تكوين
مقدمة
أسعى في هذه الدراسة إلى توضيح السياق الذي كان يعيش فيه المسيح عليه السلام، وهو سياق تاريخي، اجتماعي واقتصادي وسياسي، هيمن عليه الرومان ووكلائهم المحليين في فلسطين القديمة (أي كهنة أورشليم والهيروديون)، وأقول عنه إنه سياق كولونيالي. والكولونيالية هي النظام الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الذي تصنعه إمبراطورية، لحكم إقليم ما والسيطرة عليه. وكان هذا هو حال فلسطين القديمة: كولونيالية مستوطنة، من صنع إمبراطورية عالمية. في هذا النظام الكولونيالي ظهر المسيح، وتفاعل معه، وكانت حياته كلها صراع مع الممثلين المحليين لهذا النظام الذي خلقته الإمبراطورية الرومانية، وكانت نهايته حسب الأناجيل على يد هؤلاء.
والكولونيالية ليست مجرد نظام في الحكم، بل هي فوق ذلك خلق لواقع مادي، وترتيب معين لجغرافيا المكان وللتوزيعات البشرية فيه. إنها تخلق المكان المناسب لها، وتصنع الديموغرافيا الخاصة بها. وقد امتلأ شرق المتوسط في العصرين الهلينستي والروماني بالمدن التي كانت في حقيقتها تَحَضُّرًا كولونياليًا مفروضًا على المنطقة، من السلطات الحاكمة وفي صالحها وصالح النخب الغنية والمسيطرة، التي كانت مكونة من اليونان والرومان وأعراق أخرى كثيرة؛ وكانت هذه المدن أشبه بمستوطنات أجنبية وسط محيط ريفي فقير من السكان المحليين. وقد شكل هذا الوضع المكاني والديموغرافي الأساس المادي التحتي للهيمنة الاقتصادية والسياسية في المنطقة، في العصرين الهلينستي والروماني معًا. وهذا هو السياق الذي ظهر فيه المسيح عليه السلام، الذي كان معروفًا في عصره وبين معاصريه باسم يسوع الناصري، نسبة إلى قرية الناصرة، أو يسوع الجليلي، نسبة إلى إقليم الجليل، شمال فلسطين؛ ودعوته هي نتاج هذا السياق وكانت مشروطة به، واستجابة له ورد فعل عليه.
إذا كانت البنية التحتية infrastructure وفق المادية التاريخية هي الاقتصاد، فهناك شيء آخر أسبق منها وتحتها، وهو المكان وتوزيع السكان. والكولونيالية هي خلق المكان الكولونيالي وتوزيع السكان فيه، وليس هناك بناء تحتي أسبق منه فهو الأصل الأول لأي بناء آخر. دعونا إذن نتعرف على هذا الأساس التحتي، الأول والأصلي، في فلسطين القديمة في العصر الروماني، الذي ظهرت عليه وفي سياقه دعوة يسوع الناصري.
لقد عرفنا المسيح من التراث الديني، المسيحي والإسلامي؛ لنحاول التعرف عليه الآن في سياق النظام الكولونيالي الذي صنعته الإمبراطورية الرومانية في فلسطين القديمة.
-
فلسطين القديمة تحت الحكم الروماني
بعد احتلال الإسكندر الأكبر لكل أقاليم الشرق الأوسط القديم، ورث قادته العسكريون إمبراطوريته، وقسموها فيما بينهم. فكانت مصر من نصيب بطليموس (367 ق.م.-283 ق.م.)، وسوريا من نصيب سلوقس (358 ق.م.-280 ق.م.). وفي بداية العصر البطلمي كانت فلسطين تحت حكم البطالمة، ثم استولى عليها الملك أنطيوخس الثالث سنة 198 ق.م[1].
وفي سنة 167 ق.م. قام الزعيم الشعبي يهوذا المكابي بثورة على الحكم السلوقي، بدافع من والده الكاهن متاتيا، وذلك بسبب فرض السلوقيين العادات والثقافة الهلينية على اليهود وإدخالهم عبادات وثنية إلى هيكل أورشليم. نجحت ثورة المكابيين في الاستقلال عن الدولة السلوقية، وأسس شقيق يهوذا المكابي وهو سمعان حكم الأسرة الحشمونية، التي ظلت تحكم فلسطين القديمة إلى سنة 40 ق.م. ففي نهايات عهد الأسرة الحشمونية تزايدت الصراعات الداخلية في الأسرة على الحكم، وانتهز الرومان الفرصة للتدخل. ففي أثناء الصراع بين هركانوس الثاني (ت. 30 ق.م.) وأرسطوبولوس الثاني (ت. 49 ق.م.)، والذي دار سنة 63 ق.م.، تدخل القائد العسكري الروماني بومبي في الصراع لصالح هركانوس، وقام بغزو أورشليم التي كانت تابعة لأرسطوبولوس، وحينئذ انتهى استقلال الدولة الحشمونية وصارت تحت الوصاية الرومانية، وصار ملوكها عملاء للرومان[2].
وفي صراع لاحق على الحكم في الأسرة الحشمونية أيضًا، ظهر قائد عسكري من إدومية هو هيرود، واستعان به الرومان لمساعدة هركانوس الثاني في تثبيت حكمه ضد أنتيجونوس ابن أخيه الذي أخذ منه الحكم. وعند فشل هركانوس واستيلاء أنتيجونوس على أورشليم، عين مجلس الشيوخ الروماني هيرود ملكًا على اليهود سنة 40 ق.م.، لاستعادة الحكم من أنتيجونوس، وللسيطرة على البلاد لصالح الرومان[3]. وصار هيرود بذلك تابعًا للرومان وصار يدفع لهم الجزية. وكان هيرود قد حصل على المواطنة الرومانية، وكذلك حصل عليها كل أبنائه الذين كان يرسلهم للتعليم في روما، فقد كانوا رومانًا بالثقافة والعقلية. وهيرود هذا هو المذكور في الأناجيل بوصفه الملك الذي كان يقتل الأطفال وفق نبوءة تقول بولادة ملك جديد لليهود في عصره، مما يعني أنها كانت تهديدًا له، وإثر ذلك هربت أسرة يسوع إلى مصر تحمله وهو رضيع، وعادت مرة أخرى بعد وفاته، أي في وقت لاحق بعد سنة 4 ق.م.
وبعد وفاة الملك هيرود الكبير سنة 4 ق.م.، قسَّم الإمبراطور أوكتافيوس أغسطس مملكته على أبنائه؛ فكانت يهوذا والسامرة وإدومية من نصيب أرخيولاس Archelaus (33 ق.م. – 18 م.)، وكان الجليل والبرية من نصيب أنتيباس (20 ق.م. – 39 م.)، وكانت الجولان، وإتوريا (بين جنوب سوريا ولبنان وفيها جبل حرمون) وتراخونيتس وبتانيا وأورانيتس (مناطق في شمال الأردن حاليًا) من نصيب فيليب (26 ق.م. – 34 م.)[4]. وكانت سياسة الرومان في ذلك إبقاء هؤلاء الحُكَّام جميعًا تحت سيطرتها، وإضعافهم كلهم في الوقت نفسه، وزيادة إحكام قبضتهم على المنطقة كلها. وكان كل هؤلاء الحكام ملتزمين بدفع الجزية للرومان، بالإضافة إلى ما كانوا يفرضونه من ضرائب على السكان. وكان أنتيباس على الخصوص، وبالإضافة إلى الجزية الرومانية، يغدق الهدايا على القادة الرومان وزعمائهم السياسيين، كي يستمر في الحكم.
وفي سنة 6 م. ثار سكان إقليم يهوذا على أرخيلاوس، بسبب حكمه السيء وعنفه والمظالم الكثيرة التي ارتكبها. وبعد قمع الرومان للثورة عليه، عزلوه وضموا يهوذا والسامرة إلى حكمهم المباشر. وبعد أن ضم الرومان هذه المنطقة إلى حكمهم المباشر، أخضعوها للجزية، وأمر أغسطس بإحصاء السكان هناك من أجل التسجيل في قوائم الجزية، وهو الإحصاء المذكور في إنجيل لوقا، الذي يقول إن أسرة يسوع انتقلت من الناصرة في الجليل إلى بيت لحم في إقليم يهوذا للتسجيل في الإحصاء: “وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ صَدَرَ أَمْرٌ مِنْ أُوغُسْطُسَ قَيْصَرَ بِأَنْ يُكْتَتَبَ كُلُّ الْمَسْكُونَةِ. وَهذَا الاكْتِتَابُ الأَوَّلُ جَرَى إِذْ كَانَ كِيرِينِيُوسُ وَالِيَ سُورِيَّةَ. فَذَهَبَ الْجَمِيعُ لِيُكْتَتَبُوا، كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَدِينَتِهِ. فَصَعِدَ يُوسُفُ أَيْضًا مِنَ الْجَلِيلِ مِنْ مَدِينَةِ النَّاصِرَةِ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ، إِلَى مَدِينَةِ دَاوُدَ الَّتِي تُدْعَى بَيْتَ لَحْمٍ، لِكَوْنِهِ مِنْ بَيْتِ دَاوُدَ وَعَشِيرَتِهِ، 5لِيُكْتَتَبَ مَعَ مَرْيَمَ امْرَأَتِهِ الْمَخْطُوبَةِ وَهِيَ حُبْلَى. وَبَيْنَمَا هُمَا هُنَاكَ تَمَّتْ أَيَّامُهَا لِتَلِدَ. فَوَلَدَتِ ابْنَهَا الْبِكْرَ وَقَمَّطَتْهُ وَأَضْجَعَتْهُ فِي الْمِذْوَدِ..” (لوقا 2: 1 – 7). وصار إقليم يهوذا تحت حاكم روماني يعينه الإمبراطور شخصيًا، وأهمهم بيلاطس البنطي، وقد حكم هناك من 26/27 إلى 36/37 م.، وهو الذي صلب المسيح حسب الأناجيل. وفي الوقت نفسه استعان الرومان بكهنة هيكل أورشليم في الحكم، وكانوا هم الذين يعينون رئيس الكهنة، ومنهم قيافا، رئيس الكهنة في زمن المسيح، الذي ألقى القبض عليه وسلمه إلى بيلاطس. وكان هناك تعاون دائم ووثيق بين الحاكم الروماني ورئيس الكهنة. ومن ثم كان الوضع آنذاك هو سلطة احتلال كولونيالية، يمثلها بيلاطس، تستعين في الحكم بنخبة محلية من الأرستقراطية الدينية المسيطرة على المؤسسة الدينية الرسمية (أي الكهنة ورئيس الكهنة). هذه التركيبة السلطوية هي التي صلبت المسيح، حسب الأناجيل.
-
التَحَضُّر الكولونيالي اليوناني في شرق المتوسط
بعد غزو الإسكندر لأقاليم الشرق في القرن الرابع ق.م.، وبعد أن صارت هذه الأقاليم تحت حكم أسر حاكمة أسسها قادته العسكريون، بدأ اليونان في إنشاء مدن كثيرة انتشرت في كل تلك الأقاليم. وكان اليونان لا ينشئون مدينة جديدة في أي منطقة إلا عند توافر مساحة مناسبة من الأراضي الزراعية، وبذلك كان المحيط الريفي هو أصل المدينة والشرط الضروري لوجودها[5]. وكان العديد من المدن في بدايته مستعمرة عسكرية، سيطرت على محيطها الريفي عسكرياً، وكانت محل إقامة الجنود والضباط المسرحين، ثم تطورت كتجمع مدني بعد ذلك، مما يعني أن سيطرة المدينة على محيطها الريفي في الشرق لم تكن مجرد سيطرة اقتصادية وسياسية بل كانت في الأصل والمنشأ سيطرة عسكرية. وبذلك كان ما يسمى بعملية التحضر اليوناني في الشرق urbanization عملية من الاستعمار الاستيطاني الكولونيالي المدعوم بجيوش خلفاء الإسكندر. وأدار الحكام اليونان المحيط الريفي التابع للمدن الجديدة من خلال موظفين تابعين لهم أو بيروقراطية مَلَكية royal bureaucracy (chōra basilikē)، تدعمهم قوة عسكرية حاضرة دوماً في المنطقة تضمن خضوع السكان[6] وعدم إثارتهم لأي اضطرابات.
ويذهب فراين إلى أن استخدام الأناجيل وجوزيفوس فلافيوس لكلمات “الجليل” و”الجليليون” و”الجليلي” هو دليل واضح على اتصاف هذه المنطقة ببعض السمات الاجتماعية، لا الجغرافية وحدها، فالإقليم لم يكن مجرد مساحة جغرافية بل كان علامة على وضع اجتماعي وطبقي معين، وعلى طبع شخصي اتسم به سكان هذه المنطقة[7] وهو الطبع الريفي؛ فقد كانت الجليل من أكثر المناطق ريفية، وكانت كلمة “الجليلي” تقترب في دلالتها من كلمة “الريفي”، وكان الجليليون يُعرَفون بلكنتهم الريفية. ففي إنجيل متى، وبعد أن تم القبض على يسوع، تتبعه بطرس إلى دار رئيس الكهنة، وكان يراقبه من الخارج، فتعرفت عليه جارية وقالت: “:«وَأَنْتَ كُنْتَ مَعَ يَسُوعَ الْجَلِيلِيِّ!»” (متى 26: 69)؛ وعندما أنكر، تَعَرَّفت عليه مجموعة من الناس من لغته على أنه من الجليل: “«حَقًّا أَنْتَ أَيْضًا مِنْهُمْ، فَإِنَّ لُغَتَكَ تُظْهِرُكَ!»”، وكلمة “منهم” تعني أنه من “الجليليين”. من هنا نعرف أن يسوع كان معروفاً في أورشليم باسم “يسوع الجليلي”. والريفي هو من منظور أهل المدينة في هذه العصور هو المفتقد للتهذب والرقي والتعليم والثقافة، الأجلف الذي لا يحسن الكلام ولا المعاملة مع أهل المدينة.
وكان الريف يعاني من الأمراض، العضوية والنفسية، وقد بدأ يسوع الناصري رسالته بشفاء المرضى وطرد الأرواح الشريرة. والمرض يأتي من سوء التغذية ومن عدم مناسبة أماكن الإعاشة، مما يضعف مقاومة البدن الإنساني ويعرضه للأمراض، وقد كانت أمراضاً مزمنة ومستعصية، تطلبت معجزة للشفاء منها. وانتشار الأمراض دليل على قلة الغذاء المتاح للسكان آنذاك، وسوء الأوضاع المعيشية. أما ظاهرة التلبس بالأرواح الشريرة فهي تعبير عن تحطم نفسية الناس، نتيجة لقهر السلطة وعمليات التنكيل المستمرة. فإذا كانت الأرواح الشريرة تحتل الجسم الإنساني فتصيبه بالجنون، فهي انعكاس نفسي فردي للاحتلال العسكري للمجتمع، وما الجسم الإنساني سوى جزء من الجسد الاجتماعي. إن تَلَبُّس الأرواح الشريرة بجسد الإنسان هو انعكاس نفسي للاحتلال العسكري للجسد الاجتماعي. وعندما يطرد يسوع الأرواح الشريرة من أجساد الناس، فهو يقوم بفعل رمزي، إذ يعالج الآثار النفسية للاحتلال العسكري؛ يحرر الملبوس من الأرواح الشريرة التي احتلت جسمه، مقدمة وتمهيداً لتحرير المجتمع كله من التلبس الشيطاني/ الاحتلال العسكري.
وكانت الحركات الثورية في ذلك العصر عبارة عن عصيان وتمرد من الفلاحين على حكم المدينة، وكان أغلب هذه الحركات هو هجوم من الفلاحين على المدن، مثلما حدث أثناء الحرب اليهودية (66 – 73)، فقد قام ريفيو الجليل بالهجوم على مدينة صفورية، نظراً لتبعيتها للرومان[8]، ولكونها مقراً للفئات الغنية الحاكمة. وأثناء الحرب قام جوزيفوس فلافيوس بنفسه بتحصين مدن الجليل الأدنى وتزويدها بكميات من القمح تحسباً للحصار من الريفيين[9].
إقرأ أيضًا: الحكم والأخلاق: البراغماتية الأخلاقية في العَقْدِ الفَريد مقابل براغماتية الأمير
ويذهب المؤرخ والعالِم الكتابي فراين إلى أن المدينة في فلسطين القرن الأول وخاصة في الجليل كانت مركز القوة العسكرية التي كان يخشى منها الريفيون دوماً، وبالتالي نظر الريفيون إلى المدينة على أنها مصدر تهديد لهم، مما دفعهم إلى النظر إليها بحذر وتوجس وكراهية؛ وكانت كل العمليات العسكرية الرومانية تنطلق من المدن إلى الريف مرتكبة فيه الفظائع من قتل وحرق واسترقاق، وكانت مدينة عكا، المعروفة آنذاك باسم Ptolemais أثناء الحرب اليهودية مركزاً لتجمع القوات ومن ثم لانتشارها[10]، وكانت القوات تخرج منها وتعود إليها. لا عجب أن تجنب يسوع دخول المدن، وخاصة مدن الجليل.
في عصر خلفاء الإسكندر صارت المدن التي أنشئوها في الشرق مراكز لتدعيم سلطتهم، العسكرية والسياسية، وفوق ذلك لنشر الثقافة الهلينية في المناطق المحيطة بكل مدينة: “صارت المدينة مركزًا لمشروع نشر نمط الحياة اليونانية في محيطها. وبذلك أقيمت أسس جديدة للمدن وتم تغيير طابع المدن الشرقية القديمة بتبدل طبيعة السكان وقدوم اليونان”[11]. وكانت المدن اليونانية في الشرق في بدايتها عبارة عن مستعمرات للجنود المسرحين من الجيوش، وبوجود هؤلاء وحضورهم الدائم ضمنت الممالك الهلينستية أمنًا واستقرارًا لحكمها. ولأن هذه المدن كانت مقحمة على المنطقة من الغزاة الغرباء، فقد كرهها السكان الأصليون ونظروا إليها على أنها مراكز السيطرة وأداة الهيمنة والقمع[12]، ورفضوها مع ما نشرته من ثقافة يونانية، التي كانت في ذلك الزمان ثقافة المحتل والأداة الأيديولوجية لفرض هيمنته.
ويعطينا جوزيفوس فلافيوس صورة حية عن الجليل في عصره، إذ يقول “إن الجليل بها 240 مدينة وقرية”[13]؛ ولأن عدد المدن الرئيسية هناك كان قليلاً ولا يتجاوز الثلاثة، فمعنى هذا أن عدد القرى بها كان ضخماً، نسبة إلى مساحة الجليل الصغيرة من الأصل، فهي بمثل مساحة محافظة واحدة من محافظات دلتا النيل. ورغم أن جوزيفوس فلافيوس كان يميل إلى المبالغة في الأرقام، إلا أننا إذا افترضنا أنه يضاعف الرقم الحقيقي، فسيظل نصف العدد الذي أثبته كبيراً، مما يدل على كثافة سكانية عالية في الجليل في القرن الأول الميلادي، معتمدة على مساحة زراعية ليست كبيرة، مما أدى مع مطالبات السلطة بالضرائب والجزية إلى أزمة في توافر ضروريات الحياة. وبالمقارنة بعدد قرى الجليل الكبير بالنسبة إلى المساحة الصغيرة للجليل، يتبين لنا أن المنطقة كانت تشهد توزعاً واسعًا للسكان الريفيين في مساحة صغيرة، فالقرية هي تجمع سكاني ريفي، يعتمد على محيطه الزراعي في الغذاء؛ وهو ما يعني نقص شديد في الأرض الزراعية بالمقارنة بهذا العدد الكبير من التجمعات القروية.
التحضر والهَلْيَنة والكولونيالية
يتكرر مصطلح “التحضر” Urbanization في الدراسات التاريخية لذلك العصر، لكن يجب أن ننتبه إلى أن هذا المصطلح الذي يبدو في الظاهر محايداً وموضوعياً ليس كذلك، فهو في حقيقته الاسم الأكاديمي الحديث والمحايد لعملية الاستعمار الاستيطاني للشرق في عصر خلفاء الإسكندر المقدوني. وكذلك ينتشر مصطلح “الهَلينة” Hellenization، وهو أقرب إلى الواقع التاريخي، لأنه يشير إلى أن ما يسمى بالتحضر كان في حقيقته صبغًا للمنطقة بالطابع اليوناني، اعتماداً على المدن كمراكز لهذه العملية الثقافية. وكانت الهَلْينة تشير إلى تأسيس المدن على النمط اليوناني، وتخطيطها لتدعيم نمط الحياة اليونانية، فكل مدينة كانت مزودة بساحة عامة لاجتماع النخبة الحاكمة، ومعابد، وساحات للأسواق، ومسارح، وملاعب، وحمامات عامة، وقنوات مائية، ونافورات كمصادر للمياه العذبة. وكانت اللغة المستخدمة هي اليونانية، والأديان يونانية. وقد نظر سكان هذه المدن إلى أنفسهم على أنهم جزر منعزلة من الثقافة الراقية والحضارة العليا في وسط همجي متخلف؛ وهي نظرة كولونيالية استعلائية إلى الذات ونظرة دونية إلى الآخر المحتل. لكن من هذا الوسط الهمجي المتخلف المزعوم ظهرت دعوة يسوع الناصري، التي لا يمكن فهمها علميًا وتاريخيًا إلا على تلك الخلفية الكولونيالية، المدعومة والمحمية في عصره بالإمبريالية الرومانية.
يربط رولاند بوير بين الهَلْيَنة Hellenization والكولونيالية، وينظر إليهما على أنهما الشيء نفسه، فالهلينة في نظره هي استعمار للأراضي التي احتلتها الممالك الهلينستية في الشرق، وهي إخضاع الريف المحيط بالمدن اليونانية لهذه المدن لتوفير كل احتياجاتها من الغذاء، ولاستغلالها بالجزية والضرائب المختلفة، مستخدمة في ذلك الجيوش وتكتيكات إرهاب السكان الأصليين[14]؛ وكانت أغلب المدن الرومانية في الشرق تسمى colonia، أي مستعمرات، في حين أن اسم “المدينة” في اللاتينية هو Urbs، مما يدل على شعور الرومان بأن مدنهم في الشرق لم تكن مدنًا شرقية أصيلة بل كانت مستعمرات. وكانت هذه المدن – المستعمرات تُحكَم بالقوة العسكرية، وكانت تقابل حركات المقاومة بمنتهى العنف والقسوة والتنكيل، وهو طبع كل ردود أفعال وجود استعماري استيطاني في أرض يحتلها. ولنا أن نتذكر دومًا أن الصلب كان عقوبة الرومان لكل المتمردين عليهم، وهم الزعماء الشعبيين الذين قادوا حركات مقاومة مسلحة ضدها. وكان الصلب مخصصاً لغير الرومان من سكان الأقاليم، وأغلبهم فقراء.
ويذهب بيري أندرسون إلى أن حضارة المدن اليونانية لم تكن مقامة على اقتصاد مدني خاص بها، ولم تكن هذه المدن مكتفية بذاتها، بل على العكس “فقد كانت الثروة المادية التي دعمت بها هذه المدن حيويتها الفكرية والمدنية مأخوذة بالكامل من الريف”[15]، وبذلك كانت هذه المدن كيانات طفيلية تعيش على استغلال المناطق الريفية من حولها وعلى سحب جانب كبير من إنتاجها، بفضل القوة المسلحة وقوة الدولة من قانون ومحاكم. وقد أنتج هذا التقسيم الديموغرافي الحاد نوعين مختلفين تماماً من المجتمعات ومن البشر، حاكم ومحكوم، أسياد وخاضعين، أغنياء وفقراء. هذا التقسيم الديموغرافي هو تقسيم طبقي في الوقت نفسه، وهو خلق لانقسام مكاني ولجغرافيا طبقية جديدة. صحيح أن الجغرافيا بوصفها الطبيعة المادية للأرض التي يعيش عليها الإنسان هي شيء جاهز يجده الإنسان أمامه ويتكيف معه وتشرط طبعه وسلوكه، إلا أن الإنسان أيضاً يخلق جغرافيته الخاصة، يصنع ترتيبات مكانية معينة وفق أوضاعه الاجتماعية. لقد صنعت الإمبريالية اليونانية – الرومانية في الشرق جغرافيا جديدة؛ شكلت المكان وفق ترتيباتها السلطوية ومصالحها الاقتصادية. هذا هو السياق الجغرافي والديموغرافي لحركة يسوع الناصري، وهو ليس مجرد سياق سياسي أو كولونيالي، بل هو مع كل هذا سياق مكاني من صنع السلطة الكولونيالية الخالقة للجغرافيا الخاصة بها، المناسبة لنمط هيمنتها. تجاوز يسوع هذا الوضع المكاني والانقسام الجغرافي والديموغرافي بوصل الريف الذي قطعته الكولونيالية.
إقرأ أيضًا: هل ولد يسوع المسيح في 25 ديسمبر؟
وكمثال على استغلال المدينة للريف في ذلك العصر، أتناول مدينة مهمة في الجليل، غير مذكورة في الأناجيل لأن المسيح تجنب دخولها، وهي صفورية. كان تعداد مدينة صفورية في الجليل في القرن الأول حوالي 8 آلاف نسمة. ورغم هذا العدد الذي يبدو صغيراً في ظاهره، إلا أن الاحتياجات السنوية لمدينة بهذا التعداد في ذلك العصر كانت تقريباً: 1600 طنًا من القمح، و200 طناً من النبيذ، و160 طناً من زيت الزيتون[16]. وبالطبع فإن هذه الكمية الضخمة من المواد الغذائية كانت تأتي من الريف المحيط، أي من الجليل بصفة أساسية، ولم تكن مجرد فائض عن حاجة الريف، بل كانت استغلالاً صريحًا من المدينة للريف. وعند تقسيم الاحتياج السنوي من القمح على عدد أيام السنة، وبالمقارنة بأحوال مصر في نفس هذه الفترة، فإن مدينة صفورية كانت في حاجة إلى حمولة 115 حماراً في اليوم لإدخال الكميات المطلوبة من الغذاء، على أساس أن قدرة الحمار الواحد على الحمل هي 90 كيلوجرام. وكل هذا عبارة عن احتياج مدينة واحدة فقط، وكان في الجليل مدينة أخرى كبيرة بحجم صفورية هي طبرية. وبذلك كانت المدينة عبئاً ثقيلاً على محيطها الريفي، تستنزف منه موراده، ولا تسهم بأي شيء في الإنتاج الزراعي، فهي مستهلكة فقط، ولذلك سماها بعض الباحثين مدناً “طفيلية” parasitical[17].
وبمناسبة الحمار الذي كان وسيلة النقل الأساسية في هذا العصر، فقد دخل يسوع أورشليم على حمار؛ وكان إشارة منه إلى أنه من عامة الشعب ومن الريف، في مقابل بيلاطس البنطي الذي دخل أورشليم على حصان حربي. الحمار الريفي هنا هو في مقابل الحصان الحربي: مقابلة نقائضية هدفها إيصال رسالة تكشف عن تناقض الأحوال آنذاك، وعن الفرق بين يسوع، الزعيم الشعبي، وبيلاطس، القائد الكولونيالي.
-
التكوين الطبقي – الديموغرافي في العصر الروماني
أقصد بالتكوين الطبقي – الديموغرافي، أن توزيع السكان في المنطقة كان طبقيًا، إذ شهدت ديموغرافيا المنطقة انقسامًا طبقيًا حادًا بين نخب حاكمة أجنبية تسكن المدن، وأغلبية ساحقة من السكان الأصليين تسكن الريف. ومن ثم كانت الديموغرافيا كولونيالية في أساسها. وبذلك شهد الوضع آنذاك انقسامًا حادًا بين المدينة الهلينستية ومحيطها الريفي الذي تسيطر عليه، وقد كان انقسامًا طبقيًا وعرقيًا وثقافيًا: كانت المدينة هي مقر إقامة الطبقات الحاكمة والغنية، والتي كان أغلبها من اليونان والرومان وبعض المحليين الذين تبنوا الثقافة اليونانية – الرومانية، وكان الريف خاضعًا للمدينة سياسيًا واقتصاديًا، تعيش فيه الأغلبية الساحقة من السكان، الفقراء الذين تمسكوا بثقافتهم وتراثهم الديني. وكان المحيط الريفي التابع للمدينة يسمى “خورة” أو “كورة” Χώρα/ Khôra.
أ. الانقسام إلى الكورة والمدينة في العصر الروماني
لم تكن فلسطين في العصر الروماني استثناءًا، بل كانت جزءًا من الترتيبات الكولونيالية التي وضعها الرومان في كل حوض البحر المتوسط، والذي بدأ منذ غزو الإسكندر لأقاليم الشرق، وتأسيس اليونان في أعقاب ذلك مدنًا كثيرة هناك، كانت في أساسها مستوطنات كولونيالية حضرية، تستغل المحيط الريفي حولها. ومن ثم شهد حوض البحر المتوسط بما فيه أقاليمه الشرقية انقسامًا بين المدينة والمحيط الريفي من حولها. كانت أغلب مدن شرق المتوسط مستعمرات حضرية يونانية – رومانية. خلق هذا الوضع انقسامًا طبقيًا وديموغرافيًا في الوقت نفسه، فالمدينة كانت هي سكن الطبقة العليا الغنية والحاكمة، والريف هو سكن الطبقات الخاضعة، وهو توزيع ديموغرافي وطبقي في وقت واحد.
وتعني كلمة “كورة” باليونانية: المكان المحيط بشيء ما، والذي يعطيه الوجود ويجعله يستمر في الحياة، مثل الماء للسمك، ومثل الهواء والشمس للنبات؛ وبذلك فهي قريبة جدًا من الكلمة الألمانية “المجال الحيوي” Lebensraum، الشهيرة جدًا في الأيديولوجيا النازية، التي كانت تطالب بسيطرة الألمان على شرق أوروبا باعتباره المجال الحيوي للشعب الألماني. وقد درس عدد من الباحثين المعاصرين السياق الكولونيالي لوصف منطقة ما بأنها “كورة” في العصر اليوناني – الروماني، مثل رولاند بوير وكريستينا بيترسون[18]، ومن قبلهما المؤرخ الماركسي وعالم الكلاسيكيات الشهير جيفري دو سانت كروا[19].
ب. الحضور الكثيف لكلمة “كورة” في الأناجيل
أود في هذا الموضع تبرير وضع الكثير من آيات الأناجيل بنصها على كثرتها، والسبب الذي يجعلني أضعها، أن أوضح للقارئ كثافة حضور هذه الكلمة في الأناجيل.
وردت كلمة “كورة” في الأناجيل الأربعة 25 مرة: 14 مرة في إنجيل لوقا؛ 4 مرات في إنجيل متى؛ 5 مرات في إنجيل مرقس؛ ومرتان في إنجيل يوحنا. وليس معنى هذا أن كاتب إنجيل لوقا هو الأكثر ريفية أو الأكثر ارتباطًا بالريف كما تذهب بعض الدراسات الحديثة، بل يعني هذا أن لوقا كان هو الأكثر وعيًا بثنائية الكورة والمدينة، وبالتناقض الحاد بينهما في تلك الفترة، وبحصرية دعوة المسيح في الريف؛ وكأنه يؤكد على هذه الحصرية من المرات الكثيرة التي أورد فيها هذه الكلمة.
سوف أعرض فيما يلي عددًا من المواضع التي وردت فيها كلمة “كورة” كي أوضح السياق الديموغرافي لدعوة المسيح، ومشروطيتها السوسيولوجية بسكان الريف، مع الأخذ في الاعتبار أن الريف هو المجال الحيوي Lebensraum للمدينة الهلينستية داخل السياق الكولونيالي آنذاك.
إقرأ أيضًا: المسيح والحسين وتجليات الفداء.. كيف أعاد المُتَخَيَّل الاجتماعي إنتاج المشهديات الخلاصية؟
يقول إنجيل مرقس عن يوحنا المعمدان: “وَخَرَجَ إِلَيْهِ جَمِيعُ كُورَةِ الْيَهُودِيَّةِ وَأَهْلُ أُورُشَلِيمَ وَاعْتَمَدُوا جَمِيعُهُمْ مِنْهُ فِي نَهْرِ الأُرْدُنِّ” (مرقس 1: 5). الملاحظ أن كاتب الإنجيل يسمي كل إقليم يهوذا “كورة اليهودية”، وهو يقصد كل المناطق الريفية هناك، والتابعة لمدينة أورشليم، مما يشي بشعبية المعمدان بين سكان الريف الخاضع للمدينة، فكلمة “كورة” تحمل في طياتها معنى خضوع الريف لمدينة حاكمة. لقد كانت حركة المعمدان شعبية تكونت من فقراء الريف. أما إنجيل متى فيقول إن كل من في الكور المحيطة بنهر الأردن قد اتبع المعمدان وخرج إليه: “حِينَئِذٍ خَرَجَ إِلَيْهِ أُورُشَلِيمُ وَكُلُّ الْيَهُودِيَّةِ وَجَمِيعُ الْكُورَةِ الْمُحِيطَةِ بِالأُرْدُنِّ، وَاعْتَمَدُوا مِنْهُ فِي الأُرْدُنِّ، مُعْتَرِفِينَ بِخَطَايَاهُمْ” (متى 3: 5 – 6). لقد كان المعمدان جاذبًا لكل من في الكور، إلى درجة أنهم كانوا يخرجون من قراهم ومساكنهم ليتعمدوا على يديه في المنطقة النائية التي كان يعيش فيها على نهر الأردن. وأود هنا أن ألفت الانتباه إلى أمر سوف أتناوله بالتفصيل لاحقًا. إن خروج أعداد غفيرة من فقراء الريف ليتعمدوا على شخص ويتوبوا عن طريقه، هو تجاوز للمؤسسة الدينية الرسمية التي كانت تهيمن على الشأن الديني آنذاك، واللجوء إلى زعيم ديني ناسك منعزل في البرية يعيش في تقشف: “يَلْبَسُ وَبَرَ الإِبِلِ، وَمِنْطَقَةً مِنْ جِلْدٍ عَلَى حَقْوَيْهِ، وَيَأْكُلُ جَرَادًا وَعَسَلاً بَرِّيًّا” (مرقس 1: 6). إنها حركة اعتراض شعبية غير مباشر على كهنة أورشليم وتحديًا لسلطتهم.
كما يقول كاتب إنجيل مرقس إن يسوع، وبعد فترة قصيرة جدًا من دعوته، اشتهر وذاع صيته في كل كورة الجليل: “فَخَرَجَ خَبَرُهُ لِلْوَقْتِ فِي كُلِّ الْكُورَةِ الْمُحِيطَةِ بِالْجَلِيلِ” (مرقس 1: 28). والملاحظ أن هذه المعلومة هي من الإصحاح الأول من الإنجيل، دليلًا على الفترة المبكرة للغاية من دعوة يسوع. وفي رحلات يسوع التبشيرية كان دائمًا ما يذهب إلى الكور، لا إلى المدن، فأكبر وأهم مدينتين في الجليل وهما صفورية وطبرية غير مذكورتين في الأناجيل، فلم يدخلهما يسوع وتجنبهما عن قصد، لكنه اشتهر في “كُلِّ الْكُورَةِ الْمُحِيطَةِ بِالْجَلِيلِ”. كما ذكر مرقس أنه دخل أرض جنيسارت، وهي منطقة خصيبة شمال غرب بحيرة طبرية، وكانت كورة أيضًا، تابعة لمدينتي صفورية وطبرية: “فَلَمَّا عَبَرُوا جَاءُوا إِلَى أَرْضِ جَنِّيسَارَتَ وَأَرْسَوْا… فَطَافُوا جَمِيعَ تِلْكَ الْكُورَةِ الْمُحِيطَةِ” (مرقس 6: 53، 55).
وكان يسوع يشفي المرضى في الكور، وكان الناس يجلبون إليه المرضى منها: “فَلَمَّا عَبَرُوا جَاءُوا إِلَى أَرْضِ جَنِّيسَارَتَ، فَعَرَفَهُ رِجَالُ ذلِكَ الْمَكَانِ. فَأَرْسَلُوا إِلَى جَمِيعِ تِلْكَ الْكُورَةِ الْمُحِيطَةِ وَأَحْضَرُوا إِلَيْهِ جَمِيعَ الْمَرْضَى” (متى 14: 34 – 35). لقد كان سكان الريف يعانون من أمراض كثيرة، والأرجح أنها كانت بسبب الفقر الشديد وسوء التغذية وسوء أماكن السكن والإرهاق في العمل بسبب الأوضاع الكولونيالية، إلى درجة أن أمراضهم لم يقدر على شفائها سوى المسيح نفسه.
وقد تذكر الأناجيل الكور لكن دون استخدام الاسم، وباستخدام كلمات أخرى لكنها تدل أيضًا على المحيط الريفي التابع للمدن. يقول إنجيل مرقس: “وَتَبِعَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنَ الْجَلِيلِ وَمِنَ الْيَهُودِيَّةِ وَمِنْ أُورُشَلِيمَ وَمِنْ أَدُومِيَّةَ وَمِنْ عَبْرِ الأُرْدُنِّ. وَالَّذِينَ حَوْلَ صُورَ وَصَيْدَاءَ” (مرقس 3: 7 – 8)، لم يأت أتباعه من صور وصيداء بل من المناطق التي “حول صور وصيداء”، أي من المحيط الريفي لهاتين المدينتين. وهذا هو المعنى نفسه الذي نجده في آية أخرى من الإنجيل نفسه: “ثُمَّ قَامَ مِنْ هُنَاكَ وَمَضَى إِلَى تُخُومِ صُورَ وَصَيْدَاءَ” (مرقس 7: 24). والتخوم هي المناطق الريفية المتاخمة للمدن. لم يدخل يسوع صور وصيداء، بل اقتصر على الكورة المحيطة بهما. وهذا هو ما نراه أيضًا في حالة مدينة أخرى هي قيصرية فيلبس Caesarea Philippi: ” ثُمَّ خَرَجَ يَسُوعُ وَتَلامِيذُهُ إِلَى قُرَى قَيْصَرِيَّةِ فِيلُبُّسَ” (مرقس 8: 27). لم يدخل قيصرية فيلبس نفسها بل دخل قراها. لقد تجنب المدينة.
وكذلك دخل يسوع كورًا أخرى خارج الجليل، مثل كورة الجدريين، أو بالأحرى كورة الجرشيين، وهي المحيط الريفي التابع لمدينة جرش في الأردن الحالية، وقد كانت إحدى المدن العشر Decapolis التي أسسها اليونان هناك: “وَجَاءُوا إِلَى عَبْرِ الْبَحْرِ إِلَى كُورَةِ الْجَدَرِيِّينَ” (مرقس 5: 1)؛ أي أنه دخل كورة الجرشيين من البحر، أي من بحيرة طبرية، فقد كان يسوع يتجنب السير في الطرق الرومانية، وكان يدخل الكورة من البحيرة مباشرة. وفي هذه الكورة وجد شخصًا مجنونًا يتلبسه روح نجس، وسأله يسوع عن اسم الروح النجس، فقال إن اسمه ليجيون Legion، وهو اسم الجيش الروماني: “وَسَأَلَهُ:«مَا اسْمُكَ؟» فَأَجَابَ قِائِلاً:«اسْمِي لَجِئُونُ، لأَنَّنَا كَثِيرُونَ»” (مرقس 5: 9). وأخرج يسوع الليجيون من الملبوس فعاد سليمًا. وهذه إشارة واضحة إلى جيش الاحتلال الروماني. فمثلما يتلبس الليجيون الرجل، يتلبس الجيش الروماني الأرض كلها وكأنه روح نجس. ويُخلِّص يسوع الرجل من الليجيون، أي الروح النجس الذي يحتله، في إشارة واضحة الى التحرر من الاحتلال الروماني. إن السياق الكولونيالي الروماني لا غنى عنه في دراسة وفهم دعوة يسوع الناصري.
وعندما تنبأ يسوع بخراب الهيكل، وحذر من حرب كبيرة قادمة، أوصى أتباعه بأن يهربوا، وخاصة الذين في الكُوَر، وبألا يعودوا إلى المدن ولا يحتموا في الكور: “حِينَئِذٍ لِيَهْرُبِ الَّذِينَ فِي الْيَهُودِيَّةِ إِلَى الْجِبَالِ، وَالَّذِينَ فِي وَسْطِهَا فَلْيَفِرُّوا خَارِجًا، وَالَّذِينَ فِي الْكُوَرِ فَلاَ يَدْخُلُوهَا” (لوقا 21: 21). وقد حدث هذا بالفعل بعد وفاة المسيح بثلاثة عقود، إذ كانت الحرب اليهودية – الرومانية (66م. – 70م.) شاملة، ارتكب فيها الجيش الروماني مذابح عديدة في الريف، وكانت حرب إبادة وتطهير عرقي شامل، مثل حروب الصهاينة في فلسطين الآن.
ج. التَحَضُّر الكولونيالي والانقسام الطبقي في فلسطين في عصر الرومان
قلنا إنه بعد فتح منطقة شرق المتوسط على عمليات الاستيطان اليوناني منذ القرن الرابع ق.م.، بإنشاء مدن كثيرة على النمط اليوناني في كل سوريا الكبرى، صارت هذه المدن اليونانية مستوطنات حضرية كولونيالية، وسط ريف شرقي خاضع لها يسكنه السكان الأصليون، وهو ما يسمى “التحضر الكولونيالي” Colonial Urbanization. وهذا ما أدى إلى أن صارت فلسطين مقسمة إلى مناطق إدارية عديدة. عملت هذه التقسيمات على قطع البلاد وتقسيم الريف وفقدان تواصله مع بعضه البعض. ولأن الحياة الريفية والاقتصاد الريفي يعتمد على التعاون التكافلي المتبادل، فقد عملت هذه التقسيمات على إضعاف القدرة التكافلية للريف، وربطت كل منطقة بمدينة حاكمة مهيمنة في الوسط منها، وصار محيط المدينة الريفي تابعاً لها وانتهى استقلال الريف واكتفائه الذاتي. وعمل ربط الريف بالمدينة على زيادة فقره، فقد صار الريف خادماً المدينة، وواضعاً نهاية لاقتصاد الكفاف subsistence economy والمبادلة بالمقايضة، وفقد الكثير من المزارعين أراضيهم لعجزهم عن دفع الديون، وصاروا إما مطرودين منها أو بقوا فيها عُمَّالاً أجراء بعد أن كانوا مالكين. وبذلك كان للاقتصاد النقدي آثاراً وخيمة على الاقتصاد الريفي، إذ أتى معه بالديون وبمصادرة الأرض[20]، وصار المُلَّاك الجدد هم ساكني المدن الهلينستية، لا يعملون فيها بأنفسهم، بل يشغلون أجراء هم في الغالب المُلَّاك السابقين الذين صوردت أراضيهم، وصار نمط الملكية الجديد هو الملكية الغيابية absentee ownership. يسوع في رحلاته التبشيرية كان يهدف وَصْلَ ما قطعته الإدارة الإمبراطورية، معيدًا إحساس الناس بالهوية الواحدة والاشتراك في مصير واحد، وأعلى من إحساسهم بكرامتهم.
إن السياق الذي عمل فيه يسوع هو سياق كولونيالي عن جدارة، عمل يسوع في إطاره لكن في مواجهته ومتجاوزاً له؛ مُعيدًا تفعيل قيم اجتماعية تكافلية وتراحمية، في مواجهة المعاملات التجارية والنقدية بين الريف الفقير والمدينة الكولونيالية الهلينستية المهيمنة والمستغلة. وفي أقوال يسوع ثنائية حادة بين الأغنياء والفقراء، تشي باستقطاب طبقي حاد بينهما، وبعلاقة استغلال واضحة للغاية من الأغنياء للفقراء، وأقول إنها كانت في سياق كولونيالي ومن صنعه: “الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ يَعْسُرُ أَنْ يَدْخُلَ غَنِيٌّ إِلَى مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ! وَأَقُولُ لَكُمْ أَيْضًا: إِنَّ مُرُورَ جَمَل مِنْ ثَقْب إِبْرَةٍ أَيْسَرُ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ غَنِيٌّ إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ!” (متى 19: 23 – 24). يسوع هنا يقدم صورة مستقبلية هي العكس التام للأحوال السائدة في بلده من جراء الكولونيالية الهلينستية، فقد كان الفقراء هم الممنوعين من دخول المدن الهلينستية في الشرق، إذ كانت هذه المدن محاطة بأسوار عالية وبوابات عليها حراسات عديدة؛ وكانت وظيفة الأسوار عزل المدن عن محيطها الريفي الفقير. أما يسوع في المقولة الشهيرة السابقة فهو يقلب الآية ويجعل الأغنياء هم الممنوعون من دخول ملكوت الله.
في هذا السياق يجب أن نفهم مقولته “أحبوا أعداءكم باركوا لاعنيكم”، فهي خارجة من سياق ريف مأزوم وشعب أرهقته الديون، هدفها استقلال الريف الفقير عن المدينة الهلينستية الكولونيالية؛ يسوع يريد أن يحل الناس مشاكلهم بأنفسهم دون اللجوء إلى الحكام. العبارة موجهة إلى ريف فقير بهدف تدعيم قيم التراحم فيما بينه، وهي القيم الريفية الأصيلة التي ضاعت وسط المدينة الكولونيالية الهلينستية.
د. الوضع الاجتماعي – الطبقي للجليل في عصر أنتيباس: كولونيالية مستوطنة
عيَّن الرومان هيرودُس أنتيباس إبن هيرودُس الكبير حاكماً على الجليل والبرية، وكانت مقرات حكمه في الجليل، في وسط السكان والمناطق الريفية هناك، مما سهل عليه استغلال السكان ووضعهم تحت الرقابة الشديدة والضرائب الباهظة المباشرة. كان إقليم الجليل قبل ذلك يُحكم من أورشليم البعيدة في الجنوب، لكنها في عهد أنتيباس صارت تحت حكم حاكم مقيم فيها. وقد أنشأ مدناً هناك لتكون مراكز تواجد للنخب الحاكمة وللثقافة الهلينستية. ففي 25 عامًا أقام أنتيباس مدينتين:
- صفورية Sepphoris، التي تبعد سبعة كيلومترات عن قرية الناصرة (وظلت موجودة في العصور التالية حتى تعرض سكانها الفلسطينيون للتهجير القسري من قوات الاحتلال الإسرائيلية سنة 1948، بعد قصف بالطائرات قضى على المقاومة الشعبية المحلية بها)، والمحتمل أن يكون اسمها مشتقًا من الكلمة السريانية “صُفرة” أي “عصفور”؛ وقد بناها أنتيباس على أنقاض المدينة القديمة التي تحمل نفس الإسم والتي دمرها الرومان سنة 4 ق.م. أثناء قمعهم للثورة التي قادها يهوذا الجليلي (يهوذا بن حزقيا)، فور وفاة الملك هيرود. وقد أجلى الرومان سكانها بعيدًا، ويحتمل أنهم انتشروا في القرى المحيطة بها، وربما كان بعض سكان الناصرة من السكان الذين تم ترحيلهم من صفورية. وعندما أعاد أنتيباس بناء المدينة، قام بإجلاء ما كان بها من سكان إلى المحيط الريفي من حولها، مما يعني احتمال أن تكون قرية الناصرة قد استقبلت أعدادًا أخرى من السكان المرحلين. في هذا السياق يجب أن نفهم قول يسوع الناصري حول وراثة الأرض: “طُوبَى لِلْوُدَعَاءِ، لأَنَّهُمْ يَرِثُونَ الأَرْضَ” (متى 5:5). إنه يخاطب أناسًا فقدوا أرضهم وصاروا بدون أرض، ويعدهم بأنهم سوف يحصلون عليها مرة أخرى، من الذين أخذوها منهم، وهو معنى أنهم سيرثونها.
- وطبرية Tiberias، على ساحل بحر الجليل، على مقربة من كفر ناحوم التي كانت استراحة يسوع عبر رحلاته. وقد بنى أنتيباس طبرية على ساحل بحر الجليل مباشرة، كي يشرف على عمليات الصيد وعلى تجارة الأسماك هناك. معنى هذا أن عمليات الصيد وتجارة الأسماك كانت خاضعة لأنتيباس، وقد توجه يسوع إلى بحر الجليل لتجنيد “صيادين”.
ويذكر جوزيفوس فلافيوس عمليات إنشاء هاتين المدينتين التي تضمنت ترحيلاً للسكان الأصليين والقذف بهم إلى المحيط الريفي الفقير، واستقدام سكان آخرين من النخب الحاكمة والأغنياء، وكانوا خليطاً من جنسيات مختلفة. وبذلك أحدث هيرودُس أنتيباس انقساماً طبقياً حاداً في الجليل: مدن هلينستية نخبوية مختلطة الأعراق، ومحيط ريفي فقير من سكان أصليين وسكان آخرين تم ترحيلهم قسراً إلى هناك، وكانت قرية الناصرة من هذا المحيط الريفي. استغرق بناء المدينتين سنوات طويلة، والمحتمل أن يكون أنتيباس قد استقدم عمالاً للبناء من سكان الريف، وكان يسوع نجارًا هو ووالده يوسف (يشير أكثر من موضع في الأناجيل إلى أنه كان يُظَن ابن يوسف)[21]، والمرجح أنهما اشتغلا في عمليات البناء هناك. والمحتمل أن يكون يسوع بوصفه عامل بناء قد رأى بعينيه ولمس بيديه عمليات خلق النظام الكولونيالي في فلسطين، وربما عمل في عمليات البناء في هاتين المدينتين بالذات، كونهما تقعان على مسافة كيلومرات قليلة من قريته الناصرة. وبعض أهم الأمثال التي قالها يسوع الناصري تشي بمعرفته بنظام السخرة الذي كانت تستخدمه القوى الكولونيالية في بناء المدن هناك: “وَمَنْ سَخَّرَكَ مِيلًا وَاحِدًا فَاذْهَبْ مَعَهُ اثْنَيْنِ” (متى 5: 41)؛ وهي سياسته في المقاومة السلبية اللاعنيفة non-violent resistance.
(يُتبع)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر والمراجع:
[1]) Lester L. Grabbe. A History of the Jews and Judaism in the Second Temple Period. Vol.3, the Maccabaean Revolt, Hasmonaean Rule, and Herod the Great (175-4 BCE). (London: T&T Clark, 2020), pp. 310ff.
[2]) Ibid, pp. 429ff.
[3]) Ibid, pp. 441 – 447.
[4]) Lester L. Grabbe. A History of the Jews and Judaism in the Second Temple Period. Volume 4, the Jews under the Roman Shadow (4 BCE-150 CE). (London: T & T Clark, 2021), pp. 315 – 340.
[5]) Séan Freyne, “Cities of the Hellenistic and Roman Periods,” in The Oxford Encyclopaedia of Archaeology in the Near East, ed. Eric Meyers, vol. 2, 29–35 (Oxford: Oxford University Press, 1997), 30.
[6]) Roland Boer and Christina Petterson. Time of Troubles: A New Economic Framework for Early Christianity. (Minneapolis: Fortress Press, 2017), p. 77.
[7]) Séan Freyne, “Urban-Rural Relations in First-Century Galilee: Some Suggestions from the Literary Sources,” in The Galilee in Late Antiquity, ed. Lee Levine, 75–91 (New York: Jewish Theological Seminary of America, 1992), p.
[8]) Josephus, Life, 8.30
[9]) Josephus, Life, 37. 185.
[10]) Josephus, Life, 43. 213.
[11]) Freyne, Galilee from Alexander the Great to Hadrian, p. 102.
[12]) Freyne, Galilee from Alexander the Great to Hadrian, p. 103.
[13]) Josephus, Life, 45. 235.
[14]) Roland Boer and Christina Petterson. Time of Troubles, P. 81.
[15]) Perry Anderson. Passages from Antiquity to Feudalism. (London: Verso, 1974), P. 19, cited in Roland Boer and Christina Petterson. Time of Troubles, P. 81.
[16]) Roland Boer and Christina Petterson. Time of Troubles, P. 82.
[17]) Séan Freyne, Jesus, a Jewish Galilean: A New Reading of the Jesus Story (London: T&T Clark, 2004), 134.
[18]) Roland Boer and Christina Petterson. Time of Troubles: A New Economic Framework for Early Christianity. (Minneapolis: Fortress Press, 2017), pp. 75ff.
[19]) G. E. M. de Ste. Croix. The Class Struggle in the Ancient Greek World: From the Archaic Age to the Arab Conquests. (London: Duckworth, 1981).
[20]) حول أزمة الديون في فلسطين في عصر يسوع وانعكاساتها على دعوته وأصدائها في الأناجيل، انظر،
Oakman, Douglas E, Jesus and Agrarian Palestine: The Factor of Debt; Jesus and the Problem of Debt in Ancient Palestine, chapters 1 and 2 in, Jesus and the Peasants (Eugene, OR: Cascade Books, 2008).
[21]) “وَلَمَّا ابْتَدَأَ يَسُوعُ كَانَ لَهُ نَحْوُ ثَلاَثِينَ سَنَةً، وَهُوَ عَلَى مَا كَانَ يُظَنُّ ابْنَ يُوسُفَ” (لوقا 3: 23)؛ “وَكَانَ الْجَمِيعُ يَشْهَدُونَ لَهُ وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْ كَلِمَاتِ النِّعْمَةِ الْخَارِجَةِ مِنْ فَمِهِ، وَيَقُولُونَ: «أَلَيْسَ هذَا ابْنَ يُوسُفَ؟»” (لوقا 4: 22).