المقدس والمدنس

الإنسان في مواجهة يقينياته

غريب هذا الإنسان، وغريبة هي حكاياته منذ أن طلعت شمس الإنسانية لتنير هذا الوجود بهذا الكائن الفريد والوحيد الذي يملك أن يكون فردا مستقلا يتمتع بإمكانيات لا محدودة من الإرادة، كما يملك أن يكون فردا ضمن جماعة تجعله يعي وجوده الذاتي ضمن مسبقات الجماعة ومحدداتها الثقافية والاجتماعية والفكرية. هو نفسه الإنسان كما يحكي القرآن الكريم بأنه كان مثار جدل بين حوار بين الملائكة والخالق حول الخليفة المستقبلي. ذلك الخليفة الذي يتوقع أنه سيكون مثل سابقيه يفسد في الأرض ويسفك الدماء، وهو الواقع التاريخي للمسار البشري كما أكد كولن ولسون نفسه في كتابه التاريخ الإجرامي للجنس البشري. لكن أيضا هذا الجانب لا يمنع من أن يبلغ هذا الخليفة ويتجاوز سابقيه في كل الإمكانيات، ويتسلح بالعلم والمعرفة ليكسر كل الممنوعات، ويبقى الكائن الوحيد الذي يواجه يقينياته بكل ما أوتي من قوة. هنا يمكننا أن نتساءل عن كل هذا اليقين الذي يعشش في عقل كائن محدود على مستوى الزمان والمكان؟ من أين يأتي بكل هذا الإشباع الفكري بالرغم من أنه يؤمن بأن ما وصل إليه لم يكن ليحققه لو توقف عند حدود يقينياته ومسبقاته؟ ومع ذلك ما زال مصرا على أن يبقى هو اللغز الأكبر بين الموجودات على هذه الأرض البسيطة.

كان سيوران يقول بأن الإنسان الذي يثق في مسبقاته ويقينياته وموروثاته قد بلغ مرتبة كبيرة من الدجل سواء تعلق الأمر بالأفكار والأشياء ومختلف الأنماط الثقافية، بل كان يعرف المفكر الدجال فقط من حصيلة الأفكار الدقيقة والعميقة التي يدافع عنها. لهذا في في دروب الحيرة ليس هناك مسافة لا يملؤها الشكّ. أما اليقين فطريق القانعين، لهذا كان ابن سبعين يقول:” اللهم إني أعوذ بك من عقلٍ يقنع “. يحكي الجبران[1] أنّ امرأة شكّتْ في حبيبها فانتبهت له، واقتربت منه، قالت له أنا أعرف قلمك. قال لها وأنا أعرف عيونك. سألته لم تكتب؟ أجابها أنا لا أكتب كي أملأ الكتب، بل لأملأ روحي بالكتابة، أنا لا أكتب لأغير العالم، وإنما لأغير شرابي. هذا الواقع هو ما أشار إليه جمال علي الحلاق[2] وهو يتساءل: كيف يمكم لليقين أنْ يحجِّم الحياة ويصيبها بالعقم؟. ولماذا تتعمّد المؤسّستين الدّينية والسّياسية دوماً من تصعيد مفاهيم (اليقين/العقم/الموت) على حساب مفاهيم (الشّهوة/الخصب/الحياة). في الحقيقة هذه الأسئلة وغيرها تسائلنا كأفراد وجماعات، على اعتبار أننا كائنات نحيى وسط اليقين، وقلما نحاول أن نفكر من خارج دوائر المطلق والسرديات الكبرى، والإيديولوجيات العابرة للفكر. وكي نجيب عن هذه التساؤلات لا يلزمنا فقط أن نقر بالمشكلة حيث نحسن التشخيص، بل لا بد من الجرأة والمواجهة الذاتية الصعبة. هذا الأمر لا يتوفر إلا من خلال فعل القراءة، ولو أنّ القراءة تتطلّب منّا أنْ نتنازل قليلاً عن براءتنا، أنْ نكون لحوحين في التّساؤل، وأنْ يكون فضولنا عالياً وحازماً في الإصغاء للتأوّهات المقموعة التي تتسرّب عبر الصّمت ما بين جملة وأخرى. نقول هذا لأنّ فعل القراءة هو مقياسٌ وحيد، وأوحد في أنْ نكون أو لا نكون. فأنْ نكون ليس هو أنْ نزعم أنّنا نتملّك الحقيقة، أو ندرك المعنى، أو ننفذ إلى الماهيات والمقاصد، ولكن أنْ نكون معناه أنْ تكون لدينا القدرة على فعل القراءة باعتباره انفتاحاً على مفاهيم الاختلاف والتّوليد والمشاركة.

كل هذه التساؤلات تقودنا بوعي منا أو دونه إلى أن نرى أنفسنا جزءا لا يتجزأ من حالة نفسية وثقافية لا تستطيع أن تخرج من دائرة اليقين، وهو نفسه من يقودنا نحو التقديس كآلية للاحتماء والبقاء على الوضع الراهن. وهنا يمكننا أن نطرح التساؤل التالي عن الهدف من القداسة والتقديس التي يختزنه العقل الجمعي لمجموعة من شعوب العالم؟

  • المقدس والمدنس: جدل الإنسان الذي لا ينتهي

لا بد ونحن نتحدث عن هذا الموضوع من إطار مفاهيمي ينظم هذه العلاقة، هنا نستحضر باحثا من الباحثين الأنثروبولوجيين الفرنسيين وهو روجيه كايواه من خلال كتابه الإنسان والمقدس، كتاب يبحث فيه ويرصد ظاهرة التقديس واليقين الذي يختزنه الكائن الإنساني اتجاه الأشياء والأشخاص والأفكار. علاقة معقد يخلقها الإنسان بهذا الجانب الروحي والميتافزيقي، والمتجاوز في الكثير من الأحيان لحدود العقل البشري، ولا يكفي للباحث أن يقف عند حدود ظاهرة الإنسان والمقدس وقفة العقل الفقهي الذي ينظر إلى الأشياء نظرة جامدة تحركها عقلية المنع والإباحة. إذ أن هذه الاختزال الفقهي للإنسان لا يراعي جوانب عديدة من شأنها أن تكشف هذه العلاقة المتشابكة بين الإنسان والمقدس. وهذا هو الدور الذي يمكن أن تقوم به الفلسفة والأنثروبولوجيا الدينية والأركيولوجيا وكل العلوم الإنسانية. على الأقل نحاول أن نفهم كل ما له علاقة بالمجتمع والفكر والثقافة والإنسان فهما يضعنا أمام سياقات تقربنا من أنفسنا، وتبعد علينا أحكاما أصبحت بمثابة معيقات للتفكير بدل أن تكون معينا على فهم أسرار هذا الإنسان وهذا الكون الفسيح.

يكشف لنا روجيه كايواه[3] في كتابه المثير عن الإنسان والمقدس نوع العلاقة القائمة بين المقدس والمدنس في عالم الإنسان. فربما الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يتأرجح فكره بين هذه الثنائية الصعبة والمتعددة الامتدادات. فكم من حروب أقيمت على قاعدة المقدس، وكم من أرواح أزهقت بعد أن تم تدنيس فكرها ومعتقداتها وتصوراتها.  إن العلاقة بين المقدس sacré والمدنس profane أو المقدس والدنيوي. هي علاقة بين عالم يتفرع فيه المؤمن لأعماله بحرية ويمارس نشاطا لا تأثير له على خلاصه الأبدي وهو المجال الدنيوي. ومجال فيه الخوف والأمل اللذان يصيبان الإنسان بالشلل والهلاك وهو المقدس. فالمقدس حسب هذا التصور يصير هو المقولة التي يبنى عليها السلوك الديني، تلك التي تمنحه خاصته النوعية وتفرض على المؤمن شعورا متميزا بالاحترام يحصن إيمانه ضد روح النقد كما تجعله بمنأى عن الجدل العقيم بوضعه إياه خارج نطاق العقل وما وراءه.

هو تعريف مهم يضعنا أمام تمييز واضح بين المجال الذي يتحرك فيه المقدس، وبين المجال الذي يتحرك فيه المدنس في عالم الإنسان. لهذا سنجد أن الإنسان لم يترك أي شيء لم يلبسه بطابع المقدس، أو أضفى عليه طابع القدسية، فلقد قدس الحجر والشجر، والأمكنة والأزمنة، والأشياء والأفكار. هنا يحضرنا مجال طبعه التقديس ويستحق منا التأمل والتفكر، وقد أشار إليه أيضا كايواه، وهو تقديس الإنسان للأعياد، وكيف كانت دوافعه ويقينياته؟ ومن أين أتى بهذا اليقين التام في أن يصبغ على أيام عادية طابعا مقدسا يتجاوز بها حدود المعقول، والمقبول والمتاح؟ هنا يمكننا أن نطرح التساؤل التالي؟

لماذا قدست الحضارات المختلفة فكرة العيد والأعياد؟

مثل هذه الأسئلة قلما نجد لها إجابات في العقل الفقهي الاختزالي، إذ هو لا ينظر إلى الإنسان إلا بوصفه عبدا، وبالتالي يتم التعامل معه فقهيا أي من خلال المنع والجواز. وهي مقاربة أثبتت فشلها لأنها لا تستطيع أن تتعامل مع الإنسان تعاملا يراعي فيه جوانبه الظاهرة والخفية. لهذا كان العقل الفقهي على مدار التاريخ فقها سلطويا يعتمد مقاربة الترهيب والترغيب، ويمنع من فهم الذات بشكل تبدو فيه بعض الأمور في غاية الوضوح حينما يتم الكشف عن خلفياتها وملابساتها. لهذا فالنظرة إلى الأعياد مثلا في تاريخ الحضارة الإنسانية يجب أن ننظر إليها من زاوية إنسانية، وليس من زاوية دينية تخفي عنا ما نود الحديث عنه في هذا المقام. والعلاقة بين الإنسان والأعياد لا تحكمها فقط المنع والإباحة كما هو متعارف عليه دينيا على الأقل في المجال الديني الإسلامي، إذ انتشرت بفعل الاكتساح الفكر الوهابي ظاهرة البدع، وبدأ الناس تتخوف حتى من الاحتفال بطقوس ظلت حاضرة في الذاكرة الجماعية لمدة طويلة، حتى جاء هذا الشكل من التفكير ليضعنا أمام سياق فكري ديني يرى الأشياء بمنطق ماضوي سلفي في أشد صوره السلبية. لهذا فالأعياد كما تعارفت عليها مختلف الحضارات هي هروب نحو المقدس. ربما يكون هذا الجواب مثيرا أو غامضا للوهلة الأولى، لكن بالتأمل والخروج من دوائر الضيق الفكري الديني، والتاريخي فالعيد ليس فقط يوما مثل سائر الأيام، أو اختيارا بعيدا عن أهداف ومرامي هذه الإنسانية خلال مسارات تشكل وعيها الذاتي بنفسها وبمجتمعها وقاعدتها الثقافية. إنه أكثر من ذلك في البحث الأنثروبولوجي، وفي الحفريات المعرفية والتاريخية. هو شيء آخر يمتزج فيه الدنيوي بالمقدس بشكل كبير، وفيه من الامتدادات ما يشكل وعيا بحقيقة الوجود الإنساني اللغز في هذه الحياة. فماذا يعني العيد في أبعاده وتجلياته الكونية والإنسانية لدى شعوب العالم؟.

للجواب عن هذا السؤال يمكننا اقتراح الأجوبة المبسطة التالية تيسيرا للفهم، ومنح القارئ الإمكانية الكبرى لاستيعاب مواضيع معقدة ومتشابكة مع الواقع:

  • العيد يكسر الروتين العادي للحياة النظامية التي يسير عليها الإنسان في حياته اليومية.
  • العيد فرصة تفرض على الناس مشاركة بأحجام كبيرة وبأهداف مثيرة للغاية.
  • العيد حالة نفسية يشعر معها الإنسان بحماسة منقطعة النظير.
  • العيد ثورة على العادي والمألوف والحياة الرتيبة والملل الدائم.
  • العيد فرصة يغتنمها الإنسان من أجل تجديد الطاقة والرغبة في التواصل مع الذات ومع المحيط القريب والبعيد.
  • العيد أيضا لجوء إلى المقدس.

هذا الأمر بحث فيه إميل دوركايم[4] وحقق فيه إنجازا كبيرا، على اعتبار أن العيد من وجهة نظره يمثل تعارضا بين تفجر متقطع واستمرارية رتيبة، بين هياج حماسي وتكرار يومي للانشغالات. بين صخب العصف الجماعي وهدوء الأعمال اليومية، بين حشد المجتمع طاقته وبين هدرها وتشتتها. هذا يثير في الحقيقة نوعا من التعارض والحيرة والقلق. فالأعياد التي تعتبر زمن الفرحة هي مصدر أيضا للقلق كما تتعزز فيها مختلف القيود والمحرمات والمحظورات.

وكي نفهم الأمر بشكل جيد نضرب مثالا على ذلك بعيد الأضحى في المخيال الجمعي الإسلامي، فإذا سألت الفقيه فلن يتجاوز جوابه: هو واجب على كل فرد قادر على التضحية، والتمسك بسنة النبي في ذلك، بما في ذلك مد الجسور مع الأصل الإبراهيمي الأول وقصة إبراهيم وابنه إسماعيل كما حكاها القرآن الكريم. سيقول ذلك لأن عقله لا يتجاوز الجواز وعدم الجواز، دون البحث في خلفيات الحدث، ورمزيته، وامتداداته من أجل فهم أعمق. وللأسف هذا ما تكفل به آخرون، من غير عوالمنا المثالية، وربما الخرافية في قراءة الأحداث والقصص، واستخلاص العبر والدروس منها. نريد هنا أن نقف مع إحدى تجليات عيد الأضحى أو طقس القربان كما تعارفت عليها بعض الديانات لنفهم بعضا من دلالاته وفق ما قام باحثان هما مارسيل موس وهوبير في كتاب القربان بشكل مختصر وموجز.

يرى الباحثان موس وهوبير من خلال كتابهما مجموعة من الخلاصات تتمثل في أنّ طقس الأضحية يرتبط في جميع الديانات بمفهومين مركزيين وهما مفهوم المقدس ومفهوم المدنس أو الدنيوي. حيث تقدس الثقافات والحضارات الضحية على الرغم ممّا قد يشوبها أحيانًا من صفات الدناسة إلا أنّ عنصر التضحية يخلصها من تلك الصفات. وقد تميزت جميع طقوس الأضحية بالتعقيد وتطلبت ترتيبًا كبيرا، كما أنها تكون غير قابلة للنقصان. فللأضحية في مختلف الديانات وظائف معينة تلخص في: طلب المغفرة لدى الإنسان الذي يشعر بالذنب الملازم، طلب مصلحة، التقرب من الآلهة، إبعاد ضرر، والاستمتاع باللحم المقدس. وكل هذه الوظائف المشار إليها سابقا لها وظيفة مركزية أيضا وهي السعي إلى إخراج المضحى له من عالم مدنس إلى عالم مقدس. فطقس الأضحية يرمز في أساسه إلى موت المضحى له وهو موت رمزي يمثله موت الأضحية، إذ الآلهة تقبل القربان بدلاً من المضحى له الذي تعيده إلى الدنيا في هيئة جديدة. والاقتراب من الأشياء المقدسة يمنح كل الأشياء الأخرى صفات القداسة تلك، فالمضحى له يعطي، والضحية بدورها تقدم نفسها في سبيل الجماعة. إذن فالأضحية هي تبادل للمنافع بين المضحى له والآلهة، فالكل يعطي والكل يأخذ.

هذه بعض الدلالات والمعاني والرمزية التي يحملها طقس الأضحية والقربان في مختلف الديانات والحضارات والثقافات؟ فماذا يقول مارسيل موس وهوبير بهذا الخصوص؟ يقولان العكس وهي أن النظرة لمثل هذه الطقوس يجب أن تكون بعيدة عن منطق الإقصاء والاختزال والسطحية. لمجموعة من الاعتبارات، أي أنّ هذه الطقوس الدينية أضحت حقائق اجتماعية من الصعب التخلص منها. كما أنها ترتبط ارتباطًا وثيقًا بحياة التجمعات البشرية، وبفضل الرموز التي تحملها الأضحية يتم التعبير عن مجموعة من المعتقدات الاجتماعية. ناهيك عن أنها تشكل التضامن الاجتماعي للجماعة ووحدتها المشتركة، فهي تخلق للناس عالمًا مثاليًّا ينشدونه عبر هذه الطقوس.

  • اليقين وفخ الاستثناء:

من أي شيء ورث المسلمون هذا اليقين اللامحدود بأنهم الأفضل والأجمل والأصلح؟ قد يقول قائل بأن القرآن الكريم هو أول من تحدث عن الأفضلية ومنحها لهم عن طريق آية:” كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله “. فهم ملتبس وغير واقعي لأدنى شروط الفهم، فالآية لم تقل أنتم خير أمة، بل قالت كنتم خير أمة، أي أن هذه الخيرية مرتبطة بزمان ومكان معينين، ومشروطة بثلاث شروط أساسية: الأول: الأمر بالمعروف: وهو البحث عن المشترك الإنساني وما تعارف عليه الناس في مجتمع من الناس وفق تطورات العصر وتحدياته الفكرية والثقافية والاجتماعية. الثاني: النهي عن المنكر: وهو كل ما تستنكره النفوس من أشكال العصبيات والمشاعر السلبية والقيم الرجعية التي تقود المجتمع نحو مراتب متدنية في كل المجالات، الثالث: الإيمان بالله: وهو خلق حالة من الأمن والأمان للمسلم وغير المسلم في مجتمع مفتوح ومتنوع ومتعدد بتعدد مشارب أصحابه والقائمين عليه، لهذا جعل الله الفرق بين المسلم وغير المسلم هو الإجرام:” أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون “. فالمسلم هو حالة نفسية وسلوكية أكثر منه حالة عقدية كما يعتقد البعض، إذ أن الإسلام هو الحالة المناقضة للإجرام وسفك الدماء والظلم والعلو والاستعلاء على الناس باسم الله، أو باسم الخيرية المزعومة من القراءة التجزيئية للقرآن الكريم.

فخ الاستثناء واقع طبع تاريخ الإنسانية جمعاء منذ ظهورها الأول، ولعل المتحكم الأول فيه هو الاختلاف، فكل شخص يرى فيما يميزه عن غيره استثناء وجب على الآخر الخضوع له، في حين أن الاختلاف مدعاة أن ينظر الإنسان للآخر نظرة تكاملية يقضي فيها بأن التواصل جزء أصيل في الإنسان، وليس حكاية عابرة، ولا يمكن أن يكون التواصل فعالا ما لم نذب خلافاتنا وعصبياتنا ويقينياتنا، وننصهر كلنا في بوتقة الإنسان دون تمييز. هل نحن استثناء كما تصوره لنا أوهامنا؟ بكل تأكيد لا. هل نحن الأفضل والأخير؟ بكل تأكيد لا. وإذا كان هذا هو الجواب الواقعي على سؤال مستعص عن الإجابة فيمكن أن نتلمس أيضا من تجارب الغير ما يمكنه أن يحدد لنا معالم الطريق ولو بشكل موجز. ولنضرب على ذلك مثالا يشغل بال الكثيرين، خاصة أنه مرتبط بجانب الهوية، والخصوصية التي تميز الكائن البشري عن غيره من الموجودات الأخرى. إنه موضوع العرق أو الأعراق. لا شك أن كلنا يعرف ويعلم بأن الفكرة مهما كانت بسيطة وفي بعض الأحيان ساذجة قد تشعل حروبا، لأن عالم الأفكار هو عالم السيطرة والتوجيه والتحكم. لهذا كثيرا ما نسمع عن أن حروبا ومعارك نشبت بين دول أو داخل الدولة الواحدة بسبب العرق، وبدل أن يكون الاختلاف والتنوع غنى للبلد يصبح خطرا للتقسيم والتفتيت. لهذا يقرُّ معظم الباحثين حاليًّا بأن العرق فكرة، أو أفكار، تحاول تفسير الاختلاف البشري. ففي كتاب الأعراق البشرية[5] يتأكد لنا أننا لا نستطيع أن نُدرك أو نعرف وجود الأعراق البشرية من خلال وسائلَ موضوعيةٍ، ولكن نحن كائنات نخترع العرق والأعراق. إذ الأعراقُ البشرية بتنوعاتها واختلافاتها لم تنشأ ابتداء في الطبيعة، وإنما هي نِتاج معتقداتنا وتحيزاتنا وأفكارنا المنبثقة عن ممارساتٍ ثقافية واجتماعية.

إذن كيف بدأت فكرة العرق؟

للجواب عن هذا التساؤل نقترح النقاط التالية:

  • عندما وصل المُستعمرون الأوروبيون إلى شواطئ أمريكا الشمالية للمرة الأولى في أوائل القرن السادس عشر، كان الأمريكيون الأصليون يقطنون هذه الأراضي، وكان الإسبان والفرنسيون والإنجليز يتصارعون مع السكان الأصليين، فأقاموا المستعمرات في فلوريدا، والمنطقة الشمالية الشرقية المُتاخِمة لكندا، ومُستعمرة فرجينيا، والجنوب الغربي.
  • اعتبر الأوروبيون القبائلَ الأصلية المتنوِّعة هناك «أممًا» مُنفصلة، وليست «أعراقًا»، ولم يصف المُستعمِرون الإنجليز الأوائلُ السودَ بأوصاف فيها تمييز عرقي عندما وضعوا نظام عملٍ قائمًا على العبودية المرتبطة بعقودٍ طويلة الأجل، وهو نظامٌ شملَ كلًّا من الأوروبيين والأفارقة.
  • بحلول منتصف القرن السابع عشر تغير وضع الأفارقة بشكل كبير، حيث أحالَ زعماءُ المستعمراتِ الأفارقةَ إلى مرتبةٍ أدنى تمثَّلت في العبودية الدائمة. حيث كان العبيدُ الأفارقة يعملون جنبًا إلى جنب مع الأمريكيين الأصليين، إلا أن العبودية في النهاية كانت حِكرًا على السود.
  • وضع المستعمرون الإنجليز هَرَمية عِرقية من خلال اعتمادهم المُتزايد على العبودية وذلك بالاستيلاء على الأراضي الأمريكية من سكانها الأصليين. ولم تبدأ هذه العبودية كمشروع قائم على العرق، لكنها تحولت إلى ذلك.

حتى نفهم بشكل جيد الآلية التي تم تسويغ العبودية والتفوق العرقي المرتبط بما نحن بصدده وهو فخ الاستثناء، يلزم أن نضع مجموعة من الأسباب نصب أعيننا ونحن نقارب هذا الموضوع أشار إليها الكتاب والباحثين السابقين. إنَّ الأساسَ المنطقي الأول للعبودية العرقية لا يستحضر الاختلافات المتعلقة بالملامح الجسدية، وإنما يُعرِّف الأفارقة على أنهم ملحدون غير متحضِّرين. كان «الهمجيون» الأوائل الذين اختلقهم الإنجليزُ في أذهانهم هم «الأيرلنديون البدائيون». وقد كاد الإنجليزُ في العصر الإليزابيثي أن يصنفوا الأيرلنديين كعِرقٍ مختلف. كما تم اعتبارَ الأمريكيين الأصليين «همجيين» عندما قاوموا احتلال الإنجليز لأراضيهم واستيلائهم عليها. واخترع الإنجليزُ همجيين جُددًا عن طريق إحالة الأفارقة إلى العبودية الدائمة، ومنْع مالكي العبيد من إعتاق العبيد وتحريرهم، والحيلولة دون تعليمهم وتدريبهم. ومنذ القرن الثامن عشر أصبحت هناك مجموعة من التوصيفات عبارة عن صورً نمَطية للعِرق والاختلافات العرقية. حيث تم تجريد «الزنوج» من الصفات الإنسانية، وجعلهم دون البشر، والحَطّ من قَدرهم وإنزالهم إلى مرتبةٍ أقرب إلى القِرَدة. وغير ذلك مما يطول شرحه هنا مما ينتج عن وضعية يرى فيها الإنسان أن ثقافته هي الاستثناء، أو انتماءه العرقي أو الجغرافي أو الديني هو الأصلح والأخير.

إلى ماذا سننتهي بعد هذا العرض الذي نحاول أن نسقط فيه فكرة الاستثناء أو لنقل فخ الاستثناء، لأن كلمة فخ على الأقل توحي بأن الإنسان يستدرج إلى الفكرة، بدل أن يكون هو منتجها أو معتنقها بالبداهة؟

ببساطة الإنسان ملتصق باليقين في أبعاده المختلفة، وقليلة هي المرات التي يتخلص منه فيه. لأن اليقين حكاية التاريخ والجغرافيا، وليس لعبة يلتهي بها وقتما شاء وأنى شاء. هكذا هو العقل الإنساني حينما يلتصق باليقين وبالاستثناء يريد أن يبحث عن جواب، وخلاص، ومعنى. لكن خلال هذه الرحلة الموجعة والمثيرة يتعثر في الكثير من الأحيان، ولا يقوم إلا بشق الأنفس. لأن داخل لا وعيه على هذه الأرض، لا شيء يحدّ إمكاناته، ولا أفق يرسم سقف توقّعاته، ما عدا القلق الذي ربّما يبرر الغاية من التواجد الإنساني. كما أنه يعتمد على ما سمّاه روكيش بالصّرامة العقلية la rigidité mentale، وهي ليست سوى:” عدم قدرة الشّخص على تغيير جهازه الفكري أو العقلي عندما تتطلّب الشّروط الموضوعية ذلك، وعدم القدرة على إعادة ترتيب أو تركيب حقلٍ ما، تتواجد فيه عدة حلول لمشكلة واحدة، وذلك بهدف حلّ هذه المشكلة بفعالية أكبر “. ويزيد هاشم صالح[6] في توضيح ما قاله روكيش ويحدّد هذا النّظام الدوغمائي في ثلاث نقاط:

  • إنّه عبارة عن تشكيلة مغلقة قليلا أو كثيرا ومشكلة من العقائد واللاّعقائد الخاصة بالواقع.
  • إنّه متمحور حول لعبة مركزية من القناعات ذات الخصوصية الخاصّة والأهمية المطلقة.
  • إنه يولد شكلاً من أشكال التّسامح واللاّتسامح تجّاه الآخر.
  • اليقين وهاجس الخلاص:

مشكلة الإنسان أنه كائن خلاصي، يحب أن يصنع الخلاص لنفسه بشتى الطرق، حتى لو كانت أوهاما، لهذا خلال مسيرته الطويلة في الزمان والمكان خلق الثقافة وصنع الحضارة واعتنق الأديان، وكل ذلك في سبيل أن يكون له السبق في أن يرى نفسه ناجيا مما يرى بأنه سيلحق به العقاب الدنيوي أو الأخروي، وهنا أيضا يمكن أن نفهم ظهور وتبلور فكرة الفرقة الناجية والطائفة الناجية، وحتى الشعب الناجي في الإسلام وغيره من الديانات، ثقافة ساهمت فيها العديد من الروايات والأحاديث التي كانت تبحث عن الخلاص لأتباعها ومعتنقيها حد التخبط، لهذا جاءت متناقضة على جميع المستويات، وتتفق في الإقصاء والتهميش لكل ما سواها. فتقول في بعضها: ” افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة فواحدة في الجنة وسبعون في النار، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، إحدى وسبعون في النار وواحدة في الجنة، والذي نفس محمد بيده لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة ً فواحدة في الجنة، واثنتان وسبعون في النار “. وفي بعض الروايات: ستفترق هذه الأمة على اثنتين وسبعين فرقة وليس على ثلاث وسبعين. وبعضها الآخر فضل عدم الدخول في الجانب العددي تجنبا للمأزق حيث قال:” ستفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة، كلهم في النار إلا واحدة “. ففضل عدم التحديد بعد السبعين لتجنب الحرج والدخول في متاهات الأرقام المتباينة. هذا عن جانب التحديد العددي المتناقض، سواء بالنسبة إلى من سمتهم الرواية أهل الكتاب، أو اليهود والنصارى، أو بني إسرائيل، أما بالنسبة إلى افتراق هذه الأمة فالأمر أخذ أبعادا أخرى. فكانت الروايات تقدم الفرقة أو الملة بمدلولات مختلفة تكشف الدراسة عن الخلفيات السياسية لظهورها في ظروف ّ متأخرة عن العصر النبوي، كمفهوم الجماعة وغير ذلك:” قالوا: يا رسول ما تلك الفرقة؟ قال: فرقة الجماعة “. وفي بعض الروايات تفسر الجماعة، بقوله:” ستفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة، كلهم في النار إلا واحدة، وهي ما أنا عليه وأصحابي”. هذا الواقع عبر عنه الجبران ساخرا بقوله:” لا قْبح ولا سخرية أكثر من صلاة الفرقة الناجية. سبعون فرقة للنار، وواحدة ناجية. لكم جعلوا الله قاسيا. حتى القاضي الدنيء لا يقبل سبعين سجينا وبريئا واحدا، من يكسب عشيرة يخسر الله، فلا عشيرة لله، إنه مشاع كما الوجود، إذن كن بلا فرقة تكن ناجيا “[7].

هل نحن كائنات خلاصية بالفطرة؟ أم الأمر لا يعدو أن يكون أحد تجليات الإنسان الغريبة الأطوار؟، ليس هناك ما يشير إلى أن فطرة الإنسان تنزع نحو الخلاص، ولكن ربما محدودية هذا الكائن، وتحديدا محدودية قدراته الجسمانية والطبيعية على مواجهة الأخطار الطبيعية وفك ألغازها من تجعل العقل الإنساني يبحث عن إمكانات أخرى يخفي فيها عجزه ومحدوديته، ومع ذلك فهو في رحلة لا متناهية نحو الخلاص، جرب كل شيء وما زال يجرب بدءا من التجارب اللاهوتية إلى الميتافزيقا وصولا لعضر العلم، ومع ذلك ما زال مستمرا نحو الارتهان لهذا الخلاص. لكن ما يهمنا في المقام الأول هنا هو أن نثير فينا التساؤل أكثر من أن نبحث عن الأجوبة، لأن البحث عن الأجوبة النهائية في حد ذاته سقوط في فخ الخلاص، والحياة من طبيعتها تأبى الانصياع، وترفض التنازل لأي كان أن يفهم كل شيء، أو يمسك بكل شيء. وهنا نتفق مع الفيلسوف سلافوي جيجيك، الذي يقول بأننا نحتاج قبل أنْ نحلم بالتغيير، أن نحلم بالفهم. فأشدّ الأفكار خبثاً هي تلك التي تجعلك تحلم بتغيير العالم، في الوقت الذي تعجز فيه عن تغيير ذاتك، وكأننا نستحضر مقولة ديكارت التي صاغها صياغة رواقية، حيث أنّ السّعادة تكمن في:” تغيير رغباتنا أكثر من تغيير نظام العالم “. إنه الفهم أو محاولة الفهم كما يؤشر عليها جيجيك، إذ أنّ أول ما يمكن للمرء فعلُه، هو عدم الانجراف وراء إغراء التصرّف، وعدم التسرّع من أجل تغيير العالم (وبالتالي تجنّب إمكانية الاصطدام بالحائط.: ماذا بوسعنا فعله في مواجهة الرأسمالية العالمية؟). فالأجدر بنا أن نعمل على إزالة اللثام عن مختلف مظاهر الهيمنة في هذه الإيديولوجيا. في الحقيقة، لحظتنا التاريخية الحالية هي نفسها لحظة أدورنو : ” الذي أجاب على سؤال : ماذا بوسعنا فعله؟ ‘ سأجيب بكل صدق : ‘ لا أعرف شيئا’.” كل ما أستطيعه، هو العمل على تحليل الأشياء كما هي. سيعترض أحدهم بالقول، أن كل محاولة نقدية تستدعي اقتراحا إصلاحيا. ينبغي التذكير، بأن الأمر هنا، لا يعدو أن يكون حكما مسبقا بورجوازيا. كثيرا ما حدث عبر التاريخ، أن الأعمال التي سُطرت لها أهداف نظرية محضة، هي نفسها التي أحدثت تغييرا في العقليات، وبالتالي، في الواقع الاجتماعي.

كلام جيجيك هناك كلام يقرع رؤوس الخلاصيين بمطرقة النقد والتنبيه إلى أن الكثير من الأزمات لا تقاس بتلك البساطة التي يراد لنا أن نتعامل بها معها. فالسؤال ليس دوما هو بحث عن جواب، فهذه إحدى إمكاناته، ولكن السؤال الحقيقي أيضا هو ما يثير فينا الرغبة في الفهم والمعرفة والاستيعاب الكامل لما نحن بصدده. إنها عقلية، أو ذهنية ترى بأنّ الحقيقة جوهر ثابت، سابق على التّجربة، متعالٍ على الممارسة، يمكن القبض عليه عبر التصوّرات، والتّعبير عنه بواسطة الكلمات. ومن ثمة ترجمته في الحياة العملية، والممارسات التطبيقية. لكنّ هذا الاعتقاد كثيرا ما آل إلى إحباطات كبيرة: ” فالذين أملوا بالسّلام لم يحسنوا سوى صناعة الحرب، والذين فكّروا في زوال الدّولة لم يؤسّسوا مملكة للحرية، بل أنتجوا دولة كليانية سحقت الفرد، وابتلعت المجتمع المدني ومؤسّسات”  .

  • اليقين وأوهام النخبة:

لليقين امتدادات خطيرة على المدى البعيد، لأنه يخلق أزمة، والأزمة تخلق مثقفها، والمثقف يتواصل مع أزمته بالإمكانيات المتاحة لديه إن كان على الأقل يدرك إكراهات الواقع، وتحديات الفكر، وصعوبة اختراق العقل الجمعي، وتحريك الساكن من الفكر والأصنام الذهنية. أما إذا كان من الفئة الثانية وهي الأكثر فسيكون يقينيا أكثر من غيره، وسيخلق أزمة مركبة ومعقدة بدل أن تستجلي الحل تزيد من تعقيداته. هذا الأمر أشار إليه طرابيشي[8] واستفاض فيه فيما سماه بأوهام النحبة، ففي الكثير من الأحيان تبحث النخبة على حلول لقضايا مطروحة للنقاش الاجتماعي، ولكن ببعد اصطفائي استعلائي سواء وعت بذلك أم لم تع، وهو ما سماه طرابيشي بالأوهام، أي أن المنطلقات الفكرية التي تستند إليها النخبة الفكرية أو الثقافية أو حتى الدينية في الكثير من الأحيان لا أساس منطقي لها، بل هي مجموعة مغالطات تنطلق من واقع ميؤوس منه، وتنتهي إليه ما دام الوهم هو المحرك الوحيد والأوحد؟

فما هي الأوهام اليقينية للنخبة؟

وهم النخبة: والمقصود به أن المثقف أو النخبة عموما تتحرك من دوائر تعتبر نفسها فيها هي أفضل من الآخرين، من خلال محاولة فرض الوصاية على النّاس، وقيادة الجماهير. هل كان هذا هو الواقع الذي تعبر عنه هذه الفئة؟ بكل تأكيد نعم. ولكن بالرغم من هذه الغطاء النخبوي فإن الإخفاقات المتوالية لهذه الفئة تعبّر دوما عن جروح نرجسية، يعاني منها كلّ من حاول الانتماء إليها، حيث “طالبوا بالوحدة فإذا بالواقع ينتج مزيدا من الفرقة، وناضلوا من أجل الحرية، فإذا بالحريات تتراجع، وآمنوا بالعلمنة، فإذا بالحركات الأصولية تكتسح ساحة الفكر والعمل”.

لا مناص بأنّ هذا الواقع لا يمكن أن ينتج إلا عقلية تعاني من جروح نرجسية لا يكفيها أن تخفي عيوبها بالتستّر، وهو واقع ساهم فيه بشكل كبير المثقّف نفسه من خلال نظرته إلى ذاته، ولو أنّه دوما كان يتحجّج بواقعه، وبنظرية المؤامرات التي صنعها وصدّقها إلى حدّ التماهي معها. إنّ نرجسية المثقّف هي في تعامله مع نفسه من أفقٍ اصطفائي نخبوي، فهو القائد، والرّسول، والمبشّر، والحارس للأفكار، والموجّه، والمرشد. وكان ثمن هذه العقلية، وهذا النّمط في التفكير عزلته عن النّاس، والوقوع أسيراً لأفكاره، ومخططاته، ومشاريعه. فتحوّلت كل أفكاره إلى أضدادها. من هنا كان لزاما على المثقف أنْ يعيد قراءة ذاتهـ ويقرّ باليقين أن مشكلته في أفكاره، وأن مأزقه في نخبويته وعزلته؛ إذ إن مسؤولية التّغيير لا تقف على فرد مع أهمية ذلك، ولكنّ التغيير عملٌ جماعي، وكلّ واقع هو إفراز طبيعي لمن يعيشونه، ويفكرون به وفيه.

وهم الحرية: مفاد هذا الوهم أن المثقف النخبوي يرى نفسه أو يتوهم نفسه بالأحرى أنه  يمكنه تحرير المجتمعات والشّعوب من القهر والعبودية والظلم. وقد شكّل هذا الوهم عائقا أمام المثقّف على الاضطلاع بمهمّته الأولى، وهي الإنتاج الفكري، ومعرفة الإنسان، ومتطلباته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. ولا يمكن أنْ يكون المثقّف منتِجاً في مجاله الطّبيعي إلا بافتتاح منطقة للتّفكير، واجتراح طريقة لها، تتيح إدارة الأفكار على نحوٍ يجعلها أكثر واقعية وفاعلية. ولعلّ المدخل الأساسي لهذه العملية، هو النّقد بوصفه الوسيلة المثلى لتصويب الفكر، وطرح البدائل الممكنة، وتفكيك الأنساق بغية تجاوزها، أو الحفاظ على مناطق الاستنارة فيها.

ومن هذا المنطلق، يجد المثقّف نفسه ملزَماً بطرح التّساؤلات النّقدية حول ما يفهمه عن مفهوم الحرية: “لماذا يزداد انتهاك الحرية في عصر التحرّر وعلى يد دعاة التحرّر أنفسهم؟ أو لماذا تتراجع الحريات الديمقراطية على أرضها بالذات؟ هكذا تكون النتيجة لمن لا يسأل ولا ينتقد، ولا يقرأ ذاته بعيدا عن أناه، إذ من لا ينتج معرفة بالمجتمع، لا يستطيع المساهمة في تغييره، ومن لا يبدع فكراً هو أعجز عن أن يؤثر في مجرى الأحداث وتطوّر الأفكار. وهذا هو مأزق المثقف، وتلك هي إشكالية أزماته.

وهم الهوية: وتعني أنّ المرء يعتقد بأنّ بإمكانه أنْ يبقى هو هو، بالتطابق مع أصوله، والالتصاق بذاكرته، أو المحافظة على تراثه. وهذا هو مكمن الأزمة في فكر المثقف، فهو أيضا يعتقد بأنّ الهوية شيء ثابت، لذلك نصّب نفسه حارساً للأفكار، ناطقا باسم ما يحمله من هوية، جامدا في مكانه، بعيدا عن الانخراط في التحوّلات المتسارعة التي يعيشها العالم المعاصر. وبدل أنْ يشتغل بإنتاج الأفكار، والعمل على تطويرها، لأنّها مهمته الأساسية، آثر التقوقع على الذّات، والحفاظ على الهوية، والانتماء إلى عوالم العقيدة والقبيلة والتراث، بدل عالم الفكر.

وهم المطابقة: مفاد هذا الوهم أنّ الحقيقة جوهر ثابت، سابق على التجربة، متعالٍ على الممارسة، يمكن القبض عليه عبر التصوّرات، والتّعبير عنه بواسطة الكلمات. ومن ثمة ترجمته في الحياة العملية، والممارسات التطبيقية. لكنّ هذا الاعتقاد كثيرا ما آل إلى إحباطات كبيرة: “فالذين أملوا بالسّلام لم يحسنوا سوى صناعة الحرب، والذين فكّروا في زوال الدّولة لم يؤسسوا مملكة للحرية، بل انتجوا دولة كلانية سحقت الفرد، وابتلعت المجتمع المدني ومؤسّساته…

وكذلك الأمر في علاقتنا مع الدّيمقراطية، وفشل تجربتها بمجتمعاتنا، فالكثيرون ظنّوا بأنها مجرّد فكرة يتمّ اقتباسها، وإنّما هي عمل شاق ومتواصل يقوم به المجتمع على نفسه، وهو ما يحيلنا إلى ما سمّاه جورج طرابيشي بإشكالية المفتاح والتّاج، حيث يبتدئ طرابيشي مقاربته لهذه الإشكالية، بسؤال يحمل هذه الطّبيعة: هل الدّيمقراطية هي المفتاح السّحري الذي نفتح به جميع الأبواب المقفلة، أمْ أنّ الديمقراطية هي على العكس من ذلك، التّاج الذي يتوِّج التطوّر العضوي للمجتمع المعني، وينهض مقياساً على مستوى تطوّره؟.  وما أراده الكاتب من خلال هذه الإشكالية هو ضرْبُ الإيديولوجية الخلاصية، التي تعتمل في المخيِّلة الجمعية للإنسان العربي. فالدّيمقراطية هي مسارٌ اجتماعي، وتتويج لحركة اجتماعية، وليستْ مفتاحاً سحرياً، ينقُل المجتمع من طور التخلف، إلى طور التقدّم. ولنا في النّماذج الأمريكية والفرنسية خيرُ مثال على ذلك.

وهم الحداثة: ويعني به علي حرب تمسّك الحداثي بحداثته كتمسّك اللاّهوتي بأقانيمه، أو المتكلّم بأصوله، أو المقلّد بنماذجه، وهكذا فنحن بإزّاء سلوك فكري يتجلّى في تقديس الأشخاص، وعبادة النّماذج، والتعلّق الماورائي بالأسماء. وهكذا فالكلّ يفكر بطريقة نموذجية في أبعادها ومآلاتها، مهما تعدّدت النّماذج. فالحداثة لا تصنع بالتّقليد، شأنها شأن الديمقراطية كما أشرنا سالفا، لكنّ الحداثة مسار شاق وطويل يصنع بالخلق والإبداع، والخروج من ضيق القوالب الفكرية. إنها طفرة في الوعي والإدراك والفكر.

 

 

[1] – الجبران، عبد الرزاق. جمهورية الله سماء وجودية.

[2] – الحلاق، جمال علي. بوح السرد. تمارين في الإصغاء. بغداد، منشورات نابو.ط1، 2018. ص:42.

[3] – كايواه، روجيه, الإنسان والمقدس. ترجمة سميرة ريشا. المنظمة العربية للترجمة. ط1، 2010. ص: 37.

 

[4] -كايواه، روجيه. المرجع السابق

[5]آلان إتش جودمان ويولاندا تي موزِس وجوزيف إل جونز. الأعراق البشرية هل نحن حقا على هذا القدر من الاختلاف؟ مؤسسة هنداوي، ط1، 2019.

[6]– أركون، محمد. الفكر الإسلامي: قراءة علمية. ترجمة هاشم صالح.بيروت: مركز الإنماء القومي، 1996، ط2. ص: 5.

[7] –  الجبران، عبد الرزاق. جمهورية الله سماء وجودية.

[8] – طرابيشي، جورج.(2006). هرطقات عن الدّيمقراطية والعلمانية والحداثة والممانعة العربية. دار الساقي، ورابطة العقلانيين العرب. ص:108

 

    اقرأ ايضا

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete