النصّ القرآني في أفق التّأويل الحداثي: إشكاليات ومنطلقات

«(…) الوحي تأسيس للزمن وللتاريخ في آن، أو هو بداية الزمن والتاريخ. وهو لذلك ليس زمناً ماضياً، بل هو الزمان كلّه: الأمس والآن والغد. والآن والغد لا يكشفان عمّا يتجاوز الوحي، بل إنهما، على العكس، يشهدان له. الآن لحظة تذكير وكذلك الغد. فليس المستقبل بُعد اكتشاف، بل بُعد حفظٍ واستعادةٍ، وليس عامل تغييرٍ بل عامل تدبير».

أدونيس، الثابت والمتحول، ج1، ص68.

«إنّ السلطة الرمزيّة، من حيثُ هي قدرة على تكوين المعطى عن طريق العبارات اللفظية، ومن حيث هي قدرة على الإبانة والإقناع، وإقرار رؤية عن العالم أو تحويلها، ومن ثمة قدرة على تحويل التأثير في العالم وبالتالي تحويل العالم ذاته، قدرة شبه سحرية (…) لا تعمل عملها إلا إذا اعترف بها».

Pierre Bourdieu, Sur le pouvoir symbolique.

ليس في وسع الباحث – في ميدان الدّراسات الإسلامية، عامّةً، والدراسات القرآنية، خاصةً – إلّا أنْ يَلْحَظَ مسألةً هامّةً، تتمثّل في مدى جاهزيّة هذا التراث لأن يَصِيرَ راهناً، وفي مدى قبوله للقراءة اليوم. لا يستقيم التفكيرُ في تفسير القرآن وتأويله، من دون العودة إلى إشكالية القراءة، ونموذجها؛ فالتراثُ كفَّ عن القول، مثلما أنّ كفَّ النصُّ القرآني، وصارَ نُطْقُهُ رهيناً بقراءاته في أزمنةٍ مختلفة. قد تبدو هذه المقدّمة نشازاً في عرف “الأصُوليَّة الإسلامية”، أو من يَعدُّون أنفسهم سَدَنةً التُّراث والأوصياءَ عليه، لكنَّ الأمر يتجاوز كلّ محاولةٍ للحصر والاختزال والتضييق؛ فالذي يحاولُ طيّ التراث واختزاله في صوت واحدٍ (= السنيّ مثلا، أو الشيعي) إنمّا يتجاهل بذلك منطق التحوّلات الاجتماعية، والسياسية، والثقافية، التي يخضعُ لها النسيجُ الاجتماعي، في تطوّره التاريخي، وفي معرض تأريخ تلك التّحوّلات، وفي علاقةٍ بالنّصوص التي انبرت في خضمّها، لا يسعُ الباحث إلّا أن يصفَ الموضوع الذي هو بصدده([1]). يقتضي الوصفُ التّعامل مع الموضوع كما هو، وضمن شروط إنتاجه، وفي انتمائه إلى أزمنةٍ أُخْرى تختلفُ عن الأزمنة الحاضرة، ويصيرُ بذلك فعلُ الوصفِ متضمّنا لكلِّ القدرات المعرفيّة الأخرى، كالتحليل والمقارنة، والنقد، وليس في وسعنا أن ننكرَ ما يلعبهُ الوصفُ من قوّةٍ ضمنَ عملِ العلوم الطبيعية، وما يمدّ به الباحثين من أدوات تعينهم على استنتاج الخلاصات الكفيلة بتحليل ظواهر الطبيعة ضمن المختبر، لكن أنّى لهذا أن يتحقّق ضمن مجال العلوم الإنسانية؟ بل وضمن حيّزٍ ضيّقٍ منها يقترن بالشَّأن الدِّيني، والنصّ الديني على وجه الدّقَّة.

لَيْسَ بالإمكان الكَشفُ عن المعطيات الأوليّة التي سَاهَمَتْ في تكوين النصِّ القُرآنيّ، إلّا بالقدر الذي تسمحُ به دراسةُ، ما يمْكنُ للمرء أن يَقِفَ عليه المرءُ، مَخْطُوطاتٍ، أميطَ عَنْهَا اللِّثامُ، وصَارَتْ في حكم المعلوم، غيرَ أنَّ تلك الصُّورة الّتي تظهرُ بها تِلْكَ المخطُوطات في تنوّعها وتعدّدها، لم تغيّر، في الواقع، من تصوّر المؤمنين نحو النصّ المقدّس، الذي أعلن عنه في لحظة تاريخية ضمن المشروع الذي قدّمه عثمان بن عفّان. تقوم الرّوايَةُ الإسلاميّةُ على بداهةٍ، مؤدّاها أنَّ “القرآن” انتقل بـ “التّواتر” من فم النبي إلى الصّحابة، ثم إلى التابيعين وتابعيهم، ومعنى ذلك أنّ “القرآن” مُرِّرَ مُشَافهةً، وأنّهُ في الصدور لا في السُّطور. وقد سَاهَمَت هذه الرِّوايةُ في صياغةِ المنظور التّقليدي الذي أرسى دعاماته في اللحظات الأولى لنقل القرآن من المجال الشفهي إلى المجال المكتوب، مع ما يطبَعُ هذه المرحلة من أَسْطَرة لا تسمحُ بتبيّنِ الحقيقة والكشف عنها.

-1-

لم يكن “تَدْوينُ القُرآن” – في عُرف الرواية الإسلامية – نابعاً من حاجةٍ، وضرورة اقتضاها واقع الحال، بل إنّه كان خياراً استراتيجياً متاحاً، مهّدَ للدخول في طورٍ تاريخيٍ تضيقُ معهُ كلُّ الاختلافات، التي يحملها الشفهيُّ بالضرورة، كالشروحات التي أرفقت ببعض الصُّحُف، التي كان يمتلكها بعضُ الصّحابةُ الذين كانَ لهم حظّ من الكتابة، غير أن تلك الفروقات ستمحى لصالح الموافقة التي ستعلن في “الطور العثماني”. وبالتالي يمكن الحديث عن ثلاثة أطوارٍ أَسَاسِية: “طور ما قبل مصحف عثمان”، و”طور مصحف عثمان”، و”طور ما بعد مصحف عثمان”.

يمتدُّ الطَّورُ الأوّل من زَمَنِ النّبيّ إلى زمن عمر بن الخطاب، وفي هذه المرحلة لم يكن القرآن قد تشكّل إلّا بوصفه خطاباً، موجّهاً من النبي إلى أصحابه، وتؤكد المصادر الكلاسيكية (المتأخرة)، على أنّ النبي نفسه كان يدعو “كتبة الوحي” إلى كتابة آية ضمن سورة، أو ضمن أخرى، وبهذا المعنى فإنّ الصورة الكلاسيكية – كما تمثّلها المسلمون – تفترض أن مشروع التدوين بدأ مع النبي محمّد، وهو الذي أمرَ بتحديد النصّ، ليكون على شاكلته، ولا يستقيمُ مثلُ هذا الأمر إلّا إذا نظرنا إليه في إطاره التاريخي الضيّق، والشروط التي أنتجته؛ فلو كان واقعاً أن تدوين القرآن كان مشروعاً نبويًّا لما كانت الضرورة ستدفع بأبي بكرٍ وعمرِ لفتح الباب على مصرعيه من أجل إقامة تدوينٍ ثانٍ، ثمّ ما الغاية التي قد تدعو إلى مثل هذا التكرار؟ لا يفيدنا كثيراً الخوضُ في تفاصيل هذا الطّور، ذلك أنّه لم يقف الباحثون إلى اليوم على معطيات أثرية، أو نصوص ترجع إلى هذه الفترة بالذات، لكن ما يستفاد هو ما تبقّى من روايات حول هذه الفترة، لا سيما في ما يتعلّق بالدافع الذي كان وراء “تدوين القرآن” في هذه المرحلة المبكّرة، الذي يرجعُ بالدرّجة الأولى إلى ما لحق “حملة القرآن” من قتل جرّاء المعارك المتتالية، وخاصّةً “معركة اليمامة”، غير أن هذا الدّافع يبدو ضعيفاً إذا ما قورن بحجم المشروع في حدِّ ذاته، لا سيما وأنَّ هؤلاء الذين يعتبرون من “حفظة الوحي”، ستظهر بينهم فروقات واختلافات ليست بالهيّنة. ومن الراجح أن ينظُرَ المرء إلى هذه المرحلة بالذات، بشيء من التحوط، والسبب في ذلك يرجع إلى ضعف الموارد المعرفية والوثائق، التي قد تُسْعِفُ البَاحِثَ في تكوين معطيات دقيقة حول هذه الفترة. تستندُ أغلبُ المراجعات التي تهتم بهذا الطور، في مجال الدراسات الكلاسيكية التي أنشئت حول النصّ القرآني، على الروايات التي تضمّنتها كتب التفسير، بالإضافة إلى الروايات التي نشأت لاحقاً، في الفترة تدوين الحديث. عرفَ الطورُ الأوّل من تكوّن النصّ القرآني كثيراً من الملابسات الغامضة، التي لا يمكن تبيّنُ معانيها إلّا بالتوفّر على الأدوات المعرفية الكفيلة بذلك. يُستشفُ من خلال الرّوايات اللاحقة لهذه الفترة أنّ الصحابةَ البارزين عبد لله بن مسعود وعلي بن أبي طالب، كتبوا مصاحفهم الخاصّة، ولابدّ وأن هذا التقليد الذي سُنَّ في هذه المرحلة قد شرّعَ لكثير من الناس وضع مصاحفَ خاصّة بهم([2]).

وأمّا الطور الثاني فَيَتَّصِلُ بزَمنِ عُثْمَان بن عَفَّان، وهو طَوْرٌ رَئيسٌ في تَشَكُّل النَصِّ القُرآني، وتكْوينه في شكله الحالي ضمن الأفق الذي سيعدّه ابن عفّان للعمل على مشروع “مصحف عثمان”. لكن الأمر يتعدّى هذه الخطيّة التاريخية التي يُعتقدُ معها أنّ الأحداث تصطفَ خلف بعضها البعض، ويضمحلُ الفهم العامّ داخلَ حركية الأفكار، وجزئياتها، إذ لم يكن ابن عفّان يسعى إلى تشكيلِ نواة نصٍّ واحدٍ فقط، بل سعى أيضاً إلى إقبار كلِّ أشكال الاختلاف التي يمكنُ أن تقدّم نفسها كبدائل ممكنة معيداً بذلك الكثرة الكاثرة إلى الوحدة، وصارت عمليةُ “حرق” المصاحف إذناً لتدخلّ السلطة في تحديدِ الصورة التي ينبغي أن يكون عليها النص القرآني في الإسلام، ومحاولةً للإعلانِ عن “مُدَوَّنة رَسمية” تقترحُ نفسها كحلٍّ نهائي يجبُّ الصراعات كلّها. ولئن كان زيد ابن ثابت قد اضطلع بهذه المهمّةِ في الطور الأوَّل، وسطَ رفضٍ ظاهره به عبد الله بن مسعود، فإنّه سيرشحُ لإتمام المهمّة التي شرع فيها زمن أبي بكر وعمر، ونظراً لمكانته وقربه من النبي، ومعرفته بالعبرية والسريانية، فإن ذلك كلّه مكّنه من التفوق على منافسيه في هذه المهمّة، التي ستناطُ إليه للمرّة الثانية على التوالي، مع فارقٍ هو أنّ النسخَ سوف يخضعُ لشروط صارمةٍ، وسيتعيّن على ابن ثابت أن يستعين بآخرين ممن يحسبُ لهم علوّ الكعب في هذا الشأن([3]). لا تفيدنا كثيراً قراءة التاريخ بشكلٍ متّصل، على أن انتاج العبارات والخطابات لا يخضعُ للتاريخ العام بقدر ما يخضعُ لشروطه الخاصّة، وهذه المفارقةُ هي ما يسمُ الطور “العثماني” في التعامُلِ مع النصّ القرآني، فالانتقالُ من “الجمع” إلى “التدوين” ثم إلى “الحرق” و”التوحيد” ليس تراتباً في الأحداث، وتوالياً زمنياً لرغبة السلطة في الكشف عن حقيقةِ “النصّ”، بل إنها ترتكزُ على قاعدةٍ بسيطةٍ مؤدّاها، رفع التوتّر عن النصّ بما لا يخلق فوضى في “القراءة” وبالتالي “الفهم” و”التأويل”. ويمكنُ القول في هذا الصدد إن تاريخ تشكّل النصّ القرآني هو انعكاسٌ لذاته، وليس بالضرورة انعكاساً للتاريخ الإسلامي الصادح بالتحوّلات السياسية والتاريخية والاجتماعيّة. غيرَ أنَّ مثل هذه المقدّمةِ قد لا تتماشى مع العرض الجدلي القائم على مبدإ التأثير والتأثر في التعامل مع المواضيعِ التاريخية. لابد من الاعتراف بالفضل لابن عفّان، وفريق زيد بن ثابت في وضعنا أمام نصّ القرآن في صورته النّهائية، ومع ذلك فإنّ السؤال الذي يلقي بثقله علينا يمكن صيّاغتُه كالتّالي: هل الاختلاف يقودُ، بالضرورة، إلى الصراع والتّطاحن، أم أنَّ ذلك، فقط، هو ما تُصوّره الرّواية الإسلاميّة الكلاسيكيّة؟

وفي الأخير يأتي الطّورُ الثالث الذي يشغلُ زمن ما بعد “ترسيم” مصحف عثمان، الحال التي معها يمكن الحديثُ عن بداية تشكيلةٍ خَطَابيةٍ/ثقافيةٍ، تدافعُ عن شرعيّةِ نصّ المصحف، وإذا كانَ هذا الدّافعُ أصيلاً – في عرف أصحابها – فإنّهم عملوا على إلغاء التشكيلات الخطابية المخالفة، ومنه ما حدثَ لمصحف عبد الله بن مسعود، الذي سيواجهُ بمصحف عثمان في مراحل لاحقة من التاريخ الإسلامي، وبالتالي فإنَّ الرّوابط الخفية والكامنة في الصراع بين عناصر الاختلاف والرغبة في التوحيد، كانت فاعلاً أساسيًّا في تطوّر الآليات الداخلية للنصِّ القرآني، وفي ما أصبح يتيحه من إمكاناتٍ تتوسّلها السلطة لشرعنة مرادها. وبالتالي فإنّ هذا الأمر سيدفعنا إلى التفكير في الحركيّة الدّاخلية للنصّ، ما يوفّره من اختيارات استراتيجية مفروضةٍ على قرَّائِه، ضمن أفقٍ وزمن محدّدين، على أنَّ ذلك الأمر سيغيّر نظرتنا إلى طبيعة العلاقة بين السلطة السياسية والسلطة الدّينية في الإسلام، وذلك من خلال إعادة تسليط الضوء على العلاقة بين النصّ والواقع. يمتلكُ النصُّ تاريخهُ الخاصّ، وإذا ما سلّمنا بمثل هذه المقدّمة؛ فإنّ ذلك يلزمنا بأخذِ مسافة فاصلة مع الرواية الإسلامية، التي تعطي الأولويّة للفاعل السّياسي في تحديدِ المنعرجات الحاسمة التي مرّ بها النصّ في تشكّله. أصبح للنصّ مكانته ضمن التاريخ، مثلما أصبح له تاريخه الخاص، وبناءً عليه لم يعد بالإمكان أن ننظر إليه بعين السلطة، ووفق منطقها. أضف إلى ذلك أنّ مسألة “توحيد” النصّ تتساوق مع تأسيس “الشريعة”، وهذا الأمر يوضّح خطوط اللقاء بين شبكة المفاهيم، التي تؤسس المعرفة الكلاسيكية، ويوضّحُ، أيضاً، الدّوافع والأسباب التي سمحتْ بالانتقال من طورٍ إلى آخر.

تَغيّر التَاريخُ الخاصُّ بالنّص القرآني، تَبعاً للأنماط التي خضعت لها أطوار التجربة القِرائية، وتبعاً لاتساع دائرة الفهم التي استندت إلى العلاقات المفهومية التي نشأت ضمن دوائر “العقيدة” و”علوم القرآن” من جهة، و”العلوم الشرعية” و”النّحو” و”البيان”، إلخ. وذلك يتّضحُ من “الاختراقات” التي صَار النصُّ يقتحمُ بها سائر الميادين المَعْرفيّةِ التي انهمّ المسلمون بها وبتأسيسها. والحال أن جملة العلاقات التي ربطها النصّ بواقعه، فُرضت ضمن أفق أوسع، في علاقة بسلسلة العلوم التي تشكّلت حوله، وَلم تسمح بالنظر إليه كموضوعٍ قابل للمراجعة والنظر، أو المقارنة بغيره من النصوص؛ لأنه، وببساطة، أصبح مهيمناً وذا سلطانٍ، يتعالى بقدسيته على كلِّ محاولةٍ للتدخل البشري، وبالتالي أصبح بالإمكان الحديثُ عن نصٍّ مُغْلَقٍ، يدافعُ عن نفسه بنفسه، ويسخّرُ كلَّ المعارف لتؤكّد قداسته، ولتبين مواطن قوّته. وهكذا تصيرُ العلوم الدائرة في فلك القرآن كلّها، بالضرورة، علوماً دفاعيةً، وتنتظم داخل تشكيلة خطابيةٍ تعلي من مكانة “النصّ المقدّس”، وتقدّمُه في صورةٍ تتجاوز منطق “التحوّلات التكوينية”؛ فيصبحُ بذلك النصُّ في عرف الرواية الإسلامية الكلاسيكية، نصّاً ناجزاً، ألقاه الله إلى جبريل، وحمله جبريل إلى النبي محمّد بعد أن كان منجّماً على مدى عشرين عاماً، وألقاه النبي محمد إلى قومه بشيراً ونذيراً، وبالتالي فإن الفاعليّة الذاتية ملغاةٌ لصالح، النفوذ النصّي، الذي يسنده “التواتر”. لكن ثمّة مفارقاتٌ كثيرةٌ تصدُر عنها الرواية الإسلامية في هذا الزعم، منها ما يتعلّق بشكل النصّ، ومنها ما يتعلّق بمضمونه، وهي التي لا تزال محفوظة ضمن التفاسير الكلاسيكية المختلفة.

لا يزال المنظور الكلاسيكي يتحكّم في دوائر الدراسات القرآنية الإسلامية، فالمرحلة السكولائية الإسلامية (=أي مرحلة الجمع والتصنيف التي بدأت معالمها منذ القرن 7 الهجري)، عملت على ضم ما تفرّق من معارف، ومؤكدة من خلال هذه العمليّة التصنيفية، على أهميّة الفنون التي توصّل إليها المتقدّمون، في تعاملهم مع جوانب الحياة الدينية كافة؛ بما في ذلك طرقهم في تفسير القرآن وبيان وجوهه الكثيرة، تحت غطاء “علوم القرآن”، فأسماء من قبيل الزركشي، والسيوطي، لا يزال أثرها واضحاً وجلياً في ميدان الدراسات القرآنية الإسلامية، وبالرّغم مما يمثّلهُ نصّان من قبيل: “البرهان” و”الاتقان” في إطارِ “علوم القرآن” بالنسبة إلى المدوّنة التفسيرية الكلاسيكية، وأيضاً، بالنسبة إلى العقل الإسلامي، إلا أنه يمكن مراجعتهما بوصفهما “أرشيفاً” يسمح بالكشف عن القبليات، والأسباب الكامنة وراءَ نُشُوء هذا النموذج المعرفي في الإسلام، خاصّة وأنه لا يزال يفرضُ نموذجيته على العقل الإسلامي في الوقت الرَّاهن([4]). لقد نشأتْ تلك الآليات التأويليّةُ من أجل غايةٍ محدّدة، تتمثل في بيانِ الإطار المفاهيمي، الذي يعملُ ضمنه المفسّرون، بالإضافة إلى تحديد المجال الذي لا يمكن جهله بالنسبة إلى من يرغب في تفسير النصّ، وبالتالي فإنّ المرحلة السكولائية الإسلامية اختصت بمهمتين اثنتين: التعريف، والحصرُ.

لا يمكن أن نغفل عن مسألةٍ رئيسةٍ في التعاملِ مع السياقات التأويلية التي خضع لها العقل الإسلامي في علاقته بالنّص القرآني، فالمدوّنة التفسيرية الكلاسيكية، وما أنتجته من تأويلاتٍ يمكن قراءتها ضمن المتاح المعرفي الذي طرحتهُ الثقافات المعاصرةُ لظهور الإسلام، خاصةً تلك التي يتقاطعُ معها المسلمون ركائزهم، من “يهود” و”نصارى”. لقد فرصت تلك الثقافات على المسلمين، ضرورة، العمل على الدّخول في إطار هذا النموذج التأويلي الكلاسيكي بما يسمحُ بالتفكير في النصّ وقراءته، في ضوء المتاح، وذلك ما يفسّر كيف أنّ المقدّمين الأوائل في تفسير القرآن كانوا ممن انتسبوا – قبل إسلامهم – إلى بيئة يهودية، أو نصرانيّة.

يبدو أنَّ تَقليداً قد تَطوّر في الغربِ، من خلال دراستهم للنّصوص الدينية، ونقدها نقداً تاريخياً، نقرأ في ما كتبهُ هانز جورج غادامر ما يلي([5]): “فالتأويلية اللاهوتية تطوّرت، كما بيّن دلتاي، من دفاع دعاة الإصلاح الديني عن فهمهم للكتاب المقدس ضد هجمات اللاهوتيين الثالوثيين، ومن اقتناعهم بضرورة التراث؛ أما السبيل الفيلولوجية فقد تطورت كوسيلة بيد الحركة الإنسانوية في مطالبتها بإحياء الأدب الكلاسيكي. إن كان كلا السبيلين تتضمن إعادة اكتشاف شيء ليس مجهولاً تماماً، ولكن معناهُ صار غريباً وليس في المتناول”. ما حصل في الحقيقة هو أنّ الأدب الكلاسيكي، الذي لطالما دافع عنه أنصار الإنسانوية، أي الأدب اليوناني والروماني، امتصّته الفترة المسيحية، وأيُّ رواية عنه إنما يتم من خلال وساطةٍ مسيحية. وإذا كان الأمر كما هو عليه بالنسبة إلى الأدب؛ فالأمر عينه يسري على النّص المقدّس، ولخوض غمار التَّجربة في البحث عن الأدب الكلاسيكي والنصّ المقدس في أصالته، كان لزاماً على الباحثين التسلُّحُ اللغات القديمة، اليونانية والعبرية، في إطار التنقيب الفيلولوجي عن مصادر الفكر الإنساني الأوروبي، وتجاوز السطلة التي كانت تفرضها اللغة اللاتينية. وهكذا أضحى المنهجُ الفيلولوجي أداةً طاغيةً في التّعامل مع النّصوص القديمة، بما فيها النّصُوص المقدّسة.

استمرّت المنهج الفيلولوجي في مسعاه المعرفي، واعتماده المطلق على اللّغة، وبالتالي فإن النتيجة المنطقيّة لمثل هذا المبحث ستفضي به إلى أمر واحد، وهو أنّ الحقيقة تسكنُ – بشكل من الأشكال – اللّغة. استطاع مارتن لوثر Martin Luther (1483- 1546) أن يؤسسَ لنظرةٍ طبعت تاريخ تأويلية الكتاب المقدّس، وتقومُ على المبدإ التالي: “إنّ الكتاب المقدّس هو مؤوِّل نفسِه sui ipsius interpres”([6])، وبالتالي فالكتاب المقدّس وحده Sola Scriptura، ولا حاجة إلى أيّ شكل من أشكال الوساطة التأويلية، التي يمكنُ أن تقوم بين القارئ والنص، وبالتالي فإنّ الركيزة الأولى التي ينبغي اعتمادها تتمثّلُ في “حرفية النّص” وبالتبع من ذلك “المعنى الحرفي” sensus literalis، وليس التأويل المجازي التي تَطْغَى على جميع أنماط التَّفسير الأخْرَى، حَتَّى ابْتَعَدَ التَّفسِير عن الحرف كليًّا، وارتبط بالمجاز والرمز. لا يتأتى فهم النصّ المقدّس بتوسل المعطيات الجزئية، فقط، بل بربطها بالسياق العام للكتاب ككلّ، وفي ذلك يشبهُ الكتاب المقدّس الجسد، وتشبه العلاقة بين أجزائه وكلّيته العلاقة الوظيفية بين الأعضاء والمجموع الكلّي للجسد.

بينما حاول الفكرُ الإصلاحي النّأي بنفسه عن التقليد الكَنَسي الدُّوغمائي، أسَّس لنفسه دوغما جديدة، تتمثل في القراءة الذاتية للنص، أو النصّ الذي يقول بنفسه عن نفسه كلّ شيء، وفي الحقيقة فإن النص لا يقول شيئاً، والاعتمادُ المطلق عليه يقحم القارئ في متاهات لا حصر لها، بل إن المعنى يكونُ نتاجاً للعلاقة بينهُ وبين قارئه. يمكنُ الاعتمادُ على النموذج الذي وضعهُ مارتن لوثر في فهم السياقات التي تمّ فيها التّعاملُ مع النصّ الدّيني من المنظور الإصلاحي، وبالتوازي مع ذلك يمكن فهم القراءات التأويلية والمراجعات التي قدّمتها في ضوء العلاقة بين اللغة والحقيقة، إلّا أن الاعتماد على اللّغة وحدها لا يستقيم، وبدون العودة إلى الواقع والتاريخ فإن فهم النصّ المقدّس لن يتحقّق. لم تعد الهيرمينوطيقا محاولةً لفهم النّص مثلما أكّد ذلك شلايرماخر، بل إنّها في منظور ديلتاي أصبحت تسعى لتحقق نفسها كأورغانون تاريخي كلي، وذلك من خلال الانفصال عن كل تحديد دوغمائي([7]).

ما يُسْتَخْلصُ من لحظة الإصلاح الدِّيني في أوروبا، هُو أنّه لا إصلاح إلا بتملّك زمام النّص الدّيني، ومعنى تملّكه أي تأويله بَعِيداً عن منطق الدوغما والمصلحة. تُعَبّرُ النصّوصُ المقدّسة عن تطلّعاتِ الجماعة التي تُدَافِع عَنها، أي أنّ تاريخ النصّ يتشكّلُ بالتزامن مع تاريخ الجماعة التي تتبناه، حتى يصيرَ ذا سلطان فيها وعليها، وَيَصِيرُ الصِّرَاعُ على تأويله تعبيراً عن الرّغبة في الوصول إلى تملّكِ سلطته. يَصيرُ في حكم الممكنِ أن نؤوّل الوثائق القديمة ضمن الأفق الذي يسمحُ به الأنموذج الهيرمينوطيقي، والأخذ في الحسبان بما يمكنُ أن يترتّب عن ذلك من ربط للوثيقة بتاريخها ووقائع ذلك التاريخ، وبذلك ننتقل من المنهج الوصفي التحليلي إلى منهج تأويلي، يسمحُ بقراءة النصِّ الديني في علاقته بمجمل التفسيرات التي نشأت حوله عبر التاريخ.

ومعلومٌ أنَّ الدّراسات القرآنية Qur’anic Studies وُجدَت بفعلِ ما تقدّم ذكره؛ فَفي الوَقْتِ الذي وصلت معه الدّراسات الكتابيّة إلى ذروتها النَّقدية، وأصبح بالإمكان تحديدُ المسافة الفاصلة بين ما يرجعُ إلى النصّ نفسه، وبين ما يرجُع إلى التّفاسير المرتبط به، والتّقاليد التي تصدُر عنها. لكنّ الأمر سيبلغُ ذروتهُ مع اللحظة الأنواريّة، حيثُ سيتعينُ على المجتمع العلمي والأكاديمي وضع مسافةٍ فاصلة بين ما للعلم وما للدين، بل أصبح الدّين نفسهُ مدار تفكير، وتأمّل، وصارَ رهان الكشف عن مغالطاته وثغراته الشغل الشاغل للمفكّرين في تلك الفترة. غير أنّه وبالتّوازي مع تلك الانتاجات الفكريّة تبيّن أن تفكيك المنظومة الدّينية لا يمكنُ أن يتمّ إلا بالانفتاح على موارد ثقافيّة أخرى، ومن ضمنها ما يتعلّق بالإسلام، ورسوله، ونصّه المقدّس. منذ كتابات أبراهام غايغر Abraham Geiger، وتيودور نولدكه Theodore Nöldeke، أصبحَ القرآنُ جزءاً لا يتجّزأ من المنظور الأكاديمي الغربي، في دراستهم للشرق، لكن ذلك تمّ في علاقة بمخرجات الدّراسات الكتابية الكلاسيكية، ويمكن القول بأنّهُ في الوقت الذي أنجز فيه مشروع ترخنة Historicized الكتاب المقدّس، انتقل المشروع إلى المجال الإسلامي.

-2-

وَصَلَ فَهْمُ المُسلمينَ للقرآن إلى مرحلة من الاستقرار العقائدي والتَّفسري، وذلك بحلول القَرْنِ التَّاسِعِ للهجرة، وَكَانَتْ الاتجاهات الدّراسيَّة للقرآنِ تعتبر هذا اللَّحْظَةَ مِحْوُريَّةً. تراكمتِ التَّفاسير القرآنيةُ، شفهيًا وكتابيًا، وذلك ما يُسجّلهُ العمل الرئيس في هذا الفنِّ، “جامع البيان في تأويل آي القرآن” لمؤلّفه ابن جرير الطبري (توفي 310-923)، الذي يَصِل إلى ثلاثين مجلداً. وهوَ شَرْحٌ للعبارات القرآنيَّة وتلخيصٌ لِكُلِّ الأعمال التَّفسيرية السابقة، وتكاد تكون الدراسات الإسلامية اللاحقة حول القرآن، عطفاً عليه.

لا مراء في أنَّ النَّبِي محمد تقلّد مكانةً اعتباريّةً ذلك أنّهُ المفسر الأول للقرآن. وَبعد وفاته، انتقلت هذه الأسبقية إلى صَحَابته. وأبرزهم: ابن عباس، وابن مسعود، وأبي بن كعب والخليفة الرابع علي بن أبي طالب. يَرْتَبِطُ التَّفْسِيرُ القرآني، المنسوب إلى هذه الفترة، أيضًا، بأرملة النَّبي عَائِشَة بنت أبي بكر. ويَشْمَلُ الجيل الثاني التَّابعين أسماء مثل مجاهد بن جبر، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وقتادة وعلي بن أبي طلحة. وقد أدرجت المصادر اللاحقة كل هذه الشخصيات كَتلامذةٍ لابن عباس، وهو، وفق التَّقليد الإسلامي، “مُحِيطُ” المعرفة التفسيرية. لحقتْ شَخْصِيَّاتٌ أُخْرَى المَشْهَد التفسيري للقرآن: كالحَسَن البصري (ت 110-728)، ومقاتل بن سليمان (ت. 150-767)، وسفيان الثوري (ت 161-778)، وسفيان بن عُيينة (توفي 196-811)، وعبد الرزّاق (ت .211-827)، وسهل التستري (ت 238-896) وهود بن مُحكم (توفي 290-903). وقد ظهرت في العُقُودِ الأخيرة طَبَعَاتٌ نشرتْ يرجعُ إسنادها إلى هؤلاء وغيرهم من العلماء الأوائل، مما يثيرُ جميع أسئلة تاريخ التنقيح والمراجعة، التي لا تزال تَشْغَلُ بَالَ الأصوليّةِ الإسلامية.

بينما يظل تفسيرُ الطبري مَصْدَراً أساسياً، فقد نمت مكتبة التفسير القرآني بشكل مطرد في القرون التي تَلَتْ ظهوره في أوائل القرن الرابع الهجري. تميل الدّراسات الاستقصائية الإسلامية، وغير الإسلامية للتاريخ التفسيري إلى تصنيف التفاسير حسب التوجه العقائدي أو الأيديولوجي. ويمكنُ أن نستجمعَ بعض الأَسْمَاءِ الرئيسة في التّعاملِ مع تفسير النصِّ القرآنيِّ، خاصّةً تلك التي اقترنت بتفسير الطّبري عِندَ كلٍّ من: أبي الليث السمرقندي (ت 375- 985)، وأبي إسحاق الثعالبي (ت 427-1035)، والبغوي (ت 516) 1122)، وابن عيينة (ت 541-1147)، وابن الجوزي (ت 597-1200)، وابن كثير (ت 774-1373)، والسيوطي (ت 911-1505).

تصنّفُ بعضُ التفاسير على أنَّها أقل أهميّةً من غيرها، لافتقارها إلى السّند المتّصل بالقرون الإسلامية الأولى، أو لإفراطها في التّعبير عنْ تَوَجّهَاتٍ دينية أو فلسفية معينة، حيثُ يُسَجِّلُ تَاريخ التَّفسير الإسلامي تَفَاوُتاً في استقبال هَذَا النَّوع من التَّفسير. وتمَّت مؤاخذةُ المُفَسِّرين الذين لا يأخذون بالرواية والإسناد في تفسيرهم مثل القاضي عبد الجبار (ت 415-1025) والزمخشري (ت 538-1144) وفخر الدين الرازي (ت 606-1210) أو من تَمَّتْ إدانَةُ تفسيرهم وتُقُبِّل لاحقاً مثل ابن حبيب النيسابوري (ت 406-1015)، البيضاوي (حوالي 700-1301)، النسفي (ت 710-1310)، الخازن البغدادي (ت. .742-1341).

ومن أشهر المفسّرين المننتسبين إلى الشِّيعَة نذكر؛ العياشي (توفي حوالي 320- 932)، والقميّ (منتصف الرابع، العاشر. م)، والطوسي (ت 460-1067) والطبرسي (ت548-1153). والحال هذه فَلا تمثل أعمالهم تقليدًا تفسيريًا منفصلاً، تماماً، عن التَّفسير السُّني، إلا أنها تشير إلى تميزها من خلال الإشارة إلى بعض المراجع المُبَكِّرة، مثل جفر الصادق (ت .148-765) وغيره من الأئمة، والاهتمام بمواضيع معينة من أنماط التفسير. ليس الإسلام الشيعي فريداً عن نظيره السني، لكن هناك مجموعات مهمَّة داخل الشيعة، مثل إسماعيلية والزيدية، الذين يعتزون بسلالة من المفسّرينَ داخل مجتمعاتهم الفكرية.

تُنسبُ مجموعةٌ من الأعمال إلى التّيار الصوفي، الذي سَبَقَ ذِكْرُ شخصيةٍ بارزةٍ من أعلامه، وهو سهل التستري. التفاسير الصوفية المهمة الأخرى كتفسير السلمي (ت 412-1021)، والقشيري (ت 465-1072)، ورزبهان البقلي (ت 606-1209)، وكذلك ما نُشر تحت اسم ابن عربي (ت ٦٣٨-١٢٤٠) ولكنه في الواقع عمل تلاميذه. من غير المرجح أن يحاول التفسير الصوفي تغطية تفسيرية شاملة للنص القرآني، مثل الأعمال الأخرى التي تم ذكرها سابقاً، إذ غالبًا ما يُسَجِّلُ الرُّؤى الروحية والإشراقات الصوفية التي ولّدتها كلمة أو آيةٌ معيَّنَة من القرآن، إمَّا في ذهن المؤلف أو في أذهان أولئك الذين يسعى إلى نقل أفكارهم.

تجد الطبيعة الانتقائية للتفسير الصُّوفي نظيرها في نوع تفسيري آخر يُرَكز، أيضًا، بشكل أساسيٍّ على أجزاء معينة فقط من النص القرآني. تَهْتَمُّ التفاسيرُ التشريعيّةُ الفقهيّة بالقرآن، وخاصّةً بتلك الآيات التي لها مضامين سُلُوكيَّة، تَفْرِضُ أو تمنع أنواعًا مختلفة من النَّشَاطِ البشري. وتضمُّ الأعمال الرئيسة لهذا النّوع: الجَصَّاص (ت ٣٧٠-٩٨١)، وإلكيا الهَرَّاسي (أبو الحسن عماد الدين علي بن محمد بن علي الطبري) (ت ٥٠٤-١١١٠)، محمد بن عبد الله بن العربي (ت 543-1148) والقرطبي (ت 671-1272). ينتمي ابن العربي والقرطبي كلاهما إلى الأندلس، وهي منطقة من العالم الإسلامي في العصور الوسطى أنتجت تراثًا فكريًا ثريًا. لقد كتبوا بالعربية كما فعل المفسرين الذين ذُكرت أسماؤهم آنفاً. لكن من المؤكد أنَّ العمل التوضيحي المهم في القرآن لم يقتصر على اللغة العربية. شَهِدَ القرن العشرون نشر تفاسير رئيسة باللغة العربية، كتلك الخاصة بمحمد عبده ورشيد رضا، وسيد قطب، والطبطبائي – فارسي كتب بالعربية – وعائشة بنت الشاطئ (عائشة عبد الرحمن)، ومحمد متولي الشعراوي، وحيثُ رُحِّب، أيضاً، بالمساهمات الأردية لأبي الأعلى المودودي، وأمين أحسن إصلاحي، بالإضافة إلى عمل حمَكَة (الحاج عبد الملك كريم أمر الله) المؤلف من ثلاثين مجلدًا باللغة الإندونيسية.

شهدت منطقة جنوب شرق آسيا، التي تضم حوالي ربع السكان المسلمين في العالم، عودة معاصرة لجميع أشكال الدراسات القرآنية. تأخذ تلاوة القرآن، على سبيل المثال، شكل مسابقات محلية وإقليمية ووطنية لكل من الرجال والنساء، مع عروض المسابقات القرآنية كجزء شائع من هذه الأحداث. في حين أن عروض المسابقات قد تكون طريقة حديثة بالتأكيد لعرض الخبرة في الدراسات القرآنية، فإن الرغبة في الاهتمام الشامل بجميع جوانب النص ونقله لها تاريخ طويل جدًا في الحياة الفكرية الإسلامية. على الرغم من أن التفسير المتسلسل للقرآن يشكل جزءًا مهمًا من ذلك التاريخ وعنصرًا رئيسيًا لما يحب المسلمون تسميته “بالعلوم القرآنية”، إلا أنه ليس العنصر الوحيد بأي حال من الأحوال.

مع استمرار النص القرآني في اجتذاب التدقيق من الأجيال المتعاقبة من العلماء، أصبحت الفئات الأخرى ضمن النطاق الواسع للعلوم القرآنية أكثر توحيدًا وأنتجت الأنواع الفرعية الخاصة بها من آداباً وفنون دقيقةً. أدت المحاولات الأولى لموضعة الآيات تاريخيّاً إلى إنشاء “علم أسباب النزول”، كما يتجلى في عمل الوَاقيدي (ت 468-1076). وأدَّى الاعتقاد بأن القرآن احتوى على عناصر ناسخة ومنسوخة إلى علم النّاسخ والمنسوخ، أي أنَّ بعض الآيات أبطلت القوَّة الإلزامية لآيات أخرى، أدى إلى جهد تفسيري وفهرسة واسعة النطاق، وجدت صداها في مؤلفات الزّهري (ت 124 هـ). 742)، والنّحاس (ت 338-949)، هبة الله بن سلامة (ت 410-1020) وابن العتائقي (توفي 790-1020).

أدّى الفحص المعجمي إلى أشكال أخرى من التصنيف: تم جمع المفردات القرآنية التي تعتبر “غريبةً” أو “غامضة” بسبب اشتقاقها أو ارتباطها في أعمال ابن قتيبة (ت ٢٧٦-٨٨٩) والسجستاني (ت 330- 942) والرّاغب الاصبهاني (ت 502-1108). كما عالج ابن قتيبة والدّامغاني (ت 478-1085) وابن الجوزي الكلمات ذات المعاني والكلمات المتعددة التي تعمل كمرادفات. دفعت مشكلة الغموض الدلالي الأكثر إثارة للقلق إلى أعمال تصنيف إضافية وإحالة مرجعية نصية. يُظهر هذا التدقيق المعجمي الصارم في مجمله ارتباطًا عميقًا وموقرًا بالنص، وهو تقديس واضح أيضًا في الانغماس البلاغي الذي يميز العلوم القرآنية المتطورة.

منذ فترة مبكرة جدًا، كان من وجهة نظر العقيدة الإسلامية أن القوة الدينية والخطابية للقرآن لا يمكن أبدًا تكرارها: القرآن، في عقيدة المسلمين، لا يضاهى. يركز النقد الأدبي التقليدي للنص على توضيح أسس هذا الإعلان العقائدي. كما طورها علماء كلاسيكيون مثل أبي الحسن الرماني (ت 386-1996) والكعبي البلخي (ت 388-1998) والبقلاني (ت 403-1013) والجرجاني (ت 470-1078)، فهذه الأسباب موضوعية وأسلوبية.

يعتبر المسلمون القرآن بمثابة معجزة مصدّقة لنبوة محمد لأنه يحتوي على معلومات عن الماضي والمستقبل وعن علاقات الله بالعالم لا يمكن لأي إنسان أن يبلغها من دون مساعدة. يضيف اعتقاد المسلمين بأن النبي محمد كان أميًا وهذا يمثّلُ قوَّةً إضافيةً لهذا الشعور بالأصل والمحتوى الفَوق- بشري. لكن وراء مثل هذه الأمور المتعلقة بالمحتوى يكمن التركيز على الفعالية الجمالية للقرآن. فبتحليل دقيق ومضني للنص وعزل الأمثلة ذات الصلة لأشكال الأنواع والشخصيات الأدبية؛ ودقق في أنماط القافية والسجع؛ قام بفهرسة أمثلة محددة لاختيار الكلمات وترتيبها. وقد تداخل هذا التدقيق والتحليل مع بلاغة مدح القرآن. في الواقع، يمكن النظر إلى الكثير من التشريح المعقد للنص القرآني الذي يمكن العثور عليه في الأعمال المتعلقة بـ “علوم القرآن” على أنه محاولة لشرح تأثير التلاوة القرآنية على المؤمن. تجد التجربة البلاغية مظهرًا مكتوبًا في التصنيفات التفصيلية غير العادية، التي أنتجها علماء مثل الزركشي (ت 794-1392) والسيوطي. إن مسح الفصول الثمانين من تأليف السيوطي الضخم للعلوم القرآنية يعطي المرء إحساسًا جيدًا بالمعرفة النصية كعمل يحظى باهتمام تقديري دائم.

-3-

لَعَلّ التّفكير في القرآن ليس أمراً مستجدّاً عند المسلمين، فجُذُورَهُ ضَارِبَةٌ في التّاريخ وَمُوغِلَةٌ فيه أَيّمَا إِيغَال؛ حَيْثُ تَرْجع إلى بدايات الوَحْي نَفْسِه. اقْتَضَتْ ضَرُورَةُ فَهْمِ الوحي والتشريع وجود وسَاطَةٍ شارحةٍ، تَنْقُلُ المَضْمُونَ مِنْ رَمْزِيّته وَإشَارِيّتِه نَحْوَ أفق التّلَقّي، فكانت تلك الوساطة الشّارحة تَتَمَثّل، بدءاً، في قراءة القرآن نَفْسِهِ([8]) أو ما يمكن أن نصفه أيضاً بالقراءة الحروفية للنصّ([9])، وبِمُكْنِنَا أَنْ نَلْحَظَ ذلك إنْ نَحْنُ توسّلْنَا التّرَاتُبَ الزّمَني-التعاقبي للآيات، حسب زمن نزولها، وسياقاته، وهي اللحظة النبوية؛ فالنبي كان ناقلاً للوحي وشارحاً له أيضاً. غير أنّه ما لبثت هذه الوساطة أن توزّعت على الصّحَابة، فجاء القرآن ناطقاً على لسان بعضهم، أو مؤكداً، وهو أمرٌ معلومٌ لدى الجمّ الغفير من المتقدمين في التّفسير، وتكّررَتْ هذه القضية مع ابن عبّاس الذي عُرفَ بنباهته وتفقّهِهِ في الدين، حتّى عدّ مرجعاً في تفسير القرآن([10]). وما يلاحظ، للوهْلة الأولى، أن شَرْحَ ما استشكل من النصّ لم يكن قط حكراً على قلةٍ قليلة، بل الأمر راح دُولةً، وعُنِي به من دَقّقَ النّظَرَ، وأطال التّمحيصَ في المعاني وأجاد الربط، أو جمع اللمم من كلام العرب حتّى يتحقق له فهم الغريب من الألفاظ. أغنى هذا التراكم المكتبة التفسيرية، إبان القرن الثاني للهجرة، حيث تضخّمت التفاسير إلى حدٍّ استوعبت معه قطاعات معرفية شتّى كاللغة، والنحو، والبيان، والبلاغة، والفقه. وهذا يضعنا أمام سؤال جوهري، بأيّ معنى يمكن تفسير هذا الفراغ التّفسيري الذي يزيد زمنه عن قرن ونصف القرن منذ نزول الوحي؟

يَعْرِضُ لنا، أيضاً، أَنْ نَتَسَاءَل: هل اتُّخِذَ القرآن موضوعاً للتأمل والتفكير عند الرّعيل الأول من المفسّرين والمتكلمين والفلاسفة؟ يكون الجواب عن هذا السؤال بوجهين: نعم ولا، نعم؛ لأن معالم التفكير في نصّ القرآن تجلّت، بحدّةٍ، في النّقاش الذي دار بين المُتَكَلّمين، في القرنين الثاني والثالث للهجرة، حتّى أن قضيته تعاظَمَت واكْتَسَت لبوساً سياسياً أكثر منه عقديّاً، بَالِغَةً ذُرَاهَا مع بلاغ المأمون العَبّاسيّ في مسألة خلق القرآن([11])، وذلك ما ذهب إليه تيار الاعتزال، في محاولةٍ من رجاله لتحديد طبيعة الكلام الصادر عن الله. والقول عندهم بحدوثه جزءٌ لا يتجزّأ من عقيدة الاعتزال، وغرضهم من ذلك إنما هو تنزيه الله وسلب الصفات الآدمية عنه. ولا؛ لأن التفكير في القرآن، بوصفه كلام الله، جزءٌ لا يتجزّأ من التفكير في أسُس العقيدة لدى المعتزلة، وبالتالي فما رُفع إلى درجة تجعل منه موضوعاً مستشكلاً وغرضاً للتفكير والتأمل؛ إذ تقتضي النظرة الموضوعاتية (thématique)، التجردّ التام من كلّ حكم معياري، تنطلق منه الذّات المفكرة حين معالجتها للموضوع المدروس، لا بتحرّي الدفاع عنه ولا بالتوقف على مثالبه، بل بوضعه ضمن إطاره التاريخي والمعرفي.

كلّ قراءةٍ للنصّ، أيُّما نصٍّ، هي إعادة تكوين له عند قارئه، ويخضع النصّ بفعل القراءات المتعدّدة المضيافة لسلطة الزمن وصيرورته، “… فيتّخذ فيه هيئاتٍ عدّةً بعدد من يتصلون به قِرائياً فيشاركون في تأسيس معناه تأسيساً مستأنفاً.”([12]) وعلى هذا الأساس تَجَلَّتْ، أهمية الانتباه إلى القرآن في بنياته اللفظية والمعنوية، في معرض الدفاع والردّ؛ فالذين اعترضوا عليه عدّوه نصًّا عادياً وأقرّوا بإمكان الإتيان بمثله، وأنهم لا يغالبهم في ذلك أحدٌ، وسعوا في التماس دُنْيَويّته، حتى نَزَعُوا إلى اعتبار النبي محمـد قد تعلّمه من شخص آخر. واللحظة النبوية نفسها هي لحظة تفَهُّميّةٌ وتَفهيمية قامت حول النصّ القرآني، فما كان ممكناً بالنسبة إلى الصحابة أن يفهموا تشريعاته ولا أن يحيطوا بكلمه لولا التفسيرات التي قدّمها النبي نفسه عن الغامض من النصّ. بل، والأمر الذي قد يشدّ فكرنا أبعد من ذلك، ففي القرآن تفكرٌّ داخليٌ ودفاعٌ ضمني يفسرّ النصّ نفسه. لكن حدود تجربة التفكير في النصّ الديني القرآني ظلت رهينة بثلاثة مقومات أساسية: إيمانية، ودفاعية، وتشريعية.

  1. ولمّا كان النصّ القرآني – كغيره من النصّوص الدينية – يقتضي منك الإيمان من أجل تحقيق الفهم والمعرفة ضمن “حلقة تأويلية”)[13])، فهذا ما جرت عليه أشكال التعامل معه وأشكال تفسيره، وجُنّدت كل العلوم التي التفّت حوله وقامت في مدماكه لتكون خادمة لهذه الوظيفة الإيمانية التي يحدّدُ معها النصّ دائرة الفهم والتأويل. ولمّا كانت اللغة باباً للفهم، فضبطها من خلال قواعد النحو بكّر بظهور علم النحو، مع أبي الأسود الدؤلي، لِئلا يَلْحَن النّاس حين قراءتهم للقرآن)[14])، وجنّد المفسرون أنفسهم وتَسَلّحوا باللغة وفتوحات المعجميين، فحدّدوا معاني الألفاظ وحملوها على دلالاتها المحتملة، ذلك هو دأب الذين تعاملوا مع النصّ القرآني، فتحدّدَت بذلك معالم حقبةٍ الغالب عليها هو النزوع إلى حفظ معاني النصّ، وَصَوْنهَا مِنَ الخَطَأ، ثُمّ بيانها وتفسيرها. وليس في الأمر هذا مدعاة للغرابة؛ فكل التراث التفسيري، والفقهي، والنحوي، يجد ضالّته في النصّ القرآني بما هو مرجعٌ تُتَلمسُّ منه المعارف كلّها، فهو المعيار لها جميعاً. وما كان بوسع من المشتغلين في دوائر المعرفة النصّية أن يفكّروا من خارج النصّ، بل فكّروا من داخله متوسّلين نظرة غائيةً كان الإيمان منتهاها.
  2. لا يغفل المرء، لحظة انشغاله بالنصّ القرآني، عمّا فيه من دفاعٍ، يعززُّ معه إيمان من يؤمن به، ويضع قيدَ الاتهام من ينكره، فلا تكادُ تنتقل من سورة إلى أخرى من سوره إلا ووجدت ما يفيد الإنكار على المعارضين في ما عارضوا به، وتجد فيه أحياناً دعوة لهم إلى أن يتأملوا ما فيه من جدَةٍ يُعجزهُم عن الإتيان بمثلها؛ وَلأنه هَهُنَا المخَاطِبُ فهو الذي يقِرّ ببطلان أو صدق ما لديهم، وفق معياريته الخاصة، ويؤكدّها في مواضع شتّى، إنّهُ نصٌّ لا يأتيه الباطل، ههنا يدافع النصّ عن نفسه، ليزكي القوّة الإيمانية لدى من يعتقد به. تقوى هذا الدفاع مع الحُظوة التي لقيها علم الكلام([15])،واغتنى معينهُ من خارج النصّ حين تعدّدّت الفهوم حول الآية الواحدة، فانتقل الدفاع من الخارج ضدّاً على المنكرين من الملل البرانية على الإسلام إلى نقاش داخلي يرتكسُ أصحابه إلى التأويل الذي يرونه أحقّ بأن يكون نبراساً هادياً. عرف علم الكلام منعطفاً ارتكاسياً في بنية الوعي الإسلامي الكلاسيكي، إلا أنه ظلّ يحسبُ على هذه اللحظة الدفاعية، وعلى ما في هذه اللحظة من عمق في التعامل مع النصّ، إلا أنها لا تخلو من تضليل يقع القارئ في غياهبه؛ إذ لا يتأتى الكشف عن النصّ إلا من خلال اختراق طبقات التأويل التي تشكلت حوله ([16]).
  3. يَقُومُ القُرآنُ عَلَى جُمْلَةٍ مِن التّشريعات والتوجيهات الدّينية والدنيوية، تَنْبَنِي في مُجْمَلِهَا عَلَى العلاقة القائمة بين كُلّيات الخطاب القرآني وجُزْئياته، وضامّا بين دّفتيه النّشرَ. ويقعُ هذا الاعتبارُ من جهة كونه يَحُضُّ الإنسان المسلم على جملة من الأفعال أو ينهاه عن الإقدام على أخرى، وقد انشغل الفقهاء باستخلاص فُرُوعِ التّشريعات من أُصُولِهَا، وقَاسُوا النّوازل الفقهية على أخرى. فتشكلت بذلك المنظومة الفقهية، التي أضفت مشروعية على خطابها وسوغته في ظلال التشريع القرآني، تحت مسمى الاجتهاد.

وتقع تفاسير القرآن إمّا على المأثور أو الرأي، وهما المعمول بهما والمأخوذ بهما في تشكيل المنظومة التفسيرية. وما يسترعي نظر من يَبْغي التّدقيق في مناهج التفسير تلك، هو الغلبة التي كانت تحظى بها بعض التفاسير، في حين تهمّشُ أخرى وتقصى من دوائر التفكير. يمكن أن نجد، في أغلب التقدير، صنفين مميزين للتفسير القرآني؛ الأول، يفسّر النصّ بالأثر من القرآن نفسه أو من النصّوص الحديثية، وهو الأوفر حظاً؛ والثاني، يفسّر النصّ باستدخال أدواتٍ معرفيةٍ، لا تنتمي بالضّرورة إلى الثقافة العربية الإسلامية. ويخصُّ هذا الأمر أنواعاً محدّدة من التفاسير، كالتّفسير الفلسفي والتّفسير الصوفي، فنجد من الفلاسفة من اهتم بتفسير آية أو سورة، كما هي الحال بالنّسبة إلى تفسير الفارابي الموسوم بـ: ”شَرْحُ فُصُوص الحِكَم”([17])، أو التفسير الذي أوثرَ عَن إخوان الصّفا في رسائلهم، أو تفسير ابن سينا. غير أنه لم تلقَ هذه التفاسير قَبُولاً، ويرجع ذلك إلى أسبابٍ ثلاثة؛ أوّلها، استحكام المنظومة التفسيرية على مجمل الخطاب الشارح للقرآن؛ وثانيها، يتجلّى في أن هذه التفاسير المجدّدة قد استدخلت أدواتٍ فلسفيةٍ يونانية ومنطقية في التّعامل مع القرآن، وثالثها، يتبدّى في الخروج عن دائرة المعنى المألوف والمعتاد.

لقي التيّار المجدّد في التّفسير معارضةً قويّة من لدن التيّار المحافظ، إلى حدٍّ بلغت معه تكفير أصحابه وتسفيه أعمالهم، ولم يكنْ حينها ثمة من بُدٍّ من أن يسعى المحافظون إلى الأخذ بكافة سبل المقارعة، وإلى اعتبار القرآن أرفعَ شأناً من أن يُحْمَلَ على ما جاءت به علوم اليونان، فوقع بينهم ترافُعٌ قويّ في مواضع شتّى من القرآن. والشاهد على ذلك، تمثيلاً لا حصراً، ما جاء في شرح الآية ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ([18])؛ فسّرها التيار المجدّد على أساسِ أن الحكمة قرينةُ الفلسفة، والجدل إنما هو المحمول على أداة المنطق الذي غايته إظهار الحق، في حين عدّ هذا التفسير لدى المحافظين من الغرابة بمكان؛ حيث استحكمت قبضة التوجّه الأرثوذكسي([19]) على النصّ القرآني ملغية أيُّ إمكانات لأفقٍ تفسيريّ جديدٍ. وما لا يعزبُ عنْ المُتَفَكّر في النصّ المقدّس، أن تصير تلك التفاسير الثانوية، التي تشكّلت تبعاً لتوظيفات فقهية أو كلامية أساسيةً، بحيث لا يفهم النصّ إلا بها ومن خلالها، وقد أدّى هذا الأمر بشكل من الأشكال إلى خلق تداخل بين النصّ وبين شُروحاته، حتّى اكْتَسَت تلك التّفَاسير قداسة النصّ نفسه، في إطار قانون التأويل الذي يختلفُ من فرقةٍ كلامية إلى أخرى أو من مذهب فقهي إلى آخر([20]).

تبدّت ضرورة نقد التأويلات والتمثلات التي أُقِيمَتْ حَوْلَ النّصِّ المقدّس ملحّة في مراحل مختلفة من تاريخ تطور الفكر الإنساني؛ فالنقد الذي وجّهه باروخ سبينوزا لتأويلات النصّ التوارتي لا يمكن أن يُصَاعَرَ لَه الخدّ، وقد عرف هذا النقد أوجّه في رسالته الموسومة ب: “رسالة في اللاهوت والسياسة“، حيث يركز في جوهره على تعيين مكامن الجهالة والخرافة في تفسيرات النصّ التوراتي، لا سيما مع تراكم شروحات الربيين واستحكامها بواقع اليهود لمراحل طويلة، وقد لا تخلو من زلات وأعطاب. فما لم يستَعِن الشّارح بعُدّة منهجية ومعرفية يكون العقل سنداً لها، فلا يسلم من أن تقع إليه بعض الجهالات والمزالق في ما هو مُقدم عليه. ومع العلم أنه ما كان ليقبل مثل هذا الخطاب النقدي من لدن سدنة المعنى وحفّاظه، فكل محاولة للتجديد والنقد، هي محاولة لإخراج النصّ من سياج الوثوقية، نحو أفق جديد للتلقي.

ومع ما يمدّنا به الدرسُ في مجال العلوم الإنسانية، وما يُمدّنا به، أيضاً، تقدّمها المنهجي، فإن المعنى الذي به نسعى إلى إقامة الفصل بين الذات والموضوع، هو الذي طغى على أصول المعرفة في هذا الحقل، حتّى ما عاد الحديث عن الحقيقة والموضوعية إلا بتلمّس هذه الشرعة، وقد بلغ نقدُ الخطاب الديني مداهُ بتوسل تلك المناهج في تحليل الظواهر الدينية، وتحليل مدى تأثيرها على الإنسان. والنصّ المقدس في ذلك الكّل ليس استثناءً، بل على النقيض من ذلك، فأمره غاية الاعتبار لدى المشتغلين والدارسين ضمن المجال الواسع لحقول العلوم الإنسانية المختلفة نفسيةً كانت أم اجتماعية، اقتصادية كانت أم سياسية. ينفل القول في هذا المعرض، بأن النصّ القرآني نفسه، قد تُنُووِلَ بالطّريقة عينها مع جملة من المفكرين المعاصرين، سعت مشاريعهم إلى تجديد فهم النصّ وتوسيع مجال إدراكه، بل وتحرير القارئ من السياج الذي أقيم حول هذا النصّ عبر تاريخ تشكل المعنى؛ فما قدّمه محمـد أحمد خلف الله حول القَصَص القرآني ومجازيته، في أواسط القرن العشرين لم يكن ليقبل بصدر رحب لدى تيار المحافظين، وهو الذي استفاد من درس العلوم الاجتماعية. ونفس الأمر كذلك بالنسبة إلى نصر حامد أبو زيد في عمله التأويلي على النص القرآني، ومحمـد أركون في قراءاته للقرآن في ضوء العلوم الإنسانية أيضاً.

 

[1] – يحيل الوصف في هذا المقام إلى العمل الذي ينجزه الباحثُ ضمن ميدان الأركيولوجيا، وفي إشارة إلى ما قدّمه ميشيل فوكو في هذا الصدد. أنظر:

– Michel Foucault, L’archéologie du savoir, Editons Galimard, 1969.

[2] – أنظر: ابن أبي داود السّجستاني، كتاب المصاحف، تحقيق: محمد بن عبده، (الفاروق الحديثة، القاهرة، 2002).

[3] – أنظر: أبو عمرو الدّاني، المقْنِعُ في معرفة مرسوم مصاحف أهل الأمصار، دراسة وتحقيق: نورة بنت حسن بن فهد الحميد (دار التدمرية، الرياض، 2010)، ص142.

[4] – أنظر: سيد قطب، التّصوير الفني في القرآن، (دار الثقافة، بيروت، 1983). يحاولُ سيد قطب من خلال مؤلّفه حول “التصوير الفني في القرآن” العمل وفق منظور مفاهيمي مغاير للمنظور الكلاسيكي، وإقحام أدواتٍ تنتمي إلى حقول الأدب وعلم النفس، وغيرها من العلوم، إلا أنّه ينتهي في نهاية المطاف إلى نفس الخلاصات التي ينتهي إليها أصحاب الدراسات الكلاسيكية، وذلك ما يدعو إلى مراجعة المقدّمات التي يصدرُ عنها أصحابُ هذا الاتجاه في التّعامل مع القضايا القرآنية.

[5] – هانز جورج غادامير، الحقيقة والمنهج: الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة: حسن ناظم وعلي حاكم صالح، (طرابلس: دار أويا، 2007)، ص259.

[6] – المصدر نفسه، ص260.

[7] – المصدر نفسه، ص261.

[8]– يُدْرجُ هذا النوع ضمن ما اصطلح عليه المفسرون بالتفسير القرآني للقرآن. تَرِدُ عِبَارةُ: ”والقرآن يفسّر بعضهُ بعضاً” أو ”التّنْزِيلُ يُفَسّرُ بَعضه بعضا”، أو ”كلام الله يفسّر بعضه بعضاً”. داخل المنظومة التفسيرية الكلاسيكية والمعاصرة على حدٍّ سواء. (أنظر: الماوردي، النكت والعيون، ج5، ص123؛ الزّمخشري، الكشّاف عن حقائق غوامض التنزيل، ج2، ص430؛ أبو حيان الأندلسي، البحر المحيط في التفسير، ج2، ص363؛ جلال الدين السيوطي، الدّر المنثور في التفسير بالمأثور، ج7، ص221؛ القاسمي، محاسن التأويل، ج1، ص308). وذكرت على هذا الشاكلة في مواضع كثيرة عند المتقدمين والمتأخرين. وما يلاحظ في هذا الصدد أن هذه العبارة إنما سيقت في سبيل شرح آية التنزيل:﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ  ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ  وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾، [الزمر، 23].

[9]– عبد الإله بلقزيز، الدينيّ والدّنيويّ: نقد الوساطة والكَهْنَتَة؛ (بيروت: منتدى المعارف، 2018)، ط1، ص152.

[10]– جُمِعَ عنه في ما فسّر مؤلفان؛ الأول، “تفسير ابن عباس المسمى صحيفة علي بن أبي طلحة”، والثاني، “تنوير المقباس من تفسير ابن عباس”.

[11]– أثار هذه القضية في مستهل الأمر الجعد بن درهم “هو أوّل من قال بِخَلقِ القرآن (…) وأمّا الجعْد فإنه أقامَ بدمشق حتّى أظهر القولَ بخلق القرآن، فتطلّبَه بنو أميّة، فهرب منهم، فسكن الكوفة، فَلَقِيَهُ فيها الجهم بن صفوان، فتقلّد هذا القول عنه.” لقي جزاء رأيه عقاباً نكرا، في مشهدٍ= =يدمي القلب، قتله خالد بن عبد الله القسري يوم عيد الأضحى من سنة 124هـ.ابن كثير، البداية والنهاية؛ (قطر، 2015)، ص205.

[12]– عبد الإله بلقزيز، الدينيّ والدّنيويّ نقد الوساطة والكَهْنَتَة؛ (بيروت: منتدى المعارف، 2018)، ط1، ص

[13]– ينصّ بول ريكور في هذا السياق على ما يمكن الاصطلاح عليه بالحلقة التأويلية (Hermeneutical Circle) التي تقتضي وجود علاقة جدلية بين الفهم والإيمان، فلا فهم للنصّ يتمُّ من غير إيمان به، ولا إيمان يتمّ بغير فهم للنصّ. أنظر في هذا الصدد:

– Paul Ricoeur, Du texte à l’action Essais d’herméneutique, (Paris : Collection Esprit/ Seuil,1986), II.

[14]– أنظر: محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي؛ (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية)، ط1، ص 87.

[15]– عبد المجيد الشرفي، الفكر الإسلامي في الرد على النصّارى إلى نهاية القرن الرابع/العاشر؛ (تونس: الدار التونسية للنشر؛ الجزائر: المؤسسة الوطنية للكتاب، 1986)، صص 477-478.

[16]– عبد المجيد الشرفي، الإسلام بين الرسالة والتاريخ؛ (بيروت: دار الطليعة، ط 2، 2008)، ص17.

[17]– أبو نصر الفارابي، شرح فصوص الحكم؛ (استانبول، 1921)، Princeton University Library.

[18]–  [النحل/124]

[19]– محمد أركون، النص القرآني من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني؛ (بيروت، دار الطليعة)، ص9.

[20]– عبد المجيد الشرفي، تحديث الفكر الإسلامي؛ (بيروت: دار المدار الإسلامي)، ط2، 2009، ص16.

    اقرأ ايضا

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete