تكوين
الجزء الثالث: البناء الاجتماعي-الطبقي، ونسق السلطة، وحركات المقاومة
مقدمة
في الجزأين السابقين من هذه الدراسة، والتي تنتمي إلى حقل دراسات يسوع التاريخي The Historical Jesus، تناولنا علاقة دعوة يسوع الناصري بالسياق الكولونيالي الروماني على مستويين: المستوى الأول هو ما يمكن أن نطلق عليه “الديموغرافيا الكولونيالية”، أي كيفية خلق الاحتلال الروماني وأعوانه ووكلاءه لجغرافية المكان وتوزيع السكان فيه، مما نتج عنه تقسيم كولونيالي للأرض والسكان إلى ريف فلسطيني فقير وتابع، ومدن هلينستية حاكمة ومسيطرة. والمستوى الثاني تناولنا فيه أثر سيطرة هيرود أنتيباس على بحيرة طبرية (بحر الجليل) على عمليات الصيد وتجارة الأسماك في إفقار السكان وتبعيتهم لنظام التجارة المتوسطية للأسماك، والتي أدخلت المنطقة فيما أطلقنا عليه عولمة متوسطية كانت في خدمة الرومان والطبقات الغنية والحاكمة المستفيدة منهم والمحتمية بهم، ورصدنا كيف كانت هذه الأوضاع هي السياق الاجتماعي والاقتصادي الذي نبعت منه دعوة يسوع الناصري، وكيف كانت هذه الدعوة رد فعل واستجابة لهذه الأوضاع.
وفي هذا الجزء من السلسلة نستكمل أثر التقسيم الديموغرافي الكولونيالي في البناء الاجتماعي في فلسطين القديمة، والذي شهد انقسامًا طبقيًا حادًّا بين أقلية حاكمة ذات ثقافة هلينستية مرتبطة بالاحتلال الروماني، وأغلبية ساحقة ومسحوقة تمسكت بتراثها العبراني. وقد كانت مؤسسة الهيكل في أورشليم جزءًا من نسق السلطة الحاكمة، إذ كانت تقوم بمهام الإدارة بالوكالة عن الرومان في أورشليم وكل إقليم يهوذا (الضفة الغربية الآن). وعلى أساس طبيعة المجتمع وانقساماته الطبقية وعلاقاته بالسلطة الحاكمة، نشأت حركات مقاومة، وهي حركات طبيعية تنشأ تلقائيًا كرد فعل على أي نظام كولونيالي وأعوانه في الداخل. ويكشف خطاب يسوع الناصري عن تحديه لنسق السلطة القائم وللبناء الاجتماعي السائد وما فيه من انقسام طبقي، وإذا أردنا وضعه على الخريطة السياسية والاجتماعية في عصره، سنجد أنه يقف في طرف المقاومة، وكانت نهايته حسب الأناجيل على صليب روماني، وهي نهاية كل من يقف في وجه سلطات الاحتلال وأعوانها في كل عصر وفي كل مكان. ولم يكن السياق الكولونيالي الذي عاشه يسوع الناصري شارطًا لخطابه الذي امتلأ بالتحدي والمواجهة والثورة وحسب، بل كان فوق ذلك عاملًا مهمًا في تشكيل شخصيته وطباعه، كما سنرى.
التجانس الاجتماعي في المجتمعات الريفية
قلنا في الجزء الثاني من هذه الدراسة إن دعوة يسوع الناصري كانت مقصورة على الريف الفلسطيني، وسكانه من الفقراء والمساكين، أو الذين صاروا فقراء ومساكين من جراء السياسات الكولونيالية للنخب الحاكمة. وأشرنا إلى أنه تجنب عن قصد دخول المدن رغم امتلاء فلسطين بها، والمدينة الوحيدة التي دخلها هي التي صُلِب فيها، أورشليم، حسب الأناجيل. ولما كانت ثنائية الريف والمدينة سائدة في عصر يسوع الناصري وشارطة لطبيعة عصره ولأغلب الأحداث فيه، فسوف نستعين في هذا الجزء من الدراسة بأعمال عالم الأنثروبولوجيا السياسية جيمس سكوت (1936 – 2024)، التي درس فيها المجتمعات الريفية في عصره، وخاصة في جنوب شرق آسيا[1]، لنأخذ منها أُطُرًا نظرية وموجهات لفهم فلسطين في القرن الأول الميلادي، إذ بين المنطقتين تشابهات عديدة رغم الفاصل الزمني الكبير بينهما. لقد كان سكوت يدرس جنوب شرق آسيا في المرحلة التالية مباشرة على التحرر من الاستعمار، أي الفترة من الخمسينيات إلى السبعينيات، ولم تكن المنطقة قد تركت بعد تاريخها الكولونيالي، إذ ظلت آثار الكولونيالية حاضرة في الفترة التي درسها سكوت. ولما كانت فلسطين في عصر يسوع الناصري خاضعة لنظام كولونيالي أيضًا، فإن دراسات سكوت مناسبة للمساعدة في فهم فلسطين “الرومانية”.
لنتعرف على خصائص المجتمع الريفي الذي درسه سكوت، فهو قريب من المجتمع الريفي الفلسطيني الذي عاش فيه يسوع ونشر فيه تعاليمه، فهذه الخصائص مشتركة وواحدة ومتشابهة في كل المجتمعات الريفية السابقة على الرأسمالية والخاضعة لأنظمة كولونيالية. هذه الخصائص هي التي تشكل البنية التحتية لدعوة يسوع وتعاليمه، وهي بنية تحتية بمعنى أنها مُنتِجة وشارِطة لخطاب يسوع، وبمعنى أنها تشكل مجال استقبال الخطاب وحقله الدلالي، أي حقله الذي يكون الخطاب ذا معنى داخله وفي سياقه.
يذهب سكوت إلى أن القاعدة الحياتية existential base[2] للحياة الريفية تعمل على تجانس المجتمع الريفي وتوحيد أنماط الثقافة فيه. ذلك لأن الحياة الريفية كلها تشترك في بعض الخصائص، إذ يحكمها اقتصاد الكفاف، وكلها تشترك في زراعة نفس المحاصيل، وتواجه نفس الظروف المناخية، وتواجه سلطة سياسية متطابقة في مطالبها الاقتصادية، وبذلك كانت أكثر تجانساً[3]. وبالتالي فعندما نرى يسوع الناصري وهو يتجول في كل فلسطين (الجليل ويهوذا) والأقاليم المجاورة لها (المدن العشر والجولان ونواحي قيصرية فيليبي ونواحي صور وصيدا في فينيقيا)، فقد كان يتجول في مناطق ريفية متشابهة ومتجانسة. عملت الكولونيالية الهلينستية ثم الرومانية على خلق مدن كانت في حقيقتها مستعمرات استيطانية، قسَّمت المناطق التي زُرِعَت فيها وقطعت أوصال الريف، وكانت كل مدينة حاكمة على الإقليم الريفي التابع لها، وهي ثنائية المدينة والكورة polis/ chora التي سبق أن تناولناها في الجزء الأول من هذه الدراسة، والتي تناولها سانت كروا بتوسع[4]. وبذلك خلق الحكم السِلوقي ومن بعده الحكم الروماني وضعاً كولونيالياً في شرق المتوسط وخاصة سوريا الكبرى، تكون فيه المدينة الهلينستية مستوطنة كولونيالية شبه عسكرية، والريف خاضع لها؛ والذي يجعلني أقول إنها شبه عسكرية، أن نسبة من سكانها كانت جنودًا مُسرَّحين من الجيش الروماني بعد انتهاء خدمتهم (وهو وضع شبيه بحال فلسطين الآن تحت الاحتلال الاستيطاني الصهيوني). وإزاء هذا الوضع فإن نشر يسوع دعوته وحركته في المناطق الريفية وتجنبه للمدن كان يهدف تدعيم المجتمعات الريفية وإيصالها ببعضها بعد تقسيمها الكولونيالي، عن طريق تعاليم تستعيد لسكان الريف كرامتهم وتقويهم معنوياً وأخلاقياً، وتمكنهم من المقاومة. هنا يصير السمو الأخلاقي بديلاً عن المجد السياسي والعسكري. فلما كان الريف الفلسطيني مُقسَّماً وقطعته النظم الكولونيالية إرباً، فلم يكن من الممكن إعادة توحيده إلا على أساس أخلاقي، وهذا الأساس كان هو دعوة يسوع الناصري. هذا هو الاقتصاد الأخلاقي moral economy الذي يتمسك به الريف في مواجهة عمليات محو الهوية وإهدار الكرامة التي تمارسها النظم الكولونيالية.
المشترك المشاعي القروي
إن الوضع الكولونيالي للريف الفلسطيني في عصر يسوع ومن قبله تحت الحكم الأجنبي، البابلي والآشوري والفارسي واليوناني والروماني، لم يكن هو الوضع الطبيعي والأصلي للريف. فكيف كان هذا الوضع؟ كان هو ما أسماه علماء الاقتصاد السياسي “المشترك المشاعي القروي” village commune، حيث تكون ملكية الأرض مشتركة بين كل القرية، والعمل مشترك، وتوزيع العمل وتقسيمه مشترك. كل القرية كانت تمتلك على نحو جماعي الأرض التي تزرعها على نحو جماعي والتي يتوزع إنتاجها على نحو جماعي. كانت كل قرية وحدة إنتاجية مكتفية بذاتها، تحكم ذاتها بذاتها وتحل مشكلاتها بنفسها؛ مجتمعاً متكاملاً قائماً بذاته ويدعم نفسه بنفسه. لقد كانت القرية القديمة “كوميونة” commune بالتعبير الاقتصادي السياسي. أما عندما خضعت المنطقة لإمبراطوريات أجنبية، وبعد زرع مدن هلينستية فيها بعد غزوات الإسكندر الأكبر على يد السلوقيين، ثم الرومان، فقد تم إخضاع الريف للمدينة الكولونيالية، وصار الريف تابعاً للمدينة، اقتصادياً وسياسياً. ووجود مدينة كولونيالية بالقرب من قرية سوف يفرض على هذه القرية أعمالاً إجبارية، سخرة، فسوف يتم جلب عمالة من القرى للعمل في المدينة وفي أبنيتها الضخمة من معابد ومسارح وساحات عامة وقصور وبيوت فخمة للنخب الحاكمة. يسوع الناصري كان نجاراً، والمرجح أنه عمل في هذه المدن لبعض الوقت، خاصة في مدينة صفورية التي كانت تبعد ثلاثة أميال عن قرية الناصرة. هذا بالإضافة إلى أن وجود المدن في المنطقة استلزم شبكة من الطرق للربط بينها، وقد اشتهرت الإمبراطورية الرومانية بإقامة الطرق، الطويلة جداً والفسيحة. ولن يجد الرومان سوى سكان القرى لإنشاء هذه المدن، كما قلنا في دراستنا السابقة عن عمالة السخرة في الطرق الرومانية في فلسطين القديمة.
ولأن الريف بطبيعته كان منذ القِدَم وحدة إنتاجية مكتفية بذاتها ومستقلة بذاتها وحاكمة لذاتها، فلم يكن أبداً في حاجة لمن يحكمه، ولم يكن في حاجة إلى سلطة مركزية تسكن بعيدة عنه تسيطر عليه عن بعدٍ، لأنه هو المركز لنفسه. ولما كان اقتصاده هو اقتصاد الكفاف والاكتفاء الذاتي، فقد كان لاحاكمياً بطبيعته anarchist، رافضاً لأي سلطة مركزية بعيدة عنه، مستعصياً على الاندراج في دولة. ولذلك نرى يسوع يواجه كل مراتب السلطة في عصره، من فريسيين وهيروديين وكتبة وكهنة، وصولًا إلى رئيس الكهنة. لكن عندما تظهر دولة قوية في يدها وسائل قمعية وأدوات قهر، يستكين الريف إليها ويحاول التوافق معها، لا خضوعاً لها بل كمحاولة منه لتجنب المواجهة التي يمكن أن تقضي عليه بالكامل. فإذا كانت السلطة الحاكمة تريد جزية، إذن “اعطوا ما لقيصر لقيصر”.
اقتصاد الكفاف
يذهب سكوت إلى أن الشاغل الأساسي للمجتمعات الريفية هو توفير الحد الأدنى الضروري للحياة، أي الكفاف، وهو ما يتطلب من المجتمع الريفي أرضاً زراعية كافية ومراعيَ لماشيته، مملوكة على نحو مشترك من القرية كلها، لأن توفير الغذاء هو الشأن الأساسي للقرية كلها لا لكل فرد على حدة. فإنتاج الغذاء الضروري هو العمل الأساسي للمجتمعات الريفية، وأقول إن هذا ما يجعل وسائل إنتاج هذا الغذاء الضروري ضرورية هي الأخرى. وتقول لنا دراسات الاقتصاد الريفي السابق على العصر الصناعي والرأسمالية إن وسائل إنتاج الغذاء هذه يجب أن تظل ملكية مشاعية وألا تدخل فيها الملكية الخاصة والعلاقات التجارية commercialization والتسليع commodification (اربط مع بولاني ودراسات التراكم الأصلي)؛ وأي دخول للملكية الخاصة وللتسليع إلى هذا المجال الحيوي الضروري لاقتصاد الكفاف الريفي يدمره. يقول يسوع الناصري في الصلاة الربانية: “خُبْزَنَا كَفَافَنَا أَعْطِنَا الْيَوْمَ” (متى 6: 11)؛ والمدهش أن تشير العبارة إلى اقتصاد الكفاف بوضوح شديد بذكرها للكفاف: “كفافنا”. وتعني “أعطنا اليوم”، أي اعطنا على قدر حاجتنا في يومنا، أي أمِّن لنا غذاءنا اليومي. وهو ما تؤكده العبارة في إنجيل لوقا: “خُبْزَنَا كَفَافَنَا أَعْطِنَا كُلَّ يَوْمٍ” (لوقا 11: 3). لا يتوجه الناس إلى الله كي يوفر لهم الحد الأدنى الضروري من غذائهم اليومي إلا عندما يتعرض اقتصاد الكفاف لديهم إلى التهديد، وينهار المجال الحيوي الضروري لإنتاج غذائهم، أي فقدان الأرض الزراعية والمرعى، وقد كان هذا هو حال فلسطين “الرومانية” في عصر يسوع، كما هو حالها الآن. لقد خضعت فلسطين في عصر يسوع للكولونيالية الرومانية ووكلائها المحليين. فعندما يتحول الريف الزراعي والرعوي إلى “كورة” تابعة لمدينة حاكمة ومسيطرة ومستغلة، ينهار المجال الحيوي للريف، إذ يتحول من مجال حيوي living space/ lebensraum إلى تابع كولونيالي لمدينة هلينستية chora.
ويتضمن اقتصاد الكفاف عنصرين أساسيين. الأول هو حق كل فرد وكل أسرة في أن تكفله القرية كلها بمواردها المشتركة، كي تضمن له الحد الأدنى الضروري للحياة. والثاني هو حق المجتمع القروي كله في موارده التي يسد بها حاجاته الأساسية من أرض زراعية ومراعي وأخشاب من الغابات. فالضروري لاقتصاد الكفاف هو ذلك المجال الحيوي لحياته. وقد ظهر هذان العنصران في أقوال يسوع، إذ أكد على قيمة التكافل: “اِسْأَلُوا تُعْطَوْا. اُطْلُبُوا تَجِدُوا. اِقْرَعُوا يُفْتَحْ لَكُمْ. لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَسْأَلُ يَأْخُذُ، وَمَنْ يَطْلُبُ يَجِدُ، وَمَنْ يَقْرَعُ يُفْتَحُ لَهُ. أَمْ أَيُّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ إِذَا سَأَلَهُ ابْنُهُ خُبْزًا، يُعْطِيهِ حَجَرًا؟ وَإِنْ سَأَلَهُ سَمَكَةً، يُعْطِيهِ حَيَّةً؟.. فَكُلُّ مَا تُرِيدُونَ أَنْ يَفْعَلَ النَّاسُ بِكُمُ افْعَلُوا هكَذَا أَنْتُمْ أَيْضًا بِهِمْ، لأَنَّ هذَا هُوَ النَّامُوسُ وَالأَنْبِيَاءُ” (متى 7: 7 – 10، 13). وتعني العبارة الأخيرة “لأَنَّ هذَا هُوَ النَّامُوسُ وَالأَنْبِيَاءُ”، أن التكافل الاجتماعي والمساعدة المتبادلة بين الناس هي أساس الشريعة، الناموس، وجوهر دعوة الأنبياء. أما عن حق المجتمع القروي في كل موارده التي يسد بها حاجاته الضرورية، فإن أصداء ذلك نجدها في تبشير يسوع بسنة الغفران، وهي السنة السابعة التي تُلغى فيها الديون ويتحرر العبيد الذين استعبدوا من أجل ديونهم وتفك رهونات الأراضي وتعود إلى أصحابها. وقد ارتطبت سنة الغفران في المخيلة اليهودية بأرض الميعاد التي أعطاها الله لبني إسرائيل في العموم وعلى نحو مشترك. نرى هنا كيف أن القيم والأخلاق التي دعا إليها يسوع الناصري تسير عكس اتجاه حركة التسليع والاقتصاد التجاري الذي كان يسيطر على فلسطين في عصره من جراء الكولونيالية الرومانية. ففي مقابل اقتصاد السوق الذي تسيطر عليه المصلحة الشخصية، يدعو يسوع إلى قيم التكافل. وهذا الحال في خطوطه العريضة هو ما أطلق عليه سكوت “الاقتصاد الأخلاقي للريفيين”.
خصائص المجتمعات الريفية حسب جيمس سكوت
يستشهد سكوت بدراسة أجراها كارتوديرجو للمجتمعات الريفية في جاوة، رصد فيها نمو النزعات الراديكالية هناك، وقد كتب فقرة في غاية الأهمية نثبتها هنا لدلالتها في فهم طبيعة المجتمع الريفي الفلسطيني في عصر يسوع في القرن الأول الميلادي. يقول كارتوديرجو: “على الرغم من أن المجتمعات الريفية المحلية لم تكن معزولة عن المجتمع الكبير، إلا أنها احتفظت وبتصميم عنيد بهويتها المرتبطة بالأرض وبعباداتها القروية القديمة.. وعلاوة على ذلك فإن قيم القرية المركزية مثل التعاون والمساعدة المتبادلة كان يُعلَى من شأنها كثيراً لأنها كانت تُمَكِّن المجتمعات الريفية من أن تعمل باعتبارها وحدات متكاملة مكتفية بذاتها دون حاجتها إلى أي شيء خارجها”[5].
ومن ثم فإن الوضع الأصلي للريف هو الاستقلال والحكم الذاتي والاكتفاء الذاتي الاقتصادي. قضت الكولونيالية الرومانية على هذه الحالة الأصلية في الريف الفلسطيني، وقطعته إلى أجزاء صغيرة منعزلة، وكل جزء تابع لمدينة هلينستية حاكمة، حركة يسوع الناصري هي رد فعل على هذا التقسيم الكولونيالي للريف الفلسطيني. هذه الحركة مشروطة بالوضع الكولونيالي، وهي نتاج له.
ويذهب سكوت إلى أن المجتمعات الريفية تكشف عن ثلاثة أشكال من الفعل والتوجه تجعلها مكتفية بذاتها إلى درجة أنها تبدو مغلقة على ذاتها في نزعة محلية localism، وهو الانطباع الذي يظهر دوماً لأي مراقب خارجي لها. الشكل الأول هو أن المجتمع الريفي هو نسق مغلق ومكتف بذاته، وهو مرجعية ذاته من حيث الفعل والمكانة والتأثير والسلطة، بمعنى أن المجتمع الريفي هو مصدر كل هذه العناصر وليس في حاجة إلى شيء آخر خارجه يستمد منه توجهات الفعل ورموز المكانة، وتأثير الجماعة فيه داخله، والسلطة فيه داخلية، فهي سلطة الأب على الأبناء وسلطة الزوج وشيخ القبيلة. وبذلك يبدو المجتمع الريفي كما لو أنه معزول عن العالم الخارجي. والشكل الثاني هو أنه يشكل مجالاً حصرياً للإدراك والمعلومات، أي مرجعية بالمعنى السياسي، المختلف تماماً عن المجتمع الخارجي الكبير. والشكل الثالث هو أنه وحدة من الإلزام الأخلاقي والواجبات الاجتماعية، ويحوي في داخله معاييره الخاصة وقيمه ومحكاته في الحكم على أفراده. وبذلك يعمل المجتمع الريفي على حماية نفسه من العوامل الخارجية، وخاصة من النخب المدينية الخارجية إذا ما حاولت السيطرة عليه[6].
وإذا أردنا فهم المجتمع الفلسطيني في عصر يسوع في القرن الأول الميلادي بناءً على هذا التنظير والتوصيف الذي أجراه سكوت من دراسته لريف جنوب شرق آسيا في القرن العشرين، فإن أول ما يجب على الباحث القيام به هو التأكد من أن ما ينطبق على الريف الماليزي في القرن العشرين ينطبق على الريف الفلسطيني في القرن الأول. وهو ينطبق بالفعل، لأسباب كثيرة، منها ثبات أسلوب الإنتاج في الريف على مدى آلاف السنين، وتطابق طرائق الحياة، والاشتراك في مواجهة قوة كولونيالية، وهي الاستعمار الأوروبي في حالة جنوب شرق آسيا، والكولونيالية اليونانية – الرومانية في فلسطين القديمة.
كل ما قاله سكوت عن ريف جنوب شرق آسيا ينطبق على الريف الفلسطيني في العصر اليوناني – الروماني. فالشكل الأول وهو أنه نسق مغلق من التأثير والمكانة والسلطة، يظهر في تصور يسوع عن مملكة الله، وأنها داخل كل إنسان وكل الناس، فمملكة الله داخلية: “لاَ يَأْتِي مَلَكُوتُ اللهِ بِمُرَاقَبَةٍ، وَلاَ يَقُولُونَ: هُوَذَا ههُنَا، أَوْ: هُوَذَا هُنَاكَ! لأَنْ هَا مَلَكُوتُ اللهِ دَاخِلَكُمْ” (لوقا 17: 20 – 21). أي لا تنتظروا أن يأتي ملكوت الله من تلقاء نفسه وتظلوا تراقبون مجيئه، وهو ليس في مكان ما تذهبون إليه، وليس في زمان ما تنتظرونه، لأنه “داخلكم”، فأنتم الذين ستحققونه بأنفسهم، وستحققونه فيكم، أي بينكم، في مجتمعكم. هذه هي الحصرية التي تكلم عنها سكوت والآتية من أن المجتمع في الريف يشكل نسقاً مغلقاً مكتفياً بذاته.
وهذا أيضاً يعني أنه لا صحة للقول بأن مملكة الله في السماء، وهو التفسير الخاطئ لقول يسوع لبيلاطس: “مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هذَا الْعَالَمِ. لَوْ كَانَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هذَا الْعَالَمِ، لَكَانَ خُدَّامِي يُجَاهِدُونَ لِكَيْ لاَ أُسَلَّمَ إِلَى الْيَهُودِ. وَلكِنِ الآنَ لَيْسَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هُنَا” (يوحنا 18: 36). منطوق عبارة يسوع هو “مملكتي ليست من هذا العالم”، وهذا صحيح، إنها ليست “من” هذا العالم، لكنها “في” هذا العالم. المقصود بالعبارة أن المملكة التي يدعو إليها لن تتحقق بوسائل هذا العالم، أي بالقوة. لو كانت مملكة من هذا العالم، مثل ممالك العالم المؤسسة بالقوة العسكرية والقهر، لكان يسوع على رأس جيش مقاتل ولكان أتباعه حموه من أن يُسلَّم: “أَتَظُنُّ أَنِّي لاَ أَسْتَطِيعُ الآنَ أَنْ أَطْلُبَ إِلَى أَبِي فَيُقَدِّمَ لِي أَكْثَرَ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ جَيْشًا مِنَ الْمَلاَئِكَةِ؟” (متى 26: 53). ويجب أن ننتبه إلى أن يسوع يقول هذا الكلام لبيلاطس، الحاكم الروماني. إنه يقول لبيلاطس “مملكتي ليست من هذا العالم” مثل مملكتك. الإمبراطورية الرومانية هي مملكة هذا العالم، وصنعت بوسائل هذا العالم، بالقهر والقوة العسكرية، لكن “مملكتي” ليست مثل “مملكتك”. إن استخدام يسوع لكلمة “مملكتي” يحيل مباشرة إلى مملكة بيلاطس التي يمثلها في فلسطين. إنها مواجهة بين “مملكتي” و”مملكتك”. الخلاصة أن مملكة الله ليست “من” هذا العالم لكنها “في” هذا العالم، ولا تعني العبارة أبداً أنها مملكة في السماء. فما الذي سيستفيده البشر من أن تكون مملكة الله في السماء؟ هل ينتظرون الموت للحصول عليها في عالم آخر؟ إنها بذلك بغير فائدة لهم على الأرض في حياتهم الدنيا. مملكة الله حسب يسوع الناصري ستكون على الأرض، مثلما يظهر في صلاة الرب: “أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ. لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ. لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ كَمَا فِي السَّمَاءِ كَذلِكَ عَلَى الأَرْضِ” (متى 6: 9 – 10).
أما بالنسبة إلى نظرة سكوت لخاصية الاكتفاء الذاتي للمجتمع الريفي من حيث إنها تعبر عن نزعة محلية localism، فإذا أنزلنا هذا التوصيف على يسوع الناصري ودعوته فسوف نجد اتفاقات واختلافات معاً. نبدأ بالاختلافات. لم تكن دعوة يسوع محلية، بل كانت عامة شاملة، لكن للريف الفلسطيني وحده، إذ تجنب دخول المدن، وتوسع بها إلى خارج حدود فلسطين التاريخية، إلى فينيقيا (لبنان الحالية) عندما ذهب إلى نواحي صور وصيدا، وإلى سوريا عندما ذهب إلى نواحي قيصرية فيليبي، وإلى شرق الأردن عندما ذهب إلى المدن العشر. لكنه قصر دعوته على “الكورة” أو الريف واستبعد “المدينة”؛ وهذا هو معنى قوله: “إِلَى طَرِيقِ أُمَمٍ لاَ تَمْضُوا، وَإِلَى مَدِينَةٍ لِلسَّامِرِيِّينَ لاَ تَدْخُلُوا. بَلِ اذْهَبُوا بِالْحَرِيِّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ” (متى 10: 5). لكن يسوع الذي تجنب المدن تم صلبه في مدينة، هي أورشليم حسب الأناجيل.
وبالنظر إلى أن الخاصية الطبيعية للقرية هي الانعزالية والمحلية، فقد واجه يسوع هذه الطبيعة بأن حاول ربط الريف الفلسطيني ببعضه بعد أن قسمته الكولونيالية اليونانية – الرومانية إلى مقاطعات وفق ثنائية “المدينة – الكورة”، إنه يصل ما فصله النظام الكولونيالي الروماني في عصره. فطالما ظل الريف الفلسطيني مقطعاً ومعزولاً عن بعضه البعض وتابعاً للمدن الهلينسية الكبيرة، ظل ضعيفاً، مثلما يفعل الاحتلال الصهيوني الآن بالضبط وفي المكان نفسه. انظر إلى خريطة المستوطنات الإسرائيلية في فلسطين وستجدها قطعت الأرض الفلسطينية أجزاء صغيرة محاطة بأسوار عالية حتى صارت “أرضًا خواء” Hollow Land[7]، وكان هذا شبيهاً بما فعلته الكولونيالية الرومانية في فلسطين وغيرها في عصر يسوع. لقد كان يسوع يسعى إلى تمكين الناس في الريف الفقير المضطهد، وتقويتهم معنوياً وأخلاقياً وإعطائهم الأمل والإحساس بالكرامة كي يستطيعوا الاستمرار في الحياة والمقاومة. ليس شرطاً في المقاومة أن تكون مواجهة عنيفة مسلحة مع السلطة، بل يمكن أن تكون تقويةً وتمكيناً للمجتمعات المضطهدة. يمكنك أن تقاوم السلطة بمواجهتها بالعنف المسلح، ويمكنك أيضاً أن تواجهها بعلاج آثارها السلبية على الناس وتمكينهم من الاستمرار والبقاء في الحياة.
ومن بين خصائص المجتمعات الريفية حسب سكوت، والنابعة من اكتفائها الذاتي على مستوى الحكم الذاتي وكون السلطة فيها محايثة لا خارجية، أننا نجد بها “تفضيلاً قوياً لحل النزاعات بطرق غير رسمية وتجنب التقاضي والذي يمكن أن يجلب معه تدخلاً من أطراف خارجية”[8]. وقد عبرت دعوة يسوع عن ذلك بدقة وبصراحة، فقد نصح الناس بحل مشاكلهم ونزاعاتهم فيما بينهم وعدم اللجوء إلى التقاضي: “كُنْ مُرَاضِيًا لِخَصْمِكَ سَرِيعًا مَا دُمْتَ مَعَهُ فِي الطَّرِيقِ، لِئَلاَّ يُسَلِّمَكَ الْخَصْمُ إِلَى الْقَاضِي، وَيُسَلِّمَكَ الْقَاضِي إِلَى الشُّرَطِيِّ، فَتُلْقَى فِي السِّجْنِ” (متى 5: 25). الهدف هو تجنب “القاضي” و”الشرطي” و”السجن”،أي تجنب النظام القانوني والقضائي والشرطة. والقانون والقضاء والشرطة والسجن هي الدولة؛ لقد نصحهم يسوع بتجنب الدولة وسلطتها المركزية وحل نزاعاتهم فيما بينهم. قد يبدو أن يسوع أناركي Anarchist، أي لاحاكمي، لكنه في سياق عصره الكولونيالي كان يهدف تجنيب الناس التعامل مع السلطة الحاكمة التي بيدها القانون والقضاء والشرطة والسجن، وهي سلطة كولونيالية في الأساس. إنها مقاطعة لنظام الدولة الكولونيالية بقانونها وقضائها وشرطتها.
أنواع النخب الحاكمة
قلنا إن فلسطين في عصر يسوع شهدت نخبتين لا نخبة واحدة، الأولى هي النخبة الهلينستية أو المُتَهلينة، وهم الهيروديون، والثانية نخبة محلية من الكهنة ورؤساء الكهنة، الذين يحكمون من أورشليم ووصل تأثيرهم وسلطتهم إلى خارج إقليم يهوذا وإلى الجليل في عصر يسوع. فقد أرسلوا الفريسيين والكتبة إلى الجليل لمراقبة يسوع بعد أن ذاعت شهرته، وللإيقاع به: “وَأَمَّا الْكَتَبَةُ الَّذِينَ نَزَلُوا مِنْ أُورُشَلِيمَ فَقَالُوا:«إِنَّ مَعَهُ بَعْلَزَبُولَ![9] وَإِنَّهُ بِرَئِيسِ الشَّيَاطِينِ يُخْرِجُ الشَّيَاطِينَ»” (مرقس 3: 22)؛ “وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ الْفَرِّيسِيُّونَ وَقَوْمٌ مِنَ الْكَتَبَةِ قَادِمِينَ مِنْ أُورُشَلِيمَ. وَلَمَّا رَأَوْا بَعْضًا مِنْ تَلاَمِيذِهِ يَأْكُلُونَ خُبْزًا بِأَيْدٍ دَنِسَةٍ، أَيْ غَيْرِ مَغْسُولَةٍ، لاَمُوا” (مرقس 7: 1 – 2). لقد كان كهنة أورشليم يمارسون مراقبة ووصاية على الجليل، ويراقبون يسوع الناصري ويرسلون إليه الجواسيس ومن يوقعونه في إحراج أمام الشعب واختبارات، كي يسحبوا منه شعبيته بين الناس، لكنه قبل التحدي كما سنرى وانتصر على كل الذين أرسلتهم المؤسسة الدينية الرسمية. كما كان كهنة أورشليم يفرضون ضريبة الهيكل على سكان الجليل، رغم أنها رسمياً تحت حكم هيرود أنتيباس، والدليل على ذلك مطالبة الذين يجمعون ضريبة الهيكل لبطرس: “وَلَمَّا جَاءُوا إِلَى كَفْرَنَاحُومَ تَقَدَّمَ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ الدِّرْهَمَيْنِ إِلَى بُطْرُسَ وَقَالُوا:«أَمَا يُوفِي مُعَلِّمُكُمُ الدِّرْهَمَيْنِ؟» قَالَ:«بَلَى»” (متى 17: 24 – 25)؛ والدرهمان كما قلنا هما قيمة ضريبة الهيكل التي تبلغ نصف شيكل على كل يهودي بالغ، ونعلم من الرواية أن نصف الشيكل كان يساوي درهمين. والدليل على أن الدرهمين كانا ضريبة الهيكل، أن الإستار الذي أبلغ يسوع بطرس أنه سيعثر عليه في فم أول سمكة يصطادها يساوي أربعة دراهم، وهي الضريبة عن يسوع وبطرس. كان الجليل إذن خاضعاً لكهنة أورشليم، دينياً وضريبياً. بالإضافة إلى خضوعه السياسي لهيرود أنتيباس الذي كان يفرض هو الآخر ضريبته. لكن يجب أن نلاحظ أن رؤساء الكهنة في القرن الأول كانوا يأتون من أربع عائلات يهودية وكانت رئاسة الكهنة حكراً عليهم يتداولونها بينهم، وأن هذه العائلات أحضرها هيرود الكبير من عائلات يهودية غنية في بابل ومصر (جوزيفوس فلافيوس)، كي تظل تابعة له، وصارت تابعة للرومان بعد وفاة هيرود؛ ولذلك لم تكن نخباً محلية بالكامل.
ثنائية الأغنياء والفقراء في سياقها التاريخي والطبقي
إن تكرار يسوع لكلمتي “الأغنياء” و”الفقراء” دليل على أن مجتمعه كان منقسماً إلى هاتين الفئتين، انقساماً طبقياً حاداً وبدون طبقات وسطى، فالمجتمع المكون من أغنياء وفقراء فقط هو مجتمع طبقي منقسم إلى طبقة حاكمة وطبقة خاضعة. في عصر يسوع وفي القرن الأول الميلادي كله تمثل الصراع الطبقي في ثورات وحركات مقاومة متكررة لليهود، ضد حكم هيرود سنة 4 ق.م. وضد الجزية الرومانية سنة 6 م.، وضد بيلاطس نفسه في حادث الدروع (عندما حاول إدخال دروع إلى الهيكل عليها علامات وثنية رومانية والنسر الروماني) وحادث محاولة إنشاء القناة المائية التي اعترض عليها اليهود، واللذان لم تذكرهما الأناجيل لكن ذكرهما جوزيفوس فلافيوس. لكن ذكر إنجيل لوقا حادثاً آخر دموياً، عندما ذكر الجليليين الذين خلط بيلاطس دمائهم بدماء أضحياتهم: “وَكَانَ حَاضِرًا فِي ذلِكَ الْوَقْتِ قَوْمٌ يُخْبِرُونَهُ عَنِ الْجَلِيلِيِّينَ الَّذِينَ خَلَطَ بِيلاَطُسُ دَمَهُمْ بِذَبَائِحِهِمْ” (لوقا 13: 1). لم يقدم لنا لوقا تفاصيل ولا مزيداً من المعلومات حول هذا الحادث، لكن منطوق عبارته يدل على أن بيلاطس قتل بعض الجليليين، وفي عيد الفصح أو أحد أعياد الفصح حيث تقدم الذبائح، فاختلطت دماءهم بدماء ذبائحهم، وأن الحادث كان داخل أورشليم حيث تقدم الذبائح. إذن كان هناك جليليون في أورشليم وقت عيد الفصح وقت تقديم الذبائح، وحدث اشتباك مسلح مع الرومان وقتلهم بيلاطس. ويسوع من الجليل. صحيح أن مقولة “الصراع الطبقي” حديثة وظهرت كمصطلح على يد ماركس في القرن التاسع عشر لوصف أحوال المجتمع الأوروبي في العصر الصناعي، لكن المقولة في حد ذاتها تنطبق على عصور أخرى كثيرة. إن كل مجتمع مكون من أغنياء وفقراء هو مجتمع طبقي، وكل مجتمع يستحوذ فيه أغنياءه على عمل فقرائه هو مجتمع طبقي أيضاً، وكل مجتمع تتكون فيه طبقة من الأغنياء باستغلال طبقة الفقراء هو مجتمع طبقي ويحوي في داخله نزوعاً طبيعياً نحو الصراع الطبقي.
الفجوة الطبقية في المجتمعات القديمة
لم يكن التراتب الاجتماعي في المجتمعات القديمة ناتجاً عن الفرق بين حياة الريف وحياة الحضر وحسب، بل كان عائداً إلى الفرق بين مزارعين وعمال يعملون، ونخبة لا تعمل وتعيش على عملهم. هنا يصير التناقض واضحاً. إن الرأسمالي الحديث يمكنه أن يبرر ما يحصل عليه من ثروة بحجة أنه هو الآخر يعمل، فهو يقوم بتنظيم عملية العمل ويدرس السوق وينفق من أمواله ويشتري عناصر الإنتاج، فثروته يبررها بعمله التنظيمي والإداري والإشرافي، كي لا يظهر بمظهر الطفيلي. لكن في العصور القديمة كانت النخبة طفيلية بالفعل ولا تنشغل في عمل أي شيء، ما عدا السياسة التي كانت في حقيقتها صراعاً داخلياً بين النخب الحاكمة.
التناقض بين حياة الريف وحياة المدينة
إذا كنا نريد تعميق الإطار التصوري الذي ندرس به فلسطين في القرن الأول الميلادي وموقع يسوع الناصري منها في ظل الكولونيالية الرومانية، وهو الإطار الذي يعتمد ثنائية المدينة والريف، فيجب علينا الاستعانة بأعمال الفلاسفة ورواد علم الاجتماع الذين بحثوا في هذه الثنائية ودرسوا الفروق بين الريف والحضر، إذ أن لهم إسهامات لا تنكر في هذا الشأن، خاصة جورج زيمل وبيتريم سوروكين وأوزفالد شبنجلر.
يذهب سكوت إلى أنه إذا كنا نستطيع تخيل طبقة من المزارعين تعيش خارج المجتمع والدولة، إلا أننا لا نستطيع تخيل نخبة غير زراعية بدون طبقة خاضعة لها من المنتجين تمدها بوسائل العيش. ومن هنا توصل الفيزيوقراطيون إلى أولوية الطبقات المنتجة للغذاء على الطبقات المستهلكة له، رغم أن الطبقة الثانية هي التي تحكم الأولى[10]. ثم يستشهد سكوت بمقولة لأوزفالد شبنجلر يقول فيها: “إن الفلاح هو الإنسان الأبدي eternal man، المستقل عن أي ثقافة تضع نفسها في الفقاعة الزجاجية للمدينة. إنه يسبقها، ويستمر في العيش بعد زوالها… إنه الينبوع الدائم للدماء التي تصنع تاريخ العالم في المدن”[11]. ورغم الأسلوب الرومانسي الذي يرسم به شبنجلر الفلاح، والذي يرجع إلى موقفه الناقد من الحضارة الحديثة وما بها من مادية ونزعة أنوية، إلا أن ما يقوله عن الفلاح به الكثير من الصدق، إذا ربطناه بالإنسان المستباح. إن ما يقوله شبنجلر عن الفلاح هو الصورة النقيضة للإنسان المستباح في الحياة العارية[12]، لأن الفلاح هو حسب قوله “الإنسان الأبدي”، منتج الغذاء الذي هو الدماء التي تغذي المدينة ومن ثم الحضارة كلها، وهو الإنسان الأصلي والحقيقي في مقابل إنسان المدينة المادي المزيف. وحياته ليست عارية بل هي كاملة ومنسجمة مع الطبيعة، فهو جزء من الطبيعة، يعيش فيها متآلفاً، وهي عكس علاقة السلطة به والتي يسودها الاستغلال. الفلاح يعيش في ظروفه الطبيعية داخل مجاله الحيوي، عكس الإنسان المستباح Homo Sacer الذي يعيش في الحياة العارية، بدون حماية؛ الفلاح تحميه الطبيعة. عندما يدعو يسوع إلى مملكة الله، فهو يتصورها قريبة الشبه بحياة الريف الطبيعي الأصلي الذي يختفي منه الاستغلال، الريف المساواتي العادل، بدون سلطة وبدون حكم؛ مملكة الله هي حياة عادلة، بدون صراعات طبقية، بدون استغلال أو طمع، بدون سعي أناني نحو مراكمة الثروة، بدون أغنياء!!: “الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ يَعْسُرُ أَنْ يَدْخُلَ غَنِيٌّ إِلَى مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ! وَأَقُولُ لَكُمْ أَيْضًا: إِنَّ مُرُورَ جَمَل مِنْ ثَقْب إِبْرَةٍ أَيْسَرُ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ غَنِيٌّ إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ!” (متى 19: 23 – 24).
يستخلص سكوت من أعمال رواد السوسيولوجيا الريفية مثل سوروكين أن المجتمع الريفي سابق تاريخياً ومادياً ووظيفياً على المجتمع الحضري، على المدينة، ويركز على الاختلاف الهائل بين سكان الريف المنتجون لغذاء سكان المدن الذين لا يعملون بل يحكمون سكان الريف، وهم لا يعملون في العصور القديمة خاصة، قبل أن تتحول المدن البورجوازية الحديثة إلى مراكز صناعية.
التراث العبراني الداعم لاستقلال الريف عن المدينة
وبالإضافة إلى الاستقلال النسبي للريف عن المدينة والذي يرجع إلى أسباب اقتصادية، واستعصاء الريف على الاندراج في السلطة المركزية للمدينة، فإن التراث العبراني قدم لليهود وخاصة في عصر يسوع نموذجاً لشعب تحرر من الاضطهاد وخرج من الدولة القائمة (مصر القديمة) ليعيش حراً في حالة اللادولة[13]، وهي حالتهم بعد الخروج من مصر، مرورًا بعصر القضاة وحتى تأسيس المملكة، في نظام شبه مشاعي أقرب إلى حالة الطبيعة الأولى، حيث لا أسياد ولا طبقات ولا استغلال، وهو ما تعبر عنه الوصايا العشر، وما أكد عليه تقليد سنة الغفران، أو سنة اليوبيل. وينص هذا التقليد حسب التوراة على ضرورة عودة الأرض المرهونة إلى أصحابها، وإلغاء كل الديون أو المتبقي منها، وتحرير كل من تعرض للاستعباد بسبب الديون، مرة كل سبع سنوات.
إذن اليهود حملوا دائماً في ذاكرتهم الجمعية تصوراً عن حالة الطبيعة الأولى الخالية من الطبقات وهي حالة المساواة التامة، وهي الحالة الأولى التي عاشوا فيها بعد الخروج من مصر. كان هذا الوضع لاحاكمياً بجدارة، لأنه كان خاضعاً لحاكمية الله وحده، والتي كانت تعني عندهم لاحاكمية البشر. وهذا هو الأساس الأول والأصل الذي كان يستند إليه كل الأنبياء، في مواجهتهم للسلطة السياسية أو النظام الملكي التالي كلما كان يتجه للظلم أو الاستغلال، وكان هو أساس ومنطلق يسوع الناصري. هذه هي الصورة الذهنية التي علقت باليهود من تراثهم، وهي صورة تحررية.
تحيز الحضارة اليونانية – الرومانية للمدينة
يكشف التراث الثقافي اليوناني والروماني عن تحيز للمدينة، ضد كل ما هو خارجها. فأغلب الإنتاج الأدبي والفكري والسياسي اليوناني والروماني يعلي من شأن المدينة، وذلك على حساب الريف والقرية والكورة وكل ما هو خارج المدينة. إن كلمة “مدينة” باليونانية هي “بوليس” πόλις/ Polis، وكلمة سياسة هي “بوليتيكا” Πολιτικά/ politiká، أي فن تدبير وحكم المدينة[14]، مما يعني أن الريف هو خارج مجال السياسة لأنه خارج مجال المدينة؛ إنه فقط محكوم من المدينة. فالمدينة هي مصدر العقل وموطن العقلانية، والحكم الرشيد هو الذي يفرضه العقل على المدينة، وكل الفضائل الإنسانية مدنية، عند أفلاطون وعند أرسطو أغلب الفلاسفة اليونان، أما كل ما هو خارج المدينة فهو يتصف بالهمجية وعدم التهذب والفوضى. وعندما ينتقل هذا التحيز اليوناني للمدينة على حساب ما هو خارجها إلى العالم الشرقي حيث المدن الهلينستية التي أنشأها اليونان هناك، يصير تحيزاً ضد السكان الأصليين الذين يعيش أغلبهم خارج تلك المدن في الريف والقرى. ويصير الإنسان الحقيقي هو “المواطن” πολῑ́της/ polī́tēs، أي ساكن المدينة، وتصير كل الفضائل مدنية، أو مدينية، وكل القيم الأخلاقية والمثل الرفيعة مدينية؛ أما الريف فيصير عكس كل ما تمثله المدينة بكل قيمها، إذ يصير موطن الجهل والتخلف. هذا التحيز اليوناني – الروماني ضد كل ما هو خارج المدينة، يتحول إلى تحيز كولونيالي من المدينة الهلينستية ضد السكان الأصليين من حولها. تجنَّب يسوع دخول المدن وحصر دعوته في الريف والقرى، في تحد واضح للمدن الهلينستية وتحيزها ضد الريف، وتحد للنموذج السائد آنذاك للفضائل الإنسانية والقيم الأخلاقية العليا والرفيعة التي لا تتحقق حسب الثقافة اليونانية والفلسفة السياسية اليونانية إلا في المدينة، وفي تحدٍ لنموذج وأسلوب الحياة المديني.
وفي النهاية، عندما دخل يسوع الناصري أورشليم محاطًا بالجماهير الغفيرة، فقد كان هذا الدخول ، المسمى بالدخول البطولي triumphal entry غزوًا من الريف للمدينة، وفرضًا لإرادة الريفيين المقهورين على حكام المدينة القاهرة لهم، وهو فتح للمدينة بالمعنى المادي والحرفي لكلمة “فتح”، لأن أورشليم كانت مغلقة بالفعل في مواجهة محيطها الريفي بأسوار عالية وحراسة مشددة من الحامية الرومانية، ما عدا أوقات الأعياد التي كانت الفرضة الوحيدة للدخول إلى المدينة. هذا التفسير الديموغرافي لحياة يسوع وأحداث عصره هو أساس فهم دعوته. الديموغرافيا الكولونيالية هي البنية التحتية لحركة يسوع الناصري.
التناقض بين الثقافة اليونانية المدنية والثقافة الفلسطينية الريفية
لقد تناقضت الثقافة اليونانية مع ثقافة الريف الفلسطيني، من حيث القيم والأخلاق. الثقافة اليونانية ثقافة مدينة، والفلسفة اليونانية فلسفة مدينة، لا فلسفة ريف. لا يمكن تصور الفلسفة اليونانية دون المدن التي نشأت فيها؛ ولا يمكن تصور المسرح اليوناني والآداب والفنون الرومانية دون المدن التي نشأت فيها وكانت حاضنتها وشرط وجودها. لكن الريف الفلسطيني لم يكن في حاجة إلى المدن اليونانية؛ كان في حاجة إلى الحد الأدنى الضروري للحياة. بالنسبة للريف الفلسطيني تبدو الثقافة اليونانية نخبوية، ثقافة الحكام المسيطرين. وبالنسبة للمدن اليونانية يبدو الريف مملاً ومتخلفاً وغير مهذب. إن قصة يسوع “الناصري” هي قصة ريفي فلسطيني فقير، بشَّر الفقراء في الريف وصلبته المدينة.
وعلى المستوى الحياتي والاجتماعي، كان أرسطو يقول إن الإنسان حيوان اجتماعي بطبعه، وحيوان سياسي politikon zoon[15]. لم يكن أرسطو يقصد القول إن الإنسان ممارس للسياسة بطبعه، بل كان يقصد أن حياته الاجتماعية في المدينة هي طبع أصيل فيه، بمعنى أن الإنسان حيوان مدني. فالحياة الأنسب والأفضل للإنسان عند أرسطو هي الحياة في المدينة. لو كان أرسطو يعيش بيننا الآن لغير رأيه بعد مشاهدة المدن الحديثة المليئة بالضجيج والزحام والفقر والهمجية، ولذهب ليعيش في الريف كما فعل معظم فلاسفة العصر الحديث ومنهم هايدجر. لكن في عصر أرسطو كانت الحياة في المدينة هي الأفضل والأرقى. ومن قبله ظهر نفس هذا الرأي عند أفلاطون، الذي خطط لدولة مثالية يحكمها الفلاسفة في محاورة “الجمهورية” والتي عنوانها باليونانية Πολιτεία/ Politeia. وقد ترجمت إلى اللاتينية بعنوان De Republica، “في الجمهورية”. كان المترجم الروماني للمحاورة متأثراً بالجمهورية الرومانية فترجم العنوان إلى “الجمهورية” وبها تأثرت الترجمات الحديثة إلى اللغات الأوروبية ومنها الترجمات العربية. والمفارقة هنا هي أن أفلاطون لم يكن يتصور دولته على أنها جمهورية، أو على أن الجمهور يحكمها، فقد كان يحتقر الجمهور أو العامة، والحكم الفاضل عنده هو حكم الفلاسفة لا حكم الجمهور. الجمهور عنده محكوم وليس حاكمًا. لكن الفلاسفة الإسلاميين القدماء كانوا قد عبروا بشكل أدق عن مقصود أفلاطون في محاورته، فأطلق الفارابي عنوان “المدينة الفاضلة” على إعادة بنائه لأفكار أفلاطون، وفي كتاب آخر له في الفكر السياسي أطلق عليه “السياسة المدنية”. مما يعني تَفَهُّم الفلاسفة المسلمين لمقصود أفلاطون وأنه يقصد “المدينة”.
الفلسفة اليونانية متحيزة للمدينة ضد الريف، وتنظر إلى الريف على أنه موطن البدائية والسذاجة. كيف إذن سينظر اليونان إلى ريفي يهودي فلسطيني فقير مصلوب على صليب روماني؟ كان يجب أن تتحول دعوة يسوع إلى لاهوت عقلي راقٍ ومقترب من الفلسفة اليونانية حتى تقبله المدن اليونانية. لقد كان هذا التحول هو جواز مرور المسيحية إلى المدينة اليونانية، وإلى كل مدن البحر المتوسط.
ومن سخرية الأقدار أن أرسطو الذي قال إن الإنسان حيوان سياسي، أي حيوان مدني بطبعه، هو معلم الإسكندر الذي قضى على استقلال المدن اليونانية ونظمها في الحكم الذاتي الديمقراطي وألحقها بإمبراطوريته.
قارنوا بين يسوع والفلاسفة اليونان وبالأخص أرسطو. يسوع عامل يومي ريفي بسيط وفقير، عاش عصراً مضطرباً ومجتمعاً سيطرت عليه إمبراطوريات ضخمة لمئات السنين، قطعت أوصاله الكولونيالية اليونانية والرومانية. أرسطو هو معلم الإسكندر، كبير الفلاسفة والمعلم الأول، منشئ مدرسة اللوقيون وواضع أسس علم المنطق والميتافيزيقا والعلوم الطبيعية، ولأجل ذلك كان متزن الذهن هادئاً، عكس يسوع الذي كان يتفجر غضباً: “اقلع عينك.. اقطع يدك.. اغرب عني يا شيطان.. يا أولاد الأفاعي.. مغارة لصوص”. هذه كلمات ثوري راديكالي مناضل ومتمرد.
الأناجيل باعتبارها مؤشرات للوضع الطبقي لفلسطين في عصر يسوع
في العصور القديمة كانت القلة القليلة النادرة هي التي تعرف القراءة والكتابة، وفي فلسطين في القرن الأول لم تتجاوز نسبتهم 3%. وكان الذين يكتبون هم النخبة، النخبة الحاكمة والنخبة الدينية، وكل ما وصلنا من وثائق من هذا العصر هو من تدوين النخبة الحاكمة سياسياً ودينياً، ولم يصلنا من الخاضعين أي شيء مكتوب، ما عدا الأناجيل، فهي الوثائق الوحيدة التي كتبتها جماعات فقيرة خاضعة من غير النخبة الحاكمة[16]، وهي بذلك تشكل أهمية قصوى. إنها نصوص “مقدسة”، لكنها فوق ذلك نصوص نادرة للغاية من فقراء ومضطهدين من غير النخبة. وربما تكون “مقدسة” لهذا السبب. ولهذا فهي تقدم لنا سجلاً ثميناً ومؤشرات على الوضع الطبقي لفلسطين في عصر يسوع، وتقدم لنا صورة من أسفل، وبالتالي يجب تحليلها للكشف عن الوضع الاجتماعي لكاتبيها ولقائلي النصوص المثبتة فيها.
إذا أتينا على الصلاة الربانية الشهيرة في إنجيل متى، سنلاحظ فيها إشارة إلى وضع طبقي معين. فما هو الوضع الطبقي للذين يقولون “خُبْزَنَا كَفَافَنَا أَعْطِنَا الْيَوْمَ” (متى 6: 11)؟؛ ما هو الموقع الطبقي الذي يصدر عنه هذا الكلام؟ إنه صادر عن أناس لا يستطيعون توفير خبزهم اليومي؛ وكل ما يحتاجونه هو خبزهم اليومي. هذه العبارة ليست مجازاً بل هي حرفية. إنهم يعانون من الإفقار الشديد إلى درجة أنهم فقدوا قدرتهم على إنتاج خبزهم اليومي بأنفسهم، نتيجة لفقدان أرضهم التي كانوا يزرعون فيها قمحهم، بسبب النظام الكولونيالي الذي أرهقهم بالضرائب والجزية واستولى على أرضهم بطرق كثيرة منها المصادرة بسبب العجز عن دفع الضرائب أو الديون. لقد فقدوا مجالهم الحيوي المعيشي، نتيجة تحوله إلى ملكية خاصة للنخب الحاكمة الساكنة في المدن الهلينستية.
عندما نحتاج الآن إلى خبز فما علينا سوى الذهاب إلى السوق لشرائه بالنقود، لكن الذين يقولون “خبزنا كفافنا اعطنا اليوم” لا يتعاملون بالنقود، إنهم في حاجة إلى الخبز لا النقود. في ذلك العصر كان المزارع هو منتج الخبز من القمح الذي يزرعه في حقله، وهو بذلك لا يمر بالدورة السلعية – النقدية المعتادة في اقتصاد السوق، لأن اقتصاده هو اقتصاد القرية لا اقتصاد السوق، اقتصاد الكفاف. الخبز في الصلاة الربانية هو إشارة إلى حياة متكاملة يتمنى فيها المزارع أن يعود لينتج غذاءه بنفسه ومن أرضه. “خبزنا كفافنا” هي صيحة للعودة إلى اقتصاد الكفاف والاكتفاء الذاتي المنتج لضروريات الحياة، دون توسط النقود. وقد قلنا إن الكولونيالية الرومانية قد أحدثت شيئًا شبيهًا بالتراكم الأولي original accumulation، الذي حدث في بداية العصر الحديث ونتج عنه ظهور العمالة المأجورة وأول تراكم رأسمالي وهو التراكم بنزع الملكية.
العزلة النسبية للريف واتجاه رحلات يسوع التبشيرية
يذهب سكوت إلى أن الريف يفتقد الوسائل المؤسسية المنظمة التي تمكنه من الوقوف أمام نظام الدولة المركزية وتراثها الكبير، فالفلاحين يشكلون مجتمعات محلية صغيرة ومنفصلة عن بعضها البعض، في حين ترتبط النخبة ببعضها في المدن وعبر المدن من خلال شبكات تواصل عديدة[17]. ولذلك كانت حركات الاعتراض الريفية مشتتة وضعيفة وسرعان ما تتعرض للهزيمة. وبذلك يمكن القول إن الريفيين لا يستطيعون بسبب وضعهم هذا تشكيل جبهة مواجهة موحدة أو إدارة صراع واسع وطويل مع السلطة الحاكمة[18]. إذا طبقنا هذا التوصيف على فلسطين في عصر يسوع الناصري سنجده ينطبق تمامًا. فالنخبة كانت هي وحدها المتحدة والمشكلة لجبهة واحدة ضد الريف، وكانت النخبة متصلة ببعضها البعض بفضل شبكة الطرق الرومانية ووسائل الاتصالات الحكومية السريعة نسبياً بمقاييس ذلك العصر. ومعنى هذا أن الريف الفلسطيني لم يكن مُجَزَّءاً ومشتتاً من جراء تبعية الكورة للمدينة فقط، بل كان سيء التواصل للغاية مع بعضه البعض. وعندما نجد أن يسوع الناصري قد تحرك على مساحة كبيرة غطت كامل فلسطين التاريخية وامتد منها إلى خارجها في شرق الأردن والجولان ومشارف الجنوب اللبناني، نرى من ذلك كيف أن تحركاته السريعة التي لم تستغرق سوى سنة أو سنة وبضعة أشهر كانت بهدف نشر رسالته في أقاليم قسمها النظام الكولونيالي، بهدف ربط الريف المنقسم ببعضه البعض. فإذا كانت النخبة متحدة وتشكل جبهة موحدة ضد الريف، فالمطلوب هو وصل الريف ببعضه عن طريق دعوة واحدة. وقد كان يسوع حريصاً على إرسال تلاميذه إلى كل أنحاء البلاد، اثنين اثنين، وأعطاهم كل سلطاته بما فيها شفاء المرضى وطرد الأرواح الشريرة: “ثُمَّ دَعَا تَلاَمِيذَهُ الاثْنَيْ عَشَرَ وَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا عَلَى أَرْوَاحٍ نَجِسَةٍ حَتَّى يُخْرِجُوهَا، وَيَشْفُوا كُلَّ مَرَضٍ وَكُلَّ ضُعْفٍ” (متى 10: 1). تحركاته السريعة وتغطيته لمساحة كبيرة في وقت قصير وإرساله تلاميذه يدل على استراتيجيته المضادة للتقسيم الكولونيالي للمنطقة.
ويذهب سكوت إلى أن معظم حركات المقاومة الريفية تعمل محلياً وبمعزل عن بعضها البعض وليست قادرة على الاتحاد في جبهة وطنية واحدة، فهي تتجمع محلياً وتكون لها أهداف محلية أيضاً. ويضرب مثالاً على ذلك بالتجمعات الريفية أثناء الحرب الأهلية الأسبانية، إذ كان من الصعب للغاية إقناع هذه التجمعات المقاومة مساعدة القرى الأخرى أو إمداد الجنود على الجبهة بالغذاء المال[19]. وهذا يعني أن حركات المقاومة الريفية قوية محلياً فقط، ضعيفة للغاية أمام السلطة المركزية الموحدة. ونظراً لهذه النزعة المحلية التي تطبع كل قرية وكل مجتمع ريفي، واجه يسوع هذه النزعة بأن شدد على قيم التعاون المتبادل والتراحم، هادفاً ربط الريف ببعضه والقضاء على عزلته النسبية: “اِسْأَلُوا تُعْطَوْا. اُطْلُبُوا تَجِدُوا. اِقْرَعُوا يُفْتَحْ لَكُمْ. لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَسْأَلُ يَأْخُذُ، وَمَنْ يَطْلُبُ يَجِدُ، وَمَنْ يَقْرَعُ يُفْتَحُ لَهُ” (متى 7: 7 – 10).
اختلاف اليهود ذوي الثقافة الهلينية عن يسوع الناصري
والملاحظ هو كيفية اختلاف النخب اليهودية المُتَهلينة عن يسوع الناصري. شهد القرن الأول الميلادي الذي عاش يسوع ثلثه تقريباً ثلاثة نماذج مختلفة تمامًا من الشخصيات، وكان يسوع واحداً منها. فقد عاش فيه:
1) فيلون السكندري (20 ق.م. – 50 م.) ، فيلسوف يهودي من أهم فلاسفة العصر القديم، وكان مبتدع التأويل الرمزي والمجازي للنصوص الدينية، وحاول الجمع والتوفيق بين الفلسفة اليونانية والتوراة؛ ولد فيلون قبل المسيح بعشرين سنة ومات بعده بعشرين سنة. وكان من النخبة الغنية والنافذة في الإسكندرية التي ضمت أكبر وأغنى جالية يهودية في العالم القديم. كما عاش في القرن نفسه.
2) المؤرخ اليهودي جوزيفوس فلافيوس (37 م. – 100 م.)، من أهم مؤرخي العصر القديم، سجل تاريخ اليهود في الحرب اليهودية ضد روما، ثم سجل كل تاريخ اليهود القديم حتى عصره، وتعد أعماله هي المصدر الوحيد لمعرفة وقائع وأحوال فلسطين في القرن الأول الميلادي. كان جوزيفوس فلافيوس من عائلة غنية من رؤساء الكهنة، انضم إلى الرومان أثناء الحرب اليهودية بعد أن شعر أنها حرب خاسرة وأن الرومان سينتصرون، وأقام صداقة مع القائد الروماني فسباسيان (9 – 79م.) الذي كان يقود الحرب اليهودية، وبعد أن صار فسباسيان إمبراطوراً (69 – 79م.) علا شأن جوزيفوس في روما وصار من المقربين من الإمبراطور ومن أهم مستشاريه. هؤلاء هم النخبة اليهودية المتهلينة.
3) يسوع الناصري، يهودي ريفي فقير يعمل نجاراً، عاش حياته كلها مع “الفقراء” و”المساكين” و”الحزانى” و”المكروبين” و”الجوعى” “العطاش”، ومع “الخطاة” و”الزناة” و”الملبوسين”، و”المرضى” من كل نوع، وهي الفئات المذكورة في أقواله؛ تعرض للملاحقة والاضطهاد من سلطات عصره ومات على صليب روماني، حسب الأناجيل. هذا هو الفرق بين النخبة والشعب في القرن الأول، وفي كل زمان.
الفرق بين شخصيات الريف وشخصيات المدينة
يُعرَف عن الفلاحين الطيبة والبساطة، في مقابل مكر ودهاء أهل المدينة. هذا هو ما نجده على لسان يسوع، إذ يتحدث عن “الودعاء” وعن “الثعلب”، الودعاء هم الذين يخاطبهم، والثعلب هو هيرود أنتيباس: “فِي ذلِكَ الْيَوْمِ تَقَدَّمَ بَعْضُ الْفَرِّيسِيِّينَ قَائِلِينَ لَهُ:«اخْرُجْ وَاذْهَبْ مِنْ ههُنَا، لأَنَّ هِيرُودُسَ يُرِيدُ أَنْ يَقْتُلَكَ». فَقَالَ لَهُمُ: «امْضُوا وَقُولُوا لِهذَا الثَّعْلَبِ: هَا أَنَا أُخْرِجُ شَيَاطِينَ، وَأَشْفِي الْيَوْمَ وَغَدًا، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ أُكَمَّلُ” (لوقا 13: 31 – 32)؛ الودعاء والثعلب، هذان هما النمطان و النموذجان الممثلان للاختلاف والتناقض بين العامة الريفيين الودعاء والحاكم الثعلب. أهل الريف ودعاء، مسالمون، طيبون، والحاكم ثعلب. في هذا النص نتبين أن يسوع يريد أن يبلغ أنتيباس عن طريق هؤلاء الذين حذروه بخطته وجدوله الزمني، أي يتحداه أن ينال منه، ولن يستطيع النيل منه طالما ظل يسوع وسط الجماهير، تمامًا كما احتمى بالجماهير في أورشليم عندما ظل طيلة الأسبوع الأخير في الدخول والخروج وسط الجماهير دون أن تتمكن السلطات من القبض عليه، وأخيرًا تمكنت من ذلك عندما كان بدون جماهير ووسط تلاميذه فقط في منطقة خارج أورشليم.
التناقض بين الجليل وأورشليم
يستطيع العامل الجغرافي تفسير الكثير من سيرة يسوع “الناصري”، عندما نضع في اعتبارنا التناقض الشديد بين إقليم الجليل الذي نشأ فيه يسوع وعاش أغلب سنوات حياته، وأورشليم، المدينة التي أنهت حياته على الأرض. كان إقليم الجليل ومدينة أورشليم على طرفي النقيض، يتصفان بخصائص مناقضة لبعضها البعض[20].
إن الجليل الذي نشأ فيه يسوع وعاش أغلب حياته كان منطقة ريفية، من أخصب المناطق في فلسطين، مليء بالمساحات الخضراء التي تكسوها الأشجار والنباتات من كل نوع، وتضم جبالًا خضراء ومرتفعات يكسوها اللون الأخضر، ويطل على بحر الجليل بمياهه الهادئة الزرقاء الصافية. ريف الجليل مفتوح، واسع، ليست به تضاريس وعرة. لنقارنه بأورشليم. مدينة محاطة بأسوار عالية وعريضة جعلتها تبدو كالقلعة، وهي كانت قلعة بالفعل، وكانت المباني على الطراز الهلينستي. وفي الأسوار أبواب للتحكم في حركة الدخول والخروج. لقد كانت أورشليم محكومة جيداً داخل السور الذي يحاصر من بداخله ويمنع من بخارجه، في مقابل الجليل المفتوح. هذا هو التقابل بين الريف المفتوح والحر والمدينة المُسَوَّرة المحكومة، مقر المؤسسة الدينية الرسمية والحامية العسكرية الرومانية في قلعة أنطونيا.
وفي مقابل حرية الحركة في الجليل، يتقيد الناس في أورشليم داخل أسوارها. والأسوار من حجارة ضخمة صفراء جعلت اللون السائد في المدينة هو الأصفر، لون الصخور ولون الصحراء، في مقابل اللون الأخضر، لون أرض الجليل، والأزرق، لون بحر الجليل. وداخل أورشليم يوجد هيكل أورشليم، وقد كان بناية ضخمة، بأسوار عالية هو الآخر، وأسواره عريضة كان يمشي عليها الجنود الرومان في نوبات حراسة أيام الأعياد تحرزاً من أي اضطرابات يثيرها اليهود في موسم الحج. هيكل أورشليم كان قلعة داخل قلعة، تبلغ مساحته حوالي أربعة ملاعب كرة قدم. وداخل الهيكل بنايات أخرى قسمته إلى أجزاء: ساحة خارجية اسمها ساحة الأمم، وساحة داخلية للرجال فقط، ومقر انعقاد مجمع السنهدرين وهو المجمع الديني اليهودي، ثم قدس الأقداس الذي لا يدخله سوى رئيس الكهنة.
كانت تقسيمات الهيكل من الداخل تعبر عن تقسيمات وتراتبيات اجتماعية وجندرية من صنع كهنة أورشليم. المفترض أن يكون الله في قلب كل إنسان، لا داخل مبنى بهذا الشكل. في نظر يسوع الناصري، لا يمكن لله أن يكون في أورشليم، ولا يمكن لذلك المكان أن يمثل الله على الأرض؛ ففي نظر ريفي جليلي مثله، لا يتجلى الله داخل أبنية حجرية محاطة بأسوار عالية؛ الله في نظره يتجلى في الطبيعة التي خلقها، لا في الأبنية التي صنعها البشر؛ يتجلى في حرية المساحات الخضراء المفتوحة والجبال والأنهار والبحيرات، وسط الزهور والأشجار، لا في قيود المدينة المحاطة بالأسوار والحراسة. لقد كان يسوع يكره أورشليم: “يَا أُورُشَلِيمُ، يَا أُورُشَلِيمُ! يَا قَاتِلَةَ الأَنْبِيَاءِ وَرَاجِمَةَ الْمُرْسَلِينَ إِلَيْهَا، كَمْ مَرَّةٍ أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ أَوْلاَدَكِ كَمَا تَجْمَعُ الدَّجَاجَةُ فِرَاخَهَا تَحْتَ جَنَاحَيْهَا، وَلَمْ تُرِيدُوا! هُوَذَا بَيْتُكُمْ يُتْرَكُ لَكُمْ خَرَابًا” (متى 23: 37 – 38)، وقد صُلِب خارج أسوارها حسب الأناجيل؛ وكان يكره أسوارها الحجرية العالية: “وَفِيمَا هُوَ خَارِجٌ مِنَ الْهَيْكَلِ، قَالَ لَهُ وَاحِدٌ مِنْ تَلاَمِيذِهِ: «يَامُعَلِّمُ، انْظُرْ! مَا هذِهِ الْحِجَارَةُ! وَهذِهِ الأَبْنِيَةُ!» فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ:«أَتَنْظُرُ هذِهِ الأَبْنِيَةَ الْعَظِيمَةَ؟ لاَ يُتْرَكُ حَجَرٌ عَلَى حَجَرٍ لاَ يُنْقَضُ»” (مرقس 13: 1 – 2). وهذا هو الموقف الطبيعي والمنطقي لريفي يأتي من الريف الخاضع المقهور، تجاه المدينة التي صارت مقرًا للسلطة الكولونيالية وأعوانها من الكهنة، وكان يسوع ضحية تحالف السلطتين.
يسوع وأورشليم
كانت المدن القديمة كما قلنا محاطة بأسوار عالية حصينة هدفها عزل وفصل المدينة عن محيطها الريفي، وإقامة الحدود الحاسمة بين العالم داخلها والعالم خارجها، خالقة بذلك عالمين متناقضين. لكن تقدم لنا الأناجيل يسوع في الأسبوع الأخير وهو يستمر في دخول أورشليم والخروج منها، طوال الأسبوع، فقد كان يدخل نهاراً مع الجماهير وفي حمايتها، ويخرج ليلاً كي يقضي الليلة في قرية تسمى بيت عنيا. لم يكن يقضي الليل في أورشليم أبداً. هذه الحركة المستمرة في دخول المدينة والخروج منها تكسر حصرية المدينة ومناعتها وانغلاقها على نفسها؛ وكان يسوع بذلك مقتحماً عالمها المغلق المنعزل عن كل ما هو خارجها، في إبطال لوظيفة السور الحصين وكأنه ليس موجوداً؛ فالسور موجود لكن تم تعطيل وظيفته في حصر وعزل وفصل المدينة. لقد صارت أورشليم مفتوحة أمامه وكأنه أسقط الأسوار، دون عنف ودون دماء.
تذكر الأناجيل الإزائية أن يسوع أطعم خمسة آلاف شخص بخمسة أرغفة وسمكتين[21]، وهي تذكرها على أنها معجزة. والملفت للنظر هنا أن خمسة آلاف شخص تحلقوا حوله في الخلاء. لنفترض أن هذا العدد من الناس أو حتى نصفه أو ربعه دخل معه أورشليم، لنفترض أن الأناجيل تبالغ في العدد وأن العدد الحقيقي هو ألف شخص فقط، وأن هذا الألف دخل معه أورشليم، وهذا متوقع لأن هذه الجماهير تبعته وسارت وراءه حول ساحل بحر الجليل، حاول الهرب منها لكنها تعقبته حتى نزل إلى الشاطئ ووجدهم، فليس من المستبعد أن يتبعوه إلى أورشليم ويدخلوا معه. وإذا دخل هذا العدد معه، فهذه ثورة بمقاييس ذلك العصر، ثورة سلمية طبعاً، أو سَمِّها انتفاضة، حركة احتجاجية شعبية. في هذه الظروف كان على المؤسسة الدينية الرسمية والسلطة الرومانية التحرك والتخلص منه بسرعة، وليس من المستبعد أن كان هناك تنسيق بينهما. وقد ظل في حماية الجماهير وهو داخل أورشليم، وهو يدخل ويخرج منها لأيام عديدة، حتى تم القبض عليه ليلاً خارج المدينة وهو مع تلاميذه.
والذي مكَّن يسوع من الانتقال بحرية من خارج المدينة إلى داخلها معاوداً الدخول والخروج مرات عديدة، هو الجماهير التي أحاطت به ووفرت له الحماية، حتى أن الكهنة خافوا القبض عليه وهو داخل أورشليم نظراً لأن الجماهير أحاطت به: “فَطَلَبُوا أَنْ يُمْسِكُوهُ، وَلكِنَّهُمْ خَافُوا مِنَ الْجَمْعِ، لأَنَّهُمْ عَرَفُوا أَنَّهُ قَالَ الْمَثَلَ عَلَيْهِمْ” (مرقس 12: 12)؛ “وَسَمِعَ الْكَتَبَةُ وَرُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ فَطَلَبُوا كَيْفَ يُهْلِكُونَهُ، لأَنَّهُمْ خَافُوهُ، إِذْ بُهِتَ الْجَمْعُ كُلُّهُ مِنْ تَعْلِيمِهِ. وَلَمَّا صَارَ الْمَسَاءُ، خَرَجَ إِلَى خَارِجِ الْمَدِينَةِ.” (مرقس 11: 18 – 19). فبفضل الجماهير التي أحاطت بيسوع الناصري ووفرت له الحماية، تمكن من كسر حصرية المدينة وإبطال وظيفة أسوارها، وصارت مفتوحة على تدفق الجماهير دخولاً وخروجاً.
صارت حركة يسوع في دخول أورشليم والخروج منها طوال الأسبوع الأخير إبطالًا لوظيفة السور وكأنه هدم له دون آلات حصار، ودون مجانيق. لقد ظل الرومان يحاصرون أورشليم في الحرب اليهودية لخمسة أشهر (من أبريل إلى نهاية أغسطس سنة 70م.)، هدموا فيها أسوار المدينة وأجزاء كثيرة من الهيكل الذي تحصَّن الثوار داخله، لكن يسوع والجماهير المتحلقة حوله في 30 م. أبطلوا وظيفة الأسوار سلمياً في يوم واحد، بالدخول الأول، عندما دخل يسوع أورشليم راكباً حماراً. راكب الحمار أبطل وظيفة الأسوار الحصينة في حين ظل فرسان الجيش الروماني يحاصرون المدينة لخمسة أشهر. إن دخول يسوع أورشليم على ظهر حمار محاطاً بالجماهير هو مظاهرة سلمية واقتحام سلمي للمدينة المقدسة. لا تنقل لنا الأناجيل تلك الأجواء الثورية للحدث، لكننا نستطيع إعادة بنائه مما يتوافر لدينا من عبارات قصيرة سريعة في الأناجيل، ومن السياق العام لعصر يسوع.
إن دخول يسوع أورشليم هو غزو الريف للمدينة؛ إنه فتح بالمعنى الحرفي للكلمة للمدينة المقدسة أمام عامة الشعب سكان الريف الفقير، غزو جماهيري لأورشليم، المركز الديني والمالي لليهود ومقر الحامية العسكرية الرومانية في قلعة أنطونيا، بقيادة يسوع الناصري. إن الأحداث التالية من إلقاء القبض عليه ومحاكمته وصلبه وقيامته غطت على أهمية دخوله البطولي الجاهيري لأورشليم، ذلك الدخول الذي كان من أهم أسباب صلبه. إن الدخول البطولي triumphal entry هو في الأساس دخول جماهيري شعبي؛ يسوع لم يدخل وحده بل دخل بصحبة حشد كبير من الناس، هتفت له: “أُوصَنَّا! مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ! مُبَارَكَةٌ مَمْلَكَةُ أَبِينَا دَاوُدَ الآتِيَةُ بِاسْمِ الرَّبِّ! أُوصَنَّا فِي الأَعَالِي” (مرقس 11: 9 – 10). من وجهة نظر أمنية، وهي وجهة نظر الكهنة والرومان، فهذه حركة تمرد وعصيان واضحة. ولذلك عندما مَثَلَ يسوع أمام بيلاطس، سأله بيلاطس: “أَأَنْتَ مَلِكُ الْيَهُودِ؟” (مرقس 15: 2)، يقصد أن يقول: هل أنت قائد هؤلاء؟ هل أنت زعيم تلك الجماهير؟ في نظر بيلاطس كان يسوع زعيم حركة تمرد وعصيان، قاد الجماهير لاقتحام أورشليم والسيطرة على الهيكل. وبعد دقائق صلبه بيلاطس. تذكر الأناجيل أن بيلاطس لم يكن مقتنعاً بأي خطأ ارتكبه يسوع وأنه أراد الإفراج عنه، لكنه خضع لضغط “الجمع”. وقد قال براندون إن الأناجيل تُبرئ بيلاطس وتخلي المسؤولية عنه، وتعمل على تبييض وجه الإمبراطورية الرومانية[22].
خاتمة
كان يسوع الناصري يعيش في عالم متناقض تناقضاً في غاية الحدة. كان التناقض بين ريف فلسطيني مُقسَّم ومُقطَّع كولونيالياً من جهة، ومدن هلينستية حاكمة ومتسلطة من جهة أخرى. وكان التناقض أيضاً بين مؤسسة دينية رسمية في هيكل أورشليم، أرادت إخضاع الشعب باسم الدين من جهة، ومن جهة أخرى تراث ديني تحرري يبدأ من خروج بني إسرائيل من مصر على يد موسى هرباً من فرعون. والتناقض هنا هو بين ماضٍ تَمَثَّل في تراث التحرر من فرعون، وحاضر تسيطر عليه سلطة دينية متعاونة مع قيصر، ووكيلة عنه، ومتواطئة معه. وفي الوسط من هذه التناقضات الحادة ظهر يسوع الناصري؛ إنه نتاج لها. إن تعاليم وحركة يسوع الناصري هي نتاج نظام كولونيالي، رد فعل عليه، ومقاومةً له.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر والمراجع:
[1]) James C. Scott.
[2]) يسميها existential base لكنها هي القاعدة المادية كما في الأدبيات الماركسية، لكن يبدو أنه تجنب عن قصد استخدام المصطلحات الماركسية.
[3]) James C. Scott, Protest and Profanation: Agrarian Revolt and the Little Tradition, Part I, p. 9.
[4]) G. E. M. de Ste. Croix. The Class Struggle in the Ancient Greek World: From the Archaic Age to the Arab Conquests. (London: Duckworth, 1981).
[5]) Sartono Kartodirdjo, “Agrarian Radicalism in Java: Its Setting and Development,” in Claire Holt, ed., Culture and Politics in Indonesia (Ithaca, 1972), p. 86, cited in Scott, J. C. (1977). Protest and Profanation, Part II, p. 213.
[6]) Scott, J. C. (1977). Protest and Profanation, Part II, p. 213.
[7]) انظر في ذلك: إيال وايزمان، أرض جوفاء – الهندسة المعمارية للاحتلال الإسرائيلي، ترجمة باسل وطفه، الشبكة العربية للأبحاث ودراسة السياسات، ومدارات للأبحاث والنشر، بيروت، 2017.
[8]) Scott, J. C. (1977). Protest and Profanation, Part II, p. 213.
[9]) “بعلزبول” هو أحد أسماء الشيطان في التراثين اليهودي والمسيحي، ويقال إنه هو الإله بعل الذي عبده الفينيقيون، لكن احتقره اليهود وحولوه إلى شيطان، وكان من عادة شعوب الأديان الإبراهيمية تحويل آلهة الأديان السابقة عليهم إلى شياطين وإطلاق أسمائها على الشياطين، وتعني كلمة “بعل زبول” إله المزابل، تحقيرًا لهذا الإله.
[10]) James C. Scott, Protest and Profanation, Part I, p. 18.
[11]) Oswald Spengler. The Decline of the West, Vol. II. (New York: Alfred Knopf, 1939), p. 96.
[12]) حول “الإنسان المستباح” وعلاقته بالسلطة والسيادة، انظر
Giorgio Agamben. Homo Sacer: Sovereign Power and Bare Life. (Stanford, Calif.: Stanford University Press, 1998).
[13]) “أَنَا الرَّبُّ إِلهُكَ الَّذِي أَخْرَجَكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ مِنْ بَيْتِ الْعُبُودِيَّةِ”(الخروج 20: 2).
[14]) ومحاورة “الجمهورية” لأفلاطون هي باليونانية Πολιτεία/ Politeia، فالنموذج المثالي للحكم العقلاني الرشيد عند أفلاطون هو الحكم المدني، أو المديني.
[15]) Aristotle, Politics, 1253a, 4.
[16]) ما عدا لفائف قمران أو مخطوطات البحر الميت، التي ليست من فقراء خاضعين ومضطهدين، بل من كهنة منشقين عن مؤسسة الهيكل في أورشليم، حسب أحدث الدراسات حولهم.
[17]) ومن أهمها طرق التجارة، ويشهد على ذلك العثور على مقابض فخارية في مدينة جرش من القرن الأول الميلادي مصنوعة في جزيرة رودس، مما يعني وجود صلات تجارية بين جرش وهي مدينة داخلية ليست على الساحل، وعالم تجارة البحر المتوسط، وفي عصر يسوع الناصري بالذات.
[18]) Scott, J. C. (1977). Protest and Profanation, Part II, p. 218.
[19]) Scott, J. C. (1977). Protest and Profanation, Part II, pp. 218 – 219.
[20]) على الرغم من أن الصورة التي رسمها إرنست رينان ليسوع رومانسية وعاطفية، وعلى الرغم من أن وصفه لإقليم الجليل شاعري وأدبي، إلا أن هذه الصورة بها شيء من الصدق وليست خيالية، وهي نافعة في سياق دراستنا، لإقامة المقارنة بين ريف الجليل ومدينة أورشليم، والتي تبين مدى التناقض بينهما.
Ernest Renan. The Life of Jesus. (New York: Modern Library, 1927).
[21]) مرقس 6: 38 – 44/ متى 14: 17 – 21/ لوقا 9: 13 – 17.
[22]) S. G. F. Brandon. Jesus and the Zealots: A Study of the Political Factor in Primitive Christianity. (New York: Charles Scribner’s Sons, 1967).