحيرة لصالح أنتيباس وإدخال العلاقات التجارية والتسليع (اربط مع نفس الظاهرة عبر التاريخ وتحويل المشاع إلى ملكية خاصة وسلب السكان حقوقهم في المشاع سواء كان أرضاً زراعية أو غابات للأخشاب أو بحيرات للصيد. وبحر الجليل بحيرة صغيرة من السهل السيطرة عليها). كيف سيبيع الصيادون صيدهم وأنتيباس قد صار مسيطراً على عملية الصيد ومن ثم عملية البيع؟ السيطرة على البحيرة هي سيطرة على سوق الأسماك.

هل كان هدف أنتيباس بيع السمك المجفف والمملح لفقراء الجليل؟ لا. لقد كان هدفه أن يصير سلعة نقدية تباع للنخب الحضرية في حوض البحر المتوسط. لقد كان هدف أنتيباس هو أن يصير جزءاً من الاقتصاد التجاري لحوض البحر المتوسط، ولا يظل مجرد حاكم لإقليم ريفي فقير. وأن يكون جزءاً من الاقتصاد التجاري للبحر المتوسط هو أن يدخل في العالم الذي خلقته الإمبراطورية الرومانية في حوض البحر المتوسط.

لقد كانت الإمبراطورية الرومانية تقوم بما يمكن أن نسميه عولمة تجارية ومالية للبحر المتوسط، وكان أنتيباس يريد أن يكون جزءاً منها. هذه العولمة التجارية والمالية الرومانية كانت في صالح النخب الغنية والحاكمة في المدن والمراكز الحضرية حول حوض البحر المتوسط، ولذلك كانت عولمة كولونيالية، من صنع الرومان وتحت إشرافهم وباستغلال السكان. وسعى أنتيباس ليكون جزءاً منها بأن أتى بها إلى بحر الجليل وجعل أسماكه سلعة نقدية لتباع في كافة أنحاء الإمبراطورية. فكي يكون جزءاً من العولمة التجارية الرومانية للبحر المتوسط، صار عميلاً للكولونيالية الرومانية، وأحضرها بنفسه إلى بحر الجليل. لقد كان يريد أن يكون جزءاً ضرورياً ومهماً من مملكة قيصر. أما يسوع ورفاقه فبشروا بمملكة الله؛ وهي مملكة نقيضة لمملكة قيصر.

لقد كان أنتيباس يباشر مَدَّ وتوسيع الكولونيالية الرومانية إلى عمق الأراضي الفلسطينية ومناطقها الريفية. إن استقدام “مملكة قيصر” إلى فلسطين وتغييرها الجذري لحياة الناس وتدميرها لنمط معيشهم المعتاد منذ القدم هو الذي حفز على التفكير في “مملكة الله”، كمملكة نقيضة ومُنقِذة من مملكة قيصر. عندما نظر أتباع المسيح الأوائل إليه على أنه “مُخَلِّص”، فيجب أن نفهم هذا الخلاص في ذلك الإطار الاقتصادي السياسي، الذي تسيطر عليه الكولونيالية الرومانية والعولمة التجارية والمالية التي كانت تباشرها الإمبراطورية لحوض البحر المتوسط.

والدليل على أن أنتيباس كان يباشر سياسة العولمة الرومانية للجليل، أنه قام ببناء مدينتي صفورية وطبرية على النمط اليوناني – الروماني، وكان في ذلك متبعاً لسياسة أبيه هيرودُس الكبير عندما قام ببناء مدينة قيصرية على البحر المتوسط، وذلك كي تكون ميناءً هاماً في مقاطعته يستطيع منافسة الإسكندرية وأنطاكيا، وكي يشجع الرومان على التجارة معه. إنها نقطة جذب للتجارة الرومانية المتوسطية وفي الوقت نفسه دخول بفلسطين إلى مجال العولمة الرومانية للبحر المتوسط.

وفي مقابل تسليع الصيد في بحر الجليل وتحويل الأسماك إلى سلعة تجارية، نرى يسوع وهو يطعم خمسة آلاف شخص بسمكتين وخمسة أرغفة (مرقس 6: 38 – 44). لا يهمنا أن سمكتين أطعمتا خمسة آلاف، بل ما يهمنا هو التأمل في الرقمين: سمكتان، وخمسة آلاف شخص، وهذا يعني: ندرة شديدة في الأسماك، وزيادة سكانية عالية – نقص غذائي شديد. كما تعطينا هذه القصة تقابلًا نقائضيًا بين قدرة الغذاء القليل جدًا على إطعام الجمع الكبير جدًا. إن معجزة إطعام الخمسة آلاف آتية من مجتمع يعاني من شح في الغذاء وعدم كفايته لإطعام السكان، وهو وضع خلقته الكولونيالية الرومانية هناك.

إن تسليع الأسماك يعني أن الذين سيصطادون السمك لن يأكلوه بل سيذهب لآخرين، بعد المرور بتصنيع يجعله سلعة مناسبة للسفر لمسافات طويلة. الصيادون بعد أن كانوا أحراراً يعملون لإطعام أنفسهم وأسرهم، تحولوا إلى أجراء. فماذا سيحدث بعد أن يصطادوا السمك لآخرين؟ لن يأخذوا سمكاً بل سيأخذون نقوداً، ليشتروا بها احتياجاتهم الغذائية، أي سيدخلون في الاقتصاد النقدي. إن سيطرة أنتيباس على عمليات الصيد في بحر الجليل عملت على إدخال الاقتصاد النقدي إلى المنطقة، مع كل آثاره السلبية على اقتصاد الكفاف في الريف الفقير. لا عجب أن العملة والمعاملات النقدية كانت مكروهة لدى اليهود في ذلك العصر؛ وكانت إحدى معجزات المسيح هي العثور على “العملة في فم السمكة”. وبعد أن كان بحر الجليل مشاعاً لكل من حوله من القرى والسكان، تحول إلى ملكية خاصة لأنتيباس، وتم تسليع عملية الصيد فيه، فيما يشبه عملية معتادة من التراكم الأولي primitive accumulation.

وبعد أن كان الصيادون أحراراً، يستفيدون من المشاع الحر لإطعام أنفسهم وأسرهم، صاروا أُجَراء مقابل نقود. ولا نستبعد أن يشتري هؤلاء الصيادون بهذه النقود السمك الذي اصطادوه بأنفسهم، فهذا هو تأثير إدخال اقتصاد السوق والمعاملات النقدية في مجتمع ليس مستعداً لها ولم يتطور داخلياً بحيث يُنتِج من داخله شروط السوق والنقود.

ولذلك اتجه يسوع إلى الصيادين على ساحل بحر الجليل لتجنيدهم، ولبوا دعوته فوراً وتركوا كل شيء وراءهم وساروا معه في رحلته. لقد كانت المنطقة طاردة للسكان، وتعرضت للإفقار غير المسبوق في تاريخها.

وعندما يدعو يسوع إلى “مملكة الله”، فهو يرفض ضمنًا “مملكة قيصر”. إن الدعوة إلى “مملكة الله” من داخل “مملكة قيصر”، هي حركة اعتراض ورفض لمملكة قيصر، حركة ثورية في الأساس. إذ “لا يقدر أحد أن يخدم سيدين” (متى 6: 24).

من وجهة نظر اقتصادية حديثة، سيظهر تسليع بحر الجليل على أنه استثمار، تنمية، إدخال السوق الحر، إدماج المنطقة في الاقتصاد التجاري للبحر المتوسط، وهو شيء إيجابي بالنسبة للنظرة الاقتصادية الحديثة. لكن دائماً ما يأتي الاقتصاد الحر على حساب السكان، فهو حر للمستفيدين منه فقط، وهو حر لأنه يحرر السكان من مصادر غذائهم المشاعية، التي كانت هي الحرة على الحقيقة [14].

دور بحر الجليل في اقتصاد إقليم الجليل

كي نتمكن من فهم طبيعة الأحوال الاقتصادية والاجتماعية في فلسطين القديمة، علينا الاستعانة بدراسات تم إجراؤها على مجتمعات شبيهة؛ وليس لدينا أفضل من دراسات عالِم الأنثروبولوجيا السياسية جيمس سكوت James C. Scott (1936 – 2024) . درس سكوت مجتمعات جنوب شرق آسيا في عصره وعبر القرن العشرين، من منطلق أنها مجتمعات سابقة على الرأسمالية وخاضعة للكولونيالية الغربية، وهو ما يشجعنا على الاستعانة بهذه الدراسات في فهم فلسطين القديمة، التي كانت هي الأخرى سابقة على الرأسمالية وخاضعة للكولونيالية الغربية، الرومانية.

يذهب سكوت إلى أن أساس الاقتصاد القروي في جنوب شرق آسيا وغيره لم يكن مجرد الأراضي الزراعية، بل كذلك الموارد المحلية التي كانت تضمن الكفاف، والتي كانت تتضمن المراعي وغابات الأخشاب والمصايد. وكان يُنظر إلى استخدام هذه الموارد على أنها حق جماعي للقرية كلها، رغم أن الفقراء خاصة هم من كانت لهم المصلحة في الاستفادة منها[15]. وبالتطبيق على بحر الجليل، فقد كان الصيد فيه حقاً مشاعياً للقرى المحيطة به، وكان الفقراء الذين بلا أرض هم الأكثر استفادة منه. كانت أغلب رحلات يسوع التبشيرية حول بحر الجليل، وكان مركز عملياته قرية كفر ناحوم الواقعة على شاطيء البحيرة، وهو نفسه من الناصرة التي لا تبعد عن البحيرة كثيراً. وكانت مجدل كذلك على بحر الجليل، والأناجيل كذلك تذكر عدد من القرى على بحر الجليل: “جَنِّيسَارَتَ” (مرقس 6: 53؛ متى 14: 34؛ لوقا5: 1)؛ “بَيْتِ صَيْدَا” (مرقس 6: 45؛ متى 11: 21؛ لوقا 9: 10)؛ “كُورَزِينُ” (متى 11: 21؛ لوقا 10: 13). وتقول بعض الدراسات الحديثة حول الأحوال الاقتصادية لإقليم الجليل في عصر يسوع[16]، إن إنشاء هيرودُس أنتيباس لعاصمة جديدة له على ساحل بحر الجليل وهي طبرية قد غير من طبيعة اقتصاد المنطقة، إذ صارت عمليات الصيد تحت الرقابة المباشرة منه.

لقد دخل الصيد من بحر الجليل في مرحلة التسليع وصارت الأسماك من بين الاقتصاد التجاري للمنطقة. ومع دخول عمليات الصيد في بحر الجليل في اقتصاد المدن اللينستية المحيطة وتحول الثروة السمكية فيه إلى سلعة، افتقد البحر وظيفته التقليدية التي كان يقوم بها باعتبار الصيد فيه حقاً مشاعياً للقرى المحيطة به. وقد طال الفقر الصيادين فيه، الذين هم في الأصل فقراء، ولذلك توجه يسوع في بداية تبشيره إلى بحر الجليل ليجلب من هناك تلاميذ له، والملفت للنظر كما قلنا أن الذين دعاهم لبوا دعوته فوراً ولازموه في رحلاته، وتركوا الصيد تماماً، مما يشير إلى احتمال وجود إفقار للصيادين في المنطقة. هؤلاء أربعة صيادين، على بحر الجليل، تركوا الصيد ولبوا دعوة يسوع فوراً. لقد كان مجال الصيد يعاني من إفقار جعل أربعة صيادين يتركون الصيد ويتبعون يسوع. هذا الإفقار يعني انهيار قاعدة اقتصاد الكفاف التي كانت تدعم القرى المحيطة ببحر الجليل، وإفقار مجال الصيد يعني فقدان القرى الحيطة ببحر الجليل لمصدر أساسي للغذاء، ومعروف أن حق الصيد كان حقاً مشاعياً، ربما حتى الآن. لقد كان بحر الجليل جزءاً من المجال الحيوي للقرى المحيطة به وقد تعرض الصيد فيه للتسليع.

أثر النظم الكولونيالية على اقتصاد الكفاف والموارد المشاعية للريف

يقدم سكوت في دراسته واقعة هامة للغاية تمثل نموذجاً لدفاع المجتمعات الريفية عن حقها المشترك في الاستفادة من مجالها الحيوي. فمنذ القدم اعتاد الريفيون في جاوة في منطقة الرمباج على أخذ الأخشاب والفحم الحجري من الغابات القريبة. وفي أوائل القرن العشرين وأثناء الحكم الكولونيالي منع ضباط الغابات الفلاحين من قطع الأخشاب للحفاظ على منابع مياه الأنهار، وكان رد فعل الفلاحين أن أعلنوا أن “الأرض والماء والغابات حق للجميع”، وأصروا على أن ما أُخِذ منهم هو حقهم الأصيل، وواجهوا القانون الذي فرضته السلطات الكولونيالية لفترة بسيطة ولم يستطيعوا المقاومة بعد ذلك[17]. لقد كان الصيد من بحر الجليل حقاً مشاعياً مشتركاً لكل القرى والمناطق من حوله، وقد تعرض هذا الحق القديم والأصيل للتلاعب، إذ تحولت عمليات الصيد إلى عمليات تجارية ودخلت الأسماك في الاقتصاد التجاري لدولة هيرودُس أنتيباس.

كما يقدم سكوت نموذجاً آخر على فقدان المجتمعات الريفية لمصدر غذائها ومجالها المعيشي الحيوي، إذ يذهب إلى أن فقدان قرى شرق ووسط فييتنام ووسط جاوة لأراضي المشاع الخاصة بها نتيجة المصادرة أو الإيجار لأشخاص من خارج البلاد كان السبب في حركات الاحتجاج التي كانت كثيرة ومتصلة في العصر الكولونيالي في تلك المناطق، كما كانت السبب في التمرد الذي حدث في بورما سنة 1930؛ وقد منعت السلطات أهالي بورما من جمع أي شيء من الغابات حتى ولو كان خشبة لتسليك الأسنان. أما عن أثر الاستيلاء على المجال الحيوي للقرى فقد أدى إلى تمردات عديدة في فييتنام في نفس الفترة، وكانت دموية، وكان السبب فيها منع القوانين الجديدة سكان القرى من الاستخدام الحر للأخشاب في الأغراض المنزلية. وقالت التقارير إن الفلاحين يتفهمون الضريبة التي تفرضها الدولة لكن لا يفهمون تدخل الدولة في غابات القرى[18]. لكن لا يعني هذا أن الفلاحين يقبلون الضريبة التي تفرضها الدولة، إذ قاموا في مناطق عديدة من جنوب شرق آسيا بالاعتراض عليها ومقاومتها. فقد عملت السلطات الكولونيالية على تنويع الضرائب، فكانت على الرؤوس وعلى الأرض والسلع والملح والكحول والأخشاب. وكانت هذه الضرائب غير مسبوقة مما أثار امتعاض الناس. وفي مواسم الحصاد الوفير لم يكن الفلاحون يواجهون عبئاً كبيراً في دفعها، أما عند المساس بحقهم في المصادر المشاعية المشتركة قد كانوا يردون بشراسة ويتجهون إلى المقاومة والتمرد[19]. ويذهب سكوت إلى أن هذا الصدام يتماثل مع صدام شبيه حدث في أوروبا في أوائل العصر الحديث بين الاقتصاد الريفي من جهة وتدخل الدولة والاقتصاد النقدي من جهة أخرى. كل هذا يعطينا مؤشرات قوية على طبيعة الاقتصاد علاقات القوة ونسق الهيمنة في فلسطين القديمة، والتي تكاد تكون متطابقة مع الأحوال التي درسها سكوت في جنوب شرق آسيا، ففي الحالتين سيطرت قوة كولونيالية على الاقتصاد الريفي وحرمته من موارده المشاعية، مما دفع إلى حدوث اضطرابات عنيفة تنوعت بين التمرد والعصيان والثورة، واجهتها السلطات الكولونيالية بالقمع الشديد وبقتل المتمردين والثوار. ويجب أن نتذكر أن التنكيل بالسكان كان سياسة الرومان أيضًا؛ فحسب الأناجيل، صلب الحاكم الروماني بيلاطس يسوع الناصري، اعتقادًا منه أنه “ملك اليهود”، أي زعيم حركة تمرد وعصيان ضد الرومان: “فَسَأَلَهُ بِيلاَطُسُ:«أَأَنْتَ مَلِكُ الْيَهُودِ؟» فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُ:«أَنْتَ تَقُولُ»” (مرقس 15: 2).

الكولونيالية بوصفها تراكمًا أوليًا

ذهب ماركس في كتابه “رأس المال” إلى أن النشأة الأولى للنظام الرأسمالي تمثلت في ظاهرة يسميها “التراكم الأولي” Primitive Accumulation، وهي أول عملية تراكم رأسمالي حديث، وقد تمثل في تحويل أراضي المشاع والأراضي العامة إلى ملكية خاصة، في إنجلترا منذ القرن السادس عشر أولًا ثم في غيرها من البلدان الأوروبية فيما بعد، وتخصيصها كمراع للأغنام من أجل الأصواف التي كانت تحتاجها المصانع الناشئة، وهو ما يسمى بظاهرة التسييج enclosure، أي وضع سياج على أراض بهدف استبعادها من المنفعة العامة، بعد أن كانت مشاعًا لأهل الريف. ونتيجة لعزل المنتجين المباشرين عن الأرض التي هي وسيلة الإنتاج الأساسية في كل عصر، تحول هؤلاء المنتجين إلى عمال أجراء في المصانع الناشئة. إن نفس العملية التي صنعت أول تراكم رأسمالي، هي نفسها التي حولت المنتجين إلى أجراء، وهي نزع الملكية العامة والمشاعية، وعزل المنتجين عن وسائل الإنتاج. معنى هذا أن منشأ النظام الرأسمالي هو كولونيالية محلية، استعمار داخلي للأرض والسكان.

الكولونيالية الرومانية كانت تمارس نوعًا من التراكم الأولي، أي التراكم بنزع الملكية المشاعية والعامة، لصالح النخب الحاكمة، في كل حوض البحر المتوسط. ولا يمكن فهم ظهور المسيحية فهمًا علميًا إلا بناء على عمليات الكولونيالية الرومانية في حوض البحر المتوسط، لأن المسيحية كانت تنتشر في المناطق التي شهدت التراكم الكولونيالي الروماني بنزع الملكية العامة والمشاعية. كما لا يمكن فهم تاريخ يسوع الناصري دون هذه الخلفية نفسها، فهي الأساس المادي التاريخي لدعوته.

عندما نحلل وصف ماركس لعملية التراكم الأولي ونصل إلى عناصرها الأساسية، يتضح لنا مدى تشابهها مع الكولونيالية الهلينستية والرومانية في شرق المتوسط وبالأخص فلسطين. تضمنت عملية التراكم الأولي:

  • 1) خصخصة أراضي المشاع وتسليعها، أي تحويلها إلى سلعة تباع وتُشترى، ومن ثم الترحيل الإجباري لسكانها من الريفيين؛ وقد شهدت فلسطين هذه الظاهرة بوضوح، فإقامة هيرودُس أنتيباس لمدينتين في الجليل، صفورية وطبرية، جاء على خلفية ترحيل السكان الأصليين للأرض التي أقيمت عليها هاتين المدينتين، هذا بالإضافة إلى أن كل حركة عصيان أو تمرد من السكان كان يعقبها حرق قراهم وطردهم من أراضيهم واستعبادهم، أي تحويل البشر أنفسهم إلى سلعة.
  • 2) إلغاء حق الاستفادة الجماعية من أراضي المشاع، ويظهر هذا في سيطرة أنتيباس على عمليات الصيد في بحر الجليل، مما أفقر كل القرى المحيطة المعتمدة على الصيد في طعامها، مثل كفر ناحوم التي كانت نقطة ارتكاز يسوع الناصري، وكفر ناحوم ومجدل، الواقعتان على ساحل بحر الجليل، وقد اتخذ يسوع تلاميذ له من صيادين والتقاهم على شاطئ البحيرة، فذهبوا معه مباشرة وتركوا مهنتهم، دليل على الإفقار الذي عانت منه مهنة الصيد، واستعداد الصيادين للانضمام إلى حركة مقاومة اجتماعية، دينية وسياسية. والذي يجمع بين الصيادين ويسوع هو مهنته، فقد كان نجاراً، وفي الغالب كان يصنع قوارب الصيد.
  • 3) الاستيلاء الكولونيالي والإمبريالي على الموارد الطبيعية والسيطرة عليها، مثل المناجم وشبكات الري وآبار المياه، وهو الشيء الواضح تماماً في فلسطين الرومانية، وما إقامة الرومان لقنوات مائية في المنطقة سوى محاولات للسيطرة على الماء في هذه المنطقة نادرة المياه. وفي هذا السياق يحضرنا العصيان السلمي الذي قام به اليهود في مواجهة محاولة بيلاطس إنشاء قناة مائية تغذي أورشليم، والإنفاق عليها من الأموال التي استولى عليها من خزينة الهيكل التي كانت “قربان”، أي أموال صدقات.
  • 4) فرض التعاملات النقدية في التبادل، بعد أن كان  التبادل بالمقايضة المباشرة في سياق اقتصاد الكفاف الريفي؛ وفرض الجزية والضرائب نقداً، بجانب الضرائب العينية من إنتاج زراعي أو ثروة حيوانية. ويؤدي فرض التعاملات النقدية إلى تعاظم ظاهرة الديون والربا (تناول بولاني هذه الظاهرة في كتابه The Livelihood of Man[20]). أدت كل هذه الممارسات في العصر الحديث إلى ظاهرة البلترة proletarianization، أي تحول العمل إلى عمل أجير والقوة العاملة إلى بروليتاريا، أي إفقار العامل حتى لا يملك سوى قوته البدنية كي يبيعها لقاء أجر الكفاف. كما أدت إلى ظاهرة فصل المنتجين عن أدوات العمل، وتحول هذه الأدوات إلى ملكية خاصة، ومن ثم عدم استطاعة العمل البشري التحقق إلا بوساطة الملكية الخاصة. هذه الظواهر في أوروبا الحديثة تشكل بداية وأصل التراكم الرأسمالي، لكنها في العصر الروماني لم تكن جزءاً من رأسمالية ناشئة بل من نظام كولونيالي خاص بإمبراطوريات العالم القديم.

إن دراسة تاريخ يسوع الناصري من منطلق مادي تاريخي وفي إطار الكولونالية الرومانية لم يكن حكرًا على أصحاب الاتجاهات المادية التاريخية (الماركسية)، إذ نجد هذه النوعية من الدراسة لدى علماء كتابيين كبار غير محسوبين على المادية التاريخية، مثل جون دومينيك كروسان. إذ يكشف كروسان في دراساته عن نفس الإطار المادي التاريخي في دراسة المسيحية الأولى وخاصة دعوة يسوع الناصري. وهذا ما يظهر واضحاً في ذهابه إلى أنه “في التراث الكتابي فإن قيصر لم يكن مجرد قيصر ولم تكن روما مجرد روما، فقد كانت الإمبريالية الرومانية وما قامت به من عولمة متوسطية Mediterranean Globalization هي المسيرة المعتادة للحضارة في ذلك العصر وذلك المكان”[21]. كانت الإمبراطورية الرومانية إذن عولمة إمبريالية كولونيالية لحوض البحر المتوسط؛ إمبريالية بقوتها العسكرية، وكولونيالية بتنظيمها الداخلي لشبكة الطرق والمدن الهلينستية، وسيطرتها على الاقتصاد والتجارة واستغلالها للسكان المحليين، لصالح نخبتها والنخب المحلية المتعاونة معها. وهو وضع لا يختلف كثيراً عن أوضاع عصرنا.

ومثلما اعتمد يسوع على تبني الريف والقرى لتلاميذه واحتضانهم وتوفير الغذاء لهم، فقد قام بالمثل مع الجموع التي خرجت من القرى وتحلقت حوله، إذ أطعم خمسة آلاف ذهبوا وراءه إلى الخلاء، بخمسة أرغفة وسمكتين!!: “فَأَخَذَ الأَرْغِفَةَ الْخَمْسَةَ وَالسَّمَكَتَيْنِ، وَرَفَعَ نَظَرَهُ نَحْوَ السَّمَاءِ، وَبَارَكَ ثُمَّ كَسَّرَ الأَرْغِفَةَ، وَأَعْطَى تَلاَمِيذَهُ لِيُقَدِّمُوا إِلَيْهِمْ، وَقَسَّمَ السَّمَكَتَيْنِ لِلْجَمِيعِ، فَأَكَلَ الْجَمِيعُ وَشَبِعُوا.. وَكَانَ الَّذِينَ أَكَلُوا مِنَ الأَرْغِفَةِ نَحْوَ خَمْسَةِ آلاَفِ رَجُلٍ” (مرقس 6: 41 – 44). الملاحظ أن القصتين، قصة إرسال تلاميذه دون طعام ودون حقيبة طعام، وقصة إطعام الخمسة آلاف، في نفس الإصحاح من مرقس وهو الإصحاح السادس، مما يدل على المباشَرَة في عملية التساند.

خاتمة

لقد أتى يسوع الناصري من منطقة عانت من الإفقار الشديد والاضطهاد، نتيجة سيطرة النخب الغنية والحاكمة على الأراضي الزراعية وعلى عمليات الصيد وتجارة الأسماك، أي على البر والبحر، تلك النخب التي تبوأت وضعها المميز بفضل النظام الكولونيالي المدعوم بالجيش الروماني. وكانت المنطقة منقسمة طبقيًا وثقافيًا: أقلية غنية حاكمة ذات ثقافة يونانية – رومانية تسكن المدن الهلينستية، وأغلبية فقيرة تسكن الريف، لا تزال تتمسك بتراثها الديني التقليدي.

في ظل هذا الانقسام الطبقي، كان يسوع الناصري حانقًا على الأغناء: “الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ يَعْسُرُ أَنْ يَدْخُلَ غَنِيٌّ إِلَى مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ! وَأَقُولُ لَكُمْ أَيْضًا: إِنَّ مُرُورَ جَمَل مِنْ ثَقْب إِبْرَةٍ أَيْسَرُ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ غَنِيٌّ إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ” (متى 19: 23 – 24)؛ وهؤلاء الأغنياء لم يكونوا مجرد أغنياء في المطلق، بل كانوا هم الأقلية الغنية التي صنعت ثرواتها من استغلال السكان في ظل النظام الكولونيالي، وكانوا هم ووكلاءهم المحليين الذين أداروا هذا النظام الكولونيالي لتكديس الثروات على حساب شعب فقير مقهور، عانى من الأمراض الكثيرة بسبب سوء التغذية وسوء أوضاع الحياة.

وعندما نقرأ في الأناجيل أن يسوع الناصري كان يشفي المرضى، فيجب أن نفهم أن هؤلاء المرضى كانوا نتاج الاستغلال الكولونيالي؛ لقد كان يعالج آثار القهر الإمبراطوري والاستغلال المرافق له، وكان حنقه وغضبه من الأغنياء هو تجاه النخبة الحاكمة الكولونيالية والفئات المحلية المتواطئة معها: “… وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الأَغْنِيَاءُ، لأَنَّكُمْ قَدْ نِلْتُمْ عَزَاءَكُمْ. وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الشَّبَاعَى، لأَنَّكُمْ سَتَجُوعُونَ. وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الضَّاحِكُونَ الآنَ، لأَنَّكُمْ سَتَحْزَنُونَ وَتَبْكُونَ” (لوقا 6: 24 – 25). يسوع الناصري ثائر ومتمرد على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في عصره، وهي أوضاع كولونيالية صنعتها الإمبراطورية الرومانية في فلسطين القديمة.

ومن جهة أخرى، فإن معجزة العثور على “العملة في فم السمكة” هي تجاوز الدورة التجارية النقدية التي خلقتها الكولونيالية الرومانية ووكلائها المحليين (الهيرودُسيون) في إقليم الجليل، وفي كل فلسطين القديمة. إنها ليست معجزة طبيعية، بل معجزة اقتصادية سياسية؛ إنها ليست خرقًا لقوانين الطبيعة، بل هي خرق لقوانين الاقتصاد السياسي الكولونيالي الذي أسسته الإمبراطورية الرومانية في فلسطين القديمة. ولا تزال فلسطين الحديثة خاضعة لإمبريالية أخرى ووكلائها المحليين. في عصر المسيح كان الجليل خاضعًا للهيرودُسيين وكلاء الرومان، أي لوكيل كولونيالي محلي لإمبراطورية عالمية، وفي عصرنا لا يزال الخضوع لوكيل كولونيالي محلي آخر لإمبراطورية عالمية أخرى.

ظهر يسوع الناصري وسط الأزمة الاقتصادية والمعيشية التي كان يعيشها فقراء الصيادين حول بحر الجليل. ولذلك انطلق أربعة صيادين مع يسوع فوراً ودون نقاش، للتبشير بمملكة الله، بعد أن سيطرت مملكة قيصر ووكيله أنتيباس على معاشهم وبحيرتهم. “مملكة الله” هي مملكة نقيضة لمملكة قيصر؛ إنها مملكة مضادة… مملكة مقاوِمة للممالك الأرضية، هي ثورة على ممالك الأرض.

لكن كيف ستكون “مملكة الله” وفق فهم يسوع ومعاصريه لها ووفق ظروف معيشتهم ووضعهم الاقتصادي؟ لاشك أنها ستكون هي حق الجميع في الحياة مما توفره الطبيعة من خيراتها، دون احتكار ودون تسليع ودون تتجير؛ “مملكة الله” هي العيش من رزق الله الذي منحه للجميع، مجاناً، مفتوحاً وحراً من أي سيطرة؛ “مملكة الله” هي الحق في الاستفادة من كل ما خلقه الله من أرض وبحر، في حرية ودون سيطرة من أحد؛ “مملكة الله” هي المشاع المشترك the Common، المجال الحيوي لحياة الناس.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر والمراجع:

[1]) ولأن بحيرة طبرية تسمى في الأناجيل “بحر الجليل”، فسوف نستخدم هذا الاسم في هذه الدراسة، تسهيلًا على القارئ تتبع نصوص الأناجيل التي وردت فيها هذه التسمية.

[2]) https://www.palestineremembered.com/Tiberias/al-Majdal/ar/index.html

[3]) K. C. Hanson and Douglas E. Oakman. Palestine in the Time of Jesus: Social Structures and Social Conflicts. (Minneapolis: Fortress Press, 1998), pp. 106 – 110.

[4]) Seán Freyne. The Jesus Movement and Its Expansion: Meaning and Mission. (Grand Rapids, Michigan: William B. Eerdmans Publishing Company, 2014), p. 95, 195; Freyne. Jesus, a Jewish Galilean: A New Reading of the Jesus Story. (London: T & T Clark, 2004), p. 52 – 53.

[5]) Raimo Hakola. “The Production and Trade of Fish as Source of Economic Growth in the First Century CE Galilee: Galilean Economy Reexamined”, Novum Testamentum 59, 2 (2017): 111-130.

[6] ) في نقد هذه الرؤية الرأسمالية المشوهة لعمليات الصيد في عصر المسيح، انظر:

Robert J. Myles, “Fishing for Entrepreneurs in the Sea of Galilee? Unmasking Neoliberal Ideology in Biblical Interpretation,” in Robert J. Myles (ed), Class Struggle in the New Testament. (Lanham, Lexington Books/Fortress Academic, 2019), 115-138; James G. Crossley. Jesus in an Age of Neoliberalism: Quests, Scholarship and Ideology. (London: Routledge, 2014).

[7]) K. C. Hanson, “The Galilean Fishing Economy and the Jesus Tradition”; Biblical Theology Bulletin 27 (1997) 99-111

[8]) Douglas E. Oakman. The Political Aims of Jesus. (Minneapolis: Fortress Press, 2012), pp. 55 – 56.

[9]) إن عبارة “مكتب جباية الضرائب” هي ترجمة كتاب الحياة، وفي ترجمة سميث وفان دايك “مَكَانِ الْجِبَايَةِ”، في ترجمة الأخبار السارة “بيت الجباية”. وعبر اختلاف الترجمات، فإن كلمات “مكتب” و”مكان” و”بيت” تشير كلها إلى مكان معين مخصص لجباية الضرائب.

[10]) أشار مايلز إلى هذه النقطة: Myles, “Fishing for Entrepreneurs in the Sea of Galilee?”, p. 128.

[11]) Josephus Flavius. Jewish Antiquities, 18. 36 – 38, cited in Myles, p. 128.

[12]) Richard A. Horsley, Jesus and the Politics of Roman Palestine (Columbia: University of South Carolina Press, 2013), 33.

[13]) Richard A. Horsley and Neil Asher Silberman. The Message and the Kingdom: How Jesus and Paul Ignited a Revolution and Transformed the Ancient World. (Minneapolis: Fortress Press, 2002); Douglas E. Oakman. The Political Aims of Jesus. (Minneapolis: Fortress Press, 2012); David A. Fiensy and Ralph K. Hawkins. The Galilean Economy in the Time of Jesus. (Atlanta, Georgia: Society of Biblical Literature, 2013).

[14]) يتحدث كروسان عن حركة كان يمكن أن تنشأ في هذه الأثناء، شبيهة بحركة “احتلوا وول ستريت”، وربما تكون “احتلوا البحيرة”  Occupy the Lake.

https://www.youtube.com/watch?v=urgGbFyvdbI. Accessed 12/9/2023.

[15]) Scott, J. C. (1977). Protest and Profanation, Part II, p. 215.

[16]) Richard A. Horsley and Neil Asher Silberman. The Message and the Kingdom: How Jesus and Paul Ignited a Revolution and Transformed the Ancient World. (Minneapolis: Fortress Press, 2002); Douglas E. Oakman. The Political Aims of Jesus. (Minneapolis: Fortress Press, 2012); David A. Fiensy and Ralph K. Hawkins. The Galilean Economy in the Time of Jesus. (Atlanta, Georgia: Society of Biblical Literature, 2013).

[17]) Scott, J. C. (1977). Protest and Profanation, Part II, p. 215 – 216.

[18]) Scott, J. C. (1977). Protest and Profanation, Part II, p. 216.

[19]) Scott, J. C. (1977). Protest and Profanation, Part II, p. 217.

[20]) Karl Polanyi. The Livelihood of Man. (New York: Academic Press, 1977).

[21]) Crossan. Render Unto Caesar, p. 279.

    اقرأ ايضا

    المزيد من المقالات

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete