المسيح والكولونيالية الرومانية في فلسطين القديمة: الجزء الرابع

 تكوين

خطاب المواجهة والمقاومة في أقوال المسيح

ثنائية التراث الكبير والتراث الصغير

بحث جيمس سكوت في الفرق بين الأفكار والتصورات الدينية والسياسية التي تسود المجتمعات الحضرية وتلك الأخرى التي تسود المجتمعات الريفية[1]. صحيح أن سكوت قد قام بدراساته في جنوب شرق آسيا، إلا أن ما توصل إليه من نتائج ينطبق بالمثل على كل المجتمعات التي تشهد تناقضات حادة بين الريف والحضر، ونتائجه تنطبق على فلسطين في القرن الأول الميلادي كما قلنا. ومن دراسات سكوت نهدف استعارة بعض المفاهيم والأطر النظرية التي نستطيع بها دراسة وفهم حركة يسوع الناصري، وسياقها الاجتماعي والسياسي والاقتصادي.

يذهب سكوت إلى أن الخصائص الاجتماعية للأفكار الدينية والسياسية التي تسود في التراث الكبير great tradition تختلف عن مثيلتها في التراث الصغير little tradition. وهو يقصد بالتراث الكبير، الخطاب الرسمي للحكام، والأيديولوجيا الرسمية التي تنشرها سلطة مركزية، وهي غالباً حضرية؛ أما التراث الصغير فهو خطاب المناطق الهامشية أو المهمشة وأغلبها في الريف، وهو خطاب الفئات الخاضعة والمهيمن عليها. ينتمي مروجو التراث الكبير إلى المدينة، فَهُم سكانها، وأغلبهم من الطبقات الوسطى والعليا؛ تحكمهم معايير قانونية لاشخصية، ويحتكرون التراث المكتوب ويمارسون التدوين. أما أصحاب التراث الصغير فهم بوجه عام سكان الريف والقرى، وهم أكثر اندماجًا وتجانسًا من الناحية الاجتماعية وأقل تراتباً وتمايزاً من الناحية الطبقية، وهم من الطبقات الدنيا التي تعيش على اقتصاد الكفاف، وليس لديهم تراث مكتوب وتراثهم أغلبه شفاهي (ولذلك لم يكتب يسوع الناصري أي شيء، لا هو ولا تلاميذه المباشرين). ويذهب سكوت إلى أن هذه الاختلافات العميقة بين التراث الكبير للحضر والتراث الصغير للريف تؤثر في كيفية استقبال سكان الريف للخطابات والأفكار الآتية من التراث الكبير، الحضري والمهيمن[2]. إذ كثيراً ما يتصادم التراث الصغير مع التراث الكبيرفي حالات من المقاومة والاعتراض، وهي التي تظهر في جدال يسوع مع الفريسيين والكتبة والكهنة، ممثلو التراث الكبير الآتي من أورشليم، والذين أرادوا نشره في الجليل وهو من المناطق الريفية التي أرادت المؤسسة الدينية الرسمية في أورشليم أن تكون تابعة لها[3]. والذي حدث في تاريخ المسيحية الأولى، أن حركة اجتماعية نضالية نشأت في الريف الفلسطيني هي حركة يسوع الناصري، حركة تنتمي إلى التراث الصغير بحسب سكوت، تحولت إلى تراث كبير، بعد تحولها إلى العالمية وانتقالها إلى المدن الهلينستية في شرق المتوسط ومنها إلى كل أنحاء الإمبراطورية. وبذلك تغيرت الحركة في محتواها وقيمها وأفكارها الأساسية، واتخذت الطابع التنظيمي وتحولت إلى مؤسسة دينية رسمية.

إقرأ أيضًآ: المسيح والكولونيالية الرومانية في فلسطين القديمة: أولًا.. التخطيط الكولونيالي للأرض والسكان 

ويذهب سكوت إلى أن هذه الفروق بين التراث الكبير والتراث الصغير تظهر في حالات الانشقاق والتمرد، وخاصة عندما تُقدِم الإنتلجنسيا في المراكز الحضرية على إحداث تمرد أو انشقاق وتتبناه الطبقات الريفية[4]. وفي هذه الحالات يمكن للمرء أن يلاحظ تَشَكُّل “مجتمع ظل” shadow society، أي نمط اجتماعي من المواجهة البنيوية والهيكلية والمعيارية مع تراث النخبة الدينية والسياسية الحاكمة. وهذا هو بالضبط ما فعله يسوع الناصري وحركته، إذ هدفت هذه الحركة خلق مجتمع آخر، لا نقول إنه مجتمع الظل، بل مجتمع بديل، يقف ضد النخب الحاكمة في عصره، سواء كانوا هيروديين أو كهنة أو رومان، والحقيقة أن مواجهة كل هؤلاء ليسوع وعدائهم الصريح والمفتوح له كان نابعاً من إدراكهم خطورته وحقيقة ما يفعله، وأرادوا أن يقتلوه منذ وقت مبكر من دعوته؛ فعندما كان لا يزال يبشر في الجليل في مرحلة مبكرة من دعوته، تآمر عليه الفريسيون والهيروديون ليقتلوه: “فَخَرَجَ الْفَرِّيسِيُّونَ لِلْوَقْتِ مَعَ الْهِيرُودُسِيِّينَ وَتَشَاوَرُوا عَلَيْهِ لِكَيْ يُهْلِكُوهُ” (مرقس 3: 6). لكن لم يكن يسوع يريد أن ينشئ مجتمعًا بديلاً عن المجتمع الفلسطيني الريفي الموجود، بل كان يهدف تفعيل وتجديد القيم التراثية الأصلية لهذا المجتمع؛ ولهذا السبب كان يذهب إلى الناس في قراهم ويتحدث معهم في مجامعهم؛ على العكس من يوحنا المعمدان الذي كان الناس يذهبون إليه في معزله في الصحراء.

ولما كان يسوع يهدف تجديد وإحياء مجتمع دمرته الكولونيالية الأجنبية وعملاءها في الداخل، فقد كان حريصاً على تخليص هذا المجتمع من العنف، ذلك العنف الذي كان سمة العصر بسبب أفعال الإمبراطورية الرومانية. إن مجتمعًا دمره العنف الإمبراطوري يحتاج إلى أقصى درجات التسامح كي يستعيد تماسكه الداخلي، ويحتاج كذلك إلى أقصى درجات الاكتفاء الذاتي والابتعاد عن السلطة المركزية الرسمية، ولذلك نرى كيف أن وصية يسوع بالتسامح الأقصى مقرونة بالتحذير من الذهاب إلى المحاكم، لأن المحاكم هي محاكم السلطة وتحكم بقانون السلطة، ولما كان يسوع يهدف إحياء المجتمعات التي دمرها العنف الكولونيالي، فقد كان حريصًا على أن تكون هذه المجتمعات مستقلة عن السلطة المركزية، إذ يجب اعتزال محاكمها وقانونها: “وَلِمَاذَا لاَ تَحْكُمُونَ بِالْحَقِّ مِنْ قِبَلِ نُفُوسِكُمْ؟ حِينَمَا تَذْهَبُ مَعَ خَصْمِكَ إِلَى الْحَاكِمِ، ابْذُلِ الْجَهْدَ وَأَنْتَ فِي الطَّرِيقِ لِتَتَخَلَّصَ مِنْهُ، لِئَلاَّ يَجُرَّكَ إِلَى الْقَاضِي، وَيُسَلِّمَكَ الْقَاضِي إِلَى الْحَاكِمِ، فَيُلْقِيَكَ الْحَاكِمُ فِي السِّجْنِ. أَقُولُ لَكَ: لاَ تَخْرُجُ مِنْ هُنَاكَ حَتَّى تُوفِيَ الْفَلْسَ الأَخِيرَ” (لوقا 12: 57 – 59). هذه دعوة لحل المشكلات بين الناس دون اللجوء إلى القضاء، إلى محاكم السلطة، وهي دعوة لاعتزال السلطة المركزية التي في يدها “القانون” و”القضاء” و”السجن”.

فقدان الثقة في النخب الحاكمة

يلاحظ سكوت بوجه عام اضمحلالاً تدريجياً للثقة في النخب الحاكمة كلما نزلنا في سلم التراتب الاجتماعي والطبقي[5]، بحيث يحدث فقدان تام للثقة في النخبة في أسفل السلم الاجتماعي، أي لدى الطبقات الفقيرة والمعدمة والمهمشة. وقد كان يسوع يتوجه بخطابه إلى هؤلاء بالذات ويعمل وسطهم: ” طُوبَاكُمْ أَيُّهَا الْمَسَاكِينُ، لأَنَّ لَكُمْ مَلَكُوتَ اللهِ. طُوبَاكُمْ أَيُّهَا الْجِيَاعُ الآنَ، لأَنَّكُمْ تُشْبَعُونَ. طُوبَاكُمْ أَيُّهَا الْبَاكُونَ الآنَ، لأَنَّكُمْ سَتَضْحَكُونَ” (لوقا 6: 20 – 21)[6]؛ “المساكين” و”الجياع” و”الباكون” لهم “ملكوت الله”؛ فالدرجة الأخيرة الدنيا من السلم الاجتماعي الطبقي تأمل في أعلى شيء يتصوره الإنسان: “ملكوت الله”. إن ملكوت الله هو الصورة النقائضية لحالة الذين في أسفل السلم الاجتماعي الطبقي. إن موقعهم الطبقي يدفعهم لأن يحلموا بأعلى مكان يمكن أن يتخيله الإنسان: “ملكوت الله”. فكان من الطبيعي من موقعه الاجتماعي ومن مجال عمله أن يعمل وسط أناس فقدوا الثقة بالكامل في النخبة الدينية في أورشليم. وقد تحول فقدان الثقة هذا لدى يسوع إلى جدال معهم ثم إلى مواجهة وصراع، إلى أن أعلن من داخل الهيكل اتهامه الأساسي والأخير للكهنة “أَلَيْسَ مَكْتُوبًا: بَيْتِي بَيْتَ صَلاَةٍ يُدْعَى لِجَمِيعِ الأُمَمِ؟ وَأَنْتُمْ جَعَلْتُمُوهُ مَغَارَةَ لُصُوصٍ” (مرقس 11: 17). يسوع يتهم النخبة الدينية الحاكمة من داخل هيكل أورشليم بالسرقة وبأنهم لصوص، وبأنهم حولوا الهيكل إلى مخبأ لمسروقاتهم.

ومن أهم أسباب فقدان الثقة في كهنة أورشليم، تعاونهم المستمر طوال مئات السنين مع كل قوة احتلت فلسطين، من الفرس، إلى السلوقيين، إلى الرومان[7]. هذا التعاون كان يعد في نظر الشعب الخاضع خيانة وتفريطاً في الشريعة واستغلالاً للدين في إخضاع الناس. ولذلك كان يسوع معترضاً على الفهم الشعائري الطقوسي للدين لدى الفريسيين، فتحويل الدين إلى شعائر وطقوس يقلدها الناس ويسلمون بها على أنها تراث الآباء وقواعد قانونية صارمة تطبق كما هي، هو تحويله إلى أداة إخضاع في يد المؤسسة الدينية الرسمية، وما جعلها “مؤسسة” و”رسمية” سوى سلطة الاحتلال، سواء كانت فارسية أو سلوقية أو رومانية.

إقرأ أيضًا: المسيح والكولونيالية الرومانية في فلسطين القديمة: الجزء الثاني

وعلى أساس ثنائية التراث الكبير والتراث الصغير، فَلَنا أن نتساءل عن السياق الذي يمكن أن يكون يسوع قد طور فيه خطابه المضاد للتراث الكبير للمؤسسة الدينية الرسمية. بكلمات أخرى: من أين تعلم يسوع؟ كيف تشكل فكرياً ودينياً؟ ما هي الحاضنة التي أنضجت مواقفه وأفكاره؟ ونظراً لعدم وقوفنا على معلومات تاريخية مؤكدة، فإن الإجابة الأقرب إلى المعقولية التاريخية هي: يوحنا المعمدان وجماعة الإسينيين[8]. فقد كانوا من المعارضين لسلطة كهنة أورشليم، وكشفت لفائف البحر الميت التي تركتها جماعة الإسينيين عن مواجهة دينية للمؤسسة الدينية الرسمية في أورشليم[9]. فربما تعلم يسوع من هذه الحركات المعارضة والمقاومة والمنشقة في عصره.

تفسير عبارة “من ضربك على خدك الأيمن…”

كيف نفسر إذن هذه العبارة الشهيرة في السياق السياسي والاجتماعي الذي عاشه يسوع؟ لنرى ماذا يقول. “أحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ، أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ. مَنْ ضَرَبَكَ عَلَى خَدِّكَ فَاعْرِضْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا، وَمَنْ أَخَذَ رِدَاءَكَ فَلاَ تَمْنَعْهُ ثَوْبَكَ أَيْضًا. وَكُلُّ مَنْ سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ، وَمَنْ أَخَذَ الَّذِي لَكَ فَلاَ تُطَالِبْهُ. وَكَمَا تُرِيدُونَ أَنْ يَفْعَلَ النَّاسُ بِكُمُ افْعَلُوا أَنْتُمْ أَيْضًا بِهِمْ هكَذَا” (لوقا 6: 27 – 31). كانت هذه الوصايا هدفاً لتفسيرات كثيرة، أقربها إلى سياق يسوع التاريخي هو تفسير هورسلي[10] وتفسير رايت[11]. وهما يتفقان في القول بعدم التعارض بين هذه العبارة وطبيعة دعوة يسوع المقاومة والنضالية، فليس شرطًا في حركات المقاومة أن تتبع العنف، بل يمكن أن تكون سلمية، مثل حركة غاندي في تحرير الهند من الاستعمار البريطاني، والتي سميت بالمقاومة السلبية.

وقد كان هناك تفسير آخر أسبق، يقول إن هذه الوصايا ليست لكل الناس بل لتلاميذ يسوع  فقط، أو لهم وللدائرة المتحلقة حولهم وعددها يبلغ حوالي سبعين شخصاً، وبذلك تكون هذه الوصايا توجيهاً للمبشرين، تطلب منهم تحمل أقصى درجات العنف في سبيل نشر الدعوة، والظهور بمظهر السلمية التامة والهدوء والاستكانة لتقديم نموذج للناس، ولتجنب الانجرار إلى العنف إذا ما قابلوا العنف بالعنف، ففي معركة العنف فالأكثر عنفاً هو الذي ينتصر. أي أن الوصايا هدفها دعوي وتكتيكي، وهي عملية تنظيم داخلي لقيادات الحركة.

لكن التفسير الذي أميل إليه هو القائل إن يسوع بهذه الوصايا كان يريد تقديم المعتدي على أنه معتدٍ، بصراحة ووضوح، وإقامة هوة سحيقة بينه وبين الذين اعتدوا عليه؛ خاصة وأن عبارة يسوع تعني أن الضرب هو بظهر الكف، فالذي يتلقى ضربة على خده الأيمن، مضروب بظهر اليد، وهي ضربة في سياق الإهانة والإذلال؛ وإذا رد الشخص الضربة فسوف يتحول الموقف إلى شجار ومعركة، لكن الهدف هو تجنبها، وإدانة المعتدي وإبقائه على حالته معتديًا. وهذا أسلوب في المقاومة وليس استسلامًا.

إن الريف القديم كان يختلف عن الريف الآن، في العصر الصناعي التكنولوجي. لقد تحول العالم كله الآن إلى “قرية” واحدة، وكلمة “قرية” إشارة إلى ضغط المسافات والزمان والقرب الافتراضي الذي أحدثته وسائل الاتصال الحديثة. لم يعد هناك ريف في عالمنا المعاصر بمعناه القديم. إن قرية الناصرة التي عاش فيها يسوع الناصري كانت تبعد ثلاثة أميال عن مدينة صفورية، وهي مدينة هلينستية أنشأها هيرود أنتيباس كي تكون مسكناً للنخب الغنية في المنطقة، وبين الناصرة وصفورية هوة سحيقة، طبقية وثقافية وحضارية. سكان القرى الآن يملكون كل تكنولوجيا الاتصال الحديثة، وبعض وسائل الترفيه والرفاهية، لكن الناصرة وصفورية في عصر يسوع الناصري كانتا تنتميان إلى عالمين مختلفين ومتناقضين.

السياق الكولونيالي والطبقي لثنائية التراث الكبير والتراث الصغير

يذهب سكوت إلى أن درجة قُرب أو بُعد ثقافة النخبة الممثلة للتراث الكبير من التراث الصغير للريف تعتمد على طبيعة هذه الثقافة وكيفية تطورها. فإذا كانت النخبة محلية ناشئة من البلد نفسه وثقافته محلية، يصير تراثها الثقافي الكبير قريباً من ثقافة الريف أو على الأقل ليس بعيداً عنها كثيرًا، وهذا هو حال النخب مع الريف في الحضارات القديمة مثل مصر والهند والصين. أما إذا كانت النخبة آتية من خارج البلاد أو الإقليم، مزروعة فيه مثل الشتلة، ومستوردة بالكامل، تصير ثقافتها ومن ثم تراثها غريباً عن المنطقة وتظهر فجوة هائلة بينها وبين الثقافة المحلية للريف[12]. وهذا هو حال المدن الهلينستية في سوريا الكبرى بما فيها فلسطين؛ لقد كانت نخباً مستوردة آتية من خارج الإقليم ولم تنشأ داخله، وحتى المولودين في الإقليم ينتمون إلى تلك الثقافة المستوردة لا إلى ثقافة السكان الأصليين. هذا علاوة على أن الثقافة الهلينستية كانت هي ثقافة المُستعمِر الذي أتى ليحتل الأرض ويستوطنها، احتلالاً استيطانياً شبيهاً بالاحتلال الصهيوني لفلسطين الآن، وكانت المدن التي أنشأها عبارة عن مراكز حكم وسيطرة على السكان المحليين في علاقة كولونيالية واضحة.

ولم يكن أغلب العلماء الكتابيين في الغرب واعين بالسياق الكولونيالي الذي عاشه يسوع الناصري وتكونت في ظله الجماعة الأولى من أتباعه في فلسطين “الرومانية”، والذين كانوا على علم بهذا السياق لم يعترفوا به وتجاهلوه، وظلوا يدرسون تاريخ شرق المتوسط على أنه شهد صراعًا ثقافيًا بحتًا بين ما أسموه “الهلينية” وما أسموه “اليهودية”. وهذا طبيعي ومتوقع من باحثين يعيشون داخل الإمبراطوريات الأوروبية الحديثة، تم تشكيل وعيهم في سياق الكولونيالية الغربية، وهم من داخل الإمبراطورية لا يرونها ولا يشعرون بها لأنهم غير متأثرين بها، فالإمبراطورية لا تُرى إلا من خارجها، ولا يشعر بها إلا من عانى منها. وبذلك سيطرت على أذهان الباحثين الغربيين ثنائية “اليهودية والهلينية”بوصفها ثنائية ثقافية سادت فيها اختلافات حول “طريقة الحياة”، والنظرة إلى العالم، بعض الرؤى الفلسفية المتعلقة بموقع الإنسان في العالم ومصيره، وبذلك غاب عن هؤلاء الباحثين المحدد الأساسي لكل صراعات ذلك العصر وهو السياق الكولونيالي. وهذا ما نجده واضحًا لدى العالِم الكتابي الألماني مارتن هنجل Martin Hengel (1926 – 2009) الذي أقام مشروعه البحثي على أساس رصد تاريخ التفاعل بين الثقافة الهلينية والثقافة اليهودية في فلسطين، في سلسلة كتب أهمها “اليهودية والهلينية” Judaism and Hellenism، وركز في دراسته على الفترة من غزو الإسكندر وإلى ظهور المسيحية[13]، لكن ما لم ينتبه إليه في دراساته هو السياق الكولونيالي لذلك التفاعل بين الثقافتين. فالثقافة الهلينية هي ثقافة المستعمر الغربي، والتراث العبراني هو ثقافة وتراث السكان الخاضعين. ولم يكن يسوع الناصري موفقًا بين الثقافتين كما ذهب هنجل وغيره كثيرون من الغربيين، بل كان يقف في صف المضطهدين الخاضعين، الذين ذكرهم مرارًا وتكرارًا في أقواله، وكان واحدًا منهم.

وللمزيد من التأكيد على أن السياق الاجتماعي والسياسي الذي عاشه يسوع الناصري هو السياق الكولونيالي الذي يفسر لنا دعوته ومضمون أفكاره ومبادئه، نشير إلى أن الفجوة الطبقية في عصره كانت من صنع هذا النظام الكولونيالي. يذهب سكوت إلى أن الغزو الكولونيالي لأي منطقة يزيد من الفجوة والانشقاق الحاد بين التراث الصغير للسكان الأصليين من جهة، وثقافة النخبة الحاكمة من جهة أخرى. فعلى المستوى الثقافي تعمل الكولونيالية على الدوام على جذب النخب المحلية إليها، وتسعى النخب المحلية بدورها إلى تقليد ثقافة المحتلين، فتتبنى أزياءها ولغتها وعاداتها، وتسكن في المدن الكولونيالية التي تصير مناسبة للعيش في نمط الحياة النخبوي للمحتل، وبذلك يزداد انفصالها عن مجتمعها المحلي الأصلي، وتغترب عنه ويغترب عنها. ويضرب سكوت مثالاً على ذلك بالنخبة الغنية الحاكمة في مدينة سان بطرسبرج في عصر الحكم القيصري، إذ تكلمت اللغة الفرنسية وتبنت العادات والتقاليد الفرنسية وكانت بعيدة عن محيطها الروسي الريفي الأصلي[14]. وكذلك الحال بالنسبة لكل نخبة محلية تميل إلى أسلوب حياة قوة الاحتلال، مثل مصر في العصر الملكي. وفي عصر يسوع في القرن الأول كان هذا هو الحال كذلك، فقد كانت النخب اليهودية في فلسطين مُتَهَليِنة بالكامل، وكان بلاط الملك هيرود أنتيباس وعائلته مطبوعاً بثقافة يونانية وتعليم وعادات رومانية، إذ أرسل هيرود الكبير أبناءه إلى روما منذ صغرهم كي يكتسبوا العادات والتقاليد والثقافة الرومانية[15]، فكانوا روماناً بالاكتساب والتربية والتعليم، ثم حكموا فلسطين وشعبها الريفي الفقير وكأنهم قوة احتلال.

وكان الحكم عن طريق نخب محلية تابعة هو السياسة التي اتبعتها كل الإمبراطوريات، القديمة والحديثة، وهو جزء من السياسة الكولونيالية؛ فليس شرطاً أن تحكم قوة الاحتلال بنفسها. وهذا هو ما فعلته كل الإمبراطوريات التي احتلت فلسطين ابتداءً من الفرس، الذين أعادوا النخب اليهودية الغنية من الأَسْر في بابل إلى أورشليم (538 ق.م.)، ووضعوهم كهنة لهيكل أورشليم بعد إعادة بنائه. وبذلك خلق الفرس مؤسسة دينية رسمية يهودية، تابعة لهم وتحكم الإقليم كله نيابة عنهم وفي ظل سيادتهم[16]، والهدف هو ألا يتعامل الفرس مباشرة مع السكان العبرانيين، بل تتعامل معهم النخب المحلية التي تشترك معهم في الدين والتراث الثقافي، وكي لا يحدث صدام واحتكاك مباشر بين الفرس والعبرانيين، ففي حالة العصيان والتمرد، يكون الكهنة هم من يتعرضون للصدام.  ويجب أن نتذكر أن الكهنة عندما ناصبوا يسوع الناصري العداء وألقوا القبض عليه وحاكموه، فقد كانوا خاضعين للرومان في الأصل، وكان الرومان هم الذين وضعوهم في مناصبهم، وهم الذين خلقوا هذا الوضع الذي يلزم الكهنة بتسليم أي متمرد إلى الحاكم الروماني؛ هذا الوضع يجعل النخبة المحلية الحاكمة (كهنة أورشليم) في صدام مباشر مع حركات المقاومة، دون أن تتلوث يد الرومان في التعامل المباشر مع هذه الحركات.

مواجهة يسوع تراث النخبة الدينية والصيغة الرسمية للديانة العبرانية

ومن الفرس وعبر الحكم السلوقي إلى الحكم الروماني، عملت النخبة الدينية المسيطرة في أورشليم على تطويع التراث الديني العبراني لتسكين الشعب وتطويعه وجعله يقبل الحكم الأجنبي باعتباره قَدَرًا من الله وعقاباً للشعب على معاصيه وخطاياه، وإشغال الشعب بالشعائر والطقوس الدينية حتى يعتقد أنها هي الدين نفسه. وقد واجه يسوع هذه الممارسات، وأدان إظهار الشعائر في العلن باعتباره رياءً: “وَمَتَى صَلَّيْتَ فَلاَ تَكُنْ كَالْمُرَائِينَ، فَإِنَّهُمْ يُحِبُّونَ أَنْ يُصَلُّوا قَائِمِينَ فِي الْمَجَامِعِ وَفِي زَوَايَا الشَّوَارِعِ، لِكَيْ يَظْهَرُوا لِلنَّاسِ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُمْ قَدِ اسْتَوْفَوْا أَجْرَهُمْ! وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صَلَّيْتَ فَادْخُلْ إِلَى مِخْدَعِكَ وَأَغْلِقْ بَابَكَ، وَصَلِّ إِلَى أَبِيكَ الَّذِي فِي الْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً” (متى 6: 5 – 6).

كما أن تحميل الناس مسئولية فقرهم واحتلال بلادهم بحجة أنهم خطاة وعصاة هو نوع من لوم الضحية، ونوع من التلاعب بضمائرهم وحسهم الديني. ولذلك فتح يسوع أمامهم باب التوبة، مباشرة دون موافقة الكهنة ودون توجيه منهم، فكان رد الكهنة هو الاعتراض على يسوع بقولهم كيف يغفر الخطايا وبأي سلطة يتكلم؟ كما اتهموه بالتجديف عندماغفر لخطايا المفلوج: “وَإِذَا مَفْلُوجٌ يُقَدِّمُونَهُ إِلَيْهِ مَطْرُوحًا عَلَى فِرَاشٍ. فَلَمَّا رَأَى يَسُوعُ إِيمَانَهُمْ قَالَ لِلْمَفْلُوجِ: «ثِقْ يَا بُنَيَّ. مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ». وَإِذَا قَوْمٌ مِنَ الْكَتَبَةِ قَدْ قَالُوا فِي أَنْفُسِهِمْ: «هذَا يُجَدِّفُ!» فَعَلِمَ يَسُوعُ أَفْكَارَهُمْ، فَقَالَ:«لِمَاذَا تُفَكِّرُونَ بِالشَّرِّ فِي قُلُوبِكُمْ؟ أَيُّمَا أَيْسَرُ، أَنْ يُقَالَ: مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ، أَمْ أَنْ يُقَالَ: قُمْ وَامْشِ؟ وَلكِنْ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لابْنِ الإِنْسَانِ سُلْطَانًا عَلَى الأَرْضِ أَنْ يَغْفِرَ الْخَطَايَا». حِينَئِذٍ قَالَ لِلْمَفْلُوجِ:«قُمِ احْمِلْ فِرَاشَكَ وَاذْهَبْ إِلَى بَيْتِكَ!» فَقَامَ وَمَضَى إِلَى بَيْتِهِ. فَلَمَّا رَأَى الْجُمُوعُ تَعَجَّبُوا وَمَجَّدُوا اللهَ الَّذِي أَعْطَى النَّاسَ سُلْطَانًا مِثْلَ هذَا” (متى 9: 2 – 8). لن يعود غفران الخطايا في يد الكهنة، بل في يد الناس، فهم الذين سيملكون القدرة على غفران خطاياهم، لقد علمهم يسوع كيف يفعلون ذلك وأفهمهم أن الله منحهم هذه السلطة: “.. وَمَجَّدُوا اللهَ الَّذِي أَعْطَى النَّاسَ سُلْطَانًا مِثْلَ هذَا”. لقد كانت السلطة الدينية تنهار أمام يسوع وعلى يده، ويجب أن تتحرك سريعاً. لكنه ذهب إليها في عقر دارها، في هيكل أورشليم، ووقف في وسطه وقال: “.. مغارة لصوص”، فتم القبض عليه بعد ثلاثة أيام وأُعدِم صباح اليوم التالي حسب الأناجيل[17].

تعاون النخبة المحلية مع القوة الكولونيالية

إن تعاون النخبة الدينية الحاكمة في أورشليم مع الرومان، ومن قبلهم مع كل قوة احتلال من فرس وسلوقيين، سيجعلهم في نظر الشعب خونة، للبلاد وللدين معاً، متواطئين مع الحاكم ويساعدونهم على تطويع الشعب. إن عبارة “اعطوا ما لقيصر لقيصر” يمكن أن تكون صادرة من النخبة الدينية الحاكمة المتواطئة مع الرومان والتي تهدف تسكين وتهدئة الشعب، لا من يسوع الناصري الذي واجه نفس هذه السلطة الدينية بالذات. لكن الواضح أنه قالها بمعنى آخر مختلف عن السياق التواطئي للنخبة الحاكمة. ربما قالها تقليداً هزليًا ساخرًا لموقفهم أو كشفاً لهذا الموقف أمام الناس، على سبيل السخرية أو التقليد الساخر mimicry/ mockery. لقد ردد أمامهم موقفهم الرسمي المعلن، في سياق من المعنى المستور.

طريقة تعامل يسوع مع النخب الدينية المتعلمة

يذهب سكوت إلى أنه في المجتمعات السابقة على الصناعة الحديثة والتي وصلت إلى مرحلة متقدمة من الحضارة، يشهد المجتمع طبقة حاكمة متعلمة، وطبقة محكومة أمية. الطبقة الحاكمة تحتكر الكتابة، وتقدم للطبقة المحكومة المعايير الاجتماعية والدينية المناسبة والصحيحة، من وجهة نظرها[18]. إن معرفة القراءة والكتابة سلطة في المجتمعات القديمة، خاصة إذا كانت في يد النخبة الحاكمة. كان هذا هو وضع فلسطين في عصر يسوع الناصري. فقد احتكرت النخبة الدينية المعرفة الدينية والتراث الديني، واحتكرت تفسير الدين وتقديم النسخة الخاصة بها عن الدين للناس. وكثيراً ما نجد أن من الفئات الدينية التي واجهت يسوع فئة “الكتبة”. كيف واجه يسوع هذه السلطة؟ بأن حاورها بأسلحتها، أي بالنصوص. لقد كان رجال الدين نصوصيين، يوظفون النصوص لتدعيم سلطتهم؛ واجههم يسوع بنفس سلاحهم: النصوص.

ولذلك نراه يردد كثيراً عبارات “هذا المكتوب”، “كما هو مكتوب”،”أليس مكتوباً…”. إنه يستخدم سلاحهم النصوصي في صراعهم معه:

1) فعندما اعترض عليه الفريسيون والكتبة لأن تلاميذه لا يغسلون أياديهم قبل الطعام قال: “«حَسَنًا تَنَبَّأَ إِشَعْيَاءُ عَنْكُمْ أَنْتُمُ الْمُرَائِينَ! كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: هذَا الشَّعْبُ يُكْرِمُنِي بِشَفَتَيْهِ، وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيدًا” (مرقس 7: 6)، إنه يواجههم بالمكتوب في سفر إشعياء، ويواجه الكتبة بما هو مكتوب، ينتصر عليهم بسلاحهم، النصوص.

2) وعندما كان يُعلِّم في الهيكل، واجهه رؤساء الكهنة والكتبة والشيوخ، فقال لهم: “أَمَا قَرَأْتُمْ هذَا الْمَكْتُوبَ: الْحَجَرُ الَّذِي رَفَضَهُ الْبَنَّاؤُونَ، هُوَ قَدْ صَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ؟” (مرقس 12: 10)؛ إنه يتحدث مع رؤساء الكهنة والكتبة والشيوخ، أي مع النخبة الدينية الحاكمة، المؤسسة الدينية الرسمية، ويقول لهم “أما قرأتم هذا المكتوب؟”، إنه يتحداهم بسلاحهم، سلاح النصوص، ويثبت لهم أن النصوص تشهد ضدهم وتدينهم.

3) وعندما قلب موائد الصيارفة داخل الهيكل وطردهم، قال: “أَلَيْسَ مَكْتُوبًا: بَيْتِي بَيْتَ صَلاَةٍ يُدْعَى لِجَمِيعِ الأُمَمِ؟ وَأَنْتُمْ جَعَلْتُمُوهُ مَغَارَةَ لُصُوصٍ” (مرقس 11: 17)؛ مرة أخرى، يتحداهم بالنصوص ويبين أن النصوص تدينهم.

لقد كانوا ينظرون إليه على أنه ريفي غير متعلم، فمن الطبيعي أن تتعالى النخبة الدينية المتعلمة على العامة والبسطاء والريفيين، ويسوع نجار من الجليل، فكان صغيراً هيناً في أعينهم؛ النجارة حرفة يدوية، والحرف اليدوية مُحتقرة في ذلك الزمان، والجليل كذلك كان منطقة ريفية فقيرة وكان يُنظَر إلى سكانه نظرة استعلائية تحقيرية. وفي مواجهة هذه النظرة وفي المقابل تحداهم يسوع بمنطقهم، منطق النصوص، فلن يحتكروها بعد الآن ولن يحتكروا تفسيرها وتأويلها؛ لقد وظفها يسوع ضدهم، أدان اللصوص بالنصوص. لقد دخل عرين الأسد، المؤسسة الدينية الرسمية الحافظة للتراث الديني العبراني المكتوب، واتهم حفظة التراث المكتوب بما هو مكتوب. ولذلك ومنذ هذه اللحظة قرروا التخلص منه: “فَطَلَبُوا أَنْ يُمْسِكُوهُ، وَلكِنَّهُمْ خَافُوا مِنَ الْجَمْعِ، لأَنَّهُمْ عَرَفُوا أَنَّهُ قَالَ الْمَثَلَ عَلَيْهِمْ. فَتَرَكُوهُ وَمَضَوْا” (مرقس 12: 12).

وقوف يسوع ضد نخبوية الفريسيين

امتلأت الأناجيل بنصوص تسجل مواجهات بين يسوع والفريسيين. وليست هذه المواجهات بين تصور روحي عن الدين يقدمه يسوع، في مقابل تصور طقوسي شريعوي يمثله الفريسيون، بل إن هذه المواجهة هي في حقيقتها مواجهة نخبوية دينية مثَّلها الفريسيون ونظرة استعلائية حملوها ضد الشعب، وضد أتباع يسوع أيضاً. إن تقاليد الفريسيين نخبوية، شعائرهم مثل غسل الأيدي والأكواب تتطلب ماءً وفيراً ووقتاً طويلاً غير متاح للفلاحين. وقد لاموه لأنه هو وتلاميذه لا يطيعون قواعدهم، فهاجمهم هجوماً عنيفاً. “وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ الْفَرِّيسِيُّونَ وَقَوْمٌ مِنَ الْكَتَبَةِ قَادِمِينَ مِنْ أُورُشَلِيمَ. وَلَمَّا رَأَوْا بَعْضًا مِنْ تَلاَمِيذِهِ يَأْكُلُونَ خُبْزًا بِأَيْدٍ دَنِسَةٍ، أَيْ غَيْرِ مَغْسُولَةٍ، لاَمُوا. لأَنَّ الْفَرِّيسِيِّينَ وَكُلَّ اليهود إِنْ لَمْ يَغْسِلُوا أَيْدِيَهُمْ بِاعْتِنَاءٍ، لاَ يَأْكُلُونَ، مُتَمَسِّكِينَ بِتَقْلِيدِ الشُّيُوخِ. وَمِنَ السُّوقِ إِنْ لَمْ يَغْتَسِلُوا لاَ يَأْكُلُونَ. وَأَشْيَاءُ أُخْرَى كَثِيرَةٌ تَسَلَّمُوهَا لِلتَّمَسُّكِ بِهَا، مِنْ غَسْلِ كُؤُوسٍ وَأَبَارِيقَ وَآنِيَةِ نُحَاسٍ وَأَسِرَّةٍ” (مرقس 7: 1 – 4). هذه هي النخبوية الدينية للفريسيين والكتبة القادمين من أورشليم، أي من المؤسسة الدينية الرسمية هناك، والذين أرادوا فرض تصورهم عن الدين على الريف في الجليل. وأعتقد أن عبارة “كل اليهود” تعني “كل اليهوذيين”، أي سكان إقليم يهوذا، الذين ربما وصلهم بقوة أشد التعاليم النخبوية للمؤسسة الرسمية لقرب أورشليم من يهوذا، أما الجليل فبعيد نسبياً ولم يكن في الدائرة القريبة من تأثير أورشليم.

إقرأ أيضًا: المسيح والكولونيالية الرومانية في فلسطين القديمة: الجزء الثالث

إن التراث الصغير في حالة يسوع الناصري هو تراث الأنبياء العبرانيين الذي تعرض للتهميش من جراء سيطرة المؤسسة الدينية الرسمية؛ وكان الصراع بين الأنبياء والكهنة قديمًا ومتواصلًا قبل الميلاد بقرون عديدة، وكان الأنبياء زعماء شعبيين يدافعون عن الشعب في مواجهة المؤسسة الدينية التي كانت سلطوية على الدوام وتتمتع بامتيازات خاصة بها وتتحالف على الدوام مع النظم الحاكمة سواء في عصر الملكية أو في عصر الاحتلال الأجنبي. وقد كان سكوت على حق عندما ذهب إلى أنه مهما كانت درجة سيطرة الطبقات السائدة على الناس إلا أنها لا تنجح على الدوام في فرض رؤيتها للعالم على كل المجتمع وكل الطبقات الخاضعة لها[19]. لكن ذهاب سكوت إلى أن هذه السيطرة لا تتم إلا على نحو تفاوضي لوصول إلى نقطة في الوسط، بين الفرض الكامل لرؤية الطبقات السائدة والرفض الكامل لها، لا ينطبق على حالة فلسطين في عصر يسوع، إذ كان يسوع رافضاً بالمطلق لرؤية وأفكار طبقة الكهنوت اليهودي الرسمي. لكن سكوت على حق عندما يقول إننا كلما نزلنا في سلم التدرج الاجتماعي والطبقي زاد شك الطبقات الشعبية في رؤية الطبقة السائدة للعالم.

ويذهب سكوت إلى أن من أهم أسباب التوتر والصراع بين التراث الكبير والتراث الصغير، أن كلًا منهما يمثل طبقة اجتماعية تتناقض في طريقة حياتها المادية والثقافية مع الطبقة الأخرى، وتتصادم مصالحها مع الأخرى كذلك. “فالمعبرون عن التراث الكبير في مجتمع زراعي يعيشون على القيمة الزائدة التي يستحوذون عليها من المزارعين في أشكال عديدة مثل الضرائب والجزية وعمل السخرة والإيجار العقاري”[20]. وعندما يفوق ما تطالب به النخبة قدرة الفلاحين على الدفع أو تعمل على إفقارهم وتزيد من شقائهم، يقاومون هذه المطالب باعتبارها غير عادلة. وبالتالي فمن داخل علاقة الإخضاع التي تفرضها النخبة على الفلاحين، تظهر حدود حاسمة لهذه العلاقة لا يمكن للنخبة أن تتجاوزها وإلا واجهت عصياناً ورد فعل مقاوم من الفلاحين، وأول رد فعل هو مواجهة التراث الكبير للنخبة ورفضه. وفي حالة يسوع الناصري، فإن التراث الصغير الذي مثله والذي قدمه عملياً للناس، لم يكن في الحقيقة تراثاً صغيراً، إذ قدمه على أنه هو رسالة الله الأصلية إلى العبرانيين والتي تعرضت للتشويه من قبل الكهنة والفريسيين. لم يكن يسوع يقدم تعاليمه على أنها “تراث صغير” فرعي ومنشق عن التراث الكبير، بل هو قد قدم التراث الكبير نفسه على أنه هو المنشق والمنحرف عن رسالة الله الأصلية. ولذلك نراه يدافع عن نفسه ضد اتهام المؤسسة الدينية الرسمية بأنه نقض الناموس، أي الشريعة: “لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ. فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِلَى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ” (متى 5: 17 – 18). تميل المؤسة الدينية ودينها الرسمي في كل عصر إلى تقديم نفسها على أنها ممثلة للدين الحق وللشريعة، وأن كل من يخالفها مخالف للشريعة، وقد وقف يسوع ضد هذا الاتهام، بل قد أوضح أنهم هم الذين نقضوا الشريعة.

وبالتالي فإن ما وصفه سكوت على أنه علاقة تفاوضية بين الطبقة المهيمنة والطبقات الخاضعة، وعلى أن الطرفين ينتهيان إلى حل وسط تفاوضي بينهما وليس مجرد خضوع كامل، لا ينطبق على حالة يسوع مع المؤسسة الدينية في عصره. فلم تكن أحوال فلسطين في عصره تسمح بذلك، ولم تكن شخصية يسوع وتكوينه النفسي والعقلي يسمحان بمثل هذا التفاوض، إذ كان حاسماً لا يقبل التفاوض ولا الحلول الوسطى: ” قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَزْنِ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا، فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ. فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ الْيُمْنَى تُعْثِرُكَ فَاقْلَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ، لأَنَّهُ خَيْرٌ لَكَ أَنْ يَهْلِكَ أَحَدُ أَعْضَائِكَ وَلاَ يُلْقَى جَسَدُكَ كُلُّهُ فِي جَهَنَّمَ. وَإِنْ كَانَتْ يَدُكَ الْيُمْنَى تُعْثِرُكَ فَاقْطَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ، لأَنَّهُ خَيْرٌ لَكَ أَنْ يَهْلِكَ أَحَدُ أَعْضَائِكَ وَلاَ يُلْقَى جَسَدُكَ كُلُّهُ فِي جَهَنَّمَ” (متى 5: 27 – 30). تكشف هذه الأقوال عن شخصية يسوع الحاسمة، فمن يقول بهذا الكلام ليس مفاوضاً.

وبالإضافة إلى الأسباب العديدة التي تدفع الفلاحين إلى مقاومة التراث الكبير للنخبة الحاكمة، فهناك سبب آخر يذكره سكوت، وهو أن التراث الكبير يحمل في داخله استعلاءً على الفلاحين، ونظرة دونية إليهم، ومعاملتهم دوماً على أنهم وضعاء، مما يدفعم إلى الرفض والمقاومة[21]. وفي عصر يسوع كان الاستعلاء على الفلاحين مزودجاً، يأتي من نخبتين لا نخبة واحدة. فالنخبة الأولى هي طبقة الكهنة ورؤساء الكهنة والفريسيين، الذين حافظوا على معايير قاسية وشكلية للتدين والتزاماً دينياً شاقاً على الفلاحين. هذا علاوة على العنصر الإقليمي الذي كان يزيد من حدة التوتر بين كهنة أورشليم وسكان الجليل البسطاء. كانت أورشليم في عصر يسوع تمثل المؤسسة الدينية الرسمية، وهي بطبيعتها تنظر باستعلاء إلى سكان الأقاليم الريفية مثل الجليل، وقد كان سكان الجليل يتكلمون بلكنة خاصة بهم تختلف عن لكنة أهل يهوذا، ولذلك فعندما أنكر بطرس معرفته بيسوع وهو يراقبه في ساحة بيت رئيس الكهنة، شهدت عليه جارية وقالت أنه كان مع يسوع “الجليلي”، وعرفه الناس هناك أنه من الجليل من لكنته: “وَبَعْدَ قَلِيل جَاءَ الْقِيَامُ وَقَالُوا لِبُطْرُسَ:«حَقًّا أَنْتَ أَيْضًا مِنْهُمْ، فَإِنَّ لُغَتَكَ تُظْهِرُكَ!»” (متى 26: 73)؛ وتعني عبارة “أنت منهم”، أي من الجليليين؛ لقد كان يسوع وجماعته يُعرفون داخل أورشليم على أنهم جليليون، أي على أنهم مختلفون عن أهل أورشليم ويتصفون بخصائص تطبعوا بها من إقليمهم.

الاتهام الديني بالتجديف في إطاره الطبقي

عندما اتهم الفريسيون والكتبة يسوع بالتجديف فيجب أن نضع هذا الاتهام “الديني” في سياقه السياسي والطبقي. إنه اتهام سياسي بالدرجة الأولى، صادر من طبقة حاكمة ضد أحد أفراد الطبقة الخاضعة، ومن طبقة ترى في نفسها صاحبة الحق في إصدار أحكام بالتجديف على الناس. ومن جهة أخرى فإن اتهامهم ليسوع بالتجديف هو جزء من الحرب السلطوية – الطبقية بين النخبة الحاكمة التي هي الكهنوت الديني اليهودي والفئات المفترض خضوعها لهذه الطبقة، أي أنه هجوم من طبقة على أخرى في سياق صراعي سياسي يأخذ الشكل الديني. وكان رد يسوع مواجهة صدامية معهم تتفق مع السياق الصراعي. وكان الاتهام بالتجديف قد صدر في حقه مرتين في إنجيل متى، المرة الأولى عندما غفر للمفلوج فاتهمه الكتبة بالتجديف بحجة أن من يقدر على غفران الخطايا هو الله فقط (متى 9: 3)؛ والمرة الثانية عندما اتهمه رئيس الكهنة بالتجديف أثناء استجوابه (متى 26: 65).

التراتبية السلطوية للمؤسسة الدينية الرسمية ورسالة يسوع الأصلية

كان يسوع ضد التراتبية السلطوية للمؤسسة الدينية الرسمية في عصره، وكل تعاليمه تشير إلى أنه رفض أن يكون الدين حكراً في يد فئة محترفة تستولي عليه لحسابها الخاص وتستخدمه كقوة إخضاع للناس. وكان يقول: “تَحَرَّزُوا مِنَ الْكَتَبَةِ، الَّذِينَ يَرْغَبُونَ الْمَشْيَ بِالطَّيَالِسَةِ، وَالتَّحِيَّاتِ فِي الأَسْوَاقِ، وَالْمَجَالِسَ الأُولَى فِي الْمَجَامِعِ، وَالْمُتَّكَآتِ الأُولَى فِي الْوَلاَئِمِ. الَّذِينَ يَأْكُلُونَ بُيُوتَ الأَرَامِلِ، وَلِعِلَّةٍ يُطِيلُونَ الصَّلَوَاتِ. هؤُلاَءِ يَأْخُذُونَ دَيْنُونَةً أَعْظَمَ” (مرقس 12: 38 – 40). لكن تاريخ البشر هو ميدان الجدل، فشهدت المسيحية تكونًا لمؤسسة دينية في شكل الكنيسة. لكن ظلت حياة يسوع وتعاليمه الأصلية مصدر إلهام لحركات اجتماعية ثورية دعت إلى المساواة التامة وإنهاء كل الامتيازات الخاصة والفروق الطبقية، وهي المسماة بالحركات المسيحية الشعبية والحركات الألفية، وكانت كلها ضد مؤسسة الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، تماماً كما كان يسوع ضد المؤسسة الدينية الرسمية في عصره. ومن هذه الحركات، حركة سافونارولا (1452 – 1498)، وحركة توماس مونتسر، (1489 – 1525)، والجانب الديني من حرب الفلاحين في ألمانيا (1524-1525). لقد بقيت رسالة يسوع الأصلية حية، بل تم استخدمها لمواجهة الكنيسة ذاتها؛ وخاصة ما قاله يسوع عن سنة الغفران Jubilee year، السنة التي تُلغى فيها كل الديون ويتحرر كل العبيد المرتهنين من أجل الديون وتعود كل العقارات المرهونة إلى أصحابها. وفي حين كان تركيز المسيح على مملكة الله التي فهمها على أنها مجيء سنة الغفران أو سنة اليوبيل، فهمها اللاحقون على أنها هي الكنيسة وهي المجيء الثاني للمسيح Parousia.

إقرأ أيضًا: ومَنْ سَخَّرَكَ مِيلاً وَاحِداً فَاذْهَبْ مَعَهُ اثْنَيْنِ المسيح والطرق الرومانية في فلسطين القديمة

يقول سكوت إن التراتبية السلطوية والطبقية تستثير في حد ذاتها وبمجرد وجودها التوجهات المساواتية وتعمل على تصعيد حركات الاعتراض والمقاومة ضدها: “يبدو أن كل تراتبية اجتماعية تخلق إمكانية وجود عالم مقلوب”[22]، أي يقلب هذه الهيراركية رأساً على عقب. وهذا هو ما حدث في عصر يسوع، فقد استثارت المؤسسة الدينية الرسمية اليهودية بتراتبيتها المتعددة المستويات وصرامتها (فريسيون – كتبة – ناموسيون – كهنة – رؤساء كهنة – رئيس الكهنة) المشاعر والتوجهات المساواتية التي ترفض هذه التراتبية كلها وتعصف بها وتقلبها رأساً على عقب، حتى ظهر يسوع على أنه انقلابي، فقد “قلب” موائد الصيارفة، وطردهم من الهيكل، وقبل ذلك كان يقول: “.. كَثِيرُونَ أَوَّلُونَ يَكُونُونَ آخِرِينَ، وَآخِرُونَ أَوَّلِينَ” (متى 19: 30). والقول بأن الأولين سيصيرون آخرين والآخرين أولين هو انقلاب للأوضاع القائمة بالمعنى الحرفي.

تحول الانشقاق الصغير إلى مواجهة عنيفة

يقول سكوت: “عندما لا يتسامح ممثلو التراث الكبير مع الهرطقات الصغيرة، يمكن للمواجهة أن تتحول إلى شكل من المقاومة المفتوحة”[23]. والحقيقة أن هذا هو ما حدث في فلسطين القرن الأول، من عصر يسوع الناصري (30 م.) إلى الحرب اليهودية (66 م – 70 م). فعندما لم تتسامح النخبة الدينية الحاكمة مع ما اعتقد أنه هرطقة قدمها يسوع الناصري، أو انشقاق وتمرد بالمعنى السياسي، وسلمته للرومان كي يصلب، تصاعدت وتيرة العنف لدى جماهير اليهود حتى تحولت إلى حرب شاملة ضد كل السلطات: النخبة الدينية والهيروديون والرومان. لقد كانت الحرب اليهودية ضد كل أعداء يسوع الذين حاولوا الإيقاع به. وفي حين يضرب سكوت أمثلته مما حدث في الحرب الأهلية الإنجليزية، فإن المثال الأوضح هو فلسطين في القرن الأول الميلادي. لقد واجهت المؤسسة الدينية الرسمية يسوع الناصري كما تواجه أي مؤسسة زعيماً دينياً شعبياً أو نبياً، وكانت المؤسسة الدينية في مواجهة الأنبياء دوماً لأنهم يسحبون شرعيتها ويجعلونها تنهار في أعين الناس: “يَا أُورُشَلِيمُ، يَا أُورُشَلِيمُ! يَا قَاتِلَةَ الأَنْبِيَاءِ وَرَاجِمَةَ الْمُرْسَلِينَ إِلَيْهَا، كَمْ مَرَّةٍ أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ أَوْلاَدَكِ كَمَا تَجْمَعُ الدَّجَاجَةُ فِرَاخَهَا تَحْتَ جَنَاحَيْهَا، وَلَمْ تُرِيدُوا! هُوَذَا بَيْتُكُمْ يُتْرَكُ لَكُمْ خَرَابًا” (متى 23: 37 – 38).

يوطوبيا المقاومة

تميل حركات المقاومة إلى تقديم بديل راديكالي عن الأوضاع القائمة؛ يرفض هذا البديل كل نسق السلطة المهيمن وكل التراتبيات الاجتماعية الظالمة، فيظهر بالضرورة على أنه يوطوبي؛ وليست يوطوبيته هذه سوى راديكاليته، فالرفض والمقاومة هما اللذان يجعلان الرؤية البديلة يوطوبية. وهذه هي “مملكة الله” كما دعا إليها يسوع. يقول سكوت: “وبدون استثناء فإن اليوطوبيا التي تتصورها [حركات المقاومة] هي الصورة المرآوية النقيضة للظلم والبؤس الاجتماعي القائم، فهي عالم من الرخاء، بدون طبقات ولا ملكية خاصة ولا استغلال”[24]. وكانت هذه من خصائص مملكة الله كما تصورها يسوع: مملكة للفقراء وحدهم وغير مسموح للأغنياء دخولها: “الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ يَعْسُرُ أَنْ يَدْخُلَ غَنِيٌّ إِلَى مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ! وَأَقُولُ لَكُمْ أَيْضًا: إِنَّ مُرُورَ جَمَل مِنْ ثَقْب إِبْرَةٍ أَيْسَرُ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ غَنِيٌّ إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ!” (متى 19: 23 – 24). إن “ملكوت السماوات” هو اليوطوبيا بالضبط.

لكن يجب ألا نفهم ملكوت “السماوات” على أنه في السماء، في عالم أخروي، بل هو ملكوت على الأرض. هو منتسب إلى السماء لأن من سيأتي به هو الله؛ هو ملكوت من عند الله من السماء لكنه على الأرض. والدليل على ذلك ما يقوله يسوع في صلاة الرب: “أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ. لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ. لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ كَمَا فِي السَّمَاءِ كَذلِكَ عَلَى الأَرْضِ” (متى 6: 9 – 10)[25]. العبارة تقول “لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ”، أي ليأت ملكوتك على الأرض، فما النفع من ملكوت في السماء؟ الفقراء في حاجة إلى ملكوت الله متحققاً على الأرض. لو قيل لهم إن مملكة الله ستتحقق في السماء بعد الموت والبعث في عالم أخروي، فهذا القول يُسَكِّنهم ويجعلهم يأملون في العالم الأخروي ويرضون بالظلم والاستغلال الأرضي في سبيل توقع حياة أفضل في السماء؛ لكن لم يكن يسوع يقدم أملًا لا يتحقق إلا في السماء وحدها، بل كان يقدم هدفًا سيتحقق على الأرض. وتقول العبارة أيضاً: “لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ كَمَا فِي السَّمَاءِ كَذلِكَ عَلَى الأَرْضِ”، أي أن العبارة تطلب من الله أن تتحقق مشيئته على الأرض كما هي متحققة في السماء. مملكة الله كما دعا إليها يسوع وكما تصورها هي مملكة أرضية، لا مملكة سماوية. إرادة الله ومشيئته متحققة في السماء، فلتتحقق على الأرض. لكن كيف ستتحقق على الأرض وفي الأرض مملكة أخرى؟ مملكة قيصر؟ هل يمكن أن تتواجد مملكتان على الأرض؟ مملكة الله ومملكة قيصر؟ لا يمكن. فالمملكتان متعارضتان تماماً: “لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْدِمَ سَيِّدَيْنِ” (متى 6: 24)[26].

ولديَّ ملاحظة على قول سكوت إن اليوطوبيات الدينية بها نزعة مساواتية تختفي فيها الطبقات والتراتبيات الاجتماعية. قد ينطبق قوله على يوطوبيات كثيرة، لكن لا على تصور يسوع عن مملكة الله. فهي ليست مساواتية، فيسوع رفض المساواة، رفض أن يتساوى الأغنياء والفقراء معاً في مملكة الله، إذ رفض دخول الأغنياء إلى مملكة الله. وبالنسبة إلى التراتب الاجتماعي الطبقي، فهو لم ينادي بمجتمع مساواتي ينهي الطبقية، بل دعا إلى أن الأدنى سيصير الأعلى والأعلى سيصير الأدنى: “.. كَثِيرُونَ أَوَّلُونَ يَكُونُونَ آخِرِينَ، وَآخِرُونَ أَوَّلِينَ” (متى 19: 30). تصوَّر يسوع مملكة الله على أنها انقلاب تام للوضع الطبقي المعاصر له، فهي ليست مساواتية أبداً: “وَلكِنْ وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الأَغْنِيَاءُ، لأَنَّكُمْ قَدْ نِلْتُمْ عَزَاءَكُمْ. وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الشَّبَاعَى، لأَنَّكُمْ سَتَجُوعُونَ. وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الضَّاحِكُونَ الآنَ، لأَنَّكُمْ سَتَحْزَنُونَ وَتَبْكُونَ” (لوقا 6: 24 – 25). يسوع لا يدعو إلى مجرد إنهاء الاستغلال، بل إلى تغير وانقلاب شامل للأحوال. وربما تأثر يسوع بيوحنا المعمدان وجماعة قمران في هذا الشأن، وابتهالات زكريا ومريم بها الكثير من الحنق على الأوضاع القائمة كما سنرى في الفقرة القادمة، وكان هذا هو المناخ العائلي الذي تربى فيه يسوع الناصري.

المخيلة السياسية المقاوِمة في رواية ميلاد يسوع

تضمنت الأناجيل مخيلة نضالية سياسية، وعلى نحو غير مباشر، وخاصة في الجزء الذي يسرد رواية ميلاد يسوع[27]، وهي تحتاج إلى تدقيق شديد وتحليل عميق كي تظهر لنا واضحة. وتُعَد هذه المخيلة بالنسبة إلى فقراء يعيشون في فلسطين تحت الحكم الروماني رؤية نضالية مقاوِمة. فالملاك الذي بشر مريم بيسوع تظهر من كلماته الطموحات السياسية ويقدم لها ابنها الآتي في صورة ملك: “هذَا يَكُونُ عَظِيمًا، وَابْنَ الْعَلِيِّ يُدْعَى، وَيُعْطِيهِ الرَّبُّ الإِلهُ كُرْسِيَّ دَاوُدَ أَبِيهِ، وَيَمْلِكُ عَلَى بَيْتِ يَعْقُوبَ إِلَى الأَبَدِ، وَلاَ يَكُونُ لِمُلْكِهِ نِهَايَةٌ” (لوقا 1: 32 – 33). الآتي إذن ملك، يرث كرسي داوود ويحكم بني إسرائيل إلى الأبد. إنهم تحت الحكم الروماني ووكلائه المحليين، وعندما يأملون في كرسي داوود وحكم بني إسرائيل فهذا يكون تعويضاً عن حالتهم الخاضعة، فالمحكوم يأمل في أن يكون حاكماً ويتخلص من حكامه.

كيف سيأخذ يسوع كرسي داوود ويملك بيت يعقوب في وجود الإمبراطورية الرومانية؟ الرؤية إذن غرضها التخلص من حكم الرومان والعودة إلى النظام الملكي العبراني القديم. وعندما سأله بيلاطس: “هل أنت ملك اليهود؟” فقد كان على حق في سؤاله، إذ كانت هذه هي بشارة الملاك لمريم. ونفس هذه المخيلة السياسية النضالية تتأكد وتتكرر كما يظهر في ابتهال مريم بعد رؤيتها للملاك: “تُعَظِّمُ نَفْسِي الرَّبَّ، وَتَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ مُخَلِّصِي، لأَنَّهُ نَظَرَ إِلَى اتِّضَاعِ أَمَتِهِ. فَهُوَذَا مُنْذُ الآنَ جَمِيعُ الأَجْيَالِ تُطَوِّبُنِي، لأَنَّ الْقَدِيرَ صَنَعَ بِي عَظَائِمَ، وَاسْمُهُ قُدُّوسٌ، وَرَحْمَتُهُ إِلَى جِيلِ الأَجْيَالِ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَهُ. صَنَعَ قُوَّةً بِذِرَاعِهِ. شَتَّتَ الْمُسْتَكْبِرِينَ بِفِكْرِ قُلُوبِهِمْ. أَنْزَلَ الأَعِزَّاءَ عَنِ الْكَرَاسِيِّ وَرَفَعَ الْمُتَّضِعِينَ. أَشْبَعَ الْجِيَاعَ خَيْرَاتٍ وَصَرَفَ الأَغْنِيَاءَ فَارِغِينَ. عَضَدَ إِسْرَائِيلَ فَتَاهُ لِيَذْكُرَ رَحْمَةً، كَمَا كَلَّمَ آبَاءَنَا. لإِبْراهِيمَ وَنَسْلِهِ إِلَى الأَبَدِ” (لوقا 1: 46 – 55). هذا الابتهال يمتلئ في نصفه الأخير بالرؤية السياسية النضالية والمخيلة التاريخية التي تنظر إلى المولود القادم على أنه هو أمل الأمة العبرانية الذي سيعيد لها أمجادها ويصير ملكاً جديداً، ويهزم أعداءها، وهي تتصور الإله على أنه إله القوة، يشتت المستكبرين، وينزل الأعزاء عن الكراسي، كراسي الحكم والسلطة، ويرفع المتضعين، ويشبع الجياع ويصرف الأغنياء فارغين. هذه الابتهالات لا تصدر إلا من شعب مقهور يأمل في التحرر وفي هزيمة أعدائه في الوقت نفسه.

وكذلك ابتهالات زكريا، فهي تسير في نفس الاتجاه: “مُبَارَكٌ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ لأَنَّهُ افْتَقَدَ وَصَنَعَ فِدَاءً لِشَعْبِهِ، وَأَقَامَ لَنَا قَرْنَ خَلاَصٍ فِي بَيْتِ دَاوُدَ فَتَاهُ. كَمَا تَكَلَّمَ بِفَمِ أَنْبِيَائِهِ الْقِدِّيسِينَ الَّذِينَ هُمْ مُنْذُ الدَّهْرِ، خَلاَصٍ مِنْ أَعْدَائِنَا وَمِنْ أَيْدِي جَمِيعِ مُبْغِضِينَا. لِيَصْنَعَ رَحْمَةً مَعَ آبَائِنَا وَيَذْكُرَ عَهْدَهُ الْمُقَدَّسَ، الْقَسَمَ الَّذِي حَلَفَ لإِبْرَاهِيمَ أَبِينَا: أَنْ يُعْطِيَنَا إِنَّنَا بِلاَ خَوْفٍ، مُنْقَذِينَ مِنْ أَيْدِي أَعْدَائِنَا، نَعْبُدُهُ بِقَدَاسَةٍ وَبِرّ قُدَّامَهُ جَمِيعَ أَيَّامِ حَيَاتِنَا. وَأَنْتَ أَيُّهَا الصَّبِيُّ نَبِيَّ الْعَلِيِّ تُدْعَى، لأَنَّكَ تَتَقَدَّمُ أَمَامَ وَجْهِ الرَّبِّ لِتُعِدَّ طُرُقَهُ. لِتُعْطِيَ شَعْبَهُ مَعْرِفَةَ الْخَلاَصِ بِمَغْفِرَةِ خَطَايَاهُمْ، بِأَحْشَاءِ رَحْمَةِ إِلهِنَا الَّتِي بِهَا افْتَقَدَنَا الْمُشْرَقُ مِنَ الْعَلاَءِ. لِيُضِيءَ عَلَى الْجَالِسِينَ فِي الظُّلْمَةِ وَظِلاَلِ الْمَوْتِ، لِكَيْ يَهْدِيَ أَقْدَامَنَا فِي طَرِيقِ السَّلاَمِ” (لوقا 1: 68 – 79). الابتهال يتحدث عن أناس خائفين ويقول إنهم سيكونون بلا خوف، وسوف يتم إنقاذهم من أعدائهم، وعن أناس جالسين في الظلمة وظلال الموت ويقول إن الله سيضيء لهم. هذه ابتهالات شعب مقهور، خائف، يريد التخلص من أعدائه ويعيش على حافة الموت، ويريد الإنقاذ، أو الخلاص كما يذكر. والملاحظ أن كل هذه الابتهالات من إصحاح واحد فقط وهو أول إصحاح في إنجيل لوقا.

وبعد أن تَذْكُر الابتهالات إبراهيم ويعقوب وداوود، وهي الشخصيات النبوية والملكية العظيمة في التراث العبراني، وبعد أن تُصوّر المولود الآتي على أنه المنقذ للشعب المقهور الذي سيهزم أعداءه ويعيد أمجاد الماضي، يقول مطلع الإصحاح الثاني مباشرة: “وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ صَدَرَ أَمْرٌ مِنْ أُوغُسْطُسَ قَيْصَرَ بِأَنْ يُكْتَتَبَ كُلُّ الْمَسْكُونَةِ. وَهذَا الاكْتِتَابُ الأَوَّلُ جَرَى إِذْ كَانَ كِيرِينِيُوسُ وَالِيَ سُورِيَّةَ” (لوقا 2: 1 – 2). هذا انتقال مفاجئ من سلسلة نبوية ومَلَكية عبرانية، تُذكِّر العبرانيين بتراثهم العظيم البائد وتعدهم باستعادته، إلى الوضع المعاصر لهم، وتذكر أسماء آخرين: أغسطس قيصر وهو ابن يوليوس قيصر بالتبني، وكيرينيوس والي سوريا. التناقض واضح للغاية بين السلسلة الأولى من الأسماء وما تبعها مباشرة من أسماء أخرى تمثل الإمبراطورية الرومانية.

إقرأ أيضًا: المسيح والحسين وتجليات الفداء.. كيف أعاد المُتَخَيَّل الاجتماعي إنتاج المشهديات الخلاصية؟

ويقول مطلع الإصحاح الثالث: “وَفِي السَّنَةِ الْخَامِسَةِ عَشْرَةَ مِنْ سَلْطَنَةِ طِيبَارِيُوسَ قَيْصَرَ، إِذْ كَانَ بِيلاَطُسُ الْبُنْطِيُّ وَالِيًا عَلَى اليهودية، وَهِيرُودُسُ رَئِيسَ رُبْعٍ عَلَى الْجَلِيلِ، وَفِيلُبُّسُ أَخُوهُ رَئِيسَ رُبْعٍ عَلَى إِيطُورِيَّةَ وَكُورَةِ تَرَاخُونِيتِسَ، وَلِيسَانِيُوسُ رَئِيسَ رُبْعٍ عَلَى الأَبِلِيَّةِ، فِي أَيَّامِ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ حَنَّانَ وَقَيَافَا، كَانَتْ كَلِمَةُ اللهِ عَلَى يُوحَنَّا بْنِ زَكَرِيَّا فِي الْبَرِّيَّةِ” (لوقا 3: 1 – 2). هؤلاء هم حكام العصر. أين إبراهيم ويعقوب وداوود؟ أين ذهبت المخيلة السياسية النضالية والوعد باستعادة مجد بني إسرائيل القديم وهزيمة الأعداء؟ لقد انسحبت إلى الظل وسارت نصاً مستوراً، لكن كان يجب الإعلان عنها في البداية. الأسماء العبرانية الثلاثة الأولى تتناقض تماماً مع أسماء حكام الإمبراطورية الرومانية وأقاليم فلسطين. هذا التناقض  بين مُخَيلة تحررية ونضالية من جهة وحالة خضوع لقوة كولونيالية من جهة أخرى، هو ما أعتبره توتراً وتردداً في النص ambivalence، وهي حالة النصوص المُنتَجَة في ظل الحكم الكولونيالي، والتي تحدث عنها فرانز فانون[28] وهومي بابا[29]. فالنص ليس تحررياً ونضالياً بالكامل، وليس توافقياً ومنسجماً مع الإمبراطورية بالكامل، فهو أحياناً نضالي مقاوم، وأحياناً مهادن ويقبل الاندراج تحت الإمبراطورية. وهذه هي حالة النصوص المكتوبة في سياق كولونيالي؛ إنها نتاج هذا السياق ولا يمكن أن تُفهم إلا داخله، وتوترها يفسره هذا السياق الكولونيالي.

الصيغة المضادة للديانة التي قدمها يسوع الناصري

قدم يسوع الناصري صيغة أخرى للديانة العبرانية، مضادة للصيغة الرسمية لكهنة أورشليم. فعندما تحاول النخبة الدينية المسيطرة من داخل المؤسسة الدينية الرسمية فرض صيغتها للدين على العامة والفقراء الخاضعين لها، تظهر المقاومة في صورة رد فعل يأخذ شكل صيغة أخرى مخالفة، مضادة للصيغة الرسمية ومقاومة لها، وتحكم عليه المؤسسة الدينية الرسمية بالهرطقة والتجديف. يقول سكوت إن رد فعل التراث الصغير على الصيغة الرسمية للديانة لدى التراث الكبير إما أن تكون توافقية وتفاوضية أو معارضة[30]. لكن كانت صيغة يسوع الناصري أبعد عن أن تكون توافقية، إذ اتصفت بالآتي:

  • لم تكن صيغة يسوع تفاوضية بل صدامية، لا تصل إلى أي حلول وسطى مع المؤسسة الدينية الرسمية وتقدم نفسها على أنها الأرفع شأناً والأصدق والأكثر توافقاً مع الشريعة اليهودية. ويظهر ذلك في تكرار يسوع للصيغة “قيل لكم.. أما أنا فأقول لكم…”: “قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَقْتُلْ، وَمَنْ قَتَلَ يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَغْضَبُ عَلَى أَخِيهِ بَاطِلاً يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ” (متى 5: 21 –22)؛ “قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَزْنِ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا، فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ” (متى 5: 27 – 28)؛ “وَقِيلَ: مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَلْيُعْطِهَا كِتَابَ طَلاَق. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إلاَّ لِعِلَّةِ الزِّنَى يَجْعَلُهَا تَزْنِي، وَمَنْ يَتَزَوَّجُ مُطَلَّقَةً فَإِنَّهُ يَزْنِي” (متى 5: 31 – 32)؛ “أَيْضًا سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ:لاَ تَحْنَثْ.. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تَحْلِفُوا الْبَتَّةَ” (متى 5: 33 – 34)؛ “سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: عَيْنٌ بِعَيْنٍ وَسِنٌّ بِسِنٍّ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ..” (متى 5: 38 – 39)؛ “سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: تُحِبُّ قَرِيبَكَ وَتُبْغِضُ عَدُوَّكَ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ..” (متى 5: 43 – 44).
  • لم تكن صيغة يسوع من الديانة محلية كما يقول سكوت عن التراث الصغير localized، لأن يسوع نشر دعوته في كل فلسطين وفي أطرافها الخارجية أيضاً، ولم تكن عالمية كذلك لأنه قصر دعوته على خراف بيت إسرائيل الضالة: “إِلَى طَرِيقِ أُمَمٍ لاَ تَمْضُوا، وَإِلَى مَدِينَةٍ لِلسَّامِرِيِّينَ لاَ تَدْخُلُوا. بَلِ اذْهَبُوا بِالْحَرِيِّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ” (متى 10: 5 – 6).
  • لم تكن صيغة متكيفة محلياً domesticated من التراث الأورشليمي الكبير، لأنها خالفته وقدمت نفسها على أنها التعبير الأصدق عن الديانة وعودة إليها في نقائها الأول.
  • ليست تابعة ولا ملحقة بالتراث الكبير للمؤسسة الدينية، بل هي بتعبيرنا الحديث منشقة عنه.

وهذا ما يدفعنا إلى سؤال: كيف فهم سكان الريف في الجليل خاصة وفي كل الأماكن الريفية بعامة والخارجة عن السيطرة المباشرة لهيكل أورشليم التراث العبراني؟ فهموه وفق شروط حياتهم وأوضاعهم المعيشية، إذ التقطوا منه العناصر التحررية والنضالية، فهذه هي التي ثبتت في أذهانهم وبقيت عالقة في ذاكرتهم. فإذا كان التراث الكبير يتعرض للتحوير والتغيير في الريف، فإن هذا هو ما حدث له في الريف الفلسطيني البعيد عن تأثير أورشليم المباشر. ولذلك نرى يسوع وهو يقرأ من سفر إشعياء أمام الناس، ويلتقط منه ما يخص المساكين والمنكسرين والمنسحقين وسنة الرب: “وَجَاءَ إِلَى النَّاصِرَةِ حَيْثُ كَانَ قَدْ تَرَبَّى. وَدَخَلَ الْمَجْمَعَ حَسَبَ عَادَتِهِ يَوْمَ السَّبْتِ وَقَامَ لِيَقْرَأَ، فَدُفِعَ إِلَيْهِ سِفْرُ إِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ. وَلَمَّا فَتَحَ السِّفْرَ وَجَدَ الْمَوْضِعَ الَّذِي كَانَ مَكْتُوبًا فِيهِ: «رُوحُ الرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّهُ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ، أَرْسَلَنِي لأَشْفِيَ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ، لأُنَادِيَ لِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ ولِلْعُمْيِ بِالْبَصَرِ، وَأُرْسِلَ الْمُنْسَحِقِينَ فِي الْحُرِّيَّةِ، وَأَكْرِزَ بِسَنَةِ الرَّبِّ الْمَقْبُولَةِ»” (لوقا 4: 16 – 19). وسنة الرب المقبولة هي السنة السابعة التي يتم فيها إلغاء الديون وتحرير العبيد Jubilee Year. وبعد أن قرأ لهم يسوع هذه العبارات، أعلن عن تحققها الفعلي على يده: “إِنَّهُ الْيَوْمَ قَدْ تَمَّ هذَا الْمَكْتُوبُ فِي مَسَامِعِكُمْ” (لوقا 4: 21). لقد أعلن لهم عن قدوم سنة الغفران، سنة التحرر النهائي. وهذا هو فهمه لمملكة الله.

يسوع ممثل لنموذج الزعامة الدينية المتكررة عبر التاريخ

لم يكن يسوع الناصري هو النموذج الوحيد للزعامة الدينية الشعبية وللزعماء الدينيين الذين التفت حولهم الجماهير، ذلك لأن الفترة من 4 ق.م. إلى 70 م. امتلأت بهؤلاء، وكانوا محل دراسات كثيرة أشهرها دراسات ريتشارد هورسلي، وكان آخرهم بار كوخبا (132 م – 136 م). صحيح أننا لا يمكننا أن نضم يسوع الناصري إليهم ببساطة، لكون هؤلاء الزعماء مناضلين سياسيين لجأوا إلى العنف وحرب العصابات، إلا أن يسوع ينتمي إلى نفس النمط من الزعامة الدينية الشعبية المواجه للسلطة. وصحيح أن يسوع لم يحمل السلاح ولم ينظم عمليات عسكرية ولم يشتبك في قتال، إلا أنه مناضل وثائر ضد سلطات عصره، فليس شرطاً في المناضل الثائر أن يحمل السلاح؛ فقد أسقط غاندي الاحتلال الإنجليزي لبلده والذي استمر لثلاثة قرون دون أن يحمل السلاح ودون عنف؛ فقط كان يلتف بقطعة قماش بيضاء ويجلس في الأماكن المفتوحة ويكلم الناس. الفرق بين يسوع والمناضلين الذين حملوا السلاح في عصره أنه كان صاحب برنامج اجتماعي وأخلاقي يهدف تقوية الناس في مواجهة مضطهديهم.

(يتبع)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر والمراجع:

[1]) James C. Scott, Weapons of the Weak: Everyday Forms of Peasant Resistance (New Haven: Yale University Press, 1985); Scott. Domination and the Arts of Resistance: Hidden Transcripts. (New Haven: Yale University Press, 1990).

[2]) James C. Scott, Protest and Profanation: Agrarian Revolt and the Little Tradition, Part I. Theory and Society, Vol. 4, No. 1 (Spring, 1977), pp. 1-38 (at 4).

[3]) وقد استفاد هورسلي من هذه الثنائية التصورية وأقام عليها تحليلات هامة، تحضر أيضاً لدى وليام هرتزوج:

Richard Horsley. “Popular Messianic Movements around the Time of Jesus.” Catholic Biblical Quarterly, 46 (3): 471–95, Horsley.  Jesus and the Spiral of Violence: Popular Jewish Resistance in Roman Palestine. (Minneapolis: Fortress Press, 1987); Horsley. “High Priests and the Politics of Roman Palestine: A Contextual Analysis of the Evidence in Josephus.” Journal for the Study of Judaism in the Persian, Hellenistic, and Roman Period 17 (1): 23–55, 1986; William R. Herzog, Parables as Subversive Speech: Jesus as Pedagogue of the Oppressed. 1st ed, Westminster/John Knox Press, 1994.

[4]) استعار سكوت ثنائية “التراث الكبير” والتراث الصغير” من روبرت ردفيلد في كتابه Robert Redfield. The Little Community and Peasant Society and Culture. (Cambridge U.P: Chicago U.P, 1960)، لكن في حين نظر ردفيلد إلى التراث الصغير على أنه مجرد صيغة مبسطة وريفية من التراث الكبير، نظر سكوت إليهما على أنهما يقفان في مواجهة بعضهما في صدام، يظهر في حركات التمرد والعصيان والثورات.

[5]) Ibid, p. 7.

[6]) في إنجيل متى صيغة مختلفة: “طُوبَى لِلْمَسَاكِينِ بِالرُّوحِ، لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. طُوبَى لِلْحَزَانَى، لأَنَّهُمْ يَتَعَزَّوْنَ. طُوبَى لِلْوُدَعَاءِ، لأَنَّهُمْ يَرِثُونَ الأَرْضَ. طُوبَى لِلْجِيَاعِ وَالْعِطَاشِ إِلَى الْبِرِّ، لأَنَّهُمْ يُشْبَعُونَ. طُوبَى لِلرُّحَمَاءِ، لأَنَّهُمْ يُرْحَمُونَ. طُوبَى لِلأَنْقِيَاءِ الْقَلْبِ، لأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ اللهَ. طُوبَى لِصَانِعِي السَّلاَمِ، لأَنَّهُمْ أَبْنَاءَ اللهِ يُدْعَوْنَ. طُوبَى لِلْمَطْرُودِينَ مِنْ أَجْلِ الْبِرِّ، لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ” (متى 5: 3 – 10). اتفق الكثير من العلماء على أن صيغة متى مخففة عن شبيهتها لدى لوقا، كي تُبعِد كلمات يسوع عن حقيقتها الثورية، فقام متى حسب دراسات هؤلاء إلى إضافة “بالروح” إلى “المساكين”، و”البر” إلى “الجياع والعطاش”، كي لا يكون الخطاب موجهاً إلى المساكين الحقيقيين والجياع والعطاش الحقيقيين، وإضفاء الروحية على أقوال يسوع لإبعادها عن سياقها الاجتماعي الثوري والنضالي، وكي يجعل من خطاب يسوع لكل الناس بمن فيهم موسري الحال والأغنياء، فلم يكن من الممكن لدين جديد يراد له الانتشار على نطاق واسع أن يكون قاصراً على الفقراء أو أن يكون مستبعداً للأغنياء وموسري الحال.

[7]) Martin Goodman. The Ruling Class of Judea: The Origins of the Jewish Revolt against Rome A.D. 66-70. (Cambridge University Press, 1987).

[8]) الإسينينون Essenes. جماعة دينية يهودية، اتبعت الزهد والتصوف، وظهرت بين القرن الثاني قبل الميلاد والقرن الأول الميلادي. اعتزلت الناس ولجأت إلى الأماكن البعيدة مثل الصحراء وجبال البحر الميت، وهناك احتفظت بالكثير من مخطوطات أسفار التوراة، كما كتبت أدبيات خاصة بها، ودفنتها في مخابئ في هذه الجبال، إلى أن تم اكتشافها سنة 1946. ويقال في بعض الدراسات الحديثة إن يسوع الناصري كان على اتصال بهم، أو أنه كان منهم، هو ويوحنا المعمدان.

[9]), Simon J. Joseph. Jesus, Q, and the Dead Sea Scrolls: A Judaic Approach to Q. (Mohr Siebeck, 2012); Simon J. Joseph.  Jesus, the Essenes, and Christian Origins: New Light on Ancient Texts and Communities. (Baylor University Press, 2018).

[10]) Horsley. Jesus and the Spiral of Violence; Horsley. You Shall Not Bow Down and Serve Them. (Eugene, OR: Cascade Books, 2021).

[11]) N. T. Wright. The Original Jesus: the life and vision of a revolutionary. (Grand Rapids, Michigan: William B Eerdmans, 1997).

[12]) James C. Scott, Protest and Profanation, Part I, p. 10.

[13]) Martin Hengel. Judaism and Hellenism. Studies in Their Encounter in Palestine during the Early Hellenistic Period, translated by John Bowden. (London: SCM Press, 1974); Hengel. The Hellenization of Judaea in the First Century After Christ. (Philadelphia: Trinity Press International, 1989); Hengel. Jews, Greeks, and Barbarians: Aspects of the Hellenization of Judaism in the Pre-Christian Period. (Philadelphia: Fortress Press, 1980).

[14]) James C. Scott, Protest and Profanation, Part I, p. 10.

[15]) Martin Goodman. The Ruling Class of Judea, op. cit.

[16]) Richard A. Horsley (ed.), In the Shadow of Empire: Reclaiming the Bible as a History of Faithful Resistance (Louisville, KY: Westminster John Knox, 2008).

[17]) يوم الأحد دخل الهيكل وقلب موائد الصيارفة والباعة وطردهم وقال “.. مغارة لصوص”، وتم القبض عليه يوم الخميس ليلاً، وأعدم على الصليب صباح الجمعةن حسب الأناجيل.

[18]) James C. Scott, Protest and Profanation, Part I, p. 11.

[19]) James C. Scott, Protest and Profanation, Part I, p. 15.

[20]) James C. Scott, Protest and Profanation, Part I, p. 16.

[21]) James C. Scott, Protest and Profanation, Part I, p. 17.

[22]) James C. Scott, Protest and Profanation, Part I, p. 18.

[23]) James C. Scott, Protest and Profanation, Part I, p. 20.

[24]) James C. Scott, Protest and Profanation, Part I, p. 20.

[25]) عملت كل الترجمات العربية على تقديم كلمة “السماء” على كلمة “الأرض”، وهو الأكثر اتفاقاً مع الأصل اليوناني، أما الترجمات الإنجليزية فقد قدمت الأرض على السماء، وهو الأقرب إلى المعنى المقصود. لكن لماذا قدم الأصل اليوناني كلمة السماء على كلمة الأرض؟ يبدو أن السبب هو أن الله يُنظَر إليه دوماً على أنه في السماء، والدعاء يريد من مشيئته أن تتحقق على الأرض؛ فبدأت الترجمات العربية لهذاالسبب بالسماء.

[26]) الطابع الراديكالي للعبارة واضح، لكن حاول متى التخفيف من حدته بأن أضاف للعبارة شرحاً من عنده وفق الباحثين في النقد الصياغي redaction criticism، فصار السيدان هما الله والمال، وليس الله وقيصر. “لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْدِمَ سَيِّدَيْنِ، لأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُبْغِضَ الْوَاحِدَ وَيُحِبَّ الآخَرَ، أَوْ يُلاَزِمَ الْوَاحِدَ وَيَحْتَقِرَ الآخَرَ. لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَخْدِمُوا اللهَ وَالْمَالَ“. العبارة الأخيرة مضافة حسب النقد الصياغي، لسببين، الأول لأن المعنى قد اكتمل قبلها، والثاني لأنها شرح للعبارة السابقة، وهو شرح ليست العبارة السابقة في حاجة إليه مما يعني أن العبارة الأخيرة مضافة. انظر في ذلك كل من تناولوها ومنهم براندون.

[27]) استعنت في هذا الجزء من الدراسة بالأعمال التالية:

Richard A. Horsley. The Liberation of Christmas: The Infancy Narratives in Social Context. (Wipf & Stock, 1989); John Dominic Crossan. “Roman Imperial Theology.” In In the Shadow of Empire: Reclaiming the Bible as a History of Faithful Resistance. Edited by Richard A. Horsley. Louisville, Kentucky: Westminster John Knox Press, 2008; Pyung-Soo Seo. Luke’s Jesus in the Roman Empire and the Emperor in the Gospel of Luke. (The Lutterworth Press, 2015); Kim, Seyoon. Christ and Caesar: The Gospel and the Roman Empire in the Writings of Paul and Luke. (William B. Eerdmans Publishing Company, 2008).

[28]) Frantz Fanon. The Wretched of the Earth. Translated by Constance Farrington, (Grove Press, Inc., 1963).

[29]) Homi K. Bhabha. The Location of Culture. (Routledge, 1994).

[30]) James C. Scott, Protest and Profanation, Part I, p. 29.

    اقرأ ايضا

    المزيد من المقالات

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete