المفهوم القرآني لتحرير المرأة

 قراءة في النموذج النسائي

 

“فكل امرأة ورجل ذكر في القرآن له قصة خاصة، وامتحان روحي خاصّ ومسار خاصّ يميّز بعضهم عن البعض الآخر… إن صراعاتهم وابتلاءاتهم وهزائمهم وانتصاراتهم هي نوعاً ما، صراعاتنا وابتلاءاتنا وهزائمنا وانتصاراتنا، متى أحسنا فهمها وتأويلها أحسنا ترجمتها إلى لغة الحياة والمعيش اليومي.” أسماء المرابط

تمنياتي في زمن العالم الرقمي السريع والتحدّيات الثقافيّة التي تواجه التقاليد الدينيّة وغير الدينيّة المنغلقة على ذاتِها،[1] أن أساهِمَ مساهمة متواضعة قد توقظ فينا حبّ التساؤل وتجديد الفكر في “المفهوم القرآني لتحرير المرأة” من خلال قراءة النموذج النسائيّ المثالي البارز في السور القرآنيّة وآياتها. إن الإعلاء من شأن التجارب المشتركة للنساء ومساهماتهن بنشأة الإسلام الى جانب صاحب البلاغ النبي (صلّى)، هي إحدى الوسائل للتخلّص من التصوّرات الذكوريّة للدين، ولتمكين النساء وتحفيزهن على اكتشاف العنصر النسائي الكامن في ذواتهن، والثقة بقدراتهن على تدبّر القرآن وتأويل نصوصه التي تعلقت بها مصفوفاتٌ ثقافيّة أساءت لكرامة المرأة وحقوقها. إن النساء هن المعنيات بالقيام بعملية تفكيك إشكاليّة حقوق المرأة في الإسلام- بمعنى آخر- هل فعلاً كرّم الإسلام المرأة وأعطاها حقوقها أم ظلم الإسلام المرأة؟

وقبل البدء بالتفكير بهذه الإشكاليّة، علينا أن نميز بين الإسلام كدين والإسلام كثقافة. فالإسلام كدين يشير الى القواعد المتعلقة بالتقوى والأخلاق والإيمان بالخالق جلّ وعلا وبالرسول النبي محمد (صلى). وتعتبرهذه الجوانب الروحية- الأخلاقية للإسلام من العبادات، وتسمى أصول الدين، أما الإسلام كثقافة فهو يشير الى الأفكار والممارسات الإسلاميّة في سياق التغييرات الإجتماعيّة والإقتصاديّة والسياسيّة، وهذه من الفروع.

من البداية سأستعيد تصنيف عائشة عبد الرحمن (ت 1998) ل”المفهوم الإسلامي لتحرير المرأة”،[2] مع التوسعة التي سأقوم بها للكشف عن شكل المصفوفات الثقافيّة التي التصقت بالمفهوم. ومن ثم أقوم بقراءة بعض النماذج النِسائيّة  “المشار اليها” في السور المكيّة او “الموجّه اليها الخطاب” في السور المدنية،[3] وعدّتي في هذه القراءة أن أتفاعل مع  دراسة الطبيبة أسماء المرابط للنماذج النسائيّة في كتابها الرائد، القرآن والنساء: قراءة للتحرر (2010).[4] سنبدأ أولا بتعريفات ضرورية، لتسهيل عملية الولوج في الآيات المحكمة ل “المفهوم القرآني لتحرير المرأة”!

  1. التعريفات:

“المفهوم”… “التحرير”…”القرآن”…”النموذج النسائي المثالي

المفهوم هو “فكرة مجرّدة تمثّل الخصائص الأساسية للشيء الذي تمثله. يمكن أن تنشأ المفاهيم ضمن إطار التجريد أو التعميم، أو كنتيجة للتحوّلات التي تطرأ على الأفكار القائمة.” و”المفهوم” تركيب لغوي منطقي يدلّ في العلوم الإجتماعيّة على ظاهرة ما ويقدّم معنىً محددًا. ويمكن ترجمة المصطلح الى  “براديغم” بأنه “النموذج الفكري” او “النموذج الإدراكي” او “الإطار النظري”.

والمفاهيم تجريدات وبناءات نظرية للظاهرة المدروسة، تتجلى في بحثنا هذا في “المفهوم القرآني لتحرير المرأة”، أي، هل هناك فعلا “مفهوم قرآني” للتحرير؟

“الحريّة”

لقد ورد مفهوم “الحريّة”[5] في القرآن الكريم في النطاق القانوني، فالإنسان الحرّ كان من الوجهة القانونيّة مختلفاً عن “العبد” الذي كان ملكاً له؛ لذا فإن تعريف “الحريّة” لا يثير أيّ مشكلة عندما توجد “العبودية” كمؤسّسة؛[6] اي الحرية في هذه الحالة هي كون الإنسان حرّاً مقابل أن يكون عبداً.[7] وقد قام المعجمي الراغب الأصفهاني (ت 1100) بتعريف الحريّة، حين ميز بين بُعدَيْها الشرعي والأخلاقي من منطلقين:

الأول: من لم يجرِ عليه حكم الشيء، نحو “الحرّ بالحرّ والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى” (البقرة، 178) والثاني: من لم تمتلكه الصفات الذميمة من الحرص والشره على المقتنيات الدنيوية (الفرقان، 43).[8]

وقد ورد مصطلح “التحرير” ايّ “جعل الإنسان حرّا” في سياقين: فمن الأول، “فتحرير رقبة مؤمنة” (النساء، 92) ومن الثاني: “نذرتُ لك ما في بطني محرّراً” (آل عمران، 35) أي، “أنه جعل النذير بحيث لا ينتفع به الانتفاع الدنيوي؛ بل جعله مُخلصاً للعبادة، او خادماً للطبيعة، أو معتقًا من أمر الدنيا.[9]

إذًا مصطلح “التحرير” في السياق التداولي للقرآن في سياق التحرّر- قد نادى ب” تحرير المرأة” الأَمَة من العبودية على غرار تحرير الرجل؛ ونادى ب”تحرير” المرأة بالتنشأة الروحيّة وبناء العلاقة بالله في المؤسسة الدينيّة (نموذج السيدة مريم)- اي “إدراج قضية المرأة في النقلة النوعيّة الكبرى للمفاهيم وعلى رأسها- الإيمان بالله تعالى باعتباره مصدر القيم والمثل وأصل الأسماء الحُسنى، بل ينصّ صراحة، وعلى وجه التعيين على مكانة المرأة ووضعها في آيات”[10]: “والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض…” (التوبة، 71) “يا أيّها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان أكرمكم عند الله أتقاكم، ان الله عليم خبير”(الحجرات، 13).

وجدير اهتمامنا بمصطلح “التحرير” في هذا البحث، هو أدبيات أواخر القرن التاسع عشر حتى بداية القرن الواحد والعشرين،[11] والتي تحتوي على خطاب يُحدِّد مرحلة انتقال المصطلح من الاستخدام القرآني الى الاستخدام الحديث- حتى نعاين تطوّر المصطلح بارتباطه بقضيّة تحرير المرأة.

ان أول من استخدم مصطلح “تحرير المرأة” (في أواخر القرن التاسع عشر) وقد أحدث ضجة كبيرة في المجتمع المِصري بين التنويريين والتقليديين على حدٍ سواء، هو القاضي قاسم أمين (ت 1908)، في كتابه تحرير المرأة (1899) والسبب أنه ربط قضية استقلال مصر وتحريرها من الاحتلال البريطاني بقضية سفور المرأة وضرورة خروجها للتربية والتعليم في المدارس؛ وقامت أستاذة الدراسات القرآنية والأدبية عائشة عبد الرحمن بإلقاء محاضرة في السودان (عام 1967) بعنوان، “”المفهوم الإسلامي لتحرير المرأة” (1967) استقرأت بها صريح الآيات على المستوى الفلسفي- الوجودي لمفهوم “التحرير”؛[12] ومع بداية القرن الواحد والعشرين، صدر كتاب الطبيبة أسماء المرابط الرائد بمقاربته الشموليّة والمقاصديّة، القرآن والنساء: قراءة للتحرر (2010).[13]

توضح عائشة عبد الرحمن (ت. 1998) ان المفهوم القرآني ل”تحرير المرأة” يستدل عليه بأربعة مفاتيح:

أولاً: المساواة في الخلق

ان القول بأن “حقّ المرأة في الحياة ذاتي وأصيل كحقّ الرجل سواء بسواء” لا يدعو الى الشكّ، فتكريم الله المرأة لا ينسجم لا من قريب ولا من بعيد مع الحكايتين التوراتيتين ل”خلق حوّاء من ضلع آدم”، او “هبوط آدم من الجنة بسبب خطيئة حواء”، وهما حكايتان لا أصل لهما في القرآن الكريم.[14] بل ان الخطاب القرآني يقرّر أننا خلقنا جميعاً من نفس واحدة، ويأبى أن تُجحد إنسانية المرأة المماثلة لإنسانية الرجل بمقتضى وحدة الأصل، كما هي صريح الآية الأولى من سورة النساء: “يا أيها الناس اتّقوا ربَّكُمُ الذي خلقكم من نفسِ واحدة وخلق منها زوجَها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتّقوا اللهَ الذي تساءَلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً.” “فحريّة المرأة ترجع الى هذا الأصل المقرّر، في المفهوم القرآني لكمال إنسانية المرأة بكل ما يتعلق بهذه الإنسانية من حقوق، وما تحتمل من تكليف وواجبات.”[15]

لكن هذا التكريم للإنسان خاصة في النصوص الحافّة للآيات القرآنية كالأحاديث غير الصحيحة، التي نجدها في الصحيحين (صحيح بخاري ومسلم)، سرعان ما أعادت الأسطورة التوراتية[16] لخلق حوّاء من ضلع آدم – بصيغة جديدة- ومن خارج صريح القرآن:

قال رسول الله  (صلى) “استوصوا بالنساء خيرًا فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج ما في الضلع أعلاه فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيرًا؟”[17]

ان ظاهر الحديث بمقابلته مع الأخلاق النبويّة في صريح الآيات، يضع راوي الحديث الأوّل تحت مجهر النقد والتجريح، للكشف عن مفارقته التاريخيّة وخروجه عن سلامة العقل. فعودة رواية الأسطورة التوراتيّة لخلق حواء من ضلع آدم في هذه الثقافة، ما هي الا “قولبة” ذكوريّة، لأن الرجل الذي يولد من بطن الأم بالمبدأ الطبيعي للخلق، لا يمكن ان تصبح المرأة هي التي تولد من ضلعه (الرأي لكاتبة المقال)، وأن القول بأن المرأة خُلِقَت من ضلع الرجل يخرق مبدأ المساواة في خلق الزوجين الذكر والأنثى[18] ويفترض دونية المرأة البنيويّة وخضوعها الدائم للرجل.[19]

ثانياً، حق المرأة في التعليم شرعي بمقتضى هذه الإنسانية وبمقتضى اختصاص الإنسان بالعلم.”[20] فدعوة الإنسان الى النظر والتفكّر تقرر مبدأه بالقراءة وبالقلم وتعليم البيان: “إقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق. اقرأ وربّك الأكرم. الذي علّم بالقلم. علّم الإنسان ما لم يعلم.” (سورة العلق). “الرحمن علّم القرآن. خلق الإنسان. علّمه البيان.” (سورة الرحمن). والقرآن يهدي إلى “أن مناط إنسانيتنا هو العقل، إذا جمد أو عطل مسخت بشرية الإنسان فلم يعُد إنسانًا، بل يهبط الى دونية الدواب العجماء” “إن شرّ الدواب عن الله الصمّ البكم الذين لا يعقلون” (سورة الأنفال 22). وكما تؤكّد الألمانية أنجيليكا نويفيرث (م1944)، وهي عَلَم من أعلام الفيلولوجيا والدراسات القرآنية الأدبيّة-التاريخيّة: “ان إصرار القرآن الكريم، بأن المعرفة جزءٌ عظيم الأهميّة في الحياة الإنسانيّة، وأيضًا في الحياة الإنسانيّة الدينيّة، كان أمرًا جديدًا لم يكن موجودًا قبل الإسلام.”[21]

وننوّه، هنا، ان حق المرأة الطبيعي في تحصيل العلم والمعارف الدينيّة والمدنية لا ينسجم لا من قريب ولا من بعيد مع حديث “النساء ناقصات عقل ودين،”[22] الذي صنّفه البخاري في صحيحه في أربعة أبواب،[23] ومسلم في صحيحه في باب واحد،[24] وهذه الأبواب المختلفة من حيث تصنيفاتها تجمع بين ثلاث محاور كبرى، وهي أمور في العقيدة وأمور في العبادات وأمور في المعاملات، وهي في حقيقتها كبرى الأبواب الفقهيّة التي تناولها الفقهاء والأصوليّون في مصنّفاتهم.[25] وقد استخدم الحديث الى جانب الآية القرآنيّة في “شهادة المرأة وإشهادها”،[26] لحرمان المرأة من حق التعليم. وقد أثار الحديث اهتمام الباحثات المسلمات ولا يزال، فتمّت دراسته من قبل أستاذتين: الأولى التونسية ألفة يوسف من منطلق علم النفس اللاكاني (النقصان/ الشوق)،[27] والثانية المغربية نادية الشرقاوي من منطلق سياق الحديث.[28] وبحسب تأويلات الفقهاء، فإن هذا الحديث “لا علاقة له بتفعيل العقل أو بذل المجهود العقلي، وإنما هو نتاج ثقافة إجتماعيّة لا تتحمّل المرأة مسؤوليّتها فيها.” [29]

ان تاريخ صراع المرأة للحصول على حق التعليم، يصوّر لنا الى أي مدى تجاوزت العادات والتقاليد المنحازة ضد المرأة دعوة القرآن الكريم الإنسان للتحرير عن طريق العلم. وهذا الصراع كانت آثاره وخيمة الى أعلى درجة، فقد طرحت قضيّة آثار “جهل المرأة” السلبيّة على الأمّة المصرية والاستقلال، من منطلق علم الإجتماع حين جعل قاسم أمين في كتابه تحرير المرأة (1899) قضية تربية المرأة وتعليمها قضية للتحرير الوطني؛ وعلى نفس مستوى الخطاب الشمولي، رفعت الأديبة ملك حفني ناصف ]باحثة البادية[ (ت 1918) صوتها عاليًا في مقالاتها الصحفيّة وخطبها في جامعة فؤاد الأوّل لتقرير الدعوة الى تعليم البنات، ووصل مطلبها الوطني هذا الى أول مجلس أمة مصري (1909).[30]

ثالثاً:  “المرأة وحدها هي التي تملك فضيلتها، وأن كرامة أنوثتها منها، وهي التي تحتمل تبعات حريّتها وأمانة فضيلتها لأنه من صميم المفهوم الإسلامي لتحرير المرأة، بمقتضى أهليتها شرعًا للتكليف والمسؤوليّة،”[31] وشروط التكليف: أوّلا، الإسلام والبلوغ والعقل، ثانيا، شمولية نداءات الخطاب القرآني المكّي والمدنيّ الذي يخاطب الرجال والنساء على حد سواء “يا أيها الناس” “يا أيّها الذين آمنوا”. ثالثاً، الآيات توضح مساواة الرجال والنساء في التكليف ومسؤولية الكسب والعمل بصورة عامة. (الأحزاب آية 35).

و”مبدأ الاستخلاف لإعمار الأرض وآداء الأمانة “يُعدّ مفهوما أساسيًّا في فهم رؤية الإنسان ووظيفته في هذا الكون من ناحية، كما أنه من ناحية أخرى مفهوم تحليلي تدرس على ضوئه حركة الإنسان لتحقيق هذه الوظيفة.”[32] ويُعد مبدأ الاستخلاف مبدءًا حاكمًا، حيث إن “استخلاف الإنسان” يشمل الرجال والنساء،[33] ويدل على شمول الاستخلاف للرجال والنساء آيات عديدة في القرآن الكريم “فاستجاب لهم ربّهم أنّي لا أضيعُ عملَ عاملٍ منكم من ذكرٍ أو أنثى بعضكم من بعض” (آل عمران، 195). ولا يوجد أوضح من صورة استخلاف الإنسان ذكرا أو أنثى على الأرض من قصة آدم وحواء حين أمرا أن يهبطا معا على الأرض (طه، 123). فالاستخلاف هو الأساس الذي يقوم عليه مساواة المرأة والرجل في ظلّ علاقة الولاية التي عبرت عنها الآية “والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض (التوبة، 71). أما “ولاية” الأب على الإبنة القاصر أو “قوامة” الزوج على المرأة، فهي لا تعني بحال من الأحوال أن الرجل يحمل تبعة التكليف ومسؤولية الكسب والعمل، “وإنما تحمل المرأة الحرة الرشيدة هذه التبعة أصالة، وتُثاب او تُعاقب على الإيمان أو الكفر، على الفضيلة أو الرذيلة.”[34]

وأخيراً، حق المرأة في المساواة  يرجع إلى أصل قرآني ومبدأ مقرّر بالمبادئ الكليّة، فلم يقلّ القرآن الكريم قطّ  “لا تستوي المرأة والرجل” او “الذكر والأنثى” وإنما الذي فيه: “لا يستوي الخبيث والطيب” (المائدة، 100 )، و”لا يستوي أصحابُ النار وأصحابُ الجنة” (الحشر، 20 )، “لا يستوي اللذين يعلمون والذين لا يعلمون” (الزمّر، 9). يعني ان عدم المساواة حدد من جانب الإنسان، الذكر أو الأنثى، بمنطق الفطرة السليمة والعمل الصالح والإقبال على العلم؛ لكن الثقافة التي اجتالت هذه النصوص وفسّرتها بعيدًا عن مبدأ المساوة الأصلي، لم تلبث ان أقصت المرأة تاريخيًا من حضورها الفعّال ومساهمتها في نشأة الإسلام وتفسير النصوص،[35] مما جعل السائد في تأويل، مثلاً آية “الرجال قوامون على النساء”،[36] ان الرجال أفضل من النساء والنساء أنقص من الرجال؛ وان آية “وليس الذكر كالأنثى” التي تنفي أفضلية الذكر على الأنثى في النذر لخدمة المحراب (الهيكل) تعني “ان الذكر خير من الأنثى”.[37]

اذاً الأصل في المفهوم القرآني لتحرير المرأة على المستوى الفلسفي – الوجودي هو حرية الإنسان وإرادته المستقلّة- كان ذكراً أم أنثى. أما النساء المثال في القرآن الكريم، فهل كنّ فعلاً حرائر؟

وكيف نفهم حرية هذه النماذج النسائية بالنسبة الى التجربة الدينيّة -الروحيّة (زوجة إبراهيم المهمّشة وامرأت فرعون المؤمنة والسيدة مريم السامية بروح الله وكلمته) والمسؤولية الوجودية-الأخلاقيّة (المهاجرات والمبايعات على الإسلام) والسياسية (ملكة سبأ)؟ ولماذا نقتدي بالنموذج النسائي الديني في حياتنا الواقعية، وهناك النماذج النسائيّة المُثُل في حياتنا المدنيّة السياسيّة والإجتماعيّة؟

ماذا يعني القرآن لنا نحن النساء المسلمات؟

لنبدأ بالسؤال الأخير:

إن القرآن الكريم كتابٌ حاضر في حياة المسلمين والمسلمات في فضائهم العام كما في فضائهم الخاص. وبخلاف ما عليه الشأن بالنسبة إلى الكتب المقدسة الأخرى، فترتيلاتُه تسمع يوميًّا في المساجد وبتواقيت الصلاة، مما يجعل الحوار مع الآيات القرآنيّة وخطابها المتوجّه الى الإنسان حاضرًا في نفوس المؤمنين والمؤمنات ووجدانهم. وفي مختلف المواقف الإنسانيّة لا يتردّد المؤمن والمؤمنة عن الاستشهاد بآية تمتّ بصلة الى موقف ما، وعلى لسان المتعلّم كما على لسان الأميّ، لأن بلاغة القرآن العربيّة حاضرة بقوّة المسموع كما في المقروء، للاستعانة بها كمرجعية معجميّة لغويّة وثقافية وقانونية الى جانب مرجعيّتها الأخلاقيّة -الروحانيّة. وكتابة آيات القرآن باستعمال فن الخط العربي، في لوحات نراها محفورة على جدران الأمكنة وصحائف الكتب، تجعله حائزًا على مكانة سامية من العمارة الى فن الكتاب، فيدخل فن الخطّ نظام القواعد الجمالية في المجتمع الإسلامي من بابها العريض. والقرآن ليس كتاب قراءة وصلواة وعبادة للمسلمين والمسلمات، وللمرجعية الدينية العقديّة وللحياة الروحية- الأخلاقيّة، فحسب، بل هو كذلك كتابًا أسّس لعلاقات النساء بالرجال في الأسرة، ولحضور المرأة السياسيّ والإجتماعي مما يجعله جزءًا لا يتجزّا من التصوّر الكلّي لحياة المسلمين والمسلمات الحقوقيّة.

وللمفارقة، فإن أهمية العبادة والتأمل والدليل الخلقي – الروحي للقرآن في حياة المسلمين والمسلمات تتجاوز أهميته في علم التفسير والخطاب التشريعي، الذي يحتاج الى تطوير منظومته الفقهية التقليدية وتحديثها.[38] إن القرآن، بهذا الدور العميق الأثر بصورة تلفت الانتباه للكلمة والخطاب المعرفي في الإسلام، تستطيع المرأة أن تنفذ إلى دورها الفعّال فيه، كما فعلت أبان نشأة الإسلام ونجاح دعوته. وفعلاً بدأت المرأة تنخرط في الدراسات الأكاديمية للإسلام في الجامعات، كما في المعاهد الدينية التي لم تكن متوفرة لها سابقًا، وذلك لإعادة قراءة النصوص وفهمها وتأويلها جامعةً بين العلوم الدينية و والعلوم الفلسفيّة والإنسانيّة -الإجتماعيّة.[39] وبدأت المرة المرتتكشف عن التفاسيرالقرآنية والشروحات الحافة المقيّدة بمصفوفات ثقافيّة التصقت بالخطاب الأصل، فغيّرت من معالمه المُحكمة والأساسيّة، وبمبدأ المساواة المطلقة فيه بين الرجل والمرأة: في الخلق (وحدة الأصل) والتعليم (بمتقضى الإنسانيّة) والاستخلاف على الأرض (العمران) والأهلية الدينيّة (التكليف).

ماذا يعني النموذجي؟

“النموذج المثال” يعني من او ما يُتّخذ مثالاً يُحتذى او يُقتدى به. وهو “بناء فرضي منطقي مثالي،” فكما يقول عالم الإجتماعي ماكس فايبر، “النموذج المثالي هو لوحة فكرية. إنه ليس الحقيقة التاريخيّة وعلى الأخصّ ليس الحقيقة المؤكّدة. وهو يُستخدم على الأقل كصورة يمكننا بواسطتها تنظيم الحقيقة على سبيل المثال.”[40]

والمكوّن الإضافي في تعريف كون المفهوم “براديغم”، هو كيف يمكن القيام بالتجربة وما هي الأدوات المتاحة للقيام بالتجربة؟ [41]

وقد ورد المصطلح في القرآن بمعنى “أسوةٌ حسنة”[42] او ضرب الأمثال، فقال: “وتلك الأمثال نضربها للناس لعلّهم يتفكّرون” (الحشر، 21) وفي آية أخرى “وما يعقِلُها إلاّ العالمون” (العنكبوت، 43).

في هذا السياق نجد النماذج النسائية المعاصرة يُقتدى بها في ميادين العلوم الإنسانية والإجتماعية والتطبيقية كالهندسة والشعر والأدب والنقد الأدبي والغناء والتمثيل والقانون وعلم التفسير وغيرها، لأن “النموذج النسائي المثالي”، كلّ واحدة في حقلها وميدانها العلمي اوالأدبي اوالفني، هي أمثلُهن، ستساعدنا على فهم خصوصية النموذج النسائي الديني، وبأي فضاء يتحرك هذا النموذج ؟

ففي عصرنا حصلت المرأة على انجازات في التعليم والعمل في قطاعات متنوعة جدارة منها “لا بمنّة من رجل او تعيين من هيئة.” نذكر على سبيل المثال لا الحصرعالمة الجينيات الوراثية العراقية الدكتورة لحاظ الغزالي في منطقة الخليج العربي؛[43] المهندسة العالمية ومصممة العمارة الأكثر بروزاً في العواصم العالمية مروراً ببيروت، أقصد العراقية زُهاء حديد (ت 2016)؛ الشاعرة التي كسرت البيت العامودي للشعر العربي الكلاسيكي، وخاضت معركة الشعر الحرّ، الشاعرة العراقيّة نازك الملائكة (ت. 2007)؛ الناقدة الأدبيّة ومؤسِّسَة مشروع “بروتا” (1980) لنقل أمّهات الأدب العربيّ الى العالم الأنكلو- سكسوني، الفسطينية الموسوعيّة سلمى الخضراء الجيوسي (ت 2023)؛ سيدة الغناء العربي أمّ كلثوم (ت 1975)، والسفيرة الى النجوم فيروز (م 1934) ، وسيدة الشاشة العربيّة فاتن حمامة (ت 2015) وهنا غنيّات عن التعريف، وهناك رمز النضال النِسْوي وتلاقي الثقافات عالمة الإجتماع فاطمة المرنيسي (ت 2015) وإيقونة المقاومة الوطنية الجزائريّة، ورمز النضال والتحدّي والصمود جميلة بوحيرد (م 1935)، وفي الدراسات القرآنيّة والأدبيّة، خاضت الأستاذة عائشة عبد الرحمن المعروفة ببنت الشاطئ (ت. 1998) الجادة غير المطروقة في علم التفسير- في عملها الرائد التفسير البياني للقرآن الكريم (1967)؛ وان اقتصر التفسير على بعض السور المكيّة الا ان المنهج العلمي وأدواته التطبيقية- التي سارت عليها الدارسة- تُعتبر تجديديّة.[44]

ما هي النماذج النسائية المثاليّة المشار اليها او المخاطبة في القرآن الكريم في قراءة أسماء المرابط التحررية لها؟ والمرابط اعتمدت على نهج إصلاحي مقاصدي فتح الباب لهذه القراءة- بعد أن غيّبت عن وعينا تمثّلات هؤلاء النساء اللاتي ساهمن الى جانب النبيّ في نجاح الدعوة الى الإسلام؟

لنتعرف على هذه النماذج بالقراءة التحرريّة لها:

النماذج النسائية البيبلية (غير مسمّاة)  نساء العهد القديم:

  1. 1. زوجتا النبي إبراهيم:

الزوجة “الحرّة” مقابل الزوجة “الأمّة”: الالتزام بالتوحيد وكسر الطبقيّة الإجتماعيّة

ارتبطتا الزوجة الحرّة (سارة) والزوجة الأمَة (المشار اليها بشكل متضمن) (هاجر)، زوجتا النبي إبراهيم، صاحب الدعوة الى التوحيد، بإشكالية المرأة “العاقر” مقابل المرأة “الولود”؛ والعقر “موتيف” بيبلي في حياة نساء أنبياء العهد القديم عانت منه النساء تاريخيّاً بسبب إلقاء المسؤولية من جانب المجتمع على المرأة؛ وهذا بالطبع قبل تطوّر العلم واكتشاف الطب ان أسباب العقر قد يعود أحياناً الى المرأة وأحيانا الى الرجل.

وقصة هاجر الزوجة الثانية لإبراهيم، وقد هجرها إبراهيم، بإيعاز من سارة الزوجة الأولى، وهي حامل ب”ذريّة إبراهيم”. وقد عرّف مكان الهجر بوادِ “غير ذي زرع” وب”البيت المحرّم” و”بإقامة الصلاة مع الدعاء لهما بمحبة الناس اليهم وبالرزق من الثمرات”:

رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ. (سورة إبراهيم 35-37)[45]

لكن زوجتا النبي إبراهيم، سارة “الحرّة” وهاجر “الأمة” لارتباطهما بأبي الأنبياء أصبحتا رمزي التوحيد ورفض الطبقية الإجتماعيّة: فسارة، سيدة الأمكنة والمرأة الحرّة، أم النبي اسحق، وهاجر، الأمة المتواضعة المتخلّى عنها، أم النبي إسماعيل “قد حظيا بنفس الفضل الرباني ونفس النعم ونفس التكريم العظيم، ولذلك ترسخ اسميهما في الأذهان”.[46] ولقد أدرك الإسلام نفسه في دعوة التوحيد في ذرية إبراهيم من المرأة “الأمة” (هاجر) لا من المرأة “الحرّة” (سارة). وقد أدمجت تجربة أمومة هاجر في السعي نحو ورود الماء خوفاً على ولدها من العطش، وهي بحالة من الهلع -الهرولة بين جبلي الصفا والمروة- كشعيرة من شعائر الحجّ والعمرة جنباً الى جانب مع شعيرة طواف الكعبة التي تحاكي تجربة إبراهيم في بناءه البيت. فيحاكي الرجل في الحجّ والعمرة تجربة الأمّ في سعيها وهرولتها بين مكانين، كما تحاكي المرأة في تطوافها حول الكعبة تجربة الأب في بناءه البيت (التحليل لصاحبة المقال). وهذاعلى الصعيد التعبدي- الروحي في شعيرة الحج والعمرة يعدّ أكبر دليل على المساواة بين المرأة الرجل في ممارسة العبادات في أكثر الأماكن قدسية، وهي الكعبة المشرفة.[47] إضافةٍ الى ان تجربة الأم في الحفاظ على حياتها وحياة طفلها تعتبر من أكثر التجارب الموقّرة في القرآن.

 

  1. 2. أم موسى (غير مسمّاة) وامرأة فرعون (غير مسماة):

الأمّ البيولوجية مقابل الأم البديلة:

ان أم موسى (الأم البيولوجية) وامرأة فرعون (الأم البديلة له) هما نموذجا “المرأتين الحرّتين”: فبمنطق الإيمان استقوت أمّ موسى على نفسها بالوحي الذي تلقّته بأن ترمي بابنها في اليمّ (المياه) خوفاً عليه من القتل، وهي مؤمنة ومستسلمة ومتوكلة على لله. وكذلك آمنت امرأة فرعون في بيئة تعادي الإيمان وفي غاية الجبروت والقوّة،[48] فتلقفت موسى من اليم والغرق وقامت بتربيته في كنفها. وأوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ. فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ. وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ.

وأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ. وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ. فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ. وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. (سورة القصص 7-14).

لقد سُخِّرت امرأت فرعون – الأمّ البديلة- لتربية موسى وتحرير شعبه لتصبح الأمّ البيولوجية المأزومة بفقدان ولدها كالأم البديلة الخائفة من بطش فرعون وجبروته سواء بسواء. هكذا توازي أم موسى في التجربة مع امرأة فرعون في الحفاظ على حياة الطفل. ومعًا تصبح “ام موسى وامرأت فرعون” نموذجين للإيمان وللمثالية الروحية والمسؤولية الأخلاقيّة في الحفاظ على حياة طفل مهدّد سيصبح نبيّا صاحب دعوة مخلصًا لشعبه.

  1. 3. “ملكة سبأ” (“امرأة تحكمهم” غير مسماة)

نموذج الملكة العادلة في استخدام السلطة وتحوّلها من عبادة الشمس الى عبادة الله ربّ العالمين:

ترد قصة حكم ملكة سبأ، في زمن ما قبل الإسلام، في موضوع القيادة السياسيّة البحتة التي لا تتلقى وحيًا مباشرة من الله. وقصة ملكة سبأ واستخدامها للسلطة تعتمد الحوار بين الملكة والملأ من الأعيان والمستشارين، الذين تستفتيهم بأمر رسالة سليمان الذي يطلب مجيئهم مسلمين.

قالَتْ: “يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ. إنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. “أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ”. قَالَتْ: “يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ.” تخبرملكة سبأ قومَها بأسلوب هادئ تصف به الكتاب بالكريم لأنه من عند ملك كريم، اي، حسن مضمونه، يدعوهم الى الإسلام دينًا، وهي لا تخفي عنهم أمرًا ولا تتفرّد بالقرار، بل تتوجّه اليهم ليفتوها في أمرها “أفتوني في أمري.” وحسّ المشاركة في مسؤولية اتخاذ القرار، تعدّ من أهم آليات الديمقراطية ومبدأ الشورى الذي يؤكّد عليه القرآن “وأمرهم شورى بينهم” (الشورى، 38). والملفت للنظر- ان الكتاب المرسل الى ملكة سبأ باسم الله لا الآلهة- قد تم دخول البسملة فيه لأول مرة في الخطاب القرآني في قصة ملكة سبأ (سورة النمل)، وعلى لسان الملكة التي كانت تعبد الشمس: “إنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم.” (النمل، 30) و”ألا تعلوا عليّ وأتوني مسلمين”، أي، لا مجال للتكبّر والاستعلاء وأتوني موحدين لله مخلصين (لا مجال للخيانة والكذب) طائعين نداء الله. وهي دعوة للانقياد لله والإيمان به.

ويستمر الحوار بين الملكة والملأ بخصوص رسالة سليمان فتذكِّرُهم بقوّة سليمان العسكريّة وبعادة الملوك “إذا دخلوا قرية أفسدوها”: قَالُوا: “نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُوْلُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ.قَالَتْ: “إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ.َإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ.” (النمل، 32-35)

وفي حين يفتخر الملأ بقوّتِهم العسكريّة واستعدادهم لمواجهة سليمان، تركوا الأمر لها، لتتخذ القرار النهائي، مما يذكّر بأنظمة الدول الحديثة التي يحتاج الرئيس الى تفويض من مجلس الشعب لإعلان الحرب ولاتخاذ القرارات الخطيرة. وتختار الملكة سبأ الخيار الدبلوماسي الذي يعبر عن حكمة في التصرف بروية، فلم تختر الحرب كما يحصل اليوم من الاسراع بشن الحروب؛ لتدمر العمران وتهجر البشر بالملايين.

وتتوالى الأحداث ولم يتقبل سليمان الهدية التي أرسلتها اليه، ويتوعّد شعبها بالحرب، ولم تضعف ملكة سبأ اوتختبأ تحت أسوار مملكتها، بل خرجت الى سليمان لتواجه الموقف وتتشاور معه، مما يظهر شجاعة وحرص من جانبها على حماية شعبها وحقن دمائه؛ وحين أراها سليمان آيتين حسّيتين، لم تتماطل وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين. والمثير للالتفات انها لم تقل أسلمت لسليمان بل الذي “قالته: ربِّ إنّي ظلمتُ نفسي وأسلمتُ مع سليمان لله ربِّ العالمين” (سورة النمل، الآية 44). اي هي لم تخضع لسليمان بل خضعت لله رب العالمين. ان رمزية رحلة ملكة سبأ بكل بساطة – وبالنسبة الى الرواية القرآنية- هو هذا التحوّل من عبادة الشمس والآلهة الى الإيمان بالله ربِّ العالمين وبآلية “الحوار” ان كان مع الملأ او كان مع النبي سليمان.

“هذه صورة عن المرأة الحاكمة التي تتحرّى كثيراً فيما يخصّ المبادئ السياسية، كمبدأ الحكم بالشورى، المتعلقة بالإنصاف والعدل”.[49] وملكة سبأ كانت تحكم في مملكة حمير في اليمن، وقد ورد خبرها في التوارة (في أسفار العهد القديم) وبالتحديد سفر الملوك الأوّل؛ وكذلك جاء خبرُها في العهد الجديد في إنجيليّ متى ولوقا؛ وكذلك أعاد القرآن الكريم سرديّتها في سورة النمل. وتتكرّر موتيف “الرحلة” التي تقوم بها ملكة سبأ الى مملكة سليمان من التقاليد اليهودية والمسيحيّة الى التقاليد الإسلاميّة، وكذلك يتكرّر موتيف “الآية” التي يمتحن بها سليمان إيمان الملكة، لكن سيناريو القصّة يختلف في القرآن عنه في العهدين.[50] المهم بالنسبة الى نموذجيّة الملكة العادلة في حنكتها السياسيّة، ان سرديّة كاملة قد كرست لها في القرآن الكريم مثلها مثل سردية يوسف (سورة 12). وهنا نطرح السؤال: كيف بعد هذا الحضور للمرأة في السياسة، نسمع ب”حديث”: “لم يفلح قوم ولّوا أمرهم إمرأة”؟

وقد قامت عالمة الإجتماع المغربية فاطمة المرنيسسي (ت 2015) في مبادرة تعتبر الأولى من نوعها في تاريخ “علم الرجال” حين قامت بدمجه ب”علم النساء” (الرأي لكاتبة المقال)، فقد تحرّت في سيرة الراوي الأوّل للحديث- بمنهج “علم الجرح والتعديل” الإسلامي- لتجد ان الراوي الأول للحديث لا يتعبر ثقة بنقل الحديث عن النبي (صلّى)، وبذلك مارست حقها في النقد لصالح مشاركة المرأة في السياسة ولأول مرة في تاريخ الإسلام.[51]

  1. نموذج العهد الجديد:
  2. السيدة مريم: الأم العذراء الحامل بالطفل، المكلّفة بحماية حياتها وحياة طفلها، تصبح الجسر الروحي بين المسيحيّة والإسلام

تبدأ سرديّة مريم في القرآن (من المرحلة المكية الوسطى من تاريخ الدعوة-سورة مريم) باستحضارذكرها (عليها السلام) بين ذكر الأنبياء في آية “واذكر في الكتاب مريم”، في قصة أنثى حملت من روح الله المرسلة “فأرسلنا اليها روحَنا”، وتجد نفسها في موقفين يصعبا على اي فتاة في سنّها: فهي حامل خارج الزوجيّة، وتمر بمخاض الولادة وحيدة وفي مكان قفر من البريّة. ويقف الله تعالى الى جانب هذه الفتاة الحامل خارج عن إرادتها، ويقف الى جانبها في مخاض الوضع ووحشة المكان، ومواجهة قومها.

وقد عاد الذكر الحكيم الى قصة “طفولة مريم” (من المرحلة المدنية المبكرة  – سورة آل عمران: 3) عندما حملت أمها بها ونذرتها (ما قبل الولادة) محرّرة للخدمة في المحراب. وقصة “طفولة مريم” يستحضرها الذكر الحكيم من التراث التقوي المسيحي للتأكيد على العلاقة الروحية بين المسيحية والإسلام وشرعية النسب الأمومي للسيد المسيح- (عليه وعلى أمه السلام) لعائلة أمه (آل عمران) – الى جانب النسب الأبوي (لآل إبراهيم)؛ وهذا الحضور للنسب الأمومي الى جانب النسب الأبوي كان لا يزال ساري المفعول في البيئة العربية التي تشهد على تغييرات سياسيّة-إجتماعيّة كبرى. في هذا السياق لا نجد اسم السيد المسيح في مطلق الآيّات المكيّة والمدنيّة الا مرتبطاً باسم أمّه “عيسى ابن مريم” وباسم نسبها. لتصبح المرأة المتّهمة في عفّتها المرأة الوحيدة المسمّاة باسمها وباسم أمومتها والمدافع عنها في القرآن الكريم. وهذا مما لم يجرأ أحد على شرعنته حصرا في حال غياب الأب وفي فتاة بمقام السيدة مريم.

والسيدة مريم مهمّةٌ لذاتِها كما لأمومتها للسيد المسيح، فهي الأنثى التي يحتفى بها لأهمية الخصوبة عند العرب- كانت الأرض أم الأنثى؛ وهي الصلة التي تربط المسيحية بالإسلام حيث لا يمكن معرفة مكانة السيد المسيح لدى المسلمين إلاّ بالتعرف على مكانة السيدة مريم (عليهما السلام). وذكرها الشعائري في المرحلة المكية يربط القيم الروحية بالقيم الأخلاقية: حيث يتداخل الصوم (الصمت عن الكلام) بالصلاة والزكاة لأول مرة في تاريخ الإسلام -على لسان السيد المسيح – وعلى نفس المستوى مع برّ الوالدين والتواضع لهما.

قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا. وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا. وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا. وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا. (سورة مريم 30-33)

وترد آيات  “الرحمن” في ذكر مريم (سورة مريم) بين ذِكر زكريّا وذكر إبراهيم وقائمة الرسل والأنبياء باعتبارهم جميعاً آيات من الرحمن. وترتبط الآية الاستهلالية لسورة مريم بذكر رحمة الربّ “ذكر رحمة ربّك عبده زكريّا”، كما يرتبط ذِكر زكريا ومريم وإبراهيم وقائمة من الرسل والأنبياء برحمة الربّ التي عبّرت عن نفسها بالأخصّ بـ “هبة الذريّة”، معجزة الخلق الربّانية. وتستعيذ مريم بالرحمن، عند رؤيتها المَلَك على صورة بشر، فتقول: “إنّي أعوذ بالرحمن منك ان كنت تقيّا” وتنذر للرحمن صوماً، فتقول: “إنّي نذرت للرحمن صوماً”؛ وهبة الرحمن يحيى لزكريا هي رحمة؛ وكذلك عيسى هو هبة ورحمةٌ لأمه، وإسحق ويعقوب هما رحمة لأبيهما إبراهيم وهِبة لهما “ووهبنا لهم من رحمتنا” وهبة هارون لأخيه موسى هي “رحمة”. فإن استدعاء رحمة الرحمن، قد أظهرت نِعَمِها على الأنبياء قبل محّمد (صلّى)، مما يعني أنها حتماً ستطال محمّداً، في تلك الفترة الصعبة من بداية الدعوة الى الإسلام (فترة الهجرة الى الحبشة)، مما يعني ان صراع هؤلاء الأنبياء مع أقوامهم وصراع مريم مع قومها لا تمثّل تجارب النساء وصراعهن مع أقوامهن فحسب، بل تشكّل حافزًا قويًّا ومثالاً لصراع النبي مع قومه قريش (سورة مريم: 64).

وكانت آيات مريم هي الآيات التي أخذها المهاجرون المسلمون الأوائل معهم الى الحبشة هرباً من اضطهاد قريش ورغبةً في الجوار والأمان. حيث كما يخبرنا صاحب السيرة النبوية الأقدم ابن إسحق: تلا جعفر بن أبي طالب أمام نجاشي الحبشة وأساقفته- وأمام وفد من قريش جاءوا لإقناع النجاشي بتسليمهم مسلمي قريش عندهم- الجزء الأوّل من “سورة مريم”. فتأثّر النجاشي وبكى أساقفته حتى أخضلوا أناجيلهم، حين سمعوا ما تلا عليهم، فقال النجاشي “إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة. انطلقا، فلا والله لا أسلمهم إليكما، ولا يكادون.”[52] فقد بكى النجاشي والأساقفة من خشية الله لما سمعوا من  ذكر الرحمة الربانية التي جاءت الى زكريّا ومريم وإبراهيم  كهبةً من الرحمن ورحمةً منه مما أسفر عن ردّة فعل رحبة تجاه المسلمين الذي لجأوا في هجرتهم الأولى الى أرض المسيحية. وتعطينيا الآية أفضل صورة عن هذا الاستقبال الرحب لآيات الرحمن في سورة مريم:

أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً (سورة مريم، 58).

كان المجتمع العربي المتلقي لدعوة النبيّ الى الإسلام على تواصل مع المسيحيّة، ولا يمكن ان يُحتفى بمريم وابنها بهذا الشكل في بيئة لا تُحِبّ مريم. لذلك نرى ان هناك اتفاقاً ضمنياً بين المسيحية والإسلام حول النموذج الأمومي المريمي بامتياز، لذلك تستدعى مريم لتصبح الجسر الروحي الذي يلتقي عنده المسيحيون والمسلمون للتسامح وبدون أيّ حِجاج عقائدي. هكذا اختار اللبنانيون  مسيحيوه ومسلموه  يوم 25 آذار من كلّ عام ليحتفلوا سوياً بعيد البشارة: وهي البشارة التي احتفى بها في الإصحاح الأول في إنجيل لوقا كما احتفى بها في سورة مريم القرآنية، ليصبح العيد (أقرّ العيد عام 2010) مبادرة لتأصيل مبدأ “التراحم” بين الإسلام والمسيحية وأساسه “الرحمة الربانية” التي نحتاجها اليوم أكثر من أمس كقيمة تعيد لنا الإخاء والمحبة والسلام العالميين.

 

  1. النساء اللاتي خوطبن في القرآن
  2. النساء المؤمنات المهاجرات (غير مسمّاة) والمبايعات على الإسلام “سورة الممتحنة”

ان هذه الشخصيّات النسائيّة النموذجيّة، كما سنرى، ارتبطت بالتغييرات الكبرى التي ساهمت في مسار الدعوة الى الإسلام ونجاحه.

فالمهاجرات هن اللاجئات السياسيّات من المسلمات الأوائل اللاتي حظين بمعاملة خاصة بعد صلح الحديبية (العام السادس من الهجرة 627 م). فقد يتبدى لنا من خلال النماذج القريبة من أحداث هجرة المسلمين الأوائل الى المدينة “إرادة ثابتة للاعتراف بالعنصر النسائي وردّ الاعتبار له. فمخاطبة المرأة بوصفها عنصراً ناقلاً للإيمان يمثّل مفهوماً جديداً للأنثى، وإعلاناً مسبقاً لمشروع تحرّري محمّل بالدلالات وقادر على مواكبة ظروف عصرنا الحالي.”[53]

يا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. وَإِن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُم مِّثْلَ مَا أَنفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ. (سورة الممتحنة آية 10)

ان مخاطبة المؤمنين بشأن المهاجرات المؤمنات بصيغة جمع المؤنّث السالم اي كمجموعة لا فرادى يدلّ على أهمية العنصر النسائي كمجموعة تستطيع تغيير الواقع، مقابل صيغة جمع المذكر السلام “المهاجرون”.

هكذا يؤكّد على فضل هؤلاء النساء المهاجرات في بناء المجتمع الإسلامي الجديد في المدينة بتسجيل مساهمتهن في نجاح الدعوة الى الإسلام. وقبل الهجرة الى المدينة (يثرب)، شاركت النساء في الهجرة الى الحبشة بعد حملات القمع ضدّ أوائل المعتنقين بالإسلام، حيث بدأت بالمقاطعة الإقتصادية ثم القتل المستهدف بعد ممارسة صنوف التعذيب الجسدي والمعنوي. فأصبحت الحياة مهدّدة ومستحيلة فنصح النبي بالهجرة الى الحبشة. وقد سجل التاريخ الإسلامي هجرتين الى الحبشة (في السيرة). ثم دعا الرسول أتباعه المؤمنين في مرحلة لاحقة إلى الهجرة التدريجية الى يثرب بعد دعوة الأنصار (الأوس والخزرج) اليهم؛ ويثرب هي المدينة التي أصبحت العاصمة الجديدة للدين الجديد، الإسلام، حيث جسّدَت السنة الهجرية انشقاقاً حقيقيّاً عن عالم الجاهلية وقيمها المادية العنصرية الى عالم الإيمان بالله وبالقيم الروحية -الأخلاقية.

والآية واضحة في أن هؤلاء المؤمنات المهاجرات، من قريش الى المدينة، خرجن من بيوتهن وكن متزوجات (من غير إذن من أزواجهن) من أجل الإلتحاق بالمسلمين. وعلى الرغم من أنه كانت هناك معاهدة بين المسلمين وأهل مكة من قريش تُلْزِم المسلمين بردّ كلّ من أتى من مكة إلى المدينة من الرجال مهاجرا ان تردهم اليها. إلا أن المعاهدة لم تذكر المؤمنات المهاجرات فجئن مهاجرات حتى لا يرجعن إلى المشركين.

وفي هذه المناسبة قال الإمام الشافعي في أصل نقض صلح الحديبية فيما لا يجوز: “حفظنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صالح أهل الحديبية… فخلّى بين من قدم عليه من الرجال ووليه، وقدمت عليهم أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط مسلمة مهاجرة فجاء أخواها يطلبانها فمنعها منهما. وأخبر أن الله عز وجل نقض الصلح في النساء وحكم حكمه في الرجال”.[54]

 

  1. النساء المبايعات والتزام المرأة السياسي:

في نفس سورة الممتحنة، التي ذكرت المؤمنات المهاجرات، نزلت آية المؤمنات المبايعات. فقد شهد التاريخ الإسلامي في مساره السياسي عدة مراسيم عقد البيعة التي تمّت بين الرسول والمؤمنين رجالاً ونساءً وفي مناطق مختلفة. ويمين البيعة لا يزال معمولاً به الى اليوم، ونحن (كاتبة المقال) حلفنا يمين الولاء في كندا عندما حِزنا على الجنسيّة الكندية. وصحّة هذا التعاقد بالنسبة لبيعة النساء هو التالي:

“يا أيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ.” (الممتحنة، 10-13).

ان هذه “البيعة” باعتبارها نصّاً مرجعياً بخصوص بيعة النساء، “انعقدت بناءً على توجّهات تمسّ أموراً عقدية وأخلاقية – إجتماعية وقانونية كما تمسّ أسس تطور مجتمع جديد”.[55]

وقد بايعت النساء الرسول على الإسلام في ثلاث بيعات: بيعة العقبة وبيعة الرضوان (بيعة الشجرة) وخلال دخول الرسول إلى مكّة،[56] حيث يذكر لنا التاريخ واحدة من أكبر مراسيم البيعة التي شارك فيها النساء والرجال. لكن النكران التاريخي لمشاركة النساء في التاريخ الإسلامي السياسي بات واضحاً من  صعوبة الإعتراف للمرأة بمساهمتها – على قدم المساواة مع الرجل – في هذا المسار السياسي.[57]

وقد علّق المفكر الإسلامي محمد عمارة على هذه الآيات قائلاً:”وإذا كان الإيمان بالإسلام هو باب الولوج إلى أمته وجماعته، فلقد ساوت الدعوة الإسلامية الأولى بين النساء والرجال عندما جعلت للمرأة بيعة مستقلة عن بيعة الرجل– زوجها أو أبيها أو أخيها أو عمها (وليها)-.. تدخل بهذه البيعة المستقلة إلى الإسلام وأمته، مثلها في ذلك مثل الرجل سواء بسواء”.[58]

ومنذ تنزيل القرآن الكريم بصيغة “بيعة النساء”، أصبحت هذه الصيغة هي النموذج الذي يقتدي به الرجال في مبايعتهم للنبي (صلّى) بما جاء فيها حرفيّا، بعدما كانوا يبايعونه على السمع والطاعة، وبذلك غدت صيغة البيعة موحدة بين الرجال والنساء[59] باعتبار أن الله تعالى هو الذي اختارها.[60]

  1. المجادلة والمطلب النِسْوي للتغيير في العادات والتقاليد الإجتماعيّة:

قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ. الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ الَّلائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ. وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ. فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ. 1-4 (سورة المجادلة 58 عدد آياتها 22).

يتوجّه الله تعالى في الخطاب القرآني بصدد المؤمنات المهاجرات الى “الذين آمنوا”: ” يا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ…” وبصدد المبايعات على الإسلام يتوجه الخطاب الى النبيّ: ” يا أيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ….” أما بالنسبة الى المرأة التي جادلت النبي بشأن ظهار زوجها لها ودخولها في هذا الشأن بجدال مع النبي فقد سمع الله قولها مباشرة: “قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيع بصير.” ونجد المجادلة تحاور النبي في أمر يتعلق بشكوى زوجها الذي ظاهرها.

ما هو هذا الظهار؟

تذكر السيرة النبوية ان خولة بنت ثعلبة جاءت الرسول تشكو سوء تصرّف  زوجها، الذي بعد سنوات من العشرة الزوجية أساء اليها حين غضب منها وقال: “أنت عليّ كظهر أمي. “وهذا القول بمثابة قسم يُطلق عليه “الظهار” كان شائعاً عند العرب في الجاهلية، إذ كلما أراد الرجل تطليق زوجته شبهها ب”ظهر أمه” بمعنى أن زوجته أصبحت محرمة عليه كحرمة ظهر أمه، ويترتب عن هذا النوع من الطلاق أن الزوجة تصبح معلّقة لا هي حرّة وسيدة نفسها ولا هي متزوجة بمعنى التمتع بالعلاقة الزوجية السوية. هذه الجرأة في الإفصاح عن حق المرأة في التعبير عن الظلم الذي يلحق بها، والإصرار عليه يعبر عن حالة الإحباط الذي تعيشه المرأة، وهي حالة معروفة وكلاسيكية تنتاب النساء، المتزوجات المعنّفات بلغة العصر، كلما أحسسن بالإهانة، لسلبهن أعزّ وأعمق ما لديهن، كرامتهن.

تؤكد الآيات بوضوح على مجموعة من المبادئ المهمة: “أولّها، الإنصات للمرأة واحترام شكواها، ثانيها، التأكيد على حقّها في حرية التعبير، وثالثها، أن الأمر بضرورة الإسراع في إصلاح المنظومة الإجتماعيّة جاء من عند الله بإلغاء عادة “الظهار” المهينة للنساء.”[61]  والمثير للالتفات ان الله تعالى هو الذي سمع جدال المرأة مع النبي والأمرجاء من عند الله بالإنصات اليها، ليؤكدعلى أهمية الحوار بين الرجل والمرأة مباشرة، واحترام حريتها في التعبيرعن القهر الذي يحيط بها من السلطة الذكورية. وقد أصرّ الخطاب التشريعي هنا على تغيير الأمر الواقع في العادات والأعراف الظالمة للمرأة، والتي استمرت مع بداية الإسلام! والمرأة الناشطة لنزع الاعتراف بحقوقها- كالتي جادلت النبي في أمر زوجها- هي شريكة في عملية التغيير الإجتماعية المنتظر في مراحل التحولات الكبرى، ويمكن ان نصف مطلبها بلغة العصر الحديث بالمطلب النِسوية الحقوقي.

وكم نحن بحاجة الى مجموعات من النساء تنخرط في تطوير المنظومة الفقهية النسائية التقليدية التي تتهم اليوم بالجمود والتأخر ومخالفة مبادئ الحرية التي دعا اليها الإسلام حين احترم حرية التعبير، واستجاب لشكوى المرأة فيما يخص حقوقها الزوجيّة. وماحصل في المغرب في العقد الأخير من تطوير مدوّنة الأسرة يدلّ على أهمية إصلاح مدونة الأحوال الشخصيّة حفاظاً على حقوق المرأة وحريتها التي أكّد عليها القرآن.[62]

استنتاجات

عدم تسمية النساء النموذجيات في القرآن (باستثناء مريم)

بالنسبة الى زوجات النبي محمد (صلى) من النساء النموذجيات التي ورد ذكرهن في القرآن الكريم بشكل مختصرح؛ ففي هذه اللحظة التاريخيّة الحرجة من تطوّر الأحداث والهجرة الى المدينة، جاء الخطاب القرآني على ذكر “قصة الإفك” والبراءة التي جاءت بحق الزوجة (عائشة بنت أبي بكر الصديق) من السماء، وان لم تذكر اسم الزوجة المبرأة من الإفتراء (سورة التوبة)؛ وقد ورد ذكر الخِصام الذي دار بين النبي ونسائه – وان لم يذكرن بأسماءهن (سورة التحريم، 1) – وجاء ذِكر زواج النبي من زوجة ابنه بالتبني، وقد ذُكِر اسمه (زيد) ولم يذكر اسمها (سورة الأحزاب، 37)، وكذلك من بين النساء اللاتي تزوجهن النبي ذكرت المرأة التي وهبت نفسها للنبي على غرار تقاليد ما قبل الإسلام. لكن عدم تسمية النساء خاصة من القريبات من البيت النبوي، ليس حصرًاعلى  نساء النبي والصحابيات، فحسب، بل الرجال من الصحابة والمهاجرين والمبايعين. أي ان عدم التسمية لا يعد تحيّزًا جندريّا، بل موقفًا عقديًّا للابتعاد عن الشخصنة.

أما صراحة الإعتراف بزيجات النبي (صلّى) المتعددة وتمرّد نساء النبي عليه لأسباب واقعيّة تتعلق بغيرة النساء وصعوبة مرضاة النبي لأزواجه، لهي أكبر دليل على شفافية الخطاب القرآني باتخاذ تجارب زوجات النبي وأهل بيته كنموذج مثالي أيضًا- دون التحرّج من ذلك- ولحاجة الخطاب الى التنويه بمعالجة النبي (صلّى) لأحوال بيته بالحُسنى، ودون اللجوء الى طرق العنف التي نسمع بها اليوم (قضيّة العنف ضد المرأة). حتى ان النبي (صلّى) عندما تمرّدت زوجاته عليه خيّرهما النبي (صلّى) بين أن يبقين زوجاته او يسرحنهن سراحا جميلاً (سورة التحريم).

ومسألة التعدد ذكرت في آية على أن التعدّد -خُصّصِ للنيّ حصرًا- بسبب ظروف الدعوة والهجرة والحاجة الى تحصين النساء؛ وبسبب مكانة النبي الدينية، أعطيت زوجات النبي مقام “أمّهات المؤمنين” فبرز مُثُلهنّ بالدور النموذجي ليس للمؤمنات فحسب بل للمؤمنين أيضًا. ان تعدّد الزوجات الذي كان يمارس بشكل طبيعي في مجتمع ما قبل الإسلام، استمرّ الى ما بعد الإسلام بشرط العدل، وهو من أصعب ما يكون، لذلك حدّدت مدوّنة الأسرة المغربية شكل التعدّد وشروطه،[63] وكانت تونس الدولة الأولى التي ألغته من مدوّنة الأحوال الشخصيّة.

ختامًا:

نتسائل، هل وجدنا نموذجيّة نساء العهد القديم والعهد الجديد ونموذجية ملكة سبأ ونموذجية المهاجرات والمبايعات على الإسلام والمجادلة منسجمة مع “المفهوم القرآني لتحرير المرأة” الذي تفاعلنا مع طروحاته في بداية المحاضرة؟ بمعنى اننا سنفسر القرآن بالقرآن لنفحص حدود هذا الإنسجام:

في ان “حق المرأة في الحياة ذاتي وأصيل، بمعنى أن كرامة المرأة الإنسان محفوظة، وقد رأينا هذه الكرامة في الخيارات الصعبة التي اتخذتها كل من هاجر الزوجة المطرودة وامرأت فرعون الهاربة من الظلم حين اتخذا مساراً مستقلاً في رحلة الإيمان والهجرة من بيئة أقوامهن وأزواجهن. وعندما بدأت هاجر حياة جديدة مع طفلها إسماعيل، الطفل الذي سيصبح نبياً كأخيه من أمه الحرّة سواء بسواء. وهكذا هان على امرأت فرعون أن تتخلى عن وضعها الاعتباري في المجتمع، وتواجه زوجها الفرعون قائلة: “ربِّ ابن لي عندك بيتاً في الجنة ونجَني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين.” وكذلك المؤمنات المهاجرات والمبايعات النبي على الإسلام قمن برحلة الإيمان بحرية وإرادة مستقلة، لأن حقهن في الحياة السوية هي أصل في الإسلام.

حق المرأة في التعليم شرعي بمقتضى هذه الإنسانية وبمقتضى اختصاص الإنسان بالعلم.” وإصرار القرآن الكريم على أنَّ المعرفة جزءٌ عظيمُ الأهمية في الحياة الإنسانية وأيضًا في الحياة الإنسانية الدينية، قرأناه في معرفة الملكة سبأ للحكم الرشيد وممارسة الديمقراطية الذي عبرت عنها بالحوارات الراقيّة التي أقامتها بين مستشاريها لدراسة الخطوة التي يجب اتخاذها، قبل اللقاء بالملك سليمان، ومحاورته على السلام والإسلام ليس لشخص سليمان بل معه لربّ العالمين. مما يؤكّد على انها إمراة سياسيّة في الحكم والدبلوماسية تعرف جيدا ان القضية ليست من هو الأقوى بل القضية هي قضية تفكير وإيمانيّة. ونتساءل هنا عن سبب إقصاء المرأة من المشاركة السياسية في التاريخ الإسلامي، حيث نجد شرخا كبيرا حصل تاريخياً بين عالم  القرآن الحرّ والمستنير والمنصف والعادل وعالم الأحاديث النبوية الموضوعة، وتناقض المصفوفات – الثقافية مع روح الإسلام وخطابه المؤسس للقيم …

 

وقد رأينا تحمّل المؤمنات المهاجرات والمبايعات تبعات حريّتهن وأمانة فضيلتهن حين أخذن المبادرة في الهجرة الى المدينة بعد صلح الحديبية، فجاء نقض الصلح لحساب هجرتهن وعقد البيعة معهن بصراحة يضع مسؤولية حماية فضيلتهن عليهن لا على الرجل او على المجتمع. والمهاجرات والمبايعات اصلاً هاجرن بدون إذن أزواجهن، وبايعن الرسول بيعة على مجموعة من الشروط الإجتماعية والأخلاقية والالتزام الديني تخصّهن، ذلك ان مسؤولية المرأة الأخلاقية هي من صميم المفهوم القرآني لحرية المرأة، بمقتضى أهليتها شرعاً للتكليف. وفي هذا السياق نفسه شعرت “المجادِلة” بالمسؤولية تجاه إلغاء عادة في تطليق الزوج لزوجته، كانت لا تزال تمارس مما قبل الإسلام، فأخذت الإشكاليّة الى النبي، فلم يأخذ موقفاً حاسماً فلا زالت تحاوره في هذا الشأن حتى سمع الله قول التي تجادل النبي في أمر يخصّها شخصيًّا داخل العلاقة الزوجيّة. وبمنطق تيار “النِسْويّة الإسلاميّة”[64] الصاعدة اليوم في بلاد مصروتونس والمغرب تعتبر هذه المرأة (خولة بنت ثعلبة) نِسْويّة بامتياز حين طالبت بحقها الشرعي في الفراق الأخلاقي بينها وبين زوجها.[65]

حق  المرأة في المساواة  يرجع إلى أصل قرآني مقرّر بالآيات المحكمة، فلم يقلّ القرآن الكريم قط  الرجل أفضل من المرأة او الذكر خير من الأنثى، كما سمعنا المفسرين يؤولون آية “القوامة” وآية “وليس الذكر كالأنثى” في قصة نذر أم مريم لمولودتها محرّرة. وقصة تحرير الأنثى للخدمة في المعبد أصلاً مرفوضة في عرف بني إسرائيل، ومشاركة مريم داخل المؤسسة الدينيّة الرسمية للأحبار اليهود تعد خارج الأعراف والتقاليد، لكن أمها سبق ونذرتها قبل ولادتها ظناً منها أن المولود ذكر: لكن الله سمع مناجات امرأة عمران التي سمت ابنتها مريم بنفسها، “فتقبلها ربّها بقول حسنٍ وأنبتها نباتًا حسنًا” (سورة آل عمران)؛ فدخلت مريم المحراب- على عرف العرب الذين آمنوا بحق المرأة في المشاركة على مستوى السلطة الدينية مثلها مثل الرجل؛ لكن الجملة الإعتراضية لصاحب الخطاب الأصل “وليس الذكر كالأنثى” ظلت تشكل تحدّياً للمرأة المسلمة بسبب تاريخ طويل من التفاسير التي فسّرت جملة نفي تشبيه الذكر بالأنثى على أساس التفاضل لا الاختلاف بين الجنسين.[66] اما آية اصطفاء مريم على نساء العالمين،” فقد أتاحت فرصة للمفسرين تقرير من هن “نساء أهل الجنة في الإسلام؟” فالخطاب العام الحِجاجي المتحسّس في قصة “طفولة مريم” من نذر أمها لها للخدمة في المحراب وترأس سدنته، هو ضدّ إعلاء شأن المرأة في المؤسسة الدينيّة؛ لكن بسبب مكانة مريم الساميّة والمتفق عليها في المسيحيّة والإسلام، أتاحت فرصة طرح قدرات المرأة الروحية والتعبدية على أعلى مستوى حتى نجد من الفقهاء الكلاسيكيين من ناقش مسألة “نبوة مريم” بين مثبت وناف.[67]

وهنا لا بدّ من ان أنوّه الى ان هناك تواطئ تاريخي على إخفاء حضورالشخصيّات النِسائيّة القريبة من النبيّ، والتي شاركت في نصرة الإسلام في المرحلة المكّيّة المبكّرة. وأكبر دليل على هذا التواطئ هو غياب نموذج المرأة ذات النفود المالي والإجتماعي: السيدة خديجة بنت خويلد- زوجة النبي محمّد (صلى) وأول المؤمنات به.[68] ومن السهل معرفة الدفع المعنوي والمادي – الذي أمدت به السيّدة خديحة بنت خويلد زوجها النبيّ محمّد (صلّى) في بداية الدعوة الى الإسلام. وإن توارت شخصيّة السيّدة خديجة بشكل ملحوظ في التاريخ الإسلامي، لكنها لم تغب رمزية صاحبة الأعمال التجاريّة والنفوذ المالي خاصةً في بيئة كالمملكة العربية السعودية تتمتع فيها النساء بالاستقلال المالي، فاستحضرت في مركز خديجة بنت خويلد لسيّدات الأعمال في وزارة العمل بجدّة، لتسهيل معاملات صاحبات الأعمال السعوديّات. ان رمزية السيّدة خديجة بنت خويلد استطاعت العودة في المال (حصرا)، لتسهيل دور المرأة في القطاع التجاري/ المالي، قبل غيره من القطاعات وذلك لسببين: أولاً، لأن المرأة المسلمة مستقلة في الذمّة الماليّة، وترث من أهلِها وزوجها، ويحقّ لها العمل والاستثمار في ثروتها. وثانيًا، ان السلطة كانت تودّ تسهيل المعاملات بالنسبة الى الاستثمار المالي للنساء سرعان ما امتدّ ليشمل الاستثمار بالعنصر النسائي عمومًا. والمثير للنقد ما كان في الماضي غير البعيد، هو هذه الهوّة الكبيرة بين ممارسة هذا الحق في التجارة والمال وفقدان الحقوق الأخرى في الحريّة والأحوال الشخصيّة لأن الذهنية الذكوريّه لا تزال تمارس سلطة خارج سلطة العدالة والحريّة التي ساوت بين الرجال والنساء في الدين كما في الدساتير المدنية. وهنا لا بدّ أن أنثي على إعلان مراكش لحقوق الأقليّات في العالم الإسلامي (27/1/ 2016)، والذي يرفع بكل وضوح مسألة المواطنة والتعدديّة والعدالة اتجاه كل إنسان، كما يشدّد على كرامة الإنسان بفعل طبيعتِه البشريّة وعلى السياق أو الإطار التاريخي لقراءة وفهم بعض النصوص الدينية (القرآن) والفقهية. والأستاذ أنطوان قربان محقّ عندما يشير الى علاقة جدا مهمة بين كرامة الإنسان الفرد ومصلحة الجماعة- قائلا، “لربما أراد هذا الإعلان أن يحافظ على توازن نوعي، بين كرامة الإنسان ومصلحة الجماعة، بمفهوم الأمة التقليدي”.[69]

إن المواد الأربعة الأولى لإعلان مراكش لافتة جدًا، إذ هي تلتفت الى المبادئ الكليّة والقيم الجامعة التي جاء بها الإسلام وكما أبنا في بحثنا هذا في “المفهوم القرآني لتحرير المرأة”. وهي:

1- “إن البشر جميعًا على اختلاف أجناسهم، ألونهم، ولغاتهم، ومعتقداتهم، كرّمهم الله عزّ وجلّ.”

2- “إن تكريم الإنسان اقتضى منحه حريّة الاختيار”. “هذا البند يؤكد إذًا أن حريّة الإنسان ليست صفة مضافة إليه، ولكنها من صلب كيانه.”

3_ “إن البشر-بغضّ النظر عن كل الفوارق الطبيعيّة والإجتماعيّة، والفكريّة بينهم-إخوة في الإنسانيّة”.

4- “إن الله عزّ وجلّ أقام السموات والأرض على العدل، وجعله معيار التعامل بين البشر جميعاً، منعاً للكراهية والحقد، ورغّب بالإحسان جلبًا للمحبة والمودة”. ان أولوية العدالة هي أساس الألفة والمودّة في المجتمع. وهذا يصحح “المفهوم الخاطئ، بأن الإسلام هو استسلام لمشيئة متعالية عن البشر.”[70]

ان التصريح الأخير في “إعلان مراكش لحقوق الأقليات الدينيّة في العالم الإسلامي” بضرورة التعاون من أجل السلام، وهو “التعاون على كلمة سواء قائمة لا على مجرّد التسامح والاحترام، بل على الالتزام بالحقوق والحريّات، التي لا بدّ أن يكفلها القانون ويضبطها على صعيد كل بلد.”[71] هذا التصريح ينطبق على علاقة المجتمعات بعضها مع بعض في الوطن الواحد، كما بين الشعوب في الأوطان المختلفة في المصائر، فكيف إذًا ينطبق هذا التصريح في محيط الأسرة- والنساء لسن بطبقة أو أقليّة- على علاقات الرجال بالنساء بعضها من بعض في البيت الواحد؟

ان التجارب النسائيّة ودور النساء الفعّال في بدايات التحوّلات الثوريّة الكبرى- كما حصل في بداية الإسلام- وكما سجّل القرآن الكريم هذه النماذج النسائيّة المثال للمرأة المسلمة المستقلة والمستخلفة على الأرض، المالكة الأهليّة، وذات الإرادة الصلبة المنسجمة مع “المفهوم القرآني لتحرير المرأة”؛ فإن هذا الدور له مصلحة مباشرة بتطوير المنظومة الفقهيّة في الزواج وتعدد الزوجات والطلاق والأمور المنظمة لحياة الأسرة في الأحوال الشخصيّة، في لبنان كما في سائر البلاد العربيّة. لقد وضع القرآن الأسسس لتطوّر المجتمع وتحررّه، كما وردت صريح الآيات في السور، لكن المنظومة الفقهيّة الإجتماعية -التنظيميّة تعد من الجزئيات التي يجب أن ترد الى مبادئ الكليّات التي تكلمنا عنه، لأن النصوص ثابتة لكن الظروف والأحوال والمصائر متغيّرة.

المراجع:

[1] ان انغلاق الفرد أو المجتمع على ذاته في عدم الاستعداد لتقبل الآخر المختلف الذي يعيش معه او بداخله او الغريب عنه، ما يفسّر رفض الإنسان أو المجتمع أن يتزحزح من صورته المألوفة لينفتح على الآخر فيه وعلى الآخر من حوله.

[2] أنظر، عائشة عبد الرحمن، “المفهوم الإسلامي لتحرير المرأة” (القاهرة: مطبعة مخيبر، 1967).

[3] نجد في القرآن إشارة الى نساء العهد القديم والعهد الجديد (غيرمسماة): “زوج آدم”، زوجات “نوح” و”لوط” و”زوجتا إبراهيم”، وسردية “إمرأة العزيز وحبها ليوسف”  (سورة يوسف)، والأم في حياة النبي موسى: الأم البيولوجية والأم البديلة”، وسردية “ملكة سبأ”. ونجد خطاب شبه شعري ونثري شامل لكل المراحل في سردية للسيدة “مريم” (من الخطاب المكيّ الى الخطاب المدني المبكر) (سورة مريم وسورة آل عمران). وهناك إشاراة الى نساء البيت النبوي وزوجاته (أمهات المؤمنين) والمهاجرات والمبايعات على الإسلام (سورة الممتحنة)، والمرأة التي جادلت النبي في أمر طلاقها (سورة المجادلة). مما يعني ان الخطاب القرآني يتوجه الى الرجال والنساء في مسار الدعوة الى الإيمان بالتوحيد، فكان لهن هذا الحضور البارز والفاعلية.

[4] أسماء المرابط، القرآن والنساء: قراءة للتحرر، ترجمة محمد الفران، إصدار مركز الدراسات والبحوث في القضايا النسائية في الإسلام بالرابطة المحمدية للعلماء بالمغرب (الرباط: دار أبي رقراق للطباعة والنسر،2010). سنقتصر في هذه الدراسة على بعض هذه النماذج.

See, Barbara Freyer Stowasser, Women in the Qur’an, Traditions and Interpretation, ((New York & Oxford: Oxford University Press, 1994).

[5] العبودية كمؤسسة حالياً – بدستور الأمم المتحدة ومنظمة حقوق الإنسان- غير قانونية في معظم بلدان العالم.

[6] فرانز روزنتال، مفهوم الحرية في الإسلام: دراسات في مشكلات المصطلح وأبعاده في التراث العربي الإسلامي، ترجمة د. رضوان السيد ود. معن زيادة (بيروت: دار المدى الإسلامي، 2007) ص. 17.

[7]  وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَـئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللّهُ يَدْعُوَ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (سورة البقرة، 221).

[8]إقرأ الآية “أفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ.” أنظر، الراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، تحرير صفوان عدنان داوودي، ط. 3 (دمشق: دار القلم، 2002) .

[9] انظر، مفهوم الحرية في الإسلام، المرجع نفسه، ص. 50.

[10]انظر، جمال البنا، المرأة المسلمة بين تحرير القرآن وتقييد الفقهاء، (القاهرة: دار الفكر الإسلامي، 1997) ص. 12.

[11] لتعريفات “الحرّ” و”الحريّة” لدى المؤلفين المسلمين من فقهاء اللغة (الواحدي ت 1075) الى المعجميين (الأصفهاني ت 1100) والفلاسفة (فخر الدين الرازي ت 1209) وموقف المتصوّفة من الحرية في رسالة القشيري (986-1072) والجرجاني.. “الحريّة” هو مصطلح كان يستخدم دائما للاشارة الى طبيعة العلاقة بين الإنسان والله، انظر فرانز رونتال، مفهوم الحريّة في الإسلام،المرجع نفسه، ص.ص. 48-55. وانظر موسوعة عبد الحليم أبو شقّة،  تحرير المرأة في عصر الرسالة: دراسة جامعة لنصوص القرآن الكريم وصحيح البخاري ومسلم، 4أجزاء، ط1 (القاهرة: دار القلم للنشر والتوزيع، 1990).

[12] أنظر، عائشة عبد الرحمن، “المفهوم الإسلامي لتحرير المرأة”، المرجع نفسه (ص. 6.

[13] أسماء المرابط، القرآن والنساء: قراءة للتحرر،المرجع نفسه.

[14]  المرجع أعلاه، ص.7.

[15] المرجع نفسه.

[16] مصدر الأسطورة التوراتية، في سفر التكوين (2:21) “فأوقع الرب الإله سُباتًا على آدمَ فنام، فأخذ واحدة من أضلاعه وملأ مكانها لحما”.

[17] البخاري كتاب أحاديث الأنبياء باب: خلق آدم وذريّته. ج. 7 ص. 177. ومسلم كتاب الرضاع باب: الوصية بالنساء..ج. 4 ص 178.

[18] انظر مدخل “خلق” في محمد فؤاد عبد الباقي، فهرس ألفاظ القرآن، (بيروت: دار الأندلس، د.ت).

[19] الحديث رواه ابو هريرة وورد في الصحيحين البخاري ومسلم.

[20] عائشة عبد الرحمن، المرجع نفسه، 7-8.

[21]  انظر، أنجليكا نويفرث،”ادّعاء افتقار الإسلام إلى التنوير…كليشيه غربي قديم،” على صفحة قنطرة ((03.05.2014

[22]أنظر، ألفة يوسف، ناقصات عقل ودين: فصول في حديث الرسول، ط4 (تونس: دار سحر للنشر، 2010). عن سعيد الخضري وفي راوية أخرى عن عبد الله بن عمر قال: “خرج رسول الله (صلى) في أضحى أو فطر إلى المصلى، فمرّ على النساء فقال: يا معشر النساء تصدّقن، فإنّي أريتكن أكثر أهل النار، فقلن: وبمَ يا رسول الله؟ قال: تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، وما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكنّ، قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ قلن بلى، قال: فذلك من نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لم تصلّولم تصم؟ قلن: بلى، قال: فذلك من نقصان دينها”. انظر، البخاري،  صحيح البخاري، ط1 (دمشق- بيروت: دار ابن كثير، 2002) رقم الحديث 304. وانظر،  يحي بن شرف النووي، صحيح مسلم بشرح النووي، تحقيق عصام الصبابطي وحازم محمد وعماد عامر، ط 4 (القاهرة: دار الحديث، 2001) ج 1 رقم الحديث 79، ص. 343.

[23] “كتاب الحيض” و”كتاب الزكاة” و”كتاب الصوم” و”كتاب الشهادات”.

[24]  “كتاب الإيمان”.

[25] انظر، نادية الشرقاوي، ناقصات عقل ودين: بين مدلول النصّ واستنباطات الفقهاء، وقفة مع أهمية السياق في فهم الحديث النبوي الشريف” (مؤسسة جسور للنشر والتوزيع،2017) ص. 24-25. ويوسف كلاّم، “قراءة في ناقصات عقل ودين: بين مدلول النصّ واستنباطات الفقهاء وأهميّة السياق”، صفحة مركز الدراسات والبحوث في القضايا النسائيّة في الإسلام بالرابطة المحمدية للعلماء في المملكة المغربية  28-02-2018. دخول الصفحة 7-12-2023.

[26] “أن تضلّ إحداهما فتذكّر إحداهما الأُخرى” (سورة البقرة، 282).

[27] ألفة يوسف، ناقصات عقل ودين…فصول في حديث الرسول، (تونس: دارسي سحر للنشر، 2010).

[28]  انظر، نادية الشرقاوي، ناقصات عقل ودين: بين مدلول النصّ واستنباطات الفقهاء، المرجع نفسه.

[29] نادية الشرقاوي، ناقصات عقل ودين: ويوسف كلاّم، “قراءة في ناقصات عقل ودين، المرجع نفسه، دخول الصفحة 7-12-2023.

[30] انظر ملك حفني ناصف ]باحثة البادية[، النسائيّات، ط1، (1910) ط2(1925)ط3(القاهرة: ملتقى المرأة والذاكرة، 1998).

[31] انظر، عائشة عبد الرحمن، المرجع نفسه، ص.9.

[32] انظر، هبة رؤوف عزّت، المرأة والعمل السياسي: رؤية إسلاميّة، (فيرجينيا، الولايات المتّحدة: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1995) ص. 56.

[33]  إن من الأمور الجديرة للالتفات في لغة القرآن، أن لفظ “إنسان”، وهو الواحد من بني آدم، يُذكّر ويؤنّث، فيقال هو إنسان، وهي إنسان والرجل إنسان والمرأة إنسان، ولا يقال إنسانة. انظر، محمد رشاد عبد الظاهر خليفة، الرسالة الرشادية فيما يجوز تذكيره وتأنيثه معا في اللغة العربية، ط1(القاهرة: مطبعة مصطفى البابي الحلبي، 1952) ص 12، 15.

[34] أنظر، عائشة عبد الرحمن، المرجع نفسه. ص.ص. 8-9.

[35] انظر، الإمام الزركشي، الإجابة لايراد ما استدركته عائشة على الصحابة، قدم له سعيد الأفغاني، (المكتب الإسلامي، 1980).

[36]  انظر في مفهوم “قوامة الرجل على المرأة” للقاضي والفقيه المجدد الشيخ عبد الرحمن الحلو،” ضرورة تحديث الخطاب الديني أين المشكلة”، في حُسن عبود ونزهة أومليل، مكتسبات المرأة التشريعية في المغرب والخيارات الممكنة للمسار اللبناني (بيروت: Equality Now، 2020) 261-274.

[37] See, Hosn Abboud, “”Denial of Similitude: The Exegetical Concern with Gender in  “And the Male is Not Like the Female” (Qur’an 3: 36).  In Knowledge and Education in Classical Islam: Religious Learning  between Continuity and Change,  edited by Sebastian Günther .  Leiden: Brill, 2020.

 

[38] انظر، عبد الرحمن الحلو، “ضرورة تحديث الخطاب الديني: أين المشكلة،” في مكتسبات المرأة التشريعية في المغرب والخيارات الممكنة للمسار اللبناني، المرجع نفسه؛ وانظر، فهمي جدعان، خارج السرب: بحث في النِسويّة الإسلاميّة الرافضة وإغراءات الحريّة، (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2010).

[39] “العلوم الإنسانية بحسب تعريف ماكس فيبر لها هي العلوم التي تحلل ظواهر الحياة على أساس من دلالتها أو أهميتها الثقافيّة، ودلالة ,اهمية تشكيل ما من الظواهر الثقافيّة لا يمكن اشتقاقها  أو فهمها على أساس من نسق من القوانين التحليليّة مهما يكن من إتقانه وكماله، ما دامت دلالة الحوادث الثقافيّة وأهميتها تفترض مسبقا توجيها قيميّا نحو هذه الحوادث، فمفهوم الثقافة إذن مفهوم قيمي، ليصبح الواقع التجريبي ثقافة بالنسبة لنا بقدر ما نقرنه وننسبه إلى أفكار قيمية،” أنظر صلاح قنصوه، الموضوعية في العلوم الإنسانية: عرض نقدي لمناهج البحث، (د.م: دار التنوير، 1984)، ص 189.

[40] انظر عبد الله إدالكوس، في نقد الخطاب الحداثي: عبد الوهاب المسيري ومنهجية النماذج، (الدار لبيضاء وبيروت: المركز الثقافي العربي، 2014) ص. 30.

[41] انظر، مدخل “براديغم” في قاموس أوكسفورد.

[42] “لقد كان  لكم في رسول الله أسوة حسنة…” (سورة الأحزاب 33:21)؛ “لقد كان لكم أسوةٌ حسنة في إبراهيم والذين معه” (سورة الممتحنة 66: 4)؛ لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله” (سورة الممتحنة: 6). .

[43] استطاعت قيادة فريق عمل دولي لرسم خرائط 7 أمراض جينية (أُطلق على 2 منها اسم الغزالي)، وكذلك للتعرّف إلى أكثر من 15 جيناً تساهم في الأمراض بصورة غير مباشرة. عملت على نشر الوعي لأكثر من 17 عاماً بين شعوب الشرق الأوسط، لا سيما بالنسبة لقضية كثرة التزاوج بين الأقارب وعلاقتها بظهورالأمراض الوراثية في هذه المنطقة.

[44] انظر، حُسن عبود، “وجوه المنهج التجديدي للتفسير القرآني: عائشة عبد الرحمن وآمنة ودود،” في النِسْويّة العربية: رؤية نقدية، إعداد تجمع الباحثات اللبنانيات (بيروت) وملتقى المرأة والذاكرة (القاهرة) ومركز دراسات المرأة والجندر (جامعة بيرزيت) عقد في بيروت في الجامعة الأميركيّة في بيروت، 2012 .

[45] سورة 14، عدد آياتها 52.

 [46]  انظر أسماء المرابط، القرآن والنساء، المرجع نفسه، ص. 73.

[47] انظر حُسن عبود، السيدة مريم في القرآن الكريم: قراءة أدبية، الفصل السادس (دار الساقي، 2010).

[48] إذ قالت(امرأة فرعون): “ربِّ ابن لي عندك بيتاً في الجنة ونجَني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين.”(التحريم،11).

[49] أ. المرابط، القرآن والنساء، المرجع نفسه، ص. 55.

[50] انظر، المونسنيور بولس الفغالي، “من ملكة سبأ الى بلقيس” في مجلة بيبليا 60 (2013) 63-74.

[51] See, Fatima Mernissi, The Veil and the Male Elite: A Feminist Interpretation of Women’s Rights in Islam, trans. by Mary Jo Lakeland (Addison-Wesley Publishing Company, 1991) 49-61.

[52]  السيرة النبويّة لابن هشام، حققها وضبطها وشرحها ووضع فهارسها مصطفى السقّا وإبراهيم الأبياري وعبد الحفيظ شبلي، ج 1(بيروت: المكتبة العليمة، د.ت.) ص.ص. 336-337.

[53] أسماء المرابط، القرآن والمرأة: قراءة للتحرر، المرجع نفسه، ص. 127.

[54] -الشافعي، الأم، ط 2 (بيروت: دار المعرفة، 1393هـ)، ج4 ص192.

[55] أسماء المرابط، القرآن والنساء، المرجع نفسه، ص. 158.

[56] وقد ذكرت خروج المؤمنات للبيعة ولم تذكر أنهن أخذن إذناً قبل الخروج.

[57]انظر سماء المرابط، المرجع نفسه، ص. 162.

See, also, the Introduction of Fatima Mernissi, The Forgotten Queens of Islam, trans. Mary Jo Lakeland (Cambridge, UK: Polity Press, 1993).

[58]محمد عمارة، التحرير الإسلامي للمرأة: الرد على شبهات الغلاة، ط 1 (القاهرة: دار الشروق 2002).عمارة، ص32.

[59] “ويدل على ذلك ما ورد في صحيح البخاري عن «عبادة بن الصامت يقول: «قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في مجلس: “تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف. فمن وفي منكم فأجره على الله. ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا، فستره الله فأمره إلى الله؛ إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه. فبايعناه على ذلك.” أخرجه البخاري في صحيحه في الأحكام باب بيعة النساء، رقم الحديث 6787. قال الألباني في تعليقه على هذا الحديث في مشكاة المصابيح، ج1 ص13: “متفق عليه”.

[60] عبد السلام حادوش، إدماج المرأة في التنمية في محك السياسة الشرعية، ط 1 (طنجة: الطوبريس، 2001) ص271- 272.

[61] أسماء المرابط، القرآن والنساء، المرجع نفسه، ص. 176.

[62] حُسن عبود ونزهة عمّور، تحرير، مكتسبات المرأة التشريعية في المغرب والخيارات الممكنة للمسار اللبناني، المرجع نفسه.

[63] انظر حُسن عبود ونزهة عمّور، مكتسبات المرأة التشريعية في المغرب والخيارات الممكنة للمسار اللبناني، المرجع نفسه.

[64]  انظر أميمة أبو بكر (تحرير)، النسويّة والمنظور الإسلامي: أفاق جديدة للمعرفة والإصلاح (القاهرة: مؤسسة المرأة والذاكرة، 2013).

[65] انظر حُسن عبود، “كيف يمكن للنِسْوية الإسلاميّة أن تكون جزءًا فعّالاً في الدراسات الإسلاميّة؟” في نحو إعادة بناء الدراسات الإسلاميّة. تحرير رضوان السيّد، بلال الأرفه لي وساري حنفي. )بيروت: الدار العربيّة للعلوم ناشرون، 2019(.

  1. _____، “هل يُمكن اعتبار طرحَها الإصلاحيّ مُلائماً؟ النِسْويّة الإسلاميّة وبناء الإنسان العربي الجديد” في الكتاب السنوي الخامس، نحو إنسان عربي جديد، )بيروت: مؤسسة الفكر العربي، 2019).

[66] See, Hosn Abboud, “Denial of Similitude: The Exegetical Concern with Gender in  “And the Male is Not Like the Female” (Qur’an 3: 36),” OpCit.

وفسرت إستعاذة أمرأة عمران مريم وذريتها من الشيطان الرجيم على أساس “عقيدة العصمة من الخطيئة الأولى المتوارثة التي حملت وزرها حواء”، وهي عقيدة مسيحية تربط حواء (المرأة الأولى)  بالخطيئة المتوارثة، وتحوّرت هذه العقيدة المسيحية الى عقيدة مريمية “الحبل بلا دنس” حتى تصبح مريم حوء الجديدة حتى لا تصبغ بهذه التهمة، وفي كلا الحالتين لا نجد أصل لهما في الإسلام. انظر،

See, “Islam and the Immaculate Conception,” in The Dogma of the Immaculate Conception: History and Significance, edited by E.D. O’Connor, (Indiana, University of Notr Dame, 1958).  

[67] انظر حُسن عبود، مريم في القرآن الكريم: من النصّ الى الخطاب، المرجع نفسه، ط (2022).

 [68]  انظر سلوى بالحاج صالح-العايب. “دثّريني …يا خديجة”: دراسة تحليليّة لشخصيّة خديجة بنت خويلد. (بيروت: دار الطليعة، 1999)؛ وانظر الشيخ عبد الله العلايلي، مَثلُهُنّ الأعلى السيّدة خديجة (بيروت: دار الجديد، 1992)؛ محمد علي قطب، خديجة بنت خويلد رضي الله عنها أوّل الناس إسلامًا (بيروت: دار القلم، 1988).

 

[69] أنطوان قربان، “لا استحقار ولا استكبار..” في زياد الصائغ (إشراف) الحريّة الدينية في الحوار المدني – الديني في لبنان، (بيروت: معهد المواطنة وإدارة التنوّع في مؤسسة أديان، 2017) ص. 108.

[70] المرجع نفسه، ص. 109.

[71]  المرجع نفسه، ص.ص. 108-109.

اقرأ ايضا

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete