كيف تشكلت المعارضة الأنصارية في مدينة الرسول؟.. جدل السياسي والديني

 تكوين

حفلت السرديات الإسلامية الكلاسيكية بروايات مثالية تصف ما حدث في واقعة سقيفة بني ساعدة بعبارات الثناء والتأييد، وحرصت تلك الأدبيات على إعادة إنتاج الحادثة بوصفها لحظةً طوباوية لتأسيس الفعل السياسي في الإسلام، وأحد تجليات الشورى وعبقريّة الاختيار الجماعي الذي أنقذ الكيان السياسي الوليد من التفكك، إثر رحيل النبي دون اختيار خليفة له. غير أنّ هذه السردية المثالية تُخفي خلف خطابها الطوباوي شبكةً من التوترات المضمرة بين الواقع والمتخيل، كما أنّها تغفل عن الإشارات العديدة التي حفلت بها كتب السُنة، والتي تشير إلى حادثة الغدير كلحظة مفصلية مسكوت عنها في السرديّة الرسمية للتاريخ السياسي في الإسلام (العسقلاني، 2003).

ويمكن القول إنّ مخرجات السقيفة كانت تجلّيًا أوليًا لتكوّن السلطة في دولة المسلمين، بوصفها بنية رمزية تُنتج ذاتها عبر آليات العنف السياسي، المادي والمعنوي معًا، الأمر الذي أسّس لهيمنة قريشية انتقائية، سرعان ما شرعنت وجودها بخطاب ديني منحها طابعًا مفارقًا، لتتحوّل قاعدة “الأئمة من قريش” من مجرد مخرَجٍ سياسي ظرفي إلى مبدأ سياسي حاكم، استقلّ عن شروطه التاريخية؛ ليصبح فاعلًا تأسيسيًا في إنتاج المعنى السياسي في الدولة الوليدة.

هذا التأسيسُ أفضى بدوره إلى ازدواجيةٍ في كيفيةِ اشتغالِ السلطة، تجلّت في بُعدٍ ديني أسبغَ القداسةَ على الحكم، وبُعدٍ سياسيٍّ يُقصي المختلفَ عبر أدواتِ العنفِ الرمزيّ.

بنية السلطة في دولة المسلمين الأولى

في هذا السياق، كان اختيار أبي بكر للخلافة نتيجة لتقاطعات معقّدة بين العصبية القبلية ومنطق الدولة الناشئة، حيث وُظِّف حضور عمر بن الخطاب كقوة ضابطة لتوازن لحظي بين الدين والسياسة، أتاح انتقال الجماعة الإيمانية إلى الدولة المركزية، وأعاد إنتاج الشرعية مستندًا إلى تفاهمات قبلية وفق تصور ضمني استبعد بني هاشم، ومهد لهيمنة الأمويين.

وعليه، لم تكن خلافة أبي بكر مجرّد استجابة ظرفية لفراغ سياسي أحدثته وفاة الرسول، بل كانت لحظة تأسيس مركزية لحضور بني أمية بشكل مكثف في المشهد السياسي، وفق تفاهمات جرت في عهد النبي نفسه.

ويمكن للباحث في هذا السياق أن يستخلص قاعدتين مركزيتين، تُمثّلان بنيتين تأويليتين لفهم جدلية حسم السلطة في أعقاب وفاة النبي.

  • القاعدة الأولى تمثلت في إدراك استحالة إقصاء بني هاشم عن مركز القرار السياسي، إذا ما تمّت مبايعة علي بن أبي طالب مباشرة بعد رحيل النبي، وذلك لاعتبارات مزدوجة: دينية من جهة، تتصل بقرابتهم ومكانتهم الروحية بوصفهم الامتداد الأقرب للنبي، وقبلية من جهة أخرى، حيث إنّ النسيج الاجتماعي العربي آنذاك لم يكن تجاوز بعد شرعية العصبية القرابية.
    هذا المعطى تجلى بوضوح بعد مقتل علي بن أبي طالب، إذ تمّت مبايعة ابنه الحسن بصورة تلقائية (البهيجي، 2017). بما يؤكد أنّ موقع بني هاشم لم يكن قابلاً للتهميش أو الإلغاء في المخيال الجماعي ولا في البنية السياسية الوليدة.
  • أمّا القاعدة الثانية، فهي أنّ حسم مسألة الخلافة لم يكن ممكنًا دون موافقة بني أمية، الذين استطاعوا منذ فتح مكة أن يرسّخوا لوجودهم في بؤرة القرار السياسي، عبر توازنات دقيقة نسجها النبي ذاته. فالمقولة الشهيرة: “من دخل دار أبي سفيان فهو آمن” (الحلبي، 2013). حيث لا يمكن النظر إليها فقط كعبارة مجاملة أو تكريم لزعيم قريش الذي يحب الفخر، بل ينبغي قراءتها كإعلان ضمني عن اتفاق سياسي أعاد إدماج النخبة الأموية في المشروع السياسي الجديد، حيث أصبح الولاء المتبادل شرطًا لاستقرار السلطة.

هذا الاتفاق كانت له تجليات عملية، أبرزها إسناد ولاية مكة مباشرة بعد الفتح إلى عتاب بن أسيد الأموي، وهو شاب لم يتجاوز العشرين عامًا (الشامي، 2012). ممّا يشي بأنّ الإدارة الفعلية كانت من الناحية العملية بيد أبي سفيان زعيم بني أمية، وهو ما يكشف عن وجود هندسة سياسية استبطنت نوعًا من الموازنة بين بني هاشم وبني أمية، وتؤكد حتمية حضور الأمويين في قلب معادلة السلطة.

هذا وكان مقتل عمر بن الخطاب لحظة انعطاف حاسمة في تاريخ تشكّل السلطة في الإسلام، إذ سرعان ما انكشفت البنية العميقة للصراع بين العصبيتين الهاشمية والأموية، حيث تحوّل مبدأ الشورى إلى آلية رمزية لإخفاء إرادة القوة التي حكمت مسار الصراع، فالمفاضلة بين عليّ بن أبي طالب وعثمان بن عفّان لم تكن مجرّد تنافسٍ على الشرعية، بل كانت تجليًا لصراع مفتوح أعاد إنتاج حضور المكونات السياسية القديمة (بنو هاشم وبنو أمية) كمبدأ ناظم للسلطة.

حزب الأنصار وجدلية السياسي والديني في الإسلام

كانت طبيعة الاجتماع في يثرب قبل الإسلام شديدة التعقيد، حيث تداخلت في فضاءها المركب عدة عناصر متباينة، ففيها تتجاور قبيلتا الأوس والخزرج العربيتان، مع جماعات يهودية ذات نفوذ اقتصادي وحضور ثقافي مغاير، وقد مثّلت تلك البنية الهجينة ميداناً لصراع قبلي ضاري، كان أبرزها يوم بُعاث (615م)، حين بلغت الحرب بين الأوس والخزرج ذروتها (بدر، 1993)، ليفضي الصراع إلى إنهاكٍ جماعيّ كشف عن هشاشة التوازنات الداخلية، وتآكل مقومات العيش المشترك.

في أعقاب هذا التصدّع البنيوي، تولّد وعيٌ جمعيّ ملح لاستدعاء سلطة فوق-قبلية، محايدة ومؤسِّسة لنظام سياسي جديد، فبرزت فكرة استدعاء النبيّ محمد ليكون حكمًا بين الفرقاء، لا بوصفه طرفًا قبليًا أو دينيًا، بل باعتباره مرجعية رمزية تتجلى في رجل حكيم يملك من الصلابة ما يمكنه من إنهاء الصراع. ويمكن القول كذلك إنّ الإسلام، كظاهرة دينية جديدة، فكك بنية التحالفات السياسيّة التي كانت قائمة في يثرب، ذلك أنّ الأوس اتجهت للتحالف مع اليهود، الأمر الذي رجّح كفتها يوم بعاث، وكانت قبل ذلك استنجدت بقريش، ولم تجد آذانًا صاغية (كحيلة، 1996). ومن ثمّ، وفي أعقاب الصلح الهش بين الطرفين، كان الاتفاق على استدعاء النبي إلى يثرب ومبايعته أمرًا مرضيًا لكلاهما في سبيل إحداث توازن سياسي، تمهيدًا لإنهاء صراع أنهك الجميع.

وهكذا، شكّل قدوم النبي محمد إلى يثرب لحظة تأسيسية لتحوّل الاجتماع القبلي إلى اجتماع سياسي منظم، تُكرّسه وثيقة المدينة باعتبارها نصًّا تعاقديًا يؤسّس لفكرة الأمّة الواحدة، التي تتجاوز العصبية وتؤطرها في بنية تضامنية، تمثل في جوهرها تجربة سياسية لم يعهد لها العرب مثيلا.

وعليه، سبق السياسي الديني، بحيث يمكن القول إنّ هجرة النبي إلى يثرب كانت الحدث السياسي الأبرز في تاريخ العرب، وقد أدّى قدوم المهاجرين بأعداد غفيرة إلى تغيير بنية الاجتماع في يثرب من الناحية الديموغرافية، ما منح النبي سلطة نهائية وناجزة، وهو الأمر الذي، ربما، لم يضعه الأنصار في حسبانهم، إلى الحد الذي جعلهم يشتكون صراحة إلى النبي، في ظل التدافع غير المسبوق من قبل المهاجرين. ولهذا طلب النبي من عدد من المهاجرين بعد موقعة الخندق، العودة إلى ديارهم، في ظل حدوث مشكلات اقتصادية واجتماعية في المدينة (ابن حميد، د.ت).

هل احتل المهاجرون مدينة الأنصار؟

سمح الأوس والخزرج الرسول لأتباعه من المهاجرين، بوصفهم قوة سياسيّة وازنة تتصف بالحياد، بعد فقدان الثقة باليهود نتيجة انحيازاتهم السابقة، كما أنّ تاريخ الاضطهاد الطويل الذي عانى منه المهاجرون في مكة دون أن يواجهوا ذلك بالعنف، منح الأوس والخزرج شعورًا بالاطمئنان وعدم خشية الوافد الجديد، ريثما يتم حسم الصراع وترتيب معطيات مراكز القوى في يثرب.

في هذه الآونة، لم يكن إلقاء مفهوم “الأنصار” على الأوس والخزرج بعد الهجرة مجرد تسمية وصفية، وإنّما جاء ليعبر عن وظيفة سياسية تجاوزت مفهوم الدمج، تجاه تأسيس شرعية التحول إلى أمّة تحلّ محلّ اشتراطات السلطة القبلية التقليدية، بما يؤسس لهوية جديدة، ويعيد توزيع الأدوار داخل الحقل الاجتماعي. وفي هذه الترتيبات الجديدة، لم يتجاوز دور الأوس والخزرج سوى الاستضافة والدعم ونصرة المهاجرين، لتتحول النصرة إلى استبعاد، وفق صيغة جديدة ذات علاقةً وظيفية بالمرجعية النبوية.

وسرعان ما أدرك الأنصار طبيعة الوضع الجديد، بعد أن تمّ استبعادهم من المشهد السياسي، حيث شكِّل مشهد إقصاء الأنصار من قمة الهرم السلطوي في دولة المدينة، لحظة مهمة في تاريخ الدولة الناشئة، لما ينطوي عليه من دلالات تخطّت حدود الترتيب الإداري إلى أبعاد تتعلّق بطبيعة إنتاج السلطة، فبعد أن كان الأنصار هم الحاضنة الاجتماعية والسياسية الأولى للمشروع النبوي، وأساس تحول المسلمين من جماعة دينية مضطهدة في مكة إلى كيان سياسي يناطح سادة قريش، بدأت تتكشف ملامح تمركز السلطة في يد المهاجرين، مع تبلور مؤسسات الدولة الجديدة، حيث احتُكر المهاجرون مواقع القيادة العليا، سواء في الإدارة أو في قيادة السرايا والغزوات، بينما أُقصي الأنصار تدريجيًا عن مراكز صُنع القرار الفعلي، حتى أنّ قائمة العشرة المبشرين بالجنة خلت من الأنصار (الجاحظ، 2013).

هذا التوزيع غير المتكافئ للسلطة لا يمكن قراءته في بعده الظاهري فحسب، بل يُفهم في إطار منطق الهيمنة الرمزية التي مارستها قريش، باعتبارها حاضنة الرسالة في السردية النبوية، حيث ظلّ الانتماء لمكة يمثل سلطة رمزية مقدسة داخل مشروع يقوم في الأساس على المساواة الدينية.

لم يكن غياب الأنصار عن قيادة السرايا والغزوات مجرد مصادفة تنظيمية، بل تجلٍّ لتأسيس بنية تراتبية في الحقل السياسي، أعيد فيها إنتاج التفوق القرشي ضمن خطاب ديني يُبرّر التراتبية الجديدة، وفق نظام رمزي يُمجّد الأنصار أخلاقيًا، ويُقصيهم عمليًا من المجال التنفيذي حيث تتجلى بنية السلطة الفعلية.

ومن هذا المنظور، يمكن القول إنّ دولة المدينة في بنيتها العميقة، أسست لنمط من التمركز حول قريش، وهو تمركز وجد امتداده، فيما بعد، تجاه مسار الخلافة الراشدة وما تلاها.

تبلور المعارضة الأنصارية

يفصح ظهور المعارضة الأنصارية بقيادة عبد الله بن أُبيّ بن سلول، عن توترٍ عميق في بنية الاجتماع في يثرب في مواجهة المشروع السياسي الجديد الذي حمله النبيّ إلى المدينة، فمع قدوم الرسول إلى يثرب، لم يكن المشهد الاجتماعي والسياسي صفحة بيضاء، حيث اشتبكت في فضاء هذا الاجتماع جملة من الولاءات والمصالح والرموز القَبَلية، ضمن هرم سلطوي تربع على قمته زعيم الخزرج ابن سلول، الذي كان قاب قوسين من أن يُتوَّج ملكًا على يثرب قبل الهجرة بوقتٍ قصير، لكنّه وجد نفسه في وضع جديد، قرّر أن يسايره، وإن شغل فيه موقع المعارضة، تعبيرًا عن رفضه للتحول الجديد الذي أحدثه المهاجرون في هندسة الاجتماع التقليدي في يثرب، لكنّها معارضة ظلّت خافتة، في ظل الصعود المدوي لدولة المهاجرين، وإنّ أفصحت تلك المعارضة عن وجودها في كثير من الأحيان(ابن هشام، د.ت)، خاصّة في لحظات الانكسار، مثل لحظة الهزيمة في أحد، كما انسحب بن أبي بجيشه ورفض المشاركة في غزة تبوك (الواقدي، 1966)

ويمكن القول إنّ المعارضة الأنصارية في المدينة تُجسد ما يسميه بيير بورديو المقاومة الرمزية أو المقاومة بالحيلة، لكنّها لم تتهور يومًا لتتحول إلى مواجهة عسكرية، بفعل المحاكاة التي يبديها الفاعل الاجتماعي القديمة حين يفقد رأس ماله الرمزي، أمام منطق جديد لسلطة وافدة (Erickson, 2013). فعبد الله بن سلول لم يملك أدوات القوة العسكرية أو الدينية الكافية ليواجه هيمنة المهاجرين، فاختار منطق المقاومة التي تترصد خصمها، وتحاول الانقضاض عليه كلما أمكن، حتى وُصف برأس النفاق، ورغم ذلك رفض النبي نصيحة عمر بن الخطاب بقتله، بل وأصرّ على الصلاة عليه والدعاء له عند وفاته (الفقير،2009). ومن ثمّ فإن المعارضة الأنصارية لم تكن خروجًا على الدين، بقدر ما كانت جزءً من صراع طبيعي على إعادة تعريف السلطة، في ضوء التحول الديموغرافي/السياسي الذي أدّى إليه قدوم المهاجرين إلى المدينة.

علي بن أبي طالب زعيمًا للأنصار

كانت هجرة علي بن أبي طالب إلى يثرب في الأيام الأولى من السنة الأولى للهجرة، بعد أيام من هجرة النبي، وكان ذلك في سنة 622م، أي بعد مرور نحو 22 عامًا من ميلاده (حسين، 1953).

جاء علي بن أبي طالب ضمن الموجة الأولى للمهاجرين، وارتبط أكثر من غيره بالأنصار، حيث عاش شبابه بينهم وفي ديارهم، واندمج معهم أكثر من غيره فأحبوه، ولعب دورًا أساسيّا في احتواء الموقف حين وقعت حادثة الإفك، والتي تورط فيها حسان بن ثابت الخزرجي، حيث كادت أن تنشب معركة بين الأوس والخزرج، حيث قال أسيد بن حضير: ”

يا رسول الله، إن يكونوا من إخواننا الأوس نكفيكهم، وإن يكونوا من إخواننا الخزرج فمرنا بأمرك. فو الله إنهم لأهل أن تضرب أعناقهم. وردّ عليه سعد بن عبادة بأنه إنّما تقدم بهذه المقالة لأنه يعرف أنّهم من الخزرج، ولو كانوا من الأوس ما قالها (ابن هشام، د.ت).

كادت الحرب في المدينة أن تشتعل، لولا تدخل علي بن أبي طالب، وكان صاحب نفوذ لدى الأنصار، بل وتشير المصادر السنيّة إلى ميل علي في بداية الأمر لتصديق الرواية، حتى أنّه أشار على النبي بتطليق عائشة، حيث قال: “يا رسول الله! لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير” (الشهرورزي، 2006).

ويمكن القول إنّ الأنصار التفوا حول علي بن أبي طالب، وكان حاضرًا حين استُرضي النبي الأنصار واحتوى غضبهم إثر الخلاف على غنائم يوم حُنين، كما أنّ بعضهم حين ندم على بيعة أبي بكر، لم يهتف باسم سعد بن عبادة، بل انحازوا إلى علي، وأخذوا يتسللون إلى داره، ويحرضونه على التمرد (الأصبهاني، 1987). وكان طبيعيًا أن ينحازوا إليه كليّة إبان الصراع الدامي مع معاوية بن أبي سفيان، حيث اعتمد علي على الأنصار في إدارته وحروبه وولاهم السلطة، فنصب أبو أيوب الأنصاري على المدينة وقرب إليه قيس بن سعد بن عبادة، الأمر الذي دفع الأمويين إلى التخلص من المقاومة الأنصارية بعد مقتل علي، حيث جرت ثمّة تعبئة ضدّ الأنصار، رافقت انتقال الخلافة إلى الأمويين، حيث لاذت الأكثرية منهم بالمدينة، منكفئة على عزلة شديدة، عبر عنها قيس بن سعد بن عبادة، بقوله في معرض السجال مع النعمان بن بشير بعد دعوة الأخير له لمبايعة معاوية: “فلو اجتمعت العرب على بيعته لقاتلهم الأنصار” (بيضون، 2016).

وفي هذا السياق يمكن فهم ثورة المدينة في سنة 63هـ، ضد يزيد بن معاوية، ويمكن كذلك فهم الانتقام الأموي الدموي حيث أرسل الخليفة الأموي جيشًا بقيادة مسلم بن عقبة، وصل إلى المدينة وارتكَب مجزرة دامية استمرت ثلاثة أيام. حتى أنّ المدينة بحسب المصادر الإسلامية ارتوت بدماء الأنصار من صحابة الرسول وأبنائهم في وقعة الحرة (الصدفي،2017) مما قضى عملياً على أي دور سياسي فيما بعد للأنصار. ونتيجة لذلك، انصرف كثير من الأنصار إلى الجانب العلمي والديني، فبرزت حركة التدوين الحديثي والفقهي في المدينة، إذ تكفل الأنصار الأوائل بالاشتغال على نصوص السنة.

ومن هذا المنظور، يمكن القول إنّ السردية الرسمية التي تناولت التأسيس الأول لدولة المسلمين بعد وفاة النبي، وتروج لأسبقية أبي بكر بوصف اختياره ثمرة ورعٍ وتقوى، ليست سوى بناء أيديولوجي حاول شرعنة سلطة الغلبة التي مارستها قريش منذ اللحظة الأولى في المدينة، وتجلّت في عديد المواقف، لعل أبرزها التخلص من سعد بن عبادة، والإحالة في مقتله على الجن.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر:

-العسقلاني، ابن حجر (2003).المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية 1-9 ج8، دار الكتب العلمية، بيروت، ص ص 390-391.

-البهيجي، إيناس (2017). تاريخ الدولة الأموية، مركز الكتاب الأكاديمي، عمان، ص 461.

-الشامي، ابن يوسف الصالحي (2012) سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد، ج5، دار الكتب العلمية، بيروت، ص 312.

-بدر، عبد الباسط (1993). التاريخ الشامل للمدينة المنورة، مج1، ص73.

-ابن حميد، عبد الرحمن بن ملوح (د. ت) موسوعة نضرة النعيم – ج 1، دار الوسيلة، جدة، ص ص 265-266.

-الحلبي، أبي الفرج نور الدين (2013). السيرة الحلبية 1-3 إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون ج3، دار الكتب العلمية، بيروت، ص117.

-كحيلة، عبادة عبد الرحمن (1996). العقد الثمين في تاريخ المسلمين، دار الكتاب الحديث، الكويت، ص 45.

-الجاحظ، أبي عثمان عمرو بن بحر (2013). رسائل الجاحظ 1-2 الفصول المختارة من كتب الجاحظ – اختيار الإمام عبيد الله ج2، دار الكتب العلمية، بيروت، ص225.

-ابن هشام، عبد الملك (د.ت) السيرة النبوية، ج3، المكتبة العلمية، بيروت، ص 293.

-الواقدي، محمد بن عمر ( 1966) كتاب المغازي، ج3، جامعة أكسفورد، لندن، ص995.

-Erickson, Paul A(2013). Readings for a History of Anthropological Theory, University of Toronto Press, Toronto, P.593.

-الفقير، نوح مصطفى ( 2009) اللآلى المنيرة في تهذيب السيرة، المنهل، عمان، ص100.

-حسين، طه (1953) الفتنة الكبرى – علي بن أبي طالب وبنوه، دار المعارف، القاهرة، ص 15.

-ابن هشام، مصدر سابق، ص 300.

-الشهرورزي، عثمان ( 2006) الأنوار اللمعة في الجمع بين مفردات الصحاح السبعة 1-4 ج2، دار الكتب العلمية، بيروت، ص99.

-الأصبهاني، أبو نعيم ( 1987) الإمامة، مكتبة العلوم، المدينة المنورة، ص33.

-بيضون، إبراهيم (2016) الأنصار والرسول: إشكاليات الهجرة والمعارضة في الدولة الإسلامية الأولى، المنهل، عمان، ص ص 90-91.

-الصدفي، شريف (2017) ثورة المدينة المنورة: وقعة الحرة، دار إي كتب، لندن، ص 110.

اقرأ ايضا

المزيد من المقالات

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete