النصُّ القُرآن وراهن الدَّرس الأَدَبيّ عند محمـد أحمد خلف الله

”القرآن وحده سبب الهداية والعمدة في الدعاية، أما ما تراكم عليه وتجمع حوله من آراء الرجال واستنباطهم ونظرياتهم فينبغي ألاّ نعول عليه.”

جمال الدين الأفغاني، خاطرات الشيخ الإمام

“اجعل ذهنك مصفاة لهذه الأساليب المعقدة، وهذه الأقوال المختلفة، وهذه الآراء المضطربة، يسقط الساقط ويبقى الصحيح وتستريح”

ابن باديس، آثار ابن باديس

“إن المصدر الرئيس للوحي الذي نزّل على النبي حرفيًّا، بحسب إيمان المسلمين البسيط وبحسب اعتقاد القرون الوسطى وبعض المعاصرين، هو بدون شك ما تحمله كتابات اليهود. وتعاليم محمـد في جلِّها تنطوي في أقدم السور على ما يشير بلا لبس إلى مصدرها. لهذا، لا لزوم للتحليل لنكتشف أن أكثر قصص الأنبياء في القرآن، لا بل الكثير من التعاليم والفروض، هي ذات أصل يهودي.”

تيودور نولدكه، تاريخ القرآن

تُؤرّخُ رسالة محمـد أحمد خلف الله المسمّاة: “الفن القصصي في القرآن الكريم([1]) للحظةٍ معرفية، تجلّتْ معالمها في أواسط القرن العشرين. مَدَارُ فكرها حول سؤال التجديد، حيث صار من الممكن وضعُ المدوّنة التفسيرية الكلاسيكية موضعَ نقدٍ، والأخذ بما وصلت إليه المعرفة الإنسانية. بدأت، هذه اللّحظة النقدية للموروث التفسيري، مع تيار المنار، بدءاً، بتفسير الإمام محمـد عبده. وقد اجتهد أصحاب هذا التيار في عرض المدوّنة التفسيرية على النّقد، وبيان حدودِ تجربة المفسِّر في علاقته بالنصّ. وأفادَ هذا التصّور المحمول على التوجّه السلفي([2]) ميادان التفكير في النصّ القرآني، إلا أن نِصابَ هذا الضّرب من التفكير بلغَت شأواً عظيماً مع المدرسة الحديثة، من أصحاب سؤال التجديد، وفيهم أمين الخولي وتلميذُهُ محمـد أحمد خلف الله.

أسّسَ أمين الخولي(*) المدرسة الحديثة، حين توسّل مستجدات درس الأدب في تناول قضايا القرآن. وقد تلقّى، منذ تخرّجه سنة 1920م من مدرسة القضاء الشرعي، دراسةَ عصريّة، ثم إلى تعيينه إماماً للبعثة المصرية سنة 1923م، بروما ثم ببرلين، وتعلّمَ، أيضاً، اللغتين الإيطالية والألمانية، واطّلع على ما وصلت إليه الدراسات الاستشراقية في ميادين المعرفة الإسلامية. وهو الذي أشرف على رسالة محمـد أحمد خلف الله، وجاء في التقديم([3]) الذي خصّ به الطّبعة الثالثة للرسالة: ”أستطيع أن أقول إنّ رسالة الفن القصصي قد أدّت تلك الضريبة في سنتي 1946- 1948 وتقاضتها منها عامّية فاسدة الفطرة في ظن من ظن لهم خطأ وخداعاً أنهم أصحاب وعي.” ولا يسلم الجديد، في كلّ فنِّ، من أن يؤخذ كل مأخذ، وينكّل بأصحابه. وليست هذه الرسالة استثناءً في المجتمع العربي والإسلامي عامّة، وداخل المجتمع المصري خاصّةً. وما يشي به كلام أمين الخولي، في هذا السياق، يفصحُ عن أشكال المعارضة التي لقيتها الأطروحة التي قدّمها محمـد أحمد خلف الله التي تخرجُ، في مجمل مضامينها، عمّا عهدته المدوّنة التفسيرية، لا سيما في تناولها لمسألة القصص القرآني.

كُتِبَ لرسالة ”الفن القصصي” في حياة مؤلفها مسارٌ آخر، على الرّغم من أنّها رُفِضَت بِحُسبانها رسالةً لنيل درجة الدكتوراه؛ إلّا أنّها قد تحوّلت من الرفض المطلق في الأوساط العامية، والعلمية، إلى القبول، بل وإلى إشاعة فضلها، والأخذ بتدريسها في الأوساط الأكاديمية والجامعية. ويشير خليل عبد الكريم إلى هذا الأمر، في معرض تقديمه للطبعة الرابعة فيقول([4]): ”بيد أن ذلك لم يمنع من ذيوع الرسالة وانتشارها، فقد طبعت في حياة مؤلفها ثلاث مرات، وهذه هي الطبعة الرابعة التي تقدمها دار سيناء المصرية ومؤسسة الانتشار العربي البيروتية اللبنانية إلى القارئ، وهما تستهدفان، على الأخصّ، الجيل الجديد أو حتّى المتوسط الذي لم يسعده الحظ فيشهد تلك الملحمة المجيدة التي خاضها خلف الله بشجاعة نادرة وجرأة عديمة الضريب، وصبراً واحتساباً يعزُّ نظيرهما ويقرأ الرسالة التي لم تنشر منذ عدة عقود من الأعوام”، واصفاً ما كابده خلف الله؛ عرض خليل عبد الكريم، في شكلٍ تحليليّ دقيقٍ ما جاءت به رسالة الفنّ القصصيّ، وأيضاً، اعترافاً بفضل خلف الله على ميدان الدراسات الأدبية والفنّية للقرآن.

تَعْرضُ أطروحةُ خلف الله لموضوع الفن القصصي بعيداً عن التّناول الكلاسيكي، الذي كان يرى فيه تاريخاً. ويرى في مضامينه وقائعاً اجتهد المفسرون في تحديد زمنها وزمن وقوعها. والراجح عنده أن القصص القرآني ما كان كذلك وما ينبغي له أن يكون. لقد آثر خلف الله أن يُفكّر في موضوعات القرآن، وفق تصوّر المدرسة التجديدية محاولاً الخروج من شرنقة التفكير الدفاعي والإقناعي، المستوحى من النصّ، نَحْو تلَمّس مظاهر قوته البيانيّة والمجازية. لقد أصبح الانهمام بالنصّ القرآني يدخل ضمن الاهتمام العملي والمنهجي للمفكر، لا ضمن الأدبيات التي رسختها التوجهات الكلامية.

وقد تلمّس خلف الله منهجاً، يعالج من خلاله القصص القرآني بالوقوف عند دقائقه وتفاصيله. بالإضافة إلى العوامل التي تدخلت في تشكيل قضاياه وموضوعاته. ولأجل تلك الغاية، قسّم خطواته إلى خمسٍ: الخطوة الأولى؛ جمعُ النّصوصُ، وما وَجَدَ فِي هَذَا الأمر كبير عَنَاءٍ؛ فهذا القصص القرآني، في مظَانّهِ، محمولٌ بين دفتي القرآن؛ والخطوة الثانية؛ ترتيبُ النّصوص، ولم يجد في هذا الأمر، أيضاً، عناءً يذكرُ؛ لأنه اعتمد على المصحف الملكي، في الوقوف على الترتيب التاريخي للقصص القرآني، وتطوره الداخلي، والخارجي([5])؛ والخطوة الثالثة؛ فهم النّصوص؛ وهذا الأمر على ضربين، فهم حرفيٌّ، يقف معه عند دلالات العبارات والصيغ القصصية، ويقارن التفاسير الكلاسيكية ويرجح بعضها على بعض، وفهم أدبي، يسعى إلى التماس ما هو عاطفيٌ وفنيٌّ في القصص القرآني؛ والخطوة الرابعة؛ تجلّت في تقسيم البحث وتبويبه. ويرجه هذا الأمر، في أصله، إلى العلاقات بين النّصوص، وصياغاتها، وموضوعاتها؛ والخطوة الخامسة؛ ما أتى به هذا البحث من جدة معرفية، وأصالة منهجية، قلّ نظيرها، حتّى شذّ عنه من شذّ، وردّه من ردَّ.

والحال أن أمر هذه الرسالة قد استحال من العدم إلى الوجود، وفرضت نفسها بقوة المعرفة وسلطان المنهج. رغم ما حاق بها وبصاحبها من تنكيل وسوء تقدير، فإن ما قد يتبادر إلى الذهن من أسئلة قد يستشكل علينا أمرها من قبيل: ما الإضافة النوعية التي عززت بها أطروحة خلف الله دائرة التفكير في القصص القرآني؟ وأي مكانة لعبتها في فكر محمـد أحمد خلف الله؟

أولاً: القُرْآنُ والأدَب

لَمْ تَكُن أَرْضُ العرب قاحلة قبل مجيءِ الإسلام، ولا كانت العَرَبُ مفتقرة إلى الأدَب وإلى محاسن الكلم وفنون القول. وإلا أنّى للمرء أن يفسّر القيمة الأدبية للمعلّقات، أو أنْ يُفسّر ما جاءت به الأخبار عن أيام العرب قبل الإسلام؛ فلا تقوم للأدب قائمة من غير انتباهٍ إلى هذا الزخم الذي تركه هؤلاء. وحدّ الأدب ما جاء به ابن خلدون([6]): “الأَدَبُ هُو حِفْظُ أَشْعَارِ العَربِ وَأَخْبَارِهَا وَالأَخْذُ مِنْ كُلّ عِلْمٍ بِطَرَفٍ”؛ فهذا الأمرُ معلوم وليس منكراً، فلا سبيل إلى بناء صورةٍ متكاملة عن الإسلام، وعن الرسالة، كما تلخصت معالمها في الوحي، من دون وصله بكلّ هذه القيمة الفنية والأدبية، التي هيّأت السياق للقول القرآني، ومكنت النبي من أن يضارعَ به ما لدى قومه، بل وأن يفوقهم؛ فلكل خطابٍ سياقه. والخطاب القرآني حوارٌ مفتوح مع هذا السياق. لقد نزل القرآن بلغة العرب، وبشكل خاصّ على لهجة القرشيين، الذين فرضوا أنفسهم كقوّة سياسية واقتصادية قبل الإسلام، وآل إليهم الأمر والحكم بعده([7]).

اتّصَل النّصُّ المؤسّسُ بسياقه؛ فجاء ناطقاً بلسان حال من يخاطِبُهم وما دَرَجَتْ عليه ألسنتهم، وما ألفَتْهُ أفهامهم. والحال أن القرآن إذ اتصل بكلام العرب؛ فما يلاحظُ عند اللغويين، من بَعْدُ، حين استشهادهم بالقرآن والشعر، في آن معاً، لهو دَلِيلٌ عَلَى وجودِ تماهٍ فنّي بينهما؛ وهو الأمر الذي لَمْ يُنْكِرْهُ المتقدّمون؛ فصار الشعر والقرآن معاً مصدرين للبلاغة، والفصاحة، والبيان. وإذا كان الشعر من الفنون الأدبية الّتي اتّصلت، رأساً، بالقرآن، وما تحرّج من ذلك المتقدّمون ولا تأفّفوا من هذا الأمر، فحريٌّ بنا أن نقارع الحجة بالحجّة فيما وصل إليه الأدب، اليوم، من تقدّم، فنصير به إلى دراسة القرآن أحوج لفتح جديدٍ أمام الدراسة والتفكير.

دفعت محمـد أحمد خلف الله أسباب جمّة إلى كتابة رسالته. ولم يكن إقدامه على التفكير في القصص القرآني بِخَارجٍ عنها، بل هو غاية المرام ومنتهى الإقدام، إنّما يرجع الفضل في هذا الالتفات، بالدّرجة الأولى، إلى تكوينه الأدبي، وكذا إلى حرصه على تتبع التطورات المنهجية في دراسة الأدب، والإلمام بأساليب النقد ومدارسه، وخصوصاً ما تعلقّ منه بفن القصّة؛ فلم تخلُ هذه الرسالة من إشارات، ومقارنات، بين أسلوب القصّة في القرآن وبين معانيها ضمن مجال الأدب. وسعى سعياً حثيثاً ليُخْرِجَ القصص القرآني من دوائر التأويل المغرض، الذي كانت تعتمده مذاهب علم الكلام موجّهةً من خلاله الفهم، بما يتماشى مع مآربها ومصالحها؛ فكان تسلّحه بأدوات الدرس الأدبي ومناهجه بمثابة العُدّة التي بها يحفر في طبقات الفهم المترسبة حول القصص القرآني.

  • القرآن، المَجَاز، التّاريخ

قراءة النصّ القرآني أدبياً، كانت تلك غاية ما سعى إليه خلف الله. وقد استقرّ هذا الأمر في نفسه حين رأى التأويلات تضخّمت كثيراً، وكل حزب يقيّدُ النصّ بما يطيقه. وما لا يكادُ يطيقه. قادت هذه التضاربات حول المعنى خلف الله إلى التفكير في المسألة؛ فما حصل هذا التعارض، في اعتقاده، إلا ”لأن قصد القرآن من استعمال الألفاظ لم يُفهم تماماً. وقامت لأنه استقر في ذهن المؤمنين بها أن المطلوب من وراء الألفاظ ليس شيئاً غير المعاني. وقامت لأن هذه الفرَق قد حددت المعنى حيثما استقر في ذهن أصحابها من وراثة أو تلقين”([8]). متى تمّ التعويل على الفهم الظاهر من النصّ؛ إما بالوقوف عند حروفه وألفاظه، أو حتى بتقييد مجازه وبيانه؛ كان ذلك سبباً في الخروج بتفسيرات للنصّ تبْعِدُ المُسْلِمَ عن مقصد النصّ إبعاداً. كان خلف الله موجهاً بغاية ليستْ خفيّةً في مؤلّفاته التي تلتْ رسالته في القصص القرآني؛ حيث رامَ تحريرَ النصّ القرآني من أيّ سلطة تأويلية ترسُمُ لهُ حُدوداً ضيّقة، بل وَتَتَأوّلُه بغاية أن يتماشى مع الرّؤية الأفقية التي سطّرتها، وقيّدت بها معاني الألفاظ، وكي لا تضارعها قراءة أخرى أو تنافسها في ما أوجدته. وإذا كان القرآن الكريم هو أصل الدين وأساسه([9])، فلذلك ليس غريباً أن يقع حول تأويله كلّ هذا التنافس والصّراع، وأن يُسلك في تفسيره كل مسلكٍ.

مأخوذاً بالمرافعة عن النصّ القرآني، يذهبُ خلف الله إلى الردّ على المستشرقين، الذين طعنوا في دقّة التاريخ القرآني، من جهة طعنهم في ما اجتهد فيه المفسّرون من شرحهم لقصص القرآن وحملها على التاريخ. كما لو كانت وقائع يتحرّون زمنها، ومكان حدوثها؛ فأخطأوا في كثيرٍ مما رَامُوهُ وَمَا أَصَابُوا. وههنا يقف خلف الله وقفةَ مُتَفَكّرِ في ما صارت إليه هذه التفسيرات، وما جرّته على نفسها، من جهة، وما جرّته على النصّ، من جهة أخرى، من أوجه الطّعن، بل والحال أنّ كل تفكير في القصص القرآني إنما ينبغي أن يحمل نفسه على الرؤية البيانية والمجازية، كي يتحرّر من الوثوقية. وفي هذا الأمر بالذات يخالف اجتهاد المفسّرين. أمّا فيما عداه، وما أصابوا فيه حظّاً من الفهم والنباهة، فيقرّ لهم بذلك ولا يهضمهم جميل فضلهم. وعنده فإن الانشغال بالتاريخ قد ضيَّعَ معاني القصص وفوائده المرجوة ([10])، فكيف يمكن أن يُتَوَسّلَ دَرْسُ الأدب في فهم القَصَصِ القرآني؟

حمْلُ القرآن على المعاني الأدبية يُحرّره من كلّ الخلفيات الدفاعية، والإيمانية، المُغْرضة والموروثة عن علم الكلام. ويحرّرُه، أيضاً، من كلّ تلكَ التّصَوّرَاتِ الوُثوقية التي تَحْرصُ المعنى وتقيم عليه، وتسدُنُهُ، واقفةً في وجه كلّ فهم جديد للنصّ القرآني. وإن كَانَ القرآن يَحْملُ في ثناياه حكياً تاريخيّاً، إلاّ أنّهُ، مع ذلك، ليس بكتابٍ في التّاريخ كما ظنَّ المفسّرون، وتبعهم في ذلك المستشرقون. ووفق هذه المقدمة، يقف خلف الله على الحُدُودِ الفاصلة بين التّاريخ والأدب (=أي بين عمل المؤرّخ وعمل الأديب)؛ فالأديب والقاصّ قد تتّسعُ حريّتهُ في قِصّتِه ”(…) حتى لتشبه أن تكون أسطورة أو ضرباً من ضروب الخيال، وقد تضيقُ حتى لتشبه القصّة أن تكون كتاباً من كتب التاريخ، والأمر بعدُ متوقِّفٌ على قصد الأديب، فإن كان تعليم التاريخ بواسطة القصّة، ضاقت هذه الحدود، لكن لا إلى الحد الذي تفسد فيه الحقائق التاريخية على القارئ استمتاعه بالفن. أما إن كان القصد من القصة التاريخية الاعتماد على ذلك الميل النفسي، ميل المحبة لكل ما هو قديم لأنه يكسب القصة روعة وجلالاً، ويضفي عليها شيئاً من السحر، ويكسبها تلك القوة التي تجعلها قريبة من الواقع، وتجعل القارئ أو السامع يصدق بسهولة كل ما جاء فيها، فإن هذه الحرية تتسع، لكن لا إلى الحد الذي يتعارض فيه الواقع التاريخي مع قضايا الفن ومسائله وإلا أفسد هذا التباين على القاصّ غرضه”([11]).

يتضح من خلال ما ذهب إليه خلف الله أن التاريخ والأدب بينهما حدودٌ فاصلة، ويمكن أن نفهم ذلك من وجهين؛ الوجهُ الأول أنّ الواقعة التاريخية، بما هي حقيقة متّفقٌ حولها، لا يساورها شكٌّ؛ فهذا الأمر قدْ يُصادفُ أن تكون الأحداث التاريخية، والوقائع مرويّةً من طرق شتّى، لكن بما لا يسمح بتغيير مرتكزاتها التي قامت عليها؛ والوجه الثاني أن القصة تَحملُ ذَاتِيّة القاصّ. فهو حرٌّ في التّصرف في الأحداث والشخوص، والحدّ الفاصل في معرفة عجائبية القصة من واقعيّتها، يرجع إلى حرية الأديب التي كلّما اتسعت كلّما ضيقت الواقعية ونَحَت إلى العجائبية.

هل المجاز كفيل بحملنا على فهم حقيقة القصص القرآني، وإخراجنا من التضييق الذي فرضه التأويل الحروفي؟ لطالما سعت جهود المفسّرين إلى إبراز ما في القرآن من جِدّة، حتى انطلقوا في ذلك الأمر يتوسلونه بكلّ المعارف، ويتشرّبون على إثره من كلّ معين يسعفهم في أمرهم ذاك. فكان النصّ التدشينيّ المؤسس المَوْئِلَ الحاضن لكل العلوم التي أنتجت حوله([12])؛ بيانيّة كانت أم عرفانيّة. لكن في مجمل ما تقدّموا به، لم يخرجوا عن سياق التفكير في النصّ القرآني من منطلق الإيمان المطلق بفرضيات أولية، مَتَحَتْ من ظاهر النصّ. كاستنتاجهم أن قصص القرآن إنما هو شهادات ووثائق تاريخية؛ فاستجلبوا الإسرائيليات، واستلطفوا مضامينها. والحال أن التفسير الحروفي للنصّ حين أغلق معانيه، بكل تلك الوسائل، إنما حمل كل القراءات الممكنة على القراءة الأحادية.

ولمّا كانت الألفاظ الواردة في القصص إنَّمَا هي مِنْ جِهَة التمثيل، وتُحْمَلُ عَلى مَقْصِدِهَا لَا عَلَى حَرْفِيّتها؛ فهذا عينه هو المجاز، وحدّهُ “اللفظ المستعمل في غير ما وضع له؛ لعلاقة مع قرينة مانعة من إرادة المعنى السابق، كالدرر المستعملة في الكلمات الفصيحة في قولك: فلان يتكلّم بالدرر، فإنها مستعملة في غير ما وضعت له؛ إذ قد وضعت في الأصل لللآلئ الحقيقية، ثم نقلت إلى الكلمات الفصيحة، لعلاقة المشابهة بينهما، في الحسن، والذي يمنع من إرادة المعنى الحقيقي قرينة يتكلم”([13]). وما يسمحُ به المجازُ في تناول القصص القرآني يحملُنا على أمرين: الأمر الأول أنّه يحرّرُ القراءة من التقيّد بالمعنى الحرفيّ الظاهر للنصّ، وذلك بإخراجه من أفق الثبات، نحو ظاهر آخر يحصُل عنه بالضرورة؛ فتصير الألفاظ موجهة نحو دلالات مجازية نتحرّى فيها القصد والمغزى بدل الجهة والحُجّة؛ والأمر الثاني أنّ الألفاظ والكلمات لها تاريخ، وتنتمي إلى سياق ثقافي؛ فهي تزدهر، تارة، حتى تتسع دائرة تداولها ويتكثّف معناها، وتضيقُ تارةً أخرى حتى ألّا تكاد تتعدّى ما لُفظتَ لأجله. وما يُلحظُ في هذا السياق أن أثَرَ الثقافة في التّفسير لا يمْكنُ إهماله. وهذا ما اطلع عليه خلف الله في لزومه للعلاقة بين مفاهيم القرآن، والأدب، والمجتمع، والثقافة، والتّاريخ.

وقد أشار خلف الله في محطّاتٍ كثيرةٍ إلى ما جناه العقل الإسلامي من حسنات ومن مساوئ على نفسه. ومنها ربط القصة بالواقعة؛ حيث ”أحصى العقل الإسلامي كل هذه الأشياء فتبيّن له أن ما يقدّمه المذهب التاريخي في فهم القصص القرآني من خير أقلّ بكثير مما يقدّمه من شرّ ونكر وبلاء. وعند ذلك أعاد العقل الإسلامي التفكير في هذا المذهب نفسه وفي الأسباب التي تدعوه إلى التّمسّك به والتشبُّث بأهدابه”([14]).

تتقاطع القراءة الحرفية للنصّ مع النزعة التاريخية. يمكنُ أن نرصدَ هذا الأمر في ثلاث مسائل وجبت الإشارة إليها؛ المسألة الأولى في حمل القصة على الواقعة والحدث، والسعي إلى إثباتها بما يتلاءم مع الحقيقة الواقعية؛ والمسألة الثانية في إنكار العاطفة المقصودة من القصص القرآني، التي هي غاية خطاب القرآن؛ والمسألة الثالثة في تقليص دور المجاز والتأويل المراد من تبدل أحوال الشخصيات في قصص القرآن. لقد أدّى السعيُ الحثيث في فهم قصص القرآن، من طريق التأمل الأدبي، إلى تطوير هذه الاعتبارات التي قدّمتها المدوّنة التفسيرية، وذلك من خلال رسم الحدود الفاصلة بين ما للأدب وما للتاريخ؛ إذ “النزعة التاريخية التي سيطرت على عقلية الدارسين للقصة القرآنية جعلتهم يضلّون السبيل إلى الوحدة القصصية للقصّة القرآنية. ذلك لأنها جعلتهم لا يستطيعون التفرقة في سهولة ويسر وفي دقة وإحكام بين صنيع المؤرّخين وصنيع الأدباء في رسم صور الشخصيات؛ فهم لم يستطيعوا مثلاً أن يتبيّنوا أنه إن كان من واجب المؤرّخ أن يرسم الصورة كما كانت عليه الشخصية في الحياة، فإن من حق الأديب أن يختار من الملامح وأن يبرز القسمات وأن يعرض من جوانب الشخصية ما يمكّنه من الوصول إلى تلك الأهداف التي قصد إليها من قص القصص”([15]).

وقصارى القول، إن القصص القرآني حين يؤخذ على المعاني الظاهرة فيه، فإن المفسّر قد يُسلّم بما حملته حقيقة الألفاظ، من دون استكناهها وسبر ما يوجد وراء حجب الألفاظ من مقاصد وغايات. وتفيدنا في هذا السياق مخرجات الدرس الأدبي، ويحّررنا المجاز من سلطة النصّ وحرفيته، ويوسع نطاق تناول المعرفة الإنسانية بمجال النصّ المقدّس، ويسهم كذلك في تصحيح الرؤية التقليدية التي حاولت التوفيق بين ما في القصص وما في التاريخ، متجاوزة خصوصية القصة التي تجعلها متفردة بفنها، عن الواقعة التاريخية.

  • القرآن وَالفنّ القَصَصِي

لَقَدْ عرف التفكير في القصص القرآني تطوراً كبيراً. يقف عنده خلف الله حين يتحدث عن القصة ومعناها؛ ففي اللسان، لا تشذّ القصة عن أن تكون إما حكياً وسرداً لما هو معروفٌ، وإما أنها تؤخذ بمعنى التقصي؛ فيكون القصّ “…اتباع الأثر، ويقال خرج فلان قصصاً في أثر فلان وقصاً وذلك إذا اقتص أثره، وقيل القاص يقصّ القصص لاتباعه خبراً بعد خبرٍ وسوقه الكلام سوقاً”([16]). ولا ينكر خلف الله أن المفسّرين، في هذا الباب، خطوا خطوةً إلى الأمام وتقدّموا شوطاً؛ ذلك أنهم في تفسيرهم للقصص القرآني قد تأمّلوه وفق اعتبارين: اعتبار لغوي يقف على الحصيل اللغوي، واعتبار ديني يتغيّا مقصد القرآن. ولعل ما يلفت النظر أن لفظ القصة ورد عدّة مرات في آيات مختلفات([17]). واستقرّ جملة من المفسّرين على هذين الاعتبارين. يسوق خلف الله ما أورده الرازي في التفسير الكبير، ليستدل من خلاله ما تقدّم به التفسير في إيضاح معنى القصص القرآني.

فما القصّة؟ وهل في القرآن قصّةٌ فنيّة؟([18])

وضعَ خلف الله، نَصْبَ عينيه، هذا السؤال؛ فالقصّة يقصدُ بها “(…) ذلك العمل الأدبي الذي يكون نتيجة تخيُّل القاص لحوادث وقعت من بطل لا وجود له، أو لبطل له وجود، ولكن الأحداث التي دارت حوله في القصة لم تقع أو وقعت للبطل، ولكنها نظمت في القصة على أساس فني بلاغي؛ فقُدِّم بعضها وأُخّر آخر وذكر بعضها وحذف آخر وأضيف إلى الواقع بعض لم يقع أو بولغ في التصوير إلى الحد الذي يخرج بالشخصية التاريخية عن أن تكون من الحقائق العادية والمألوفة، ويجعلها من الأشخاص الخياليين”([19]). يَعْمَلُ الخيالُ في القصة، حكماً؛ فلا قصّة من غير تحفيزٍ لذهن القاصّ على الإبداع في التشخيص، وعندها يلتقي الواقعي بالخيالي، وحتى إذا اتّسع المدى، كانت القصّة أقرب من الخيال، ولكنها تضيق حتى تصير أقرب إلى الواقع. ويقدّم خلف الله تعريفاً آخر للقصة، في موضعِ آخر من الرسالة، فيقول([20]): “القصّة هي ذلك العمل الأدبي الذي يكون نتيجة تصوير القاص لأحداث وقعت من بطل له وجودٌ لكنّها نظمت على أساس أدبي أو عاطفي فقدّم بعضها وأخّر بعضٌ آخر أو بولغ في تصويرها إلى الحدّ الذي يستأثر بعواطف القارئ أو السامع”. وإن هذين التعريفين ليكادان يتطابقان لولا أن أضاف الثاني مسألة التأثير في المتلقي؛ كما سنبين ذلك في شأن أصناف وألوان القصص القرآني ومقاصده.

يستَعرضُ محمـد أحمد خلف الله الأشكال المختلفة للقصد الفني في القصص القرآني، فيقف عند ثلاثةٍ منها: التاريخي؛ أي القصصُ الذي يدورُ حول شخصيات تاريخية كالأنبياء والمرسلين والحكماء؛ والتمثيلي التي يكون الغرضُ منه على سبيل الإيضاح، والأسطوري يوضعُ بغاية علمية أو تفسر على إثره ظاهرةٌ ما.

  1. يكتنفُ القرآن قصصاً تاريخية سيقت دالةً على وقائع، صيغت في شكلٍ حكيٍ يتضمّن تصويراً للأحداث والأشخاص. وتُحاكُ القصّة في القرآن على منوالٍ سردي يشيرُ إلى أحوالِ الأمم التي خلتْ. وهو، مع ذلك في إشاراته، لا يأتي على ذكرِ كلّ التفاصيل التي عاشتها تلك الأقوام الغابرة؛ فيُجْمِلُ ذكرهم، وفي ذلك حسب خلف الله قصدٌ وغايةٌ؛ لأن خطابه محكومٌ بمتلقٍ يحفّزُ عواطفهُ ويشيرُ إليه بالأحداث الماضية، من باب حثّه على الإيمان، أو نهيه عن بعض ما قد يُقدمُ عليه؛ فَلَمْ يكن القصَصُ القرآنيُ مرتّباً ترتيباً تاريخياً تعاقبياً، بدلالته الفعلية، على زمن من سبق من الأمم وأنبيائهم، وإنّما العبرة فيما ذهب إليه من المغزى المنشود. “وهكذا نستطيع أن ننتهي من هذه الفقرة إلى القول بأن أحداث التاريخ التي وردت في القصص القرآني قد رتّبت ترتيباً عاطفياً وبُنيتْ بناءً يقصدُ به تحريك الهمم والنفوس، ومعنى ذلك أنها لون من ألوان القصص التاريخي الفني والأدبي، وأن ذلك العمل الفني يقدًّر بموازين الفنّ القولي لا بموازين المؤرّخين.”([21]) وقصارى القول، في هذا الأمر، إنّ خلف الله في تحرّيه لمقصد القصص، إنما وضع، دائماً، في حسبانه نَتَائِجَ الاستشراق وما وصلت إليه حول قضايا القصص القرآني، التي انْبَنت في دقيقها وجليلها حول المدوّنة التفسيرية الكلاسيكية.

ليس القصَصُ القرآني مبنيّاً على الخبر التاريخي المُؤَكّد للوقائع، وإنّما يأتي ذكر ما حدث للأمم السابقة بأسلوب يثيرُ في نفس المُخاطبِ مشاعرَ تتلاءم مع سياق الحكي ”(…) والمنطق العاطفي هو الذي يسودُ القصة التاريخية في القرآن الكريم من حيث الاختيار أو، بتعبير الأقدمين، من حيثُ الذكر والحذف، وليس هذا فحسب بل هو الذي يسودها من حيث الترتيب أو، باصطلاح القدماء، من حيث التقديم والتأخير. وليس هذا فحسب، بل من حيث التصميم والبناء؛ ومعنى ذلك أن القصص التاريخي في القرآن قصَصٌ أدبيٌ أولاً وأخيراً. وهكذا يكون معجزة بلاغية قولية تُفهم بأضواء الدرس الفني”([22]). يختزل القصصُ القرآنيّ المكان فلا يصف الأَيْن، كما يختزل الزمان، أيضاً؛ فيخاطب متلقيه، كما لو أنهم حضروا ما كان من المصائب والأهوال، التي مرّت بها الأممُ الماضية فلا يصف الْمَتَى؛ فالحديث بصيغة الماضي، مثلاً، في مواضع شتّى من القرآن “(…) يدلّ عقلياً على الوقوع قبل زمن الكلام، ويدُلّ عاطفياً أو بلاغياً، أدبياً أو فنياً، على حقيقة الحدث وأنه لا بد كائن، ولا مفر؛ فالدلالة الأولى حين تراد يكون ذلك منطق العقل، ويحكم عليه بالصدق الخلقي والعقلي أو قسيمه، وهو ما ليس مراد القرآن، فلا محل للمؤاخذة به”([23]). لا سبيل، إذن، يرجى من الأخذ بالقصص القرآني من جهة الحكم عليه عقلياً، بما يتماشى مع ظاهر المنطق، أو الحكم عليه تاريخياً بما يتناسبُ مع الوقائع والأحداث التاريخية.

لم يكن القرآن يعرض، فقط، القصص من باب التخويف، وبمنطق عاطفي، بل يذهب خلف الله إلى اعتباره القرآن في بعض قصصه، يعرضُ تصوّر أهل الكتاب من قصص بعينها؛ فجاء بالقصّة كما سيقت في خبرهم عن الأمم السابقة. وفي هذا العرض ما فيه، من محاولة النقد أو التنسيب؛ يكون، في هذه الحال، النقد بالتشكيك في القصّة التي تُتَداول على ألسنُ معتقديها، كمسألة النبوّة والتثليث أو التنسيب حين ادعاء العلم بيقينيات الأحداث ومواقيتها، كما يستشهدُ بذلك من قصّة أهل الكهف.

وحين يفسّرُ القرآن على المعنى الظاهر فيه، قد لا يخلو هذا الأمر من أن يوقعنا في تناقضٍ يفرضه منطق التقدم والتطور؛ فالثبات والتّغير في معاني الألفاظ يطال، أيضاً، تصوّرنا لمعاني المتشابه، والمحكم. هذه الحركة([24]) في تناول النصّ، الذي ينفلت من قبضتنا، كالقابض على الماء، يحيلنا ذلك إلى ما في القطع بالدلالة التأويلية من مزالق قد لا يسْلم منها النصّ. وتؤخذ على أنّها مطاعن، كمسألة غروب الشمس في عينِ حمئة من سورة الكهف، فهذا الأمر تنبّه إليه المتقدّمون أمثال الرازي([25])؛ حيث يؤدي حمل هذه المسألة على ظاهرها إلى القول بكلام يخالف ما وصل إليه الكشف العلمي، على زمان الرازي وأمثاله من المفسّرين، ويصير بالتالي كلّ تفسير للظواهر الكونية التي ذكرت بظاهر النصّ إنما تستوجب التأويل. “إن التأويل كان أمراً ضرورياً، وواجباً دينياً، عند الرازي ومَن جاء بعدَهُ؛ لأن الكشف العلمي هو الذي اضطرهم إلى هذا.”([26])

وعلى الرَّغْم مما ينضوي عليه القصص القرآني من الحكي عن التاريخ وعن الأمم السابقة والقرون الخالية، فهو مع ذلك لمْ يَسُقْ خبرهم بغاية التأريخ، وإنما بغاية التأثير في عواطف من يخاطبهم، وأولئك الذين يتلقونه من طريق النبي. وقد يكون بعض ذلك القصص مما هو مَألوفٌ عند عامّة العرب؛ “وهكذا نستطيع أن نتفق، جميعاً، وألا يشذّ واحدٌ فينكر وجود القصة التاريخية الأدبية في القرآن أو ينكر أن المنطق الأدبي هو الذي يسود القصّة التاريخية في القرآن وإلا عزَّ عليه أن يجد بياناً مقبولاً لصنيع القرآن”([27]).

  1. يضُم القرآن ((قصصا تمثيليةً))، ويعتبر ضرب المثل من الفنون الأدبية التي تحمل المتلقي على فهم المعاني، من خلال إعمال الذهن في الكشف عن مضمون المحكي، وليس بأخذه على ظاهره وربطه بالواقع والصدق، وقد حصل في الأدب العربي وعي مبكر بأدوار القصّة التمثيلية؛ فهي تقع ضمن باب الأدب والفن عند المفسرين عكس القصة التاريخية؛ فقد كانوا ”يعرفون عن القصة التمثيلية أنها من التمثيل والتمثيل ضرب من ضروب البلاغة وفن من فنون البيان. والبيان العربي يقوم على الحق والواقع كما يقوم على العرف والخيال، فليس يلزم في الأحداث أن تكون قد وقعت، وليس يلزم في الأشخاص أن يكونوا قد وجدوا، وليس يلزم في الحوار أن يكون قد صدر، وإنما قد يكتفى في كل ذلك، أو في بعض ذلك، بالفرض والخيال ومن هنا كانت القصة التمثيلية عند المفسّرين قصة بيانية أي فنية”([28]). يَعْتَبِرُ خلف الله أن القصة التّمثيلية بيانية، وليس القصد منها الإبلاغ عن حقيقة. وتنبهنا، أيضاً، القصة التمثيلية إلى ضرورة الأخذ بالصدق النابع من العاطفة والوجدان، لا الاعتماد على الصدق العقلي، فقط، القائم على المطابقة بين التّصورات والوقائع([29]).

ينبغي، إذن، الفصل بين الصدق العقلي والصدق الأدبي؛ فالتضييق الذي شمل التمثيل والتخييل، في ما ذهب إليه المفسّرون، إنّما جاء نتاجاً لمُعَارضتهم التي توسّلَت العقل والبرهان والاستدلال، في حين أنّها لم تُعِر العاطفة أي مكانة ولا أحلتها محلاً ضمن الرؤية التفسيرية التي تناولت، من خلالها القصص القرآني ومضامينه. كان الأصل في التمثيل هو معرفة غاية القائل ومقصده، وليس حمل كلامه على حقيقته. ومن هنا نتساءل هل في القرآن خيال؟ وهل يعين متلقيه على التّخييل؟ واضحٌ أنّ في القرآن ما يستثير خيال السامع، ويسبح به في غمرة من التمثيلات التي لا حصر لها، فالخيال حاجة إنسانية بدونها لا يمكن الحديث عن التّمثيل. وقف محمـد أحمد خلف الله وقفة مطولة مع الزمخشري في كتابه: ”الكشّاف”، الّذي اعتنى فيه بالتمثيل وكذلك بأساليب اللغة العربية فيه.

تنبّه الزمخشري في كَشّافه إلى أنّ التمثيل من صُنْع الخيال، وأنه موجود في القرآن؛ إذ من المعاني ما يحْضُرُ في الذهن مباشرةً في صورة التمثيل، واستخراجهُ يحتاجُ إلى التمرّس بعلوم البيان. والتمثيل نوعان: الأول؛ يأتي ابتداءً، ويطلب معه الخيال كما تقدّم، وقد ذهب خلف الله إلى القول بأن ”(…) القصة التمثيلية أو الخيالية موجودة في القرآن باعتراف أئمة التفسير من القدماء والمحدثين. وبأن القصة التمثيلية قصّة أدبية وأنها تدخل تحت صورة من صور التعريف الأدبي للقصة”([30]). وأما الثاني، فيأتي في أعقاب المعاني ويشيرُ إليه الجرجاني([31]): ”واعلم أنّ مما اتَّفق العقلاءُ عليه، أن “التمثيل” إذا جاءَ في أعقاب المعاني، أو بَرَزَتْ هي باختصار في مَعرِضه، ونُقِلت عن صُوَرها الأصلية إلى صورته، كساها أُبَّهَةً وكَسَبها مَنْقَبةً، ورفع من أقدارها، وشبَّ من نارها، وضاعف قُواها في تحريك النُّفوس لها، ودعا القُلوب إليها، واستثار لها من أقاصي الأفئدة صبابةً وكلفاً، وقَسَر الطِّبَاعَ على أن تُعطيها محبّةً وَشَغَفاً”.

  1. وقف خلف الله على ((القصّة الأسطورية)) في القرآن بما هي مكون أساس من مكونات القصص القرآني؛ فإذا كانت القصة التاريخية تعتمد على البيان في تصوير الأحداث الماضية، بغاية التأثير في النفوس، وكانت القصة التمثيلية قد اعتمدت المثل أسلوباً، لاستجلاء العبر في الأذهان، فإن القصّة الأسطورية هي ما تقدم به خلف الله وتنبّه إلى مكانتها المكينة في إنشاء خطاب القرآن، وهي عنده ما عارضَ به لسان حال المعاصرين للقرآن حين عدّوه كلاما أسطورياً. وهذا واضحٌ وبينٌ؛ فقد حافظ القرآن على هيكل القصة وجسمها، غير أن الأسلوب الذي يعرضُ به القصّة الأسطورية والغاية التي يصبو إليها، ليست هي عينها التي جاءت بها القصّة متداولةً على الألسن؛ ”ونستطيع أن نسأل أنفسنا قائلين هل معنى ذلك الذي يقرِّره القرآن أن في القرآن شيئاً دعاهم إلى هذا القول الذي يدل على التقرير القوي والاعتقاد المتمكّنّ؟ وهل هذا الشيء من الأخطاء التي ملكت عليهم نفوسهم أو هو شيء من حال القرآن جعلهم يقولون ذلك؟”([32]).

يَنْصَرفُ محمـد أحمد خلف الله إلى ما جاء من ذِكْر الأسطورة في ثَنَايا القُرآن، تَمَاشياً مع ما شَهِدَهُ السّياق العام للدعوة، حين وُوجِهَ النّبِيُ بمكة من طرف المشركين، ووُصف القرآن بأنّه مجرّد أساطير الأولين([33])،وما يلاحظهُ خلف الله أن القول بالأساطير انقطع حينما انتقل النبي إلى المدينة. وفي اعتقاده أن السبب في ذلك يُعزى إلى الثقافة الكتابية الرائجة في المدينة، والبيئة الثقافية التي ترسّخت بفضْلِ اليهود؛ ففي الكتب السابقة، وردت الأساطير كي تَشْرَحَ مَا اسْتَغلق من الأفكار أو تجسم عقيدة. وهذا مما هو معلوم لدى أهل الكتاب، وأما “البيئة المكية لم تكن مثقفة ثقافة كتابية في هذا الجانب فيما نعتقد ومن هنا أنكرت على القرآن هذا الصنيع”([34]). ولم ينكر القرآن على نفسه أن يكون فيه قصة أسطورية، بل أفسح المجال أمام هذا الشكل من التعبيرات الأدبية. إفْساحُ المَجَال أمام التناول الأدبي للقصص القرآني يُظْهرُ قوّته. وتَنَقّلَ محمـد أحمد خلف الله بين ألوان القصص القرآني، وعَرضَ صُورهُ مستشهداً بقصصٍ يَعكسُ البُعدَ التاريخي، وأخرى تمثيلية وأسطورية.

يتميّز القصص القرآني بوحدة سردية، تقوم على المَقْصِدِ الّذي يسعى إليه الخطاب القرآني، حتى إنّ قصصاً بعينها تختلف تعبيرات ألفاظها وتختلف أدوار شخصياتها في منازل قرآنية مختلفة. مثل قصة موسى وفرعون، التي أعيد عرضها على لسان متحدثين مختلفين أنطقهمُ القرآن. لكن المغزى والمقصد والمشكلات التي يستثيرها القصص القرآني كلها ثوابت وحلول. وليست العبرة قائمة بالأسماء أو الأشخاص. ومن هنا تكون الدعوة صريحة من خلف الله إلى اعتبار كُنْه القصّة والنّفَاذ إلى لبّها، بدل البقاء عند العبارات التي قد تتغير في بناء القصّة الواحدة، أو الشخصيات التي قد تركز عليها القصة الواحدة في كلّ مقام سردي.

ثانياً: في البُعْد الاجتماعي والنّفسي للقصص القرآني

  • قصص القرآن والمجتمع

ينبغي أن نشير إلى الأهمية التي تتسم بها المعاني والقيم الاجتماعية، التي يصبو إليها الأسلوب القصصي القرآني، ولهذا جاءت القصص لأجل الدفاع عن النبي؛ إذ لها ”أسباب نزول” ولم تأت من فراغٍ، وصوّر القرآن تلك المعاني الاجتماعية في هيئة قوانين وقواعد عامّة ثابتة، كلّما صوّر قصّة تحكي عن صراعٍ بين نبيٍ من الأنبياء وقومه، حتى صارت تلك الأمثلة ”نواميس اجتماعية” لا تتغير، بل هي صالحة لكلّ زمان. ويٌعرّفها خلف الله بلفظه قائلاً([35]): ”نقصد بالنواميس الاجتماعية تلك النظريات التي أشار إليها القرآن أو لفت إليها الذهن؛ حين صوَّر العوامل المؤثِّرة في رقي الأمم وحياة الشعوب، والتي جعلها من الأحكام العامة حتى لنحس من صنيعه بأنها من النواميس التي لا تتخلّف في زمان أو مكان”. إنّ الاجتماع إلى شخص منقذ، وإلى بطل، يضمن بقاء الأمّة ملتئمة، وهو من الأمور التي تجدُ القصص القرآني ينصُّ عليها ويثبتها. ويأتي الأنبياء ليحرّروا أقوامهم من سلطة التقاليد والأعراف، التي وجدوهم عليها؛ إنّهم يحضّرون الأمم للرقي والتقدّم.

اسْتَخْلَصَ خلف الله من القصص القرآني ضرورات اجتماعية ثابتةً. تَرَسّخَت في وعي الأمم السابقة ممن جاء ذكرهم في القرآن، وفق التقسيم المعلوم للكفر والإيمان؛ فالإيمان ينفذ في تجلياته ليجد صداهُ في أعتى حصون الكفر، كأسرة فرعون، أو أن الكفر ليتسلّل إلى أشدّ صروح الإيمان، كامرأة لوط؛ وهذه الموازنة بين عوامل الكفر والإيمان، قدّمت جانباً من الجدَل الذي يصوّره القصص القرآني في جوانبه الاجتماعية. ينتظم القانون الاجتماعي في ثنائيات جدلية أخرى كالعلاقة بين القديم والجديد، فتجد في كثير من المواضع ما يفيد هذا الجدل القائم بين التقاليد وسبل التّجديد التي اقترحها الأنبياء الذين يرشدون أممهم، فيأتي جوابهم بياناً لما وجدوا عليه آباءهم، والجدل بين الغنى والفقر، الذي يحُلّ بنفسه متى كان الحديث عن أتباع الأنبياء الذين لا يكونون غالباً من الفقراء، ويقع على نقيضهم الأغنياء أصحاب الجاه ممن تكون حياتهم في يسار، وكذا الجدل بينَ الوحدة والانقسام، الذي هو في الجماعة أمر حتمي ونتيجة التعصّب للآراء والجمود عليها.

وعلى الرغم من رصد هذه الثنائيات الجدلية، إلا أنّها تتقاطع بشكل لا يسمح بالفصل بينها؛ فالغنى، والقديم، والكفر، والانقسام، تتقاطع بينها الصلات في تكوين جزء هام من المجتمع، و، أيضاً، التقاطع بين الفقر والجديد والإيمان والوحدة. إنّ القصص القرآني يصور حياةً اجتماعيةً تتقابل عناصرها وتتداخل إلى حدّ يسمح بالتّمييز بين الشّخصيات القصصية في ضوء مسايرتها لواقع نظام الجدل بين تلك الثنائيات أو نأيها عنه.

ويَجُوزُ، في معرض حديثنا عن القصة في القرآن، أن ننطلق من التساؤل التالي: هل القصص القرآني، بحسبانه ضرباً من الأدب، وليد البيئية العربية؟

لم تكن أخبار السابقين مما جاء به القرآن دَخيلةً على أذهانِ العَرَبِ، ولا كانت معانيه خفيةً عليهم في مجملها، بل هي مما سبق لهم به الخبر؛ فالعبرة في القصص القرآني إنما بمعناه ومغزاه لا بمبناه. وكما تقدّم، تقع كل قصّة بالضّرورة ضمن بيئة أُعدّتْ لها، حتى يكون يسيراً على الأذهان تقبّلها، وعلى الأَنْفُسِ الاسْتِئنَاسُ بِهَا. وفي إثر ذلك، أمكن التدليل على الصلة بين الأثر الفني والبيئة التي ينتمي إليها. وقد لا يسلم المرء، حين وقوفه على العلاقة بين القصص القرآني وبيئته، من أن يواجه خطرين مُحدقين: الأول؛ يَتَمَثّل في وجود سَدَنةٍ «ألقت المقادير بمقاليد الثقافة العربية في أيديهم»، حتّى صار إليهم كلّ شيء في البحث والنقد، الذي يهمّ مواضع المعرفة والأدب في التراث، ولم يسلم منهم كل ذي أفق جديد أو نهجٍ يريد أن يضارعُ به ما عندهم، أو يبُزّهُم ويبُذّهم بأي سلطان كان؛ والثاني([36]) مردّهُ إلى أقوال المستشرقين والمبشّرين، التي عُنيت بمصادر القصص القرآني، وإنّما غرضهم في ذلك أن يضاهوا قصص القرآن بما وردَ في التوراة والإنجيل حتّى يكون ذلك لهم حجّة لدحض القصص القرآني.

لم يكنْ البَحْثُ والتّنْقيبُ عن المصادر وعن الأصول مما يخفى على المشتغلين بالعلوم الشرعية؛ فالذين أرّخوا للتشريع الإسلامي عادوا القهقرى في التاريخ، يبحثون عمّا يوافقون فيه الأمم الأخرى وما يخالفونهم فيه، حتّى قالوا ([37]): “شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد في شرعنا ما يخالفه”. وليس الأخذ بهذا الشرع، فقط، من باب التأصيل وكفى، وإنّما هو أخذٌ بالقوانين التي تنظّم الاجتماع الإنساني ونواميسه”؛ فالناموس الاجتماعي حاضرٌ بقوة لا يقبل التّغيير ولا التبديل، وما يكتنزُه القصَصُ القرآني من أمثال اجتماعية، وما ينضَحُ به من علاقاتٍ بين الأمم وأنبيائهم، لهوَ الغاية التي بُني عليها المجال السرديُّ والتّداولي القرآني. على أنّه، وأيّاً تكن تلك المخاطر التي قد تواجه من حاول تأصيل القصص القرآني، بردّه إلى ما يفيد الأدب منه، فإنّ ما يفرض نفسه على الباحث من هذه الزاوية، وهو طلب التجديد المستمر؛ فلا سبيل إلى فهم القرآن على نفس المنوال الذي فهمهُ بهِ الأقدمون؛ لأنّ إعادة التجارب عينها مع طلب نتائج مختلفة لهو إفناءٌ للوقت فيما لا يكون ولا يتحقق.

وإذا كان في التوراة ما يشي بوجود ترتيب زمني للأنبياء، وما مرّوا به من أحداث؛ فالقرآن يختلف، عن التوراة من جهة توظيفه لتلك الأحداث على سبيل التمثيل، خلواً من أيّ نية في أن يضع تأريخاً لتلك الوقائع، وإنما العبرة، في ما يحمله القصص القرآني، من عظات وحِكَمٍ للمخاطبين. ولم يكن أغلب الذين يحكي القرآن قصصهم من البيئة العربية، بل إن الكثرة الكاثرة منهم من غيرها، من بلاد المصريين والعبريين والسبئيين ومن بلاد اليونان والرومان. يقف خلف الله على أوجه الاتصال بين القصص القرآني والبيئة العربية عامة، والمكّية منها على وجه الخصوص، قبل البعثة المحمـدية وقبل نزول القرآن، مع تبيانه للصّعوبة التي قد تطرح عند القول بأن القصص الذي جاء به القرآن كان مما هو معلوم في الأوساط المكّية. وحريٌّ بنا أن نقول، في هذا الصّدد، إنّه لم يُسَلّم بهذا الأمر في مجمله؛ حيث ذهب إلى تصنيف ذلك القصص إلى ثلاثة أصناف: صِنْفٌ أوّلٌ؛ لا سبيل إلى أن نقول إنّ العرب قد عرفته يوماً، أو إنّ الحياة المكيّة قبل البعثة قد استأنست به. وهو القصص الذي جاء كإخبارٍ أو كردّ على المعارضين للقرآن، وصنف ثانٍ؛ عرفته العرب، وضمّه الشعر الجاهلي، وصنف ثالث؛ لا هو إلى الأول أقرب ولا إلى الثاني؛ لأن القرآن أشار إليه وأوجز في مواضع وكأن العرب به أعلم، وكرّره في مواضع شتّى من القرآن([38]).

عمدَ القصَصُ القرآني إلى المشهور والمعلوم، اسماً ومغزىً؛ فشّخصياته ذائعة الصّيت عند العرب، وهو مَا جَعَلَ بَعْضَ الشّخصيات القرآنية تَأخُذُ الحظ الأوفر من الحكي بخلاف شخصيات أخرى. كنسبة النبي موسى إلى النبي أيوب. وهكذا “إن مذهب القرآن، فيما يتضح من الظواهر السابقة، هو بناء القصة القرآنية على عناصر يستمدها من البيئة أو من العقلية العربية، وليس ذلك إلا ليكون القصص أشد تأثيراً وأقوى سلطاناً وإلا ليمضي القص بين المألوف العادي من الأحداث والأشخاص والغريب النادر من الأفكار والآراء”([39]). ارتبطت مصادر القصص القرآني بالعقلية العربية وليس القرآن ببعيد عنها، إلا في القليل النادر. وهذا ما دعا الأوّلين إلى القول إنّ القصص القرآني إنما هو من أساطير الأولين؛ لأن فيه ما عرفوه. وإذا كانت قصص القرآن من بيئة العرب، فهل كان الخطاب القرآني يستميل صوراً واقعة في أذهان العرب؟ ما يُلحظ، في هذا السياق، هو أن خلف الله يذهب إلى الاعتبار النفسي والعظة، أكثر ما يذهب إلى تَلمّس الواقع والتاريخ؛ إذ القصّة، كما سيقت في القرآن، إنّما الغرضُ منها التأثير في النّفس، وكلّ ما يؤثر في النفس هو إلى الواقع أقرب منه إلى الخيال.

يرمي السردُ القَصَصِيُّ في القرآن إلى تحديد المجال الاجتماعي، في ضوء القوانين الناظمة لسلوك الأفراد، وتبعاً لمدى قدرتهم على استيعاب الجدل والاختيار بين ثنائيات يصوّرها الخطاب القرآني، كالعلاقة بين الفرد والمجتمع، والعلاقة بين الإيمان والكفر، والعلاقة بين القديم والجديد، والعلاقة بين الغنى والفقر. وإذ يضعنا القصص القرآني في خضمّ هذه الجدليات؛ فلكي يوصلنا، في النّهاية، إلى بناء قانون يحكُم العلاقة بين أطراف الجدل، التي تجسّدها شخصيات الأنبياء والمؤمنين والكفّار. عمدَ القرآن إلى توظيف تلك الشخصيات في معرض بيانه قوة الواقعيّ والاجتماعيّ وسلطَانَهُ على الأفراد. ولا يتوقف تأثير هذا الجدل عند ما هو اجتماعي، فقط، بل يتعدّاه إلى الأثر النفسيّ والتربويّ. فإلى أيّ حدّ يؤثّر هذا الجدل فيما هو نفسيّ وتربويّ؟

  • قصص القرآن والأثر النفسي والتربوي

تَألفُ نفس المؤمنين ما صاروا عليه من الإيمان، وتنفرُ مما عداه، حتى إنّ أثر البيئة عليهم يغدو أشدّ وقعاً وأعظم بأساً، وهم الذين كانوا، بالأمس، يأنسون به فيصبحون لا يكادون يستسيغونه اليوم. ويقَعُ أن يصير الإيمان مصدراً للتأثير في النفوس، وهذا أمرٌ معلوم وبينٌ، إلى درجة يصيرُ معها المؤمن لا يُطيقُ المخالفَ له، وتَتَأفّفُ نفسه من كل ما يصدرُ عنه، ”ويظهرُ لنا أن السر في هذا إنما يرجع إلى أن الإيمان يخلق في النفوس جواً عاطفياً نحو الآراء والأشياء”([40]) إذْ يُكوّن المؤمن آراءً تدفعه إلى تشكيل نفسيته في علاقته بالآخرين، مما ينجمُ عنه أمور ثلاثة: الأمر الأول؛ يصبح المؤمن، أياً كان دينه، معادياً من ينال معتقداته بالأذى أو يطالها بسوء؛ والأمر الثاني، ينظر المؤمن إلى نفسه من حيث هو على حقّ والآخرين على باطل؛ والأمر الثالث أنّ الإيمان يخلقُ في الجماعة مشاعر توحّدُ شملها وتقرّب أقاصيها.

يَنْبَني القصص القرآني على القصد والمغزى، ويهدف إلى التأثير في نفسية المتلقّي والمُخَاطَب من خلال سوقه لأمثلة من بيئته، يفهم مغزاها ويفهم مرادها. وهذا ما جاء في ما تقدّم، من هذا الفصل، في الفرق بين الخطاب الأدبي في القرآن ونظيره التاريخي. ويمكن أن نفصّل القول في المسألة، حسب ما يراه خلف الله نفسه؛ فالقرآن يسنّ، أيضاً، ناموساً نفسياً بالإضافة إلى النّاموس الاجتماعي. ويهدف، من خلال أمثلته وشهاداته إلى تربيّة المسلم وتهيئته كي لا يكون عليه حرجٌ في من خلا قبله من الأمم. وهكذا، فإلى جانب عدّ القصص القرآني إخباراً بحال من ذهب، فهو أيضاً، إنذار بالاعتبار، ودعوة صريحة إلى التأمل. وفي هذا الصدد يشيرُ خلف الله إلى مراده من تلك القوانين النفسية، التي تَحْكُم القصص القرآني، حين يكتبُ([41]): ”ونقصد بالنواميس النفسية تلك العواطف أو الانفعالات أو الأسس النفسية التي تصاحب سلطان مبدأ أو سيطرة زعيم، والتي تمكّن للمبادئ أو تزعزع سلطانها وتحدّ من قدرتها، والتي تظهر في الأفراد أو في الجماعات، حين تُلِمُّ بها الأحداث أو تزعجها صروف الزمان، وذلك من أمثال: العُجب الشّديد، والحرص على المعتقد القديم”. يتأسّسُ الناموس النفسي على بقية ما في الناموس الاجتماعي؛ فبين المجتمع ونفس الفرد علاقة تأثير وتأثّر.

يمضي الأنبيّاءُ والرُّسُلُ في دَعوَتِهم، وقد ساق القرآن من أحوالهم ما يشابه، إلى حدٍّ بعيد، حال النبيّ محمـد في مواضع شتّى من القرآن. وقد يُفْهَمُ من ذلك الأمر، أنّه دعمٌ للمؤمنين، أولاً، و، ثانياً، أنّ هذا الأمر يمثل دعماً مباشراً للنبيّ، وشدًّا على يده، وإخباراً له بأنه في هذا الأمر ليس متفرّداً، بل سبقه إلى نفس المعاناة إخوانه السابقون؛ الذين نُكّل بهم من لدن أقوامهم، وجُرّدوا وَأُخْرِجُوا. ومن هنا يأتي الدعم النفسي، في صورة عامة، للمؤمنين بالدعوة الجديدة، ودعماً للنبي وحثٌّاً له على الصّبر تلقاء ما يصْدرُ من معارضيه. يَقُوم الأثر النفسي بوظيفة ترسيخ الإيمان عند أهل الدين الجديد أيًّا كان ذلك الدّين، ولدى أنصار الدعوة أيًّا كانت تلك الدّعوة. ولتحقيق هذا الأمر، لا بد من أن يُتَوَسّل بما يَسْمحُ به الفنّ من عمليات الإيحَاءِ والإفاضة، المصحوبتيْن بعمليّة الحكي، التي تُثيرُ في النفوس من الأمور جَليلها؛ فيَبِيّنُ القاصي دانياً، ويخفّف ما اسْتَحرَّ وقعه في قلوب المؤمنين. تلك هي الوظائف النفسية التي يقوم بها البعدُ النفسي في الحياة العامّة للأفراد. فأيُّ شيء يقال عن الحياة النفسية للنبي نفسه؟

ليس الأمرُ هيّناً، إذا ما تعلّق الأمر بالدعوة وأعبائها؛ فحتّى الأنبياء إنمّا هم أبناء بيئتهم؛ يتأثّرون بما يتأثّر به غيرهم. وكان أثرُ الدعوة على نفس النبي محمـد، كما يصوّرها القرآن، قويًّا. ويرصُد خلف الله في هذا السياق عناصر ثابتة استخلصها، في إثر بيانه للعلاقة بين حال النبي محمـد ومن سبقه من الأنبياء، وعدّها حقائق: أوّلها؛ يتعلّقُ بالتشابه التّام بين الأديان كلّها في الكثير من عناصر الدعوات، خاصة فيما يتعلق بالوحدانية ومحاربة الأوثان، لذلك جاء الدين على غرار ما شُرّع لمن سبق، وثانيها؛ يتّصلُ بوجودِ تشابه تام بين حال النبيّ وأحوال غيره من الرّسل، لما في مهمّتهم من صفاتٍ ملازمة لا تتغيّرُ، كالوحي والتّبليغ؛ وثالثها، يَقْتَرِنُ بالتشابه العام في مواقف الأمم من أنبيائها. يمكن أن نشير إلى أنّه، في هذا الأمر، يوجدُ نقدٌ صريحٌ لأصحاب النَظْرَة ”الفُضْلَويّة”، من الذين يُفضّلون ديناً على دين. وإذا كان الأمر كما تقدّم؛ فالأصل في الجوّ القصصي أن يحمل إلى النبي خبر سابقيه وجوانباً من مجتمعاتهم. ”ومعنى هذا أن اختيار أحداث بعينها من تاريخ هؤلاء الرسل أو قصصهم كان مقصوداً، وأن هذا القصد لم يكن إلا التنفيس والإفاضة عن النبي عليه السلام والمسلمين وإلا خدمة الدعوة الإسلامية. وإذاً فالقصص القرآني، من هذا الجانب، تتفاوت فيه حيوات الرسل، ويمضي فيه كل منهم إلى نوع من الأحداث تلائم ظروفه وتتفق وطبيعة الدعوة وأحوال البيئة يمثِّل نفسية النبي من حيث أنها العامل الأول في الاختيار”([42]).

ولمّا كان القصد والغاية من القصص القرآني، أن يدعم النبيّ وأن يروّح عنه ما وصادفه من أهوال الدّعوة؛ فهو، إلى جانب ذلك، خبرٌ بما ينتظره أفق الوحي وتطلّعه من المواقف النبويّة في حدّ ذاتها، التي تنعكس على واقع الدعوة ومنه على واقع المسلمين. وبذلك يزاوج القصص القرآني بين ما فيه دعمٌ، وما يُحملُ على التربية والحثّ على تَعَلّم سَنِيّ القيم. ويتّضح ذلك من خلال مرتكزات الدعوة الإسلامية، التي قد يجدُها المرء متوزّعةً على ما في القصص من أمثال ومعاني. يقوّم من خلالها القرآن سلوك العباد. بالإضافة إلى أن شخصيات القرآن، وخاصّةً منهم الأنبياء، حين يعرضها القرآن وكأنّنا أمام شخصيّة النبي محمـد، وكأنّ ذلك الحوار بين الرسُل وأممهم هو عينه الحوار القائم بينه وبين قومه، ولو همّ المرء بحذف ما في القصص من وقائع، لوجد في الأخير أن نفسية محمـد هي التي تحضر باستمرار؛ ”على أنّ أمراً آخر يبيِّن الصلة بين هذا القصص ونفسية النبي عليه السلام هو أن النبي هو الذي كان يلقيه. وليس من شك في أنه كان يعبِّر بصوته عما يصوّره النصّ من معانٍ، وعما يحمله اللفظ من أحاسيس وعواطف؛ فالقصص القرآني يمثِّل نفسية النبي ويمثِّلها في أدق مراحلها وفي أعنف صورها” ([43]).

تظهر العلاقة قويّة بين القصص في تناوله للظواهر النفسية والتربوية، بشكلٍ عام، لدى الأمم والأنبياء السابقين، وبين ما ينعكس، بشكلٍ خاص، على حال المسلمين. وهذا الأمر يسري على الحال التي مرّ بها النبي وهي الحال التي مرّ بها سابقوه. إنّ ما يستخلصه المرء، في هذا الباب، هو أنّ الإشارية إنّما هي من الأمور الغالبة على القول القصصي في القرآن، وهي لم تستثن النبي من أن يكون معنيّاً بها.

***

وجّهت المقاربة الأدبيّة، التي خصّ بهما محمـد أحمد خلف الله النصّ القرآني، النظر إلى القصص القرآني بمنأىً عن التناول الكلاسيكي، أو الاعتبار الخاطئ، الذي يتمثّل في شكلين؛ الشكل الأول، ينظر إلى القصص القرآني في صورةٍ تجعل منه حكياً عن أحداث تاريخية، وعن أزمنةٍ غابرةٍ؛ فتصيرُ القصّة بما حملته من أحداث ووقائع، جزءاً من التاريخ العام، وهذا ما دأب عليه المفسّرون القدامى، حين حاولوا البحث عن ما يعضدُ رأيهم في مسألة العلاقة بين القصّة والتاريخ. لا يستقيم هذا الأمر، لسبب وجيه؛ لأن عمل المؤرّخ ليس من عمل الأديب في شيء، رغم ما قد يظهر من اتفاق حاصل بينهما في مسألة السرد. وإن كان السردُ عند المؤرخ يميل إلى اللغة التقريرية حول الأحداث التاريخية وإلى ربط الحادث بأسبابه التي نتج عنها، فإن الأديب يُسْتَدمج الخيال والعجائبية في لغته حتّى إنك لتجدُ في عمله ما لا يكادُ يقاربُ الواقع؛ والشكل الثاني، يتعلقُ بالقصّة، في حدّ ذاتها، ونظام شخصياتها وتعاقب دلالاتها، وهذا هو الأمر الذي دفع خلف الله إلى تبيان أنواعها، ووقوفه عند شكل جديد لم يسبق أن أقرّ به السابقون، يتمثّل في القصّة الأسطوريّة؛ فالقرآن في اعتباره يسوق بشكل فنيّ أحداثاً ليست بالضرورة واقعية، وإنما الغاية منها هو الاعتبار والموعظة.

لا شكّ أن ما خصلت إليه المقاربة الفنية للقصص القرآني يعدُّ في نظر خصوم خلف الله تقويضاً لقداسة النصّ القرآني ونزعاً للصبغة الإلهية، إذ هو يجعل القصص الوارد في القرآن محكوماً بتجارب تاريخية وثقافية ونفسيّة بينما يصرّ خلف الله، بالنظر إلى اعتبار النصّ القرآني نصّاً لغوياً، على التمييز منهجياً بين تعدّد مستويات النص وتفاعلها. وتتعلق الأمر بالهداية والتربية، والمستوى النفسي، والمستوى الثقافي، والاجتماعي.

أراد محمـد أحمد خلف الله استبعاد التوظيف الإيديولوجي الذي يتجاهل بصفة شبه كاملة ما للنص نفسه من مضامين وخصوصيات لغوية أدبية وتاريخية ينبغي أن يُنصت إليها المفسّر بدل أن يستنطقها لتنطق بما يريد. عرف هذا التيّار بعد خلف الله تراجعاً، ثم عاد للانطلاق من جديد مع القراءات الحديثة للقرآن المواصلة على المنهج نفسه بعدّة معرفية أكثر تطوّراً.

المراجع:

[1]– محمد أحمد خلف الله، الفن القصصي في القرآن الكريم؛ (القاهرة: دار سيناء، 1999)، ط4.

[2]– احميدة النيفر، الإنسان والقرآن وجهاً لوجه؛ (بيروت: دار الفكر المعاصر، 2000)، ص53.

*– أسّسَ كذلك نادياً أدبياً أطلق عليه مسمّى (الأمناء) يهدف إلى الاهتمام بالأدب والفن نظرياً وعملياً، وأصدر كتباً في مطلعها ”مناهج التجديد في النحو والبلاغة والتفسير، (1961)؛ وكتاب ”من هدي القرآن” ونشر، أيضاً، بدائرة المعارف الإسلامية فصلاً عن تفسير القرآن (العدد،9/ صص429 -439). أنظر: احميدة النيفر، الإنسان والقرآن وجها لوجه، مرجع سابق الذكر.

[3]– خلف الله، الفن القصص في القرآن الكريم، ص7.

[4]– المصدر نفسه، ص10.

[5]– وقد أبدى خلف الله تحفظاً من الدقة التاريخية التي يخلو منها المصحف الملكي، حين نسب القصص القرآني إلى ترتيب تاريخي بعينه. وإن أفاده هذا الأمر في فهم التطور الداخلي؛ فهو يشهدُ بأن البحث لم يسعفه في الوقوف عند التطور الخارجي للقصص القرآني، من خلال مقارنته بالقصص التي كانت قبل الإسلام.

[6]– عبد الرحمن بن خلدون، مقدمة ابن خلدون؛ (بيروت: دار الكتاب العربي، 2008)، ص508.

-[7]أنظر : طه حسين، من تاريخ الأدب العربي؛ (بيروت : دار العلم للملايين، 1970) ، ص121.

[8]– خلف الله، الفن القصصي في القرآن الكريم، ص 32.

[9]– محمد أحمد خلف الله، القرآن ومشكلات حياتنا المعاصرة؛ (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1983)، ط1، ص23.

[10]– المصدر نفسه، ص68.

[11]– المصدر نفسه، ص 78.

[12]– عبد الإله بلقزيز، الدينيّ والدنيويّ: نقد الوساطة والكَهْنَتَة؛ (بيروت: منتدى المعارف، 2018)، ص150.

[13]– مجموعة من المؤلفين، دروس البلاغة؛ (بيروت: دار ابن حزم، 2012)، ص93.

[14]– خلف الله، الفن القصصي في القرآن الكريم، ص68.

[15]– المصدر نفسه، ص211.

[16]المصدر نفسه، صص 150-151. مادة قصص في كل من، لسان العرب والقاموس المحيط ومفردات الراغب والنهاية.

[17]– [الأعراف: 101]، [هود: 120]، [يوسف: 3]، [الكهف: 13]، [طه: 20]، [آل عمران: 62]، [الأعراف: 176]، [القصص: 25]

[18]– المصدرنفسه، ص149.

[19]– المصدر نفسه، ص 152.

[20]– المصدر نفسه، ص182

[21]– المصدر نفسه، ص161.

[22]– المصدر نفسه، ص 163

[23]– المصدر نفسه، ص165.

[24]– مجموعة من المؤلفين، قراءات معاصرة في النص القرآني؛ السيد محمد حسين فضل الله: “الثبات والتحول في القراءات المعاصرة للقرآن”؛ (بيروت: مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي)، ص 9.

[25]– أورد خلف الله قول الرازيفي هذه المسألة في نصّ بديع: “قال أهل الأخبار إن الشمس تغيب في عين كثيرة الماء والحمأة وهذا في غاية البعد وذلك لأنّا إذا رصدنا كسوفاً قمرياً فإذا اعتبرناه ورأينا أن المغربيين قالو حصل هذا الكسوف في أول الليل ورأينا المشرقيين قالوا حصل في أول النهار فعلمنا أول الليل عند أهل المغرب هو أول النهار الثاني عند أهل المشرق بل ذلك الوقت الذي هو أول الليل عندنا فهو وقت عصر في بلد ووقت الظهر في بلد آخر ووقت الضحوة في بلد ثالث ووقت طلوع الشمس في بلد رابع ونصف الليل في بلد خامس وإذا كانت هذه الأحوال معلومة بعد الاستقرار والاعتبار ليس هناك تضارب فهي تغيب في الطين والحمأة وتختفي عن الطين والحمأة كما ثبت من العلوم الفلكية والجغرافية وعلمنا أن الشمس طالعة ظاهرة في كل هذه الأوقات، كان الذي يقال أنها تغيب في الطين والحمأة كلاماً على خلاف اليقين، وكلام الله تعالى مبرأ عن هذه التهمة فلم يبقَ إلا أن يصار إلى التأويل الذي ذكرناه.” التفسير الكبير، جـ 5، ص505 وما بعدها.

[26]– أحمد خلف الله، الفن القصصي في القرآن الكريم، ص178.

[27]– المصدر نفسه، ص182.

[28]– المصدر نفسه، ص183.

[29]– المصدر نفسه، ص186.

[30]– أحمد خلف الله، الفن القصصي في القرآن الكريم، ص 198.

[31]– عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة؛ (القاهرة: مطبعة المدني)، ص 115.

[32]– أحمد خلف الله، الفن القصصي في القرآن الكريم، ص 204.

[33]– [الأنعام،25]؛ [الأنفال،31]؛ [النحل، 24]؛ [المؤمنون، 83]؛ [الفرقان، 5]؛ [النمل، 68]؛ [الأحقاف، 17]؛ [القلم، 15]؛ [المطففين، 13].

[34]– المصدر نفسه، ص208.

[35]– المصدر نفسه، ص96.

[36]– Tisdall, W. St. Clair. The Original Sources of the Qur’an, Society for Promoting Christian Knowledge, London, 1905.

[37]– خلف الله، الفن القصصي في القرآن الكريم، ص251.

[38]– المصدر نفسه، صص255-256.

[39]– المصدر نفسه، ص257.

[40]– المصدر نفسه، ص113.

[41]– المصدر نفسه، ص97.

[42]– المصدر نفسه، ص346.

[43]– المصدر نفسه، ص358.

اقرأ ايضا

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete